۱۳۹۶ سه شنبه ۴ مهر | اِثَّلاثا ٥ محرم ١٤٣٩
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
نهاية المطاف 

و حقق معاوية جميع ما يصبو إليه فى هذه الحياة و نال من دنياه كل ما اشتهى و أراد و لكن بقيت عنده فكرة واحدة تراوده في جميع أوقاته قد أقضت مضجعه، لو تمت لتم له كل شيء بحسابه و هي جعل الخلافة و الملك العضوض وراثة في أبنائه و ذريته، و قد بذل جميع جهوده و مساعيه في تحقيق ذلك، فأدنى الأباعد، و أنفق الأموال الطائلة، و سافر الى يثرب مع ما هو فيه من الشيخوخة و الضعف، فلم يظفر بذلك ما دام الإمام الحسن حيا، فعلم أنه لا يتمكن من انجاز مهمته إلا باغتيال شخصية الإمام التي ينتظر دورها العادل جميع المسلمين لينتشر العدل و يعم الخير و الرفاهية في جميع أنحاء البلاد.

 

و أخذ معاوية يفكر في ذلك فيطيل التفكير، و يقلب الرأي على وجوهه باي وسيلة يتوصل الى تحقيق أمنيته، فمثل أمامه قوله الذي ضربه مثلا للفتك و الغدر: «إن للّه جنودا من عسل»، و قد طبق ذلك فنجح به مع سعد بن أبي وقاص، و الزعيم مالك الأشتر، فانحصرت وسيلته بتطبيق ذلك فأرسل الى الإمام غير مرة سما مميتا حين ما كان فى دمشق فلم ينجح به، فراسل عاهل الروم يطلب منه أن يبعث إليه سما فاتكا سريع التأثير فامتنع من إجابته قائلا له: «انه لا يصلح لنا في ديننا أن نعين على قتال من لا يقاتلنا» ان ملك الروم لم يسمح له دينه أن يغتال بريئا، و لكن معاوية قد استباح ذلك و اعرب عن كفره، فراسله مرة ثانية يخبره بمشروعية هذا الأمر قائلا: «إن هذا الرجل ابن الذي خرج بأرض تهامة- يعني رسول اللّه- قد خرج يطلب ملك أبيه، و أنا أريد إليه السم، فاريح منه العباد و البلاد» لقد استحل اغتيال الإمام لأنه ابن رسول اللّه (ص) الذي حطم أوثان الجاهلية، و قضى على الشرك، و قد وجد ملك الروم عند ذلك

مجالا فبعث إليه سما مميتا ،

[إغراء معاوية لجعدة بسم الإمام] 

و لما وصل السم الى معاوية جعل يفكر فى إيصاله الى الإمام فاستعرض أقرباء الإمام و من يمت إليه فلم يجد أحدا يعينه على ارتكاب هذه الجريمة، فاستعرض ثانيا أزواج الإمام فوجد في جعدة بنت الأشعث طلبته فأبوها الذي أرغم أمير المؤمنين على قبول التحكيم و أفسد جيشه و لعله يجد فى ابنته تحقيق اربه و بلوغ أمنيته فأرسل إليها السم بتوسط الأثيم مروان بن الحكم و أمره أن يمينيها بزواج يزيد و أن يقدم لها مائة ألف درهم و حري بهذه الأثيمة أن تجيب نداء ابن هند فهي من اسرة انتهازية لها تأريخها الأسود فقد جبلت على الطمع و على الاستجابة لجميع الدوافع المادية، و قد قال الإمام الصادق (ع) فيها:

«ان الأشعث شرك فى دم أمير المؤمنين، و ابنته جعدة سمت الحسن، و ابنه شرك فى دم الحسين» . و يضاف لذلك أن جعدة كانت مصابة بالعقد النفسية لأنها لم ترزق من الامام ولدا، و كانت تعامل في بيتها معاملة عادية.

و لما وصل السم الى مروان حمله إليها فقدم لها الأموال و مناها بزواج يزيد ان أجابت طلبته، فأخذ الشيطان يوسوس لها فانخدعت و فرحت بالأموال و باقترانها بيزيد، فوافقت على ارتكاب الجريمة فأخذت منه السم

[كيفية سمه ع] 

و كان الامام صائما في وقت شديد الحر فأخرجت له افطاره و القت السم في لبن فتناول منه الامام جرعة فلما وصل الى جوفه تقطعت أمعاؤه، فقال (ع) لما أحس بألمه الشديد:

«إنا للّه و إنا إليه راجعون، الحمد للّه على لقاء محمد سيد المرسلين و أبي سيد الوصيين، و أمى سيدة نساء العالمين، و عمي جعفر الطيار، و حمزة سيد الشهداء.»

ثم التفت الى جعدة فقال لها:

«يا عدوة اللّه، قتلتيني قتلك اللّه، و اللّه لا تصيبين منى خلفا، و لقد غرك- يعني معاوية- و سخر منك يخزيك اللّه و يخزيه» .

لقد أخزاها اللّه فلقد أصبحت مضرب المثل للسوء و الخزي و الاثم و الخيانة فقد أصبحت عارا لذريتها و أبنائها من غير الامام فقد و صموا بابناء مسممة الأزواج و لقد سخر منها معاوية فلم يف لها بزواج يزيد حيث طلبت منه ذلك فقد ردها بسخرية و استهزاء قائلا:

«أنا نحب حياة يزيد، و لو لا ذلك لوفينا لك بتزويجه!!» .

و اتفق أكثر المؤرخين ان الامام مات مسموما و ان معاوية هو الذي دسّ إليه السم فقتله ، و ذهب فريق آخر أن يزيد هو الذي سم الإمام و لو سلمنا ذلك فانه إنما كان بأمر من أبيه إذ لا يعقل أن يرتكب مثل هذا الحادث الخطير من دون مراجعته و احراز موافقته، و من الغريب جدا ما ذهب إليه ابن خالدون حيث حاول تبرير ساحة معاوية و نفي الجريمة عنه، قال:

«و ما ينقل من أن معاوية قد دس السم الى الامام الحسن على يد زوجته جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة، و حاشا لمعاوية ذلك» .

و ابن خالدون مدفوع بدافع العصبية و هي داء خبيث قد القت الناس في شر عظيم و قد منى بها هذا المؤرخ، فهو لم يكتب فى أمثال هذه البحوث إلا ليرضي عصبيته و عاطفته و ميوله و إنا لنسأله ما الذي يمنع معاوية من ارتكاب هذه الجريمة في سبيل توطيد ملكه و سلطانه و قد ارتكب من أجل ذلك افحش الموبقات و اعظم الجرائم، فحارب الخليفة الشرعي أمير المؤمنين و ولده الحسن و قتل الصحابي حجر بن عدي و اصحابه المؤمنين، و سم مالك الأشتر، و سعد بن أبي وقاص و استلحق به زياد بن ابيه إلى غير ذلك من جرائمه التي لا تحصى و بعد هذا فما الذي يمنعه من اغتيال الامام و سمه و قد علم أن الأمر لا يتم لولده إلا بذلك،

أقوال غريبة:

و لا بأس بالاشارة الى بعض الاقوال الغريبة التي تضارع قول ابن خالدون في عدم الصحة و فى البعد عن الواقع و هي:

1- موته بالسل:

ذكر المستشرق (روايت م. رونلدس) ان الإمام الحسن (ع) مات بالسل عند ما بلغ من العمر خمسا و اربعين سنة ، و هذا القول من الغرابة بمكان و لم يذهب إليه أحد من المؤرخين فقد أجمعوا أنه مات مسموما و لم يصب بداء السل، و قد كتب هذا المستشرق جميع بحوثه على هذا الطراز في الخلو عن التحقيق و في الاعتماد على الافتراء و الكذب.

2- سمه في العصا:

ذكر الاستاذ حسين واعظ: «أن الإمام الحسن قد ترك المدينة الى الموصل في العراق بقصد الاستشفاء لأنه شعر بتأخر في صحته من بعد حوادث التسميم، إلا أن شخصا فقيرا أعمى قد جاء يطلب منه أن يتصدق عليه و كان (ع) جالسا على الأرض فرمى الأعمى عصاه على رجل الحسن ثم ضغطها على رجله، و كانت عصاه متسممة إلا أنه عولج على أيدي الأطباء هناك فبريء من ذلك» .

و هذا القول بعيد عن الصحة كل البعد إذ لم يصرح مؤرخ بما ذكره و هو افتراء محض لا نصيب له من الصحة.

3- سمه في الطواف:

ذكر المؤرخ الشهير أحمد بن سهل البلخي الشهير بالمقدسي: «أن الإمام كان يطوف فى البيت الحرام فطعنه شخص بظهر قدمه بزج مسموم فتوفى على أثر ذلك» .

و هذا القول من الغرابة بمكان قد انفرد به هذا المؤرخ و لعله أراد تنزيه معاوية و رفع المسئولية عنه بارتكابه هذه الجريمة، و لم نحسب أن مؤرخا قد ذهب الى ذلك.

4- موته حتف أنفه:

ذكر الدكتور حسن ابراهيم أن بعض المؤرخين ذهب الى أن الإمام مات حتف أنفه بعد رجوعه من العراق الى يثرب بأربعين يوما و هذا القول ظاهر الفساد فان الإمام (أولا) لم يمت حتف أنفه، و (ثانيا) انه قد مكث فى يثرب حفنة من السنين بعد وصوله إليها حتى وافاه الأجل المحتوم كما أجمع على ذلك المؤرخون.

و نعود بعد هذا الى تفصيل حالة الإمام فانه لما وصل السم الى جوفه أخذ يعاني آلام الموت فبقي في فراش المرض أربعين يوما ، و قيل:

شهرين و في كل يوم تزداد فعالية السم في جسمه حتى ذاب قلبه الشريف من الألم ذلك القلب الذي يضم الحب و العطف للناس جميعا، و دخل عليه عائدا شقيقه الحسين فلما رآه و هو خابئ اللون، معصوب الرأس، قد ذابت حشاه من السم التفت إليه و قد أذهله المصاب، و أفزعه الخطب قائلا:

«أخي من سقاك السم؟»

- و ما تريد منه؟

- أريد أن أقتله.

«إن يكن الذي أظنه فاللّه أشد بأسا و أشد تنكيلا، و إن لم يكن هو فما أحب أن يقتل بي بريء» .

و هكذا كان (ع) محتاطا في الدماء حريصا عليها، لا يحب أن يهراق في أمره ملأ محجمة دما، و جيء له بطبيب ففحصه فحصا دقيقا و بعد الامعان في التشخيص يئس منه فالتفت الى أهله قائلا لهم:

«ان السم قد قطع أمعاءه» .

فعند ذلك يئس الإمام من حياته

[وصيته لجنادة]

و دخل عليه عائدا الصحابي العظيم جنادة بن أبي أميّة فالتفت الى الإمام قائلا:

«عظني يا ابن رسول اللّه».

فاجاب (ع) طلبته و هو في أشد الأحوال حراجة، و أقساها ألما و محنة فاتحفه بهذه الكلمات الذهبية التي هي أغلى و أثمن من الجوهر و قد كشفت عن أسرار إمامته، قائلا:

«يا جنادة، استعد لسفرك، و حصل زادك قبل حلول أجلك، و اعلم أنك تطلب الدنيا و الموت يطلبك، و لا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه، و اعلم أنك لا تكسب من المال شيئا فوق قوتك إلا كنت فيه خازنا لغيرك، و اعلم أن الدنيا في حلالها حساب، و فى حرامها عقاب، و في الشبهات عتاب، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة خذ منها ما يكفيك فان كان حلالا كنت قد زهدت فيه، و إن كان حراما لم يكن فيه وزر فأخذت منه كما أخذت من الميتة، و إن كان العقاب فالعقاب يسير، و اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، و اعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، و إذا أردت عزا بلا عشيرة، و هيبة بلا سلطان، فاخرج من ذل معصية اللّه الى عز طاعة اللّه عز و جل، و إذا نازعتك الى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا صحبته زانك، و إذا أخذت منه صانك، و إذا أردت منه معونة أعانك و ان قلت صدق قولك، و ان صلت شدّ صولتك، و إن مددت يدك بفضل مدها، و إن بدت منك ثلمة سدها، و إن رأى منك حسنة عدها و إن سألته أعطاك، و إن سكت عنه ابتدأك، و إن نزلت بك إحدى الملمات واساك، من لا تأتيك منه البوائق، و لا تختلف عليك منه الطرائق و لا يخذلك عند الحقائق، و ان تنازعتما منقسما آثرك» .

لقد اعطى (ع) لجنادة بهذه الوصية الخالدة الدروس النافعة، و الحكم القيامة، و الآراء الصائبة التي استقاها من جده الرسول (ص) و من أبيه أمير المؤمنين، فقد أرشده الى أفضل المناهج التي تضمن له النجاح في آخرته و دنياه.

و دخل على الإمام عائدا عمير بن اسحاق فالتفت (ع) له قائلا.

«يا عمير سلني قبل أن لا تسلني!»

و ثقل على عمير أن يسأله و هو بهذه الحالة فقال له:

«لا و اللّه لا أسألك حتى يعافيك اللّه ثم أسألك» .

و التفت عليه السلام إلى أهل بيته معربا لهم عما يعانيه من ألم السم، «لقد القيت طائفة من كبدي، و اني سقيت السم مرارا، فلم اسقه مثل هذه المرة، لقد لفظت قطعة من كبدي ، فجعلت أقلبها بعود معي» .

و دخل عليه عائدا أخوه سيد الشهداء فلما نظر الى ما يعانيه من ألم السم غامت عيناه بالدموع، فنظر إليه الحسن فقال له:

- ما يبكيك يا أبا عبد اللّه؟

- أبكي لما صنع بك.

و استشف الإمام الحسن بما سيجري على أخيه من بعده فهان عليه ما هو فيه، و أرخى عينيه بالدموع و قال له بنبرات مرتعشة حزينة:

«إن الذي أوتي إلي سم اقتل به، و لكن لا يوم كيومك يا أبا عبد اللّه و قد ازدلف إليك ثلاثون ألفا، يدعون أنهم من أمّة جدنا محمد (ص) و ينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك، و سفك دمك، و انتهاك حرمتك، و سبي ذراريك و نسائك، و انتهاب ثقلك ..»

إن جميع ما واجهته العترة الطاهرة بعد وفاة النبي (ص) من الشجون و الخطوب لا يضارع كارثة أبي عبد اللّه (ع) فلا يوم كيومه فقد ذل فيه الإسلام، و انتهكت فيه كرامة المسلمين و حرمة النبي (ص) التي هي أولى بالرعاية و العطف من كل شيء، و يشتد الوجع به و يسعر عليه الألم فيجزع، فيلتفت إليه بعض عواده قائلا له:

«يا ابن رسول اللّه، لم هذا الجزع؟ أ ليس الجد رسول اللّه (ص) و الأب علي و الأم فاطمة، و أنت سيد شباب أهل الجنة؟!!»

فاجابه بصوت خافت:

«أبكي لخصلتين: هول المطلع، و فراق الأحبة» .

وصيته للحسين:

و لما ازداد ألمه و ثقل حاله علم أنه قد قرب دنوه من دار الآخرة، و بعده عن هذه الدنيا، فاستدعا أخاه سيد الشهداء فأوصاه بوصيته و عهد إليه بعهده، و قد روت الشيعة وصيته بلون لا يتفق مع ما روته أبناء السنة و الجماعة.

أما ما روته الشيعة فهذا نصه:

«هذا ما أوصى به الحسن بن علي الى أخيه الحسين، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا اللّه، وحده لا شريك له، و أنه يعبده حق عبادته، لا شريك له فى الملك، و لا ولي له من الذل، و أنه خلق كل شيء فقدره تقديرا، و أنه أولى من عبد، و أحق من حمد، من أطاعه رشد، و من عصاه غوى، و من تاب إليه اهتدى، فاني أوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي و ولدي و أهل بيتك، أن تصفح عن مسيئهم، و تقبل من محسنهم و تكون لهم خلفا و والدا، و أن تدفنني مع رسول اللّه (ص) فاني أحق به و ببيته، فان أبوا عليك فأنشدك اللّه و بالقرابة التي قرب اللّه منك، و الرحم الماسة من رسول اللّه (ص) أن لا يهراق من أمري محجمة من دم حتى تلقى رسول اللّه فتخصمهم و تخبره بما كان من أمر الناس إلينا» .

و قد اشتملت فقرات هذه الوصية على توحيد اللّه تعالى و تنزيهه عن المماثل، و نفي الشريك عنه، و قد أمر فيها أخاه بالصفح عمن أذنب من أهل بيته، و الإحسان لمن أساء منهم، و مواراة جثمانه بجوار جده، فهو أولى الناس به فان عارضه المناوئون لهم بذلك فلا يهريق من أجل ذلك محجمة دم، و قد عرف (ع) بالمحافظة على هذه الجهات، فقد أنفق جميع ما عنده في سبيل اللّه، و قابل جميع من أساء إليه بالصفح و الإحسان، و ترك الخلافة محافظة على دماء المسلمين.

و أما ما روته أبناء السنة و الجماعة فهذا نصه:

«يا أخي إن أباك لما قبض رسول اللّه (ص) استشرف لهذا الأمر و رجا أن يكون صاحبه فصرفه اللّه عنه و وليها أبو بكر، فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوف لها أيضا، فصرفت عنه الى عمر، فلما احتضر عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم، فلم يشك أنها لا تعدوه، فصرفت عنه الى عثمان، فلما هلك عثمان بويع ثم نوزع حتى جرد السيف و طلبها فما صفا له شيء منها، و إني و اللّه ما أرى أن يجمع اللّه فينا أهل البيت النبوة و الخلافة فلا أعرفن ما استخفك سفهاء أهل الكوفة فأخرجوك، إني و قد كنت طلبت الى عائشة إذا مت أن تأذن لي فأدفن في بيتها مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فقالت نعم. و إني لا أدري لعلها كان ذلك منها حياء فاذا أنا مت فأطلب ذلك منها فان طابت نفسها فادفني في بيتها، و ما أظن القوم إلا سيمنعونك إذا أردت ذلك، فان فعلوا فلا تراجعهم فى ذلك، و ادفني في بقيع الغرقد فان لي فيمن فيه أسوة» .

و قد اشتملت هذه الوصية على الحط من كرامة أمير المؤمنين (ع) و انتقاصه، و هذا لا يتفق مع سيرة الإمام الحسن بحال من الأحوال و لكن فى التأريخ صورا هزيلة أثبتت لأغراض غير خفية على النبيه.

وصيته لمحمد:

و مشى الموت الى الإمام عليه السلام فعلم انه على أبواب الآخرة، فأمر قنبرا أن يحضر أخاه محمد بن الحنفية، فمضى إليه مسرعا فلما رآه محمد ذعر فقال:

«هل حدث إلا خير؟»

فأجابه بصوت خافت: «أجب أبا محمد».

فذهل محمد و اندهش و خرج يعدو حتى انه لم يسو شسع نعله من كثرة ذهوله، فدخل على أخيه و هو مصفر الوجه قد مشت الرعدة بأوصاله فالتفت عليه السلام له:

«اجلس يا محمد، فليس يغيب مثلك عن سماع كلام تحيى به الأموات و تموت به الأحياء، كونوا أوعية العلم، و مصابيح الدجى، فان ضوء النهار بعضه أضوأ من بعض، أ ما علمت أن اللّه عز و جل جعل ولد ابراهيم أئمة، و فضل بعضهم على بعض، و آتى داود زبورا، و قد علمت بما استأثر اللّه به محمدا (ص) يا محمد بن علي إني لا أخاف عليك الحسد، و إنما وصف اللّه به الكافرين، فقال تعالى: «كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق» ، و لم يجعل اللّه للشيطان عليك سلطانا، يا محمد بن علي أ لا اخبرك بما سمعت من أبيك فيك؟»

- بلى.

- سمعت أباك يقول يوم البصرة: من أحب أن يبرني في الدنيا و الآخرة فليبر محمدا، يا محمد بن علي لو شئت أن أخبرك و أنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك، يا محمد بن علي أ ما علمت أن الحسين بن علي بعد وفاة نفسي، و مفارقة روحي جسدي إمام بعدي، و عند اللّه فى الكتاب الماضي وراثة النبي (ص) أصابها في وراثة أبيه و أمه، علم اللّه أنكم خير خلقه فاصطفى منكم محمدا، و اختار محمد عليا، و اختارني علي للإمامة و اخترت أنا الحسين.

فانبرى إليه محمد مظهرا له الطاعة و الانقياد قائلا:

«أنت إمامي، و أنت وسيلتي إلى محمد (ص)، و اللّه لوددت إن نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام، ألا و إن فى رأسي كلاما لا تنزفه الدلاء، و لا تغيره بعد الرياح، كالكتاب المعجم في الرق المنمنم، أهم بابدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل، و ما جاءت به الرسل و إنه لكلام يكل به لسان الناطق، و يد الكاتب، و لا يبلغ فضلك، و كذلك يجزي اللّه المحسنين، و لا حول و لا قوة إلا باللّه، إن الحسين أعلمنا علما و أثقلنا حلما، و أقربنا من رسول اللّه (ص) رحما، كان إماما فقيها قبل أن يخلق، و قرأ الوحي قبل أن ينطق، و لو علم اللّه أن أحدا خير منّا ما اصطفى محمدا منا، فلما اختار محمد عليا إماما، و اختارك علي بعده و اخترت الحسين بعدك سلمنا و رضينا بمن هو الرضا» .

و ذكر الدينوري: أن الإمام في ساعاته الأخيرة بعث خلف أخيه محمد و كان في ضيعة له، فلما مثل عنده فتح (ع) عينيه، و كان مغمى عليه، فالتفت الى أخيه الحسين أولا موصيا له بمحمد قائلا له:

«يا أخي، أوصيك بمحمد خيرا، فانه جلدة ما بين العينين».

ثم التفت إلى محمد:

«يا محمد، و أنا أوصيك بالحسين كانفه و وازره» .

الى الرفيق الاعلى:

و ثقل حال الإمام و اشتد به الوجع فأخذ يعاني آلام الاحتضار فعلم أنه لم يبق من حياته الغالية إلا بضع دقائق فالتفت إلى أهله قائلا:

«أخرجوني الى صحن الدار، أنظر في ملكوت السماء».

فحملوه الى صحن الدار فلما استقر به رفع رأسه الى السماء و أخذ يناجي ربه و يتضرع إليه قائلا:

«اللهم إني احتسب عندك نفسي فإنها أعز الأنفس عليّ لم أصب بمثلها، اللهم آنس صرعتي، و آنس في القبر وحدتي».

ثم حضر فى ذهنه غدر معاوية به، و نكثه للعهود، و اغتياله إياه فقال:

«لقد حاقت شربته، و اللّه ما و فى بما وعد، و لا صدق فيما قال» .

و أخذ يتلو آي الذكر الحكيم و يبتهل الى اللّه و يناجيه حتى فاضت نفسه الزكية الى جنة المأوى، و سمت الى الرفيق الأعلى، تلك النفس الكريمة التي لم يخلق لها نظير فيما مضى من سالف الزمن، و ما هو آت حلما و سخاء و علما و عطفا و حنانا و برا على الناس جميعا.

لقد مات حليم المسلمين، و سيد شباب أهل الجنة، و ريحانة الرسول و قرة عينه، فاظلمت الدنيا لفقده، و أشرقت الآخرة بقدومه .

و ارتفعت الصيحة من بيوت الهاشميين، و علا الصراخ و العويل من بيوت يثرب، و هرع أبو هريرة و هو باك العين، مذهول اللب الى مسجد رسول اللّه (ص) و هو ينادي بأعلى صوته:

«يا أيها الناس، مات اليوم حب رسول اللّه (ص) فابكوا» .

و صدعت كلماته القلوب، و تركت الأسى يحز في النفوس، و هرع من في يثرب نحو ثوى الإمام و هم ما بين واجم و صائح و مشدوه و نائح قد نخب الحزن قلوبهم على فقد الراحل العظيم الذي كان ملاذا لهم و ملجأ و مفزعا إن نزلت بهم كارثة أو حلت بهم مصيبة.

تجهيز الامام:

و أخذ سيد الشهداء في تجهيز أخيه و قد أعانه على ذلك عبد اللّه بن عباس، و عبد الرحمن بن جعفر، و علي بن عبد اللّه بن عباس، فغسله و كفنه و حنطه و هو يذرف من الدموع مهما ساعدته الجفون، و بعد الفراغ من تجهيزه أمر (ع) بحمل الجثمان المقدس الى مسجد الرسول لأجل الصلاة عليه .

مواكب التشييع:

كان تشييع الإمام تشييعا حافلا لم تشهد نظيره عاصمة الرسول، فقد بعث الهاشميون الى العوالي و القرى المحيطة بيثرب من يعلمهم بموت الإمام فنزحوا جميعا الى يثرب ليفوزوا بتشييع الجثمان العظيم و قد حدث ثعلبة ابن مالك عن كثرة المشيعين فقال:

«شهدت الحسن يوم مات، و دفن في البقيع، و لو طرحت فيه ابرة لما وقعت إلا على رأس انسان» ،

و قد بلغ من ضخامة التشييع أن البقيع ما كان يسع أحدا من كثرة الناس، و حق على المسلمين أن يخفوا لتشييع حفيد نبيهم الذي تكفل بصالحهم، و عال بضعيفهم و عاجزهم، و أوقف نفسه على البر و المعروف إليهم.

الصلاة على الجثمانه:

و حمل الجثمان المقدس من ثوي الإمام الى مسجد النبي (ص) على أطراف الأنامل قد حفت به الوجوه و الأشراف، فوضع في الجامع فتقدم الإمام الحسين (ع) فصلى عليه و قد ائتمت به بقية الصحابة و الناس على اختلاف طبقاتهم، و ذكر ابن أبي الحديد: ان الإمام الحسين (ع) أمر سعيد بن العاص بالصلاة عليه و قال له: لو لا انها سنة لما قدمتك و هذا القول بعيد نظرا لتوتر العلاقات بين الأمويين و الهاشميين فكيف يقدم الإمام الحسين عميدهم للصلاة عليه؟ و الصحيح ما روي أنه لم يحضر أحد من الأمويين فى موكب التشييع سوى سعيد بن العاص .

الفتنة الكبرى:

و اتجهت مواكب التشييع نحو المرقد النبوي ليجددوا بالجثمان الطاهر عهدا عند جده و يوارونه بجواره، و لما علم الأمويون ذلك تكتلوا و انضم بعضهم الى بعض فقد دفعتهم الأنانية و العداء للهاشميين الى إحداث المعارضة و الشغب في دفن الإمام بجوار جده ذلك لأنهم رأوا أن عميدهم عثمان قد دفن في حش كوكب مقبرة اليهود، و يدفن الحسن مع جده فيكون ذلك عارا عليهم و خزيا، و أخذوا يهتفون بلسان واحد:

«يا رب هيجاء، هي خير من دعة، أ يدفن عثمان بأقصى المدينة، و يدفن الحسن عند جده!!؟».

و انعطف مروان بن الحكم، و سعيد بن العاص نحو عائشة و هما يستفزانها و يستنجدان بها في مناصرتهم، و قد عرفا دخيلة نفسها و ما تكنه من الموجدة و الغيرة و الحسد لولد علي و فاطمة قائلين لها:

«يا أم المؤمنين، إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن مع رسول اللّه و اللّه لئن دفن الحسن بجوار جده ليذهبن فخر أبيك، و صاحبه عمر الى يوم القيامة».

و ألهبت هذه الكلمات نار الثورة في نفسها فاندفعت بغير اختيار لمناصرتهما كما اندفعت قبل ذلك لحرب أمير المؤمنين (ع) لا على أساس وثيق، بل للعاطفة و الميول التي طبعت المرأة نفسيا على الانقياد إليهما، و التفتت الى مروان قائلة:

«ما أصنع يا مروان؟»

- الحقي به، و امنعيه من أن يدفن معه.

فقامت مسرعة مدهوشة، فجيء لها ببغلة فامتطتها و أقبلت الى مواكب التشييع الحاشدة، و هي تصيح بلا اختيار قائلة:

«لا تدخلوا بيتي من لا أحب!! إن دفن الحسن في بيتي لتجز هذه- و أومأت الى ناصيتها-» .

و ما علمت عائشة أن كلامها سيؤدي الى إراقة الدماء، و الى تفريق صفوف المسلمين، و هي من دون شك لا يهمها ذلك، فقد أراقت يوم الجمل سيلا عارما من دمائهم استجابة لعواطفها المترعة بالحقد تجاه أمير المؤمنين.

و إنا لنتساءل- أولا-: من أين جاء لها البيت الذي دفن فيه رسول اللّه (ص)؟ أ لم يزعم أبوها أن رسول اللّه (ص) قال: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا، و لا فضة، و لا دارا و لا عقارا» فهل إن هذه الرواية اختصت بسيدة النساء فاطمة سلام اللّه عليها فمنعت من ارثها، و حرمت من حقها، و إذا كانت عامة فلما ذا لا تعمل بها أم المؤمنين؟

و لو سلمنا أنها ترث من البيت فما هو مقدار حصتها منه، لأنها لا تستحق إلا التسع من الثمن، و قد قيل:

لك التسع من الثمن

و بالكل تملكت

و بالاضافة لذلك فان الزوجة لا ترث من الأرض، و إنما ترث من العمارات، و سائر الأموال المنقولة.

و نتساءل- ثانيا-: لما ذا لا تحب ريحانة رسول اللّه (ص) و ثمرة فؤاده، و قد قال فيه: «اللهم إني أحبه، و أحب من يحبه» لقد جافت عائشة بذلك ما أثر عن رسول اللّه (ص) في سبطه و ريحانته .

نعم استجابت عائشة لرغبات الأمويبن، و انطلقت فى موكبهم فمنعت سبط النبي أن يدفن مع جده، و ما راعت حرمة العترة الطاهرة التي فرض اللّه مودتها فى كتابه الكريم، فإنا للّه و إنا إليه راجعون.

اجازة عائشة لدفن عبد الرحمن:

و نصّ المؤرخون أن عائشة سمحت بأن يدفن عبد الرحمن بن عوف فى حجرة النبي (ص) و هو من الغرابة بمكان، فهل ان عبد الرحمن أولى بالنبي (ص) من الإمام الحسن الذي هو سبطه و ريحانته، رحماك يا رب!! أي موقف هذا الذي وقفته عائشة، فإنها تسمح لابن عوف أن يوارى مع رسول اللّه، و يحضى بجواره، و تبعد عنه ريحانته، و فلذة كبده، فتحول بينه و بين أغلى أمانيه، و لم ترع عواطف النبي (ص) و شدة حبه له و تعلقه به،

و علق الاستاذ السيد سعيد الأفغاني على موقف عائشة فقال: و لعل آخر تعبير عن موقفها- يعنى عائشة- السلبى من علي، انقباضها عن ولديه الحسن و الحسين، فلقد كانت تحتجب منهما و هما لها من المحارم، انهما سبطا زوجها و لا تحل لهما، و لا يحلان لها، و من المعروف بداهة انه لا تحل امرأة الرجل لولده و لا لولد ولده و أولاد بناتهم، و هي تعرف ذلك حق المعرفة لكنها حجبتهما، و لم تكن تأذن لهما إلا من وراء حجاب مبالغة في مباعدتهما، و لقد علّق على هذا الحادث ابن عباس بقوله: ان دخولهما عليها لحل ثم كانت الأمنية الأخيرة للحسن بعد وفاة علي و تنازله لمعاوية عن الخلافة أن يدفن عند جده رسول اللّه (ص) و هي أمنية حق ما كان ينبغي أن يحرمها إذ كان أقرب الأحياء يومئذ من رسول اللّه (ص) و هو أمسهم به رحما بعد ابنته و أزواجه، و لكن للأهواء السياسية منحى لا يخضع لحق و لا منطق .

لقد ارتكبت عائشة في فعلها شططا، و أوضحت عما تكنه من العداء لأمير المؤمنين و لأولاده، و نحن لا نجد ما يبرر فعلها، و لما رأى محمد بن الحنفية موقفها المرير انبرى إليها و قد قد قلبه قائلا بنبرات تقطر غضبا:

«يا عائشة، يوما على جمل، و يوما على بغل، فما تملكين نفسك، و لا تملكين الأرض عداوة لبني هاشم».

فأثارت هذه الكلمات الغضب في نفسها فأرادت أن تفصل محمدا عن الفاطميين و تفرق بينهم و بينه قائلة له.

«هؤلاء بنو الفواطم لا يتكلمون».

و لم يخف على الحسين ما ارادته عائشة من التفرقة و صدع الشمل فاندفع إليها رادا عليها مقالها قائلا:

«و أنت تبعدين محمدا من الفواطم، فو اللّه لقد ولدته ثلاث من الفواطم، فاطمة بنت عمران بن عائد بن مخزوم، و فاطمة بنت أسد بن هاشم، و فاطمة بنت زائدة». فقالت عائشة و هي مغيظة حانقة:

«نحوا ابنكم و اذهبوا به فإنكم قوم خصمون» .

و انعطف نحو عائشة ابن أخيها القاسم بن محمد الطيب ابن الطيب فزجرها و ردعها عن موقفها قائلا:

«يا عمة، ما غسلنا رءوسنا من يوم الجمل الأحمر أ تريدين أن يقال يوم البغلة السهباء؟!!»

و أقبل إليها ابن عباس و هو لا يبصر طريقه من الغضب فسدد لها سهما من منطقه الفياض قائلا:

«وا سوأتاه، يوما على بغل، و يوما على جمل، تريدين أن تطفئي نور اللّه، و تقابلين أولياءه».

ثم التفت الى مروان فقال له:

«ارجع يا مروان من حيث جئت، فانا لا نريد دفن صاحبنا عند رسول اللّه، و لكن نريد أن نجدد به عهدا، ثم ندفنه عند جدته فاطمة بنت أسد عملا بوصيته، و لو أوصانا بدفنه عند جده لعلمت من هو أقصر باعا» .

و لما رأى ذلك أبو هريرة أخذ ينادي بأعلى صوته:

«أ رأيتم لو مات ابن لموسى بن عمران، أ ما كان يدفن مع أبيه؟ و إني سمعت رسول اللّه (ص) يقول: الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة.»

و لم يسجل التاريخ لأبي هريرة موقفا كريما سوى هذا الموقف، و قد اغتاظ مروان من مقالته و صاح به لقد ضاع حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله . و خرج أبان بن عثمان و هو رافع عقيرته قائلا:

«إن هذا لهو العجب يدفن ابن قاتل عثمان مع رسول اللّه و أبي بكر و عمر، و يدفن أمير المؤمنين الشهيد المظلوم ببقيع الغرقد» .

و لما رأى الهاشميون موقف بني أميّة و منعهم من دفن الإمام بجوار

جده عزموا على مناجزتهم، فانحاز كل منهما في جانب، و همّ بعضهم على بعضهم بالهجوم، فلما رأى الإمام الحسين (ع) ذلك بادر نحو الهاشميين فصاح بهم:

«اللّه اللّه يا بني هاشم، لا تضيعوا وصية أخي، و اعدلوا به الى البقيع، فانه أقسم عليّ إن أنا منعت من دفنه مع جده أن لا أخاصم فيه أحدا و أن أدفنه في البقيع مع أمّه».

ثم التفت الى الأمويين فقال لهم:

«و اللّه لو لا عهد الحسن إليّ أن لا أهريق في أمره محجمة من دم لعلمتم كيف تأخذ سيوف اللّه منكم مأخذها، و قد نقضتم العهد الذي بيننا و بينكم، و أبطلتم ما اشترطنا عليكم لأنفسنا» .

ثم أمر (ع) بحمل الجثمان المقدس الى البقيع، فحمل على الأنامل قد حفّ به الهاشميون و الطالبيون و هم يذرفون الدموع، و يصعدون من الحسرات ما يسعره الألم، قد أخذتهم المائقة، و أذاب الحزن قلوبهم على فقيدهم العظيم، و على ما ارتكبه الأمويون منهم.

و جيء بالجثمان الطاهر إلى البقيع فأودع في مقره الأخير بجوار جدته فاطمة بنت أسد لقد أودع في الثرى ريحانة الرسول و سبطه، فاقبر معه الحلم و الكرم و الفضل.

على حافة القبر:

و وقف سيد الشهداء على حافة القبر و هو شاخص العين لم يطرف له هدب، و لم يهدأ له قلب، و أخذ يؤبّن أخاه، و يصوغ من حزنه كلمات:

«رحمك اللّه أبا محمد، إن كنت لتباصر الحق مظانه، و تؤثر اللّه عند التداحض فى مواطن التقية بحسن الروية، و تستشف جليل معاظم الدنيا بعين لها حاقرة، و تفيض عليها يدا طاهرة الأطراف، نقية الأسرة، و تردع بادرة غرب أعدائك بأيسر المؤنة عليك، و لا غرو فأنت ابن سلالة النبوة، و رضيع لبان الحكمة، فالى روح و ريحان، و جنة و نعيم، أعظم اللّه لنا و لكم الأجر عليه، و وهب لنا و لكم حسن الأسى عنه» .

ثم جلس على القبر و أخذ يروي أديمه بماء عينيه، و ينشد:

أ أدهن رأسي أم تطيب محاسني

و خدك معفور و أنت سليب

أ أشرب ماء المزن من غير مائه

و قد ضمن الأحشاء منك لهيب

أو أستمتع الدنيا لشيء أحبه

الى كل ما أدنى إليك حبيب

سأبكيك ما ناحت حمامة أيكة

و ما اخضر في دوح الحجاز قضيب

غريب و أكناف الحجاز تحوطه

ألا كل من تحت التراب غريب

فلا يفرح الباقي ببعد الذي مضى

فكل فتى للموت فيه نصيب

و ليس حريبا من أصيب بماله

و لكن من وارى أخاه حريب

بكائي طويل و الدموع غزيرة

و أنت بعيد و المزار قريب

نسيبك من أمسى يناجيك طيفه

و ليس لمن تحت التراب نسيب

و أقبل أخوه، الثاكل الحزين محمد بن الحنفية فوقف على حافة القبر كأنه يعاني آلام الاحتضار قد استجاب لأحاسيس نفسه الولهى، و قلبه المتصدع الذي ليس فيه فراغ لغير الأسى و الحزن و هو يصوغ من حزنه كلمات قائلا:

«رحمك اللّه يا أبا محمد، فو اللّه لئن عزت حياتك لقد هدت وفاتك و لنعم الروح روح عمّر بدنك، و نعم البدن بدن تضمنه كفنك، و لنعم الكفن كفن تضمنه لحدك، و كيف لا تكون كذلك و أنت سليل الهدى، و حليف أهل التقى، و خامس أصحاب الكساء، وجدك المصطفى، و أبوك المرتضى، و أمّك فاطمة الزهراء، و عمك جعفر الطيار في جنة المأوى، غذتك أكف الحق، و ربيت في حجر الإسلام، و أرضعتك ثدى الإيمان فطبت حيا و ميتا، و إن كانت أنفسنا غير قالية لحياتك، و لا شاكة في الخيار لك، و إنك و أخاك لسيدا شباب أهل الجنة، فعليك أبا محمد منا السلام» .

و بعد الفراغ من دفن الإمام و تأبينه أقبلت الجماهير ترفع للإمام الحسين التعازي الحارة و تواسيه بمصابه الأليم و هو (ع) واقف يشكرهم على مواساتهم و تعازيهم.

صدى الفاجعة:

و ما أذيع النبأ المؤلم فى العالم الإسلامى إلا و اهتز من أقصاه الى أدناه حزنا و وجدا، فلقد مات سيد المسلمين و إمامهم، و الملجأ الوحيد لهم، و قد أدخل موته ذلا على عموم العرب و المسلمين و علينا أن ننظر الى العواصم الإسلامية التي غمرها الحزن و هي:

1- يثرب:

أما يثرب عاصمة الإسلام فقد لبست الحزن و الحداد على الفقيد الراحل فعطلت أسواقها و مكاسبها ، و بكاه الرجال و النساء سبعة أيام و استمرت نساء بنى هاشم فى النياحة عليه شهرا، و أظهرن الحداد، و لبسن السواد سنة كاملة .

2- مكة:

و عم الحزن و الأسى أهل مكة، فانه لما انتهى إليهم النبأ المريع أغلقوا حوانيتهم، و عطلوا مكاسبهم، و استمروا بالنياحة، يبكون رجالا و نساء سبعة أيام .

3- البصرة:

و حمل النبأ المؤلم الى البصرة عبد اللّه بن سلمة، فأخبر به حاكمها زياد بن أبيه، و فهم بذلك الحكم بن أبي العاص الثقفي فخرج الى الناس فنعى إليهم الإمام، فلما سمعوا بذلك، علا منهم البكاء و الضجيج، و سمع أبو بكرة أخو زياد الصراخ و العويل و كان سقيما، فقال لزوجه ميسة بنت سخام:

«ما هذا؟»

- مات الحسن بن علي، و الحمد للّه الذي أراح الناس منه.

فقال لها بصوت خافت:

«اسكتي ويحك، فقد أراحه اللّه من شر كثير، و فقد الناس بموته خيرا كثيرا، يرحم اللّه حسنا» .

و رثاه شاعر البصرة الجارود بن أبي سبرة فقال:

إذا كان شر سار يوما و ليلة

و إن كان خيرا خرد السير أربعا

إذا ما يريد الشر أقبل نحونا

باحدى الدواهي الربدسار و أسرعا

4- الكوفة:

و حينما أذيع النبأ المؤلم في الكوفة تصدعت القلوب و ارجفت من هوله النفوس، و أخذ الكوفيون بالبكاء و النحيب، و هم يعددون مزايا الإمام و يذكرون خطأهم و تقصيرهم تجاهه، و قد رثاه شاعرهم الموهوب سليمان ابن قتة بقوله:

يا كذب اللّه من نعى حسنا

ليس لتكذيب نعيه ثمن

كنت خليلي و كنت خالصتي

لكل حي من أهله سكن

أجول في الدار لا أراك و في

الدار أناس جوارهم غبن

بدلتهم منك ليت انهم

أضحوا و بيني و بينهم عدن

و رثاه شاعر الكوفة الكبير قيس بن عمر الشهير بالنجاشي بأبيات ذكر فيها جريمة بنت الأشعث و ذكر فضل الإمام وجوده و سخاءه:

جعدة ابكيه و لا تسأمي

بعد بكاء المعول الثاكل

لم يسبل الستر على مثله

في الأرض من حاف و من ناعل

كان إذا شبت له ناره

يرفعها بالسند الغاتل

كيما يراهما يائس مرمل

و فرد قوم ليس بالآهل

يغلى بنيء اللحم حتى إذا

أنضجه لم يغل من آكل

أعنى الذي أسلمنا هلكه

للزمن المستحرج الماحل

و اجتمع زعماء الشيعة و شخصياتهم فى ثوي سليمان بن صرد الخزاعي فرفعوا الى الإمام الحسين رسالة يعزونه بمصابه المؤلم و يعربون له الولاء و الإخلاص و الطاعة لأمره و هذا نصها:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم: للحسين بن علي، من شيعته و شيعة أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، سلام عليك، فانا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو.

أما بعد: فقد بلغنا وفاة الحسن بن علي، فسلام عليه يوم ولد، و يوم يموت، و يوم يبعث حيا، غفر اللّه ذنبه، و تقبل حسناته، و ألحقه بنبيه (ص)، و ضاعف لك الأجر فى المصاب به، و جبّر بك المصيبة من بعده فعند اللّه تحتسبه، و إنا للّه و إنا إليه راجعون، ما أعظم ما أصيبت به هذه الأمّة عامة، و أنت و هذه الشيعة خاصة، بهلاك ابن الوصي و ابن بنت النبي، علم الهدى، و نور البلاد المرجو لإقامة الدين، و إعادة سيرة الصالحين، فاصبر رحمك اللّه على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، فان فيك خلفا ممن كان قبلك، و إن اللّه يؤتى رشده من يهتدي بهديك، و نحن شيعتك المصابة بمصيبتك المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك، السائرة بسيرتك، المنتظرة لأمرك، شرح اللّه صدرك، و رفع ذكرك، و أعظم أجرك، و غفر ذنبك، و رد عليك حقك، و السلام» .

سرور معاوية:

كان معاوية يتشوف بفارغ الصبر أنباء يثرب، و يترقب البريد ساعة فساعة، قد ألح على عامله أن يعرفه بأخبار الإمام في كل يوم، و لما انتهى إليه النبأ بموت الإمام لم يملك نفسه من السرور حتى خرّ ساجدا، و كبّر و كبّر من كان معه في الخضراء، و لما سمعت ذلك زوجه فاختة بنت قرضة خرجت من خوخة لها فرأت زوجها قد غمره الفرح و السرور فقالت له:

«سرك اللّه يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي بلغك فسررت به؟»

- موت الحسن.

فاستعبرت، و قالت: «إنا للّه و إنا راجعون». ثم بكت و قالت:

«مات سيد المسلمين، و ابن بنت رسول اللّه (ص)» .

و أخذ معاوية يتعجب من سرعة تأثير السم الذي بعثه للإمام قائلا:

«يا عجبا من الحسن شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه!!».

و بلغ معاوية ما أراده الهاشميون من دفن الحسن في بيت النبي (ص) فقال: ما أنصفتنا بنو هاشم حين يزعمون أنهم يدفنون حسنا مع النبيّ و قد منعوا عثمان أن يدفن إلا في أقصى البقيع، إن يك ظنى بمروان صادقا لا يخلصون الى ذلك و جعل يقول: ويها مروان أنت لها ..»

و وفد عليه المقدام بن عدي بن كرب و كان من شيعة أمير المؤمنين فقال له معاوية مظهرا له الشماتة بموت الإمام:

«يا مقدام، أعلمت أن الحسن بن علي توفي؟»

فاسترجع المقدام، و استعبر، فالتفت إليه معاوية و السرور باد على وجهه، و ابتسامة ظاهرة على شفتيه قائلا له باستهزاء:

«أ ترى موت الحسن مصيبة؟!!»

- و لم لا أراها مصيبة؟ و قد وضعه رسول اللّه (ص) فى حجره و قال: هذا مني، و حسين من علي .

لقد فرح معاوية بموت الإمام، لأنه قد تمت بحسابه بوارق آماله و أحلامه و تحقق عنده جعل الملك العضوض وراثة في أبنائه و ذريته، و قد وصف لنا الفضل بن العباس مدى سرور معاوية و شماتته بموت الإمام بقوله:

أصبح اليوم ابن هند شامتا

ظاهر النخوة إذ مات الحسن

رحمة اللّه عليه إنه

طالما أشجى ابن هند و أرن

استراح اليوم منه بعده

إذ ثوى رهنا لأحداث الزمن

فارتع اليوم ابن هند آمنا

إنما يقمص بالعير السمن

لست بالبافى فلا تشمت به

كل حي بالمنايا مرتهن

يا ابن هند إن تذق كأس الردى

تك فى الدهر كشيء لم يكن

و ذكر المؤرخون أن ابن عباس دخل على معاوية فلما استقر به المجالس التفت إليه معاوية- و هو جذلان مسرور بموت الإمام- قائلا: «يا ابن عباس هلك الحسن!!!»

- نعم هلك، إنا للّه و إنا إليه راجعون- قال ذلك مكررا- و قد بلغني الذي أظهرت من الفرح و السرور لوفاته، أما و اللّه ما سدّ جسده حفرتك، و لا زاد نقصان أجله في عمرك، و لقد مات و هو خير منك، و لئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيرا منه جده رسول اللّه (ص) فجبر اللّه مصيبته، و خلف من بعده أحسن الخلف».

و شهق ابن عباس من الحزن ثم انفجر باكيا فبكى من حضر في بلاط معاوية، و تباكى معاوية رياء، فلم ير أكثر باك في ذلك اليوم، و التفت معاوية و الفرح و السرور باد على سحنات وجهه قائلا له: «يا ابن عباس إنه ترك بنين صغارا».

و لم يخف على ابن عباس ما فى كلام معاوية من الشماتة فقال له: كلنا كنا صغارا فكبرنا».

- كم أتى له من العمر؟

- أمر الحسن أعظم من أن يجهل أحد مولده. و سكت معاوية برهة ثم التفت إليه ليعرف مدى اتجاهه نحو الحسين قائلا: «يا ابن عباس، أصبحت سيد قومك!؟»

و عرف ابن عباس غايته فقال له: «أما ما أبقى اللّه أبا عبد اللّه الحسين فلا».

فأجابه معاوية على عادته من المراوغة: «للّه أبوك يا ابن عباس!! ما استنبأتك إلا وجدتك معدا!!»

و بهذا ينتهي بنا المطاف عن حياة الإمام أبي محمد، فسلام عليه يوم ولد، و يوم مات، و يوم يبعث حيا، فقد خسر المسلمون بفقده قيادته الروحية و الزمنية، و أسلمهم فقده للخطوب و النكبات، و جاهد الأمويون من بعده الى اذلال المسلمين، و الى ارغامهم على ما يكرهون.

و أعرض الى القراء ان هذا الكتاب انما هو خلاصة ما توصلت إليه من الدراسة لحياة الإمام الزكي أبي محمد، و عن تراثه و مثله، و عن عصره و خلافته، و ما أحاط به من الظروف العصيبة التي ألجأته الى الصلح، و لا أزعم أني قد وفقت الى الكمال فيه، فان الكمال للّه، و لكني لم أدع جاهدا في البحث و التنقيب، و فى عرض الأخبار و تحليلها، و مناقشة بعضها، و عسى أن أكون قد وفقت في جميع ذلك الى اعطاء صورة حية عن الإمام و عن العصر الذي عاش فيه، و قد توسعت كثيرا في عرض الأحداث التي رافقت الإمام، و فيما أحسب أن في عرض ذلك ضرورة ملحة يقتضيها البحث.

و إني أرى من الحق- و أنا في ختام البحث- أن أرفع أعمق الشكر الى حضرة المحسن النبيل الحاج محمد رشاد نجل الوجيه الحاج محمد جواد عجينة على تبرعه بطبع هذا الكتاب رغبة منه في خدمة أهل البيت (ع)، و في احياء مآثر هذا الإمام العظيم سائلا من اللّه أن يعوضه المزيد من الأجر و يحسن له الصنيع إنه تعالى ولي القصد و التوفيق.

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved