۱۳۹۶ سه شنبه ۴ مهر | اِثَّلاثا ٥ محرم ١٤٣٩
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
خرق معاوية شروط الصّلح 

[أهمية الشروط في الإسلام]  

 

و التزمت أغلب الأمم و الشعوب على اختلاف عناصرها و أديانها بالوفاء بالعهود، و تنفيذ الشروط، و عدم مجافاتها لما تلتزم به، و ذلك حرصا منها على الروابط الاجتماعية، و حفظا على النظام العام، و قد اهتم الإسلام بهذه الناحية اهتماما بالغا فأكد رعاية العهود، و ضرورة الوفاء بها قال تعالى: «وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا» و قال تعالى:

«وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثاقٌ» لقد دعا تعالى المسلمين- بهذه الآية- إلى أن يهبوا إلى نصرة إخوانهم في الدين و إلى الاشتراك معهم في عمليات الحروب إذا دعوهم إلى ذلك و قد استثنى تعالى المسلمين الذين بينهم و بين المشركين عهد و ميثاق فانه لا يجوز لهم خرق ذلك الميثاق، و ذلك لما للعهود من الأهمية عند اللّه، يقول الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم: «المؤمنون عند شروطهم، و قال (ص):

«المؤمن إذا وعد و فى» و يقول أمير المؤمنين (ع) في عهده لمالك الأشتر:

«و إن عقدت بينك و بين عدوك عقدة، أو ألبسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، و ارع ذمتك بالأمانة و اجعل نفسك جنة دون ما أعطيت.

فانه ليس من فرائض اللّه شيء الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم و تشتت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود.

و قد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استبلوا من عواقب الغدر. فلا تغدرن بذمتك، و لا تخيسن بعهدك، و لا تختلن عدوك فانه لا يجترئ على اللّه إلا جاهل شقي. و قد جعل اللّه عهده و ذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، و حريما يسكنون إلى منعته، و يستفيضون إلى جواره ..».

هذا هو موقف الإسلام تجاه المعاهدات و الشروط فقد الزم بوفائها و رعايتها، و حرم نكثها، و لنرجع بعد هذا إلى اتفاقية الصلح التي تمت بين الإمام و معاوية، لنرى مدى الالتزام بها من الجانبين، أما ما يخص الإمام الحسن (ع) من الشروط التي اشترطها معاوية عليه فانه لم يكن سوى شرط واحد و هو أن لا يخرج الإمام عليه، و قد و فى له بذلك، فقد خف إليه خلص شيعته بعد أن أعلن معاوية نقضه للشروط التي أعطاها للإمام، فعرضوا عليه أن يخرج على معاوية، و يناجزه فأبى (ع) أن ينقض ما أعطاه من العهد، و بعد خروجه من الكوفة و شخوصه إلى يثرب جاءه زعماء شيعته فطلبوا منه مناجزة معاوية، و ضمنوا له احتلال الكوفة و إخلائها من عامل معاوية، فامتنع (ع) من إجابتهم و أمرهم بالخلود الى الصبر- كما تقدم بيان ذلك-.

[خرق معاوية لاتفاقية الصلح]

و أما ما يخص معاوية فانه قد خان بعهده، و حنث بيمينه، و كذب بمواعيده، بالرغم من أنه الزم نفسه بالإيمان المغلظة و العهود المؤكدة على الوفاء بما أعطاه للإمام من شروط فقد جاء فى ختام المعاهدة بتوقيعه:

«و على معاوية بن أبي سفيان، عهد اللّه و ميثاقه، و ما أخذ اللّه على أحد من خلقه بالوفاء، و بما أعطى اللّه من نفسه.» فلم تمض أيام على امضاء المعاهدة حتى أعلن نقضها فقال أمام المسلمين: «الا ان كل شيء أعطيته للحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به!» يقول الحصين بن نمير:

«ما وفى معاوية للحسن بشيء مما أعطاه، قتل حجرا و أصحاب حجر، و بايع لابنه و سم الحسن.» .

إن جميع ما شملته بنود المعاهدة من شرط قد نقضها «كسرى العرب» فلم يف بشيء منها، و قد أسفر بذلك عن سياسته التي رفعت شعار الغدر و نكث الذمم و نقض العهود، و فيما بلي الشروط التي نقضها و لم يف بها.

1- سبه لأمير المؤمنين:

إذا مات الإنسان وجب أن تموت معه الحزازات، و تنطوي معه الأحقاد، و سائر المؤثرات، و قد جرت سيرة الناس على ذلك منذ فجر التأريخ، و لكن ابن هند قد جافى ذلك، فقد أخذ بعد إبرام الصلح يعلن سب أمير المؤمنين عليه السلام و يبالغ فى انتقاصه، لم يمنعه عنه أنه قد اشترط عليه تركه فى اتفاقية الصلح، و لم يمنعه عنه انتقال الإمام إلى جوار اللّه، و قد قيل:

و احترام الأموات حتم و إن كا

نوا بعادا فكيف بالقرباء

لقد اندفع معاوية بجميع طاقاته و قواه إلى النيل من الإمام و إلى الحط من شأنه، و قد سخّر جميع أجهزة دولته فى ذلك حتى جعل سب العترة الطاهرة سنة من سنن المسلمين يحتجون على تركها، و يتنادون عليها و يأثمون على عدم أدائها.

و مما لا شبهة فيه أن سب أمير المؤمنين (ع) إنما هو سب للنبي (ص) و انتقاص له فقد أثر عنه (ص) أنه قال: «من سب عليا فقد سبني، و من سبني فقد سب اللّه» و أثر عنه أنه قال: من آذى عليا فقد آذاني.» و قال (ص): «اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره و اخذل من خذله».

و تواترت الأخبار عنه (ص) في أن الإمام أخوه، و وصيه، و خليله و باب مدينة علمه، و لو لا جهاده و دفاعه عن دين اللّه لما قام الإسلام، و ما عبد اللّه عابد، و لا وحّده موحد، و قديما قيل:

أعلى المنابر تعلنون بسبه

و بسيفه نصبت لكم أعوادها

أما بواعث سبه، فان معاوية علم أنه لا يستقيم له الأمر إلا بانتقاص الإمام و النيل منه و قد صرح بذلك مروان بن الحكم فقال:

«لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك- أي بسب علي-».

و على أي حال فان معاوية حينما رجع إلى دمشق بعد الصلح أمر بجمع الناس فقام فيهم خطيبا فقال:

«أيها الناس، إن رسول اللّه (ص) قال لي: إنك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الأرض المقدسة فان فيها الأبدال، و قد اخترتكم فالعنوا أبا تراب ..». فأخذ الناس في لعنه و انتقاصه ثم اتخذ سبه سنة جارية في خطب الجمعة و الأعياد، فكان يخطب على الناس و يقول في آخر خطبته:

«اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك و صد عن سبيلك، فالعنه لعنا وبيلا و عذبه عذابا أليما» فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر ثم كتب إلى جميع عماله و ولاته بلعن أخي رسول اللّه و سيد هذه الأمة.

فانبرت الخطباء في كل كورة و على كل منبر يلعنونه و يبرءون منه

و سار عماله على ذلك، و من أبى منهم عزله، فقد عزل سعيد بن العاص عن إمارة يثرب لأنه امتنع من سب الإمام، و جعل في مكانه مروان بن الحكم، و قد بالغ هذا الوغد الخبيث في لعن الإمام و انتقاصه حتى امتنع الإمام الحسن (ع) من الحضور فى الجامع و كان المغيرة بن شعبة يبالغ فى كثرة السب حتى لم يحص أحد كثرة سبه له و كان زياد يحرض الناس على ذلك، و من أبى عرضه على السيف .

لقد بالغ الولاة في لعن الإمام حتى جعلوا سبه من أجزاء صلاة الجمعة و بلغ الحال أن بعضهم نسي اللعن في خطبة الجمعة فذكره و هو في السفر فقضاه، و بنوا مسجدا سموه «مسجد الذكر» و خطب هشام بن عبد الملك بعرفة فلم يتناول الإمام بسوء فانكر عليه عبد الملك بن الوليد قائلا:

«يا أمير المؤمنين، هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب»

فقال له هشام: «ليس لهذا جئنا» و لما ولي عبد الملك بن مروان جعل في طليعة مهامه سب أمير المؤمنين، و تعميم لعنه على جميع الحضر الإسلامية، و قد رمى بالفجور فى مجلسه، و كان خالد بن عبد اللّه القسرى و هو أحد ولاة الأمويين على مكة و العراق يجاهر في لعن أمير المؤمنين و الحسن و الحسين فكان ينزو على المنبر و يقول:

«اللهم العن علي بن ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم صهر رسول اللّه (ص) على ابنته، و أبا الحسن و الحسين».

ثم يلتفت إلى الناس و يقول لهم:

«هل كنيت؟» .

و ذكر الحافظ السيوطى أنه كان في أيام بني أمية أكثر من سبعين الف منبر يلعن عليها ابن أبي طالب (ع) و ذلك بما سنه لهم معاوية، و في ذلك يقول العلامة أحمد حفظي مصطفى الشافعي في أرجوزته:

و قد حكى الشيخ السيوطي أنه

قد كان فيما جعلوه سنة

سبعون الف منبر و عشرة

من فوقهن يلعنون حيدرة

و هذه في جنبها العظائم

تصغر بل توجه اللوائم

و لما رأى سواد الناس و الطبقة الواطئة في الشعب أن أحب شيء للسلطة الأموية و أقوى سبب للاتّصال بها سب أمير المؤمنين (ع) و انتقاصه أخذوا يتقربون إليها بذلك فقد أقبل بعض الأوغاد إلى الحجاج و هو رافع عقيرته قائلا:

«أيها الأمير، إن أهلي عقوني فسموني عليا، و إني فقير بائس و أنا إلى صلة الأمير محتاج».

فأنس الحجاج بذلك و تضاحك و قال له:

«للطف ما توصلت به فقد وليتك موضع كذ» .

لقد انتشر سب أمير المؤمنين و لعنه في جميع الأقطار الإسلامية سوى سجستان فانه لم يلعن على منابرها إلا مرة واحدة و لما أصر الأمويون على ذلك امتنعوا عليهم حتى أضطر الأمويون أخيرا إلى موافقتهم و بذلك فقد حاز أهل سجستان الشرف و المجد و سجلت لهم هذه المأثرة بمداد من الشرف و النور.

و ظل الأمويون مصرين على سب بطل الإسلام و حامى حوزته و قد بذلوا قصارى جهودهم فى نشر ذلك إلى أن جاء دور عمر بن عبد العزيز فمنع السب و كتب بالمنع إلى جميع عماله و ولاته، و أمر أن يجعل بدل اللعن فى خطبة الجمعة و الأعياد قوله تعالى: «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» .

و قيل بل جعل مكان ذلك قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» .

و قيل بل جعلهما معا و قد سجل بذلك مكرمة لا تنسى مدى الأجيال و الأحقاب، و قد مدحه شاعر العبقرية و النبوغ السيد الشريف الرضي رحمه اللّه على ذلك و شكر له هذه اليد البيضاء التي أسداها على عموم المسلمين فقال:

يا ابن عبد العزيز لو بكت الع

ين فتى من أمية لبكيتك

غير أني أقول إنك قد طب

ت و إن لم يطب و لم يزك بيتك

أنت نزهتنا عن السب و القذ

ف فلو أمكن الجزاء جزيتك

و لو اني رأيت قبرك لاستحيي

ت من أن أرى و ما حييتك

و قليل ان لو بزلت دماء ال

بدن ضربا على الذرى و سقيتك

دير سمعان فيك مأوى أبي حفص

فبودي لو أنني آويتك

دير سمعان لا أغبك غيث

خير ميت من آل مروان ميتك

لقد قدم له السيد الشريف آيات الشكر و الثناء بهذه الأبيات الرائعة و شكره على محوه لهذه البدعة التي أثبتت جاهلية معاوية، و مروقه من الدين

المنكرون ذلك:

و أثار سب الامام أمير المؤمنين سخط الأخيار و المتحرجين فى دينهم لأن الامام نفس النبي (ص) و أخوه و أبو سبطيه، و صاحب العناء فى الاسلام، و لأن سب المسلم من أفحش المحرمات، فقد أثر عن النبي أنه «سباب المسلم فسوق» ، و قال (ص): «لا يكون المؤمن لعانا» الى غير ذلك من الأحاديث التي وردت عنه (ص) فى تحريم سب المسلم و قذفه، فلذا اندفعوا الى اعلان سخطهم و الى الانكار عليه و على ولاته، و نسوق نص كلامهم في ذلك:

1- سعد بن أبي وقاص:

و عزّ على سعد أن يسمع سب أمير المؤمنين و هو يعير ذلك أذنا صماء من دون أن ينكر عليه، فقد ذكر المؤرخون ان معاوية بعد عام الصلح قصد بيت اللّه الحرام، و بعد فراغه من الطواف توجه الى دار الندوة فلما استقرّ به المجالس شرع فى سبّ أمير المؤمنين فغضب سعد و التفت الى معاوية قائلا:

«يا معاوية أجلستني على سريرك ثم شرعت فى سبّ عليّ، و اللّه لان يكون فيّ خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، و اللّه لأن أكون صهرا لرسول اللّه (ص) ولي من الولد ما لعلي أحب إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس و اللّه لأن يكون رسول اللّه (ص) قال لي ما قال له فيه يوم خيبر:

«لأعطين الراية غدا رجلا يحبه اللّه و رسوله، و يحب اللّه و رسوله ليس بفرّار، يفتح اللّه على يديه» أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، و اللّه لأن يكون رسول اللّه (ص) قال لي ما قال له فى غزوة تبوك: «أ لا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، و أيم اللّه ما دخلت لك دارا ما بقيت، ثم نهض و هو غضبان ثائر» .

2- السيدة أم سلمة:

و كانت السيدة أم سلمة عالمة بمنزلة أمير المؤمنين (ص) و لما له من المنزلة الكريمة عند رسول اللّه (ص) و لما رأت أن معاوية يسبه علانية و جهرا اندفعت الى انكار ذلك و قد رفعت الى معاوية مذكرة جاء فيها:

«إنكم تعلنون اللّه و رسوله على منابركم، و ذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب (ع) و من أحبه، و أنا أشهد أن اللّه أحبه و رسوله».

و لكن انكارها لم يجد شيئا فقد بقي معاوية مصرّا على غيه و إثمه .

3- عبد اللّه بن عباس:

و اجتاز حبر الأمّة عبد اللّه بن عباس على قوم يسبون أمير المؤمنين فقال لقائده: ادنني منهم فأدناه، فانبرى إليهم و قد قدّ قلبه قائلا لهم بنبرات تقطر غضبا و ألما:

- أيّكم الساب رسول اللّه؟

- نعوذ باللّه أن نسب رسول اللّه!!

- أيّكم الساب علي بن أبي طالب!

- أما هذه فنعم.

- أشهد لقد سمعت رسول اللّه (ص) يقول: «من سبني فقد سبّ اللّه و من سبّ علي بن أبي طالب فقد سبني».

فأطرقوا برءوسهم الى الأرض خجلا لا يطيقون جوابا ثم تركهم و انصرف و قد ترك الحزن يحز في نفوسهم و التفت الى قائده فقال له:

«كيف رأيتهم؟»

فأجابه و هو جذلان بما فعله بهؤلاء المجرمين قائلا:

نظروا إليك بأعين محمرة

نظر التيوس الى شفار الجازر

فأنس ابن عباس و قال له: زدني فداك أبي و أمي!؟

خزر العيون منكسي أذقانهم

نظر الذليل الى العزيز القاهر

- زدني فداك أبي و أمي!؟

- ما عندي مزيد، و لكن عندي:

أحياؤهم تجني على أمواتهم

و الميتون فضيحة للغابر

و جرت محاورة بين ابن عباس و بين معاوية، و هي تكشف عن الخطط الرهيبة التي سلكها معاوية في اخفاء مآثر الامام و فى حجب مناقبه و فضائله، نسوق نصها لما لها من الأهمية البالغة، فقد ذكر المؤرخون ان معاوية بعد عام الصلح حج بيت اللّه الحرام فاجتاز على جماعة من قريش فقاموا إليه سوى ابن عباس، فبادره معاوية قائلا:

- يا ابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلا لموجدة علي بقتالي إياكم يوم صفين؟ يا ابن عباس، إن ابن عمي عثمان قتل مظلوما.

- فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما، فسلم الأمر الى ولده، و هذا

ابنه- و أشار الى عبد اللّه بن عمر-.

- إن عمر قتله مشرك.

- فمن قتل عثمان؟

- قتله المسلمون.

- فذلك أدحض لحجتك، إن كان المسلمون قتلوه، و خذلوه فليس إلا بحق!!

- فانا كتبنا الى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي و أهل بيته، فكف لسانك يا ابن عباس.

- فتنهانا عن قراءة القرآن؟

- لا.

- فتنهانا عن تأويله؟

- نعم.

- فنقرأه، و لا نسأل عما عنى اللّه به؟

- نعم.

- فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟

- العمل به.

- فكيف نعمل به، حتى نعلم ما عنى اللّه بما أنزل علينا؟

- سل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت و أهل بيتك.

- إنما أنزل القرآن على أهل بيتي، فاسأل عنه آل أبي سفيان، و آل أبي معيط؟؟

- فاقرءوا القرآن، و لا ترووا شيئا مما أنزل اللّه فيكم، و مما قال رسول اللّه، و ارووا ما سوى ذلك.

- قال اللّه تعالى «يريدون أن يطفئوا نور اللّه بأفوافهم، و يأبى اللّه إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون».

- يا ابن عباس اكفني نفسك، و كفّ عني لسانك، و إن كنت فاعلا فليكن سرا، و لا تسمعه أحدا علانية.

و دلت هذه المحاورة على عمق الأساليب التي اعتمد عليها معاوية فى محاربة أهل البيت، و في ستر فضائلهم، و حجب المسلمين عنهم.

4- الأحنف بن قيس:

و دخل الأحنف بن قيس على معاوية فلما استقر به المجالس قام و غد أثيم من الشاميين خطيبا فافتتح خطابه بسب أمير المؤمنين و ثقل ذلك على الأحنف، فالتفت الى معاوية و قد اسودّ الفضاء فى وجهه مما داخله من الحزن قائلا:

«إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك فى لعن المرسلين لعنهم، فاتق اللّه يا معاوية، و دع عنك عليا فلقد لقى ربه، و أفرد بقبره، و خلي بعمله كان و اللّه مبرورا فى سبقه- أي الى الإسلام- طاهر الثوب، ميمون النقيبة، عظيم المصيبة».

فالتاع معاوية من هذا التقريع، و تألم من هذا الثناء العاطر على أمير المؤمنين أمام أهل الشام، فالتفت الى الأحنف قائلا:

«يا أحنف. لقد أغضيت العين على القذى و قلت ما ترى، أما و اللّه لتصعدن المنبر و تلعن عليا كرها أو طوعا».

فقال له الأحنف: إن تعفنى فهو خير لك، و إن تجبرني على ذلك فو اللّه لا تجري شفتاي به أبدا.

فلم يعتن معاوية بكلامه و قال له بشدة:

«قم فاصعد المنبر».

- أما و اللّه لأنصفنك فى القول و الفعل.

- و ما أنت قائل إن أنصفتني؟!

- أصعد المنبر فأحمد اللّه و أثني عليه، و أصلي على نبيه محمد (ص) ثم أقول أيها الناس، إن أمير المؤمنين معاوية أمر أن العن عليا، و إن عليا و معاوية اختلفا و اقتتلا فادعا كل واحد منهما أنه بغي عليه و على فئته، فاذا دعوت فأمنوا رحمكم اللّه، ثم أقول اللهم العن أنت و ملائكتك و أنبيائك و جميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، و العن الفئة الباغية، اللهم ألعنهم لعنا كثيرا، أمنوا رحمكم اللّه، يا معاوية لا ازيد على هذا و لا انقص حرفا، و لو كان فيه ذهاب روحي.

فراوغ معاوية و قال: «إذا نعفيك يا أبا بحر» .

5- كثير بن كثير:

و من جملة المنكرين لسب الإمام الشاعر العبقري كثير بن كثير السهمي فقد دفعته عقيدته الدينية و شعوره الحي الى شجب ذلك، و اعلان سخطه و قد نظم ذلك بأبيات تمثلت فيها الروعة و الرقة:

لعن اللّه من يسب عليا

و حسينا من سوقة و إمام

أ يسب المطهرون جدودا

و الكرام الأخوال و الأعمام

يأمن الطير و الحمام و لا

يأمن آل الرسول عند المقام

طبت بيتا و طاب أهلك أهلا

أهل بيت النبي و الإسلام

رحمة اللّه و السلام عليهم

كلما قام قائم بسلام

6- أنيس الأنصاري:

و لما أقام معاوية الخطباء يعلنون سب أمير المؤمنين (ع) و انتقاصه اندفع أنيس الأنصاري و هو من أطائب الصحابة، فأنكر على معاوية ذلك فقد خطب، و قال بعد حمد اللّه و الثناء عليه:

«إنكم قد أكثرتم اليوم في سب هذا الرجل- يعني عليا- و شتمه و إني أقسم باللّه إني سمعت رسول اللّه (ص) يقول: «إني لأشفع يوم القيامة لأكثر مما على الأرض من مدر و شجر»، و أقسم باللّه ما أحد أوصل لرحمه منه، أ فترون شفاعته تصل إليكم و تعجز عن أهل بيته» .

7- زيد بن أرقم:

و رأى الصحابي زيد بن أرقم المغيرة بن شعبة يعلن سب أمير المؤمنين فانبرى إليه منكرا سبه للإمام قائلا:

«يا مغيرة، أ لم تعلم أن رسول اللّه (ص) نهى عن سب الأموات؟

فلم تسب عليا و قد مات؟» .

8- أبو بكرة:

و خطب بسر بن أبي ارطاة الأثيم المجرم في البصرة فشتم أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر، ثم التفت الى الناس فقال لهم:

«ناشدت اللّه رجلا علم أني صادق إلا صدقني أو كاذب إلا كذبني».

فقال أبو بكرة:

«اللهم لا نعلمك إلا كاذبا!!».

فطاش عقل بسر و أمر بأبي بكرة فخنق ثم أنقذوه منه .

و على أي حال، فإن هؤلاء الناقمين على معاوية كانوا مدفوعين بدافع الحرص على كرامة الإسلام المتمثلة في الإمام أمير المؤمنين، فقد رأوا أن معاوية قد عمد الى إبادة مآثر الإمام، فاندفعوا الى الإنكار عليه.

لقد حاول معاوية و أتباعه القضاء على أمير المؤمنين، و تحطيم شخصيته الرفيعة، و لكن اللّه بارادته الأزلية قد حكم ببقاء الحق و خلوده. و بزوال الباطل و انعدامه، و إنه و إن انتصر على الحق زمانا، فان انتصاره لا بد أن يتلاشى كما يتلاشى الدخان في الفضاء، فها هو أمير المؤمنين قد استوعب ذكره جميع لغات الأرض، و عجت المحافل و النوادي بذكره و مدحه، و بالافتخار و الاعتزاز بشخصيته المقدسة، و ها هو قبره الشريف قد أصبح كعبة للوافدين و ملجأ للملهوفين، و ملاذا للمؤمنين، تؤمه الملايين من المسلمين كما تؤم بيت اللّه الحرام يتبركون بزيارته، و يتقربون الى اللّه بالوفادة عليه حقا هذا هو الظفر و الفتح، و العاقبة للمتقين.

و ها هو معاوية لا يذكر إلا مع الاحتقار و الاستخفاف و سوء المصير و وخز الضمير، و ها هو قبره المحطم في مزبلة من مزابل الشام قد استولى عليه الهوان، و خيّم عليه الذل، حقا هذه هي الميتة، و هذا هو الخزي و العار.

و قد وقف الشاعر الكبير محمد مجذوب السوري على قبر معاوية، فرأى قذارة ذلك القبر المهان، و رأى الذباب تعربد فيه، فاندفع الى نظم قصيدته العصماء و قد جاء فيها:

هذا ضريحك لو بصرت ببؤسه

لأسال مدمعك المصير الأسود

كتل من الترب المهين بخربة

سكر الذباب بها فراح يعربد

خفيت معالمها على زوارها

فكأنها في مجهل لا يقصد

و مشى بها ركب البلى فجدارها

عار يكاد من الضراعة يسجد

و القبة الشماء نكّص طرفها

فبكل جزء للفناء بها يد

تهمي السحائب من خلال شقوقها

و الريح في جنباتها تتردد

حتى المصلى مظلم فكأنه

مذ كان لم يجتز به متعبد

لقد مشى موكب الزمن، و إذا بالإمام أمير المؤمنين هو عملاق الإنسانية و رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض، و إذا بمعاوية قد عاد فى عرف المسلمين و غيرهم هو الباغي الأثيم الذي تلاحقه النقمة و الاحتقار.

2- خراج دارابجرد:

و من جملة الشروط التي اشترطها الإمام على معاوية أن يعطيه خراج دارابجرد ليرفه بذلك على الفقراء و المعوزين من شيعته، و لكن معاوية قد خاس بذلك و لم يف به كما صرح بذلك أبو الفداء. و ذكر الطبري ان أهل البصرة حالوا بين الإمام و بين خراج دارابجرد. و نص ابن الأثير ان منعهم كان بايعاز من معاوية، و الغرض منه لئلا تقوى شوكة الإمام و يعظم أمره.

3- شيعة أمير المؤمنين:

[اضطهاد الشيعة]

و من أهم الشروط التي اشترطها الإمام على خصمه الأمن العام لشيعته و شيعة أبيه و عدم التعرض لهم بسوء أو مكروه و لكن ابن أبي سفيان قد نقض عهده فلم يف للإمام بذلك، و جعل أهم أهدافه القضاء على هذه الطبقة المؤمنة التي آمنت بحق أهل البيت (ع)، لقد أسرف معاوية فى ارهابها و ارهاقها، فأذاق بعضها كأس الحمام، و أودع البعض الآخر فى ظلمات السجون، و قد وجد الشيعة من العناء و المحن و الخطوب ما تنوء بحمله الجبال، و ما نحسب أن أمّة من الأمم لاقت من الأذى و الاضطهاد كما لاقته شيعة أهل البيت، و كان أشدهم بلاء و أعظمهم محنة و شقاء أهل الكوفة، فقد استعمل عليهم معاوية زيادا بعد هلاك المغيرة، و كان بهم عالما، فأشاع فيهم القتل و الاعدام، فقتلهم تحت كل حجر و مدر، و قطع أيديهم و أرجلهم، و سمل عيونهم، و صلبهم على جذوع النخل، و شردهم و طردهم ، و رفع معاوية مذكرة الى جميع عماله و ولاته جاء فيها:

«انظروا الى من قامت عليه البينة أنه يحب عليا و أهل بيته فامحوه من الديوان و أسقطوا عطاءه و رزقه»، ثم شفع ذلك بنسخة أخرى جاء فيها: «و من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به و أهدموا داره».

و تحدث الامام الباقر (ع) عما جرى على أهل البيت و على شيعتهم من الاضطهاد و الأذى في زمن معاوية فقال: «و قتلت شيعتنا بكل بلدة و قطعت الأيدي و الأرجل على الظنة، و كان من يذكر بحبنا و الانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره» .

انه منذ ولي الأمر ابن هند انفتح باب الظلم و الجور على شيعة أمير المؤمنين (ع) فلقد جابهوا من المشكلات السياسية و المعضلات الاجتماعية و لاقوا من الهوان و العذاب و التنكيل الى حد لا سبيل الى تصويره في فضاعته و مرارته، فقد بلغ الحال أن حب أهل البيت (ع) أصبح عارا و منقصة أو ذنبا و خطيئة يقترفها الشخص، و حكم بعضهم أن مودة أهل البيت كفر و الحاد و مروق من الدين، و قد حكى لنا ذلك شاعر الإسلام و العقيدة الكميت بقوله:

يشيرون بالأيدي إلي و قولهم

ألا خاب هذا و المشيرون أخيب

فطائفة قد كفرتني بحبكم

و طائفة قالوا مسيء و مذنب

يعيبونني من خبهم و ضلالهم

على حبكم بل يسخرون و أعجب

و قالوا ترابي هواه و رأيه

بذلك أدعى فيهم و ألقب

و يقول أبو الأسود الدؤلي:

أحب محمدا حبا شديدا

و عباسا و حمزة و الوصيا

هوى أعطيته منذ استدارت

رحى الإسلام لم يعدل سويا

بنو عم النبي و أقربوه

أحب الناس كلهم إليّا

فان يك حبهم رشدا أصبه

و لست بمخطئ إن كان غيا

و يرد عبد اللّه بن كثير السهمي على من عابه على موالاة آل النبيّ صلى اللّه عليه و آله بقوله:

إن امرأ أمست معايبه

حب النبي لغير ذي ذنب

و بني أبي حسن و والدهم

من طاب فى الأرحام و الصلب

أ يعد ذنبا أن أحبهم!!

بل حبهم كفارة الذنب

و قد سار على منهاج معاوية فى ظلم الشيعة و احتقارهم خلفاؤه الأمويون و ملوك بني العباس من بعدهم، و لو أردنا أن نستعرض الى ما لاقوه من المحن و الخطوب السود لاحتجنا فى بيان ذلك الى مجلد ضخم.

و مهما يكن من شيء فان الشيعة لم يعتنوا بارهاب معاوية و تنكيله و تعذيبه لهم، فقد قدموا أنفسهم قرابين و ضحايا لفكرتهم الدينية المقدسة و ها نحن نقدم أسماء بعض الشهداء الذين قتلهم معاوية صبرا لا لذنب اقترفوه، سوى مودتهم لأهل البيت و هم:

حجر بن عدي:

و حجر بن عدي من أهم الشخصيات الإسلامية الرفيعة فقد كان في طليعة صحابة النبي (ص) في فضله و علمه و قداسته و زهده و عبادته، فقد بلغ من عظيم طاعته الى اللّه انه ما أحدث إلا توضأ و ما توضأ إلا صلى، و كان يصلي فى اليوم و الليلة الف ركعة، و كان مستجاب الدعوة فانه لما أخذ اسيرا الى معاوية اصابته جنابة في أثناء الطريق فقال للموكل به:

اعطني شرابي اتطهر به، فأجابه الموكل به: اخاف ان تموت عطشا إذا اعطيته لك فيقتلني معاوية، فشقّ على حجر أن يبقى جنبا، فدعا اللّه ان يمكنه من الماء، فاستجاب اللّه دعاءه، فبعث سحابة اسكبت ماء غزيرا، فأخذ منه ما احتاجه ، إن فضائل حجر و مآثره أكثر من أن تحصى و علينا ان نبحث عن سبب شهادته:

بقي حجر بعد صلح الإمام الحسن (ع) ينسج من حيوط محنته بلواه الخالدة فى التأريخ، و يضرب الرقم القياسي لنكران السياسة الأموية العمياء التي تهدد المجتمع الإسلامى بفقدان الحياة و التي تحيي العصبيات الجاهلية التي حطمها الإسلام، و تهدم الكفاءات و المواهب، و تحتكر الصلاحيات و تنتهب الأقوات، و تروع المجتمع بعد أمنه و تفرقه بعد اجتماعه، و تفقره بعد غناه، و تذله بعد عزه، و تستعبده بعد حريته، و تتجاهر بارتكاب الباطل و المنكر، و قد رأى حجر و اصحابه الصفوة المؤمنون أن السكوت و عدم النقد لهذه السياسة المجرمة ما هو إلا التمادي فى الباطل، و التعزيز للمنكر و الاستهانة بالحق، و على المسلم الذي فهم الإسلام حقا أن يسير على سنّة الرسول (ص) الداعية الى مناجزة الظالمين و المستبدين و أعداء الشعوب.

[سبب شهادته]

ان حجرا هو الذي فهم الإسلام حقا، و عرف اهدافه، و احاط بقيمه كان تلميذا فى مدرسة النبي (ص) و خريجا من مدرسة الإمام، فكيف لا ينكر باطل معاوية، و لا يقاوم ظلمه و ظلم ولاته و عماله، و لا يحارب بدعهم و أهواءهم.

لقد رأى حجر المغيرة قد نزى على المنبر بجامع الكوفة و تعرض فى أثناء خطابه الى سب أمير المؤمنين (ع) فلم يسعه السكوت فانبرى إليه منكرا عليه قائلا: «كونوا قوامين بالقسط شهداء للّه، و أنا أشهد أن من تذمون و تعيرون لأحق بالفضل، و من تزكون اولى بالذم ...»

و وثب قوم من أصحاب حجر فقالوا بمثل مقالته فالتفت المغيرة الى حجر قائلا: «يا حجر لقد رمى بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك يا حجر اتّق غضب السلطان اتّق غضبه و سطوته، فإن غضبة السلطان مما تهلك أمثالك كثيرا ..»

و لم يزل حجر متحمسا على نكران السياسة الأموية، حتى أشار على المغيرة جمع من المرتزقين و المتزلفين الى السلطة بقتل حجر، فامتنع من اجابتهم و قال:

«لا أحب أن يبتدأ أهل هذا المصر بقتل خيارهم، و سفك دمائهم فيسعدوا بذلك، و أشقى، و يعز في الدنيا معاوية، و يذل يوم القيامة المغيرة».

و لم تزل بطانة المغيرة تلح عليه في أمر حجر، فأجابهم جواب المنافق الخبير:

«إني قد قتلته».

«كيف ذاك؟ ..»

«إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة ..»

و هلك المغيرة، و ولي الكوفة من بعده زياد بن سمية فجعل حجر

ينكر عليه خططه الملتوية، و يشدد النقمة على سياسته الإرهابية، فقد نزى زياد على المنبر يوم الجمعة فأطال في خطابه حتى ضاق وقت الصلاة

فانبرى إليه حجر منكرا عليه تأخير الفريضة قائلا:

«الصلاة».

فلم يعتن ابن سمية بمقالة حجر و لم يعر للصلاة أي اهتمام ثم مضى في خطبته، فانبرى إليه حجر ثانيا رافعا صوته «الصلاة» و لم يقم زياد وزنا لإنكار حجر، فاسترسل في خطابه فخشى حجر فوت الصلاة، فضرب بيده الى كف من الحصا، و ثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل عن المنبر و صلى بالناس، و قد انتفخت أوداجه غيظا و غضبا من حجر، و عزم على التنكيل به، و قد اعرب عن عزمه السيئ فى خطابه الذي ألقاه فى الجامع قائلا فيه:

«ما انا بشيء إن لم أمنع ساحة الكوفة من حجر و أدعه نكالا لمن بعده، ويل أمّك يا حجر «سقط العشاء بك على سرحان» ثم تمثل بقول الشاعر:

ابلغ نصيحة أن راعي ابلها

سقط العشاء به على سرحان

و أرسل زياد الى جماعة من وجوه الكوفة و أشرافها فأمرهم أن يردوا حجرا عن خطته، فامتنع عليهم حجر، و أخيرا أمر الشرطة أن يأتوه به فانطلقت الشرطة للقبض عليه، فحدثت بينهم و بين أصحابه مناوشات، و أخيرا لم تستطع القبض عليه، فقد التفت حوله جموع من المؤمنين تمنعه و تمنع أصحابه من تسليمهم الى زياد، و كان قيس بن فهدان الكندي يلهب نار الحماس و الثورة فى نفوس الكوفيين فكان يقوم خطيبا فى المحافل و النوادي فيمجد حجرا و أصحابه و يدعو المسلمين الى حمايته و نصرته و كان يرتجز و يقول:

يا قوم حجر دافعوا و صاولوا

و عن أخيكم ساعة فقاتلوا

لا يلقين منكم لحجر خاذل

أ ليس فيكم رامح و نابل

و فارس مستلئم و راجل

و ضارب بالسيف لا يزايل

و تحصن حجر و أصحابه فلم يتمكن عليهم زياد فخاف منهم فجمع الزعماء و أبناء البيوت الذين تستعين بهم السلطة على تحقيق أهدافها فقال لهم:

«يا أهل الكوفة، أ تشجون بيد، و تأسون بأخرى، أبدانكم معي و أهواءكم مع حجر الهجهاجة، الأحمق المذبوب، انتم معي و إخوانكم و أبناؤكم و عشائركم مع حجر، هذا و اللّه من دحسكم و غشكم و اللّه لتظهرن لي براءتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم و صعركم» .

فانبروا إليه يظاهرون له الطاعة و الولاء قائلين: «معاذ اللّه سبحانه أن يكون لنا فيما هاهنا رأى إلا طاعتك و طاعة أمير المؤمنين- يعني معاوية- و كل ما ظننا أن فيه رضاك و ما يستبين به طاعتنا و خلافنا لحجر فمرنا به».

فقال لهم: «فليقم كل امرئ منكم الى هذه الجماعة حول حجر فليدع كل رجل منكم اخاه و ابنه و ذا قرابته و من يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن تقيموه ...»

و قام هؤلاء الأجلاف بافساد أمر حجر و خذلان الناس عنه و أمر زياد مدير شرطته العام شداد بن الهيثم الهلالي بالقبض على حجر و أصحابه ثم عرف أن مدير شرطته لا يتمكن عليه فاستدعا محمد بن الأشعث الكندي فقال له:

«يا أبا ميثاء أما و اللّه لتأتيني بحجر، أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها و لا دارا إلا هدمتها ثم لا تسلم حتى أقطعك إربا إربا».

«أمهلني ثلاثا حتى أطلبه».

«أمهلتك فان جئت به و إلا عد نفسك من الهلكى».

و قام ابن الأشعث مع مدير الشرطة فتتبعوا حجرا و اصحابه و بعد مصادمات عنيفة جرت بين الفريقين استطاعت جلاوزة زياد القبض على حجر و اصحابه فجيء بهم إليه فأمر بايداعهم فى السجن.

و طلب زياد من اهل الكوفة ان يشهدوا على حجر و اصحابه، فشهد قوم بأنهم تولوا عليا، و عابوا عثمان، و نالوا من معاوية، فلم يرض زياد بهذه الشهادة و قال: إنها غير قاطعة، فانبرى ابو بردة بن ابي موسى الأشعري الوغد فكتب شهادة هذا نصها:

«هذا ما شهد عليه ابو بردة بن أبي موسى الأشعري للّه رب العالمين اشهد ان حجر بن عدي خلع الطاعة، و فارق الجماعة، و لعن الخليفة، و دعا الى الحرب، و جمع إليه الجموع يدعوهم الى نكث البيعة و كفر باللّه عز و جل كفرة صلعاء».

فرضى زياد بهذا و طلب الى الناس ان يمضوا هذه الشهادة فأمضاها خلق كثير حتى بلغ الشهود سبعين رجلا فيما قال المؤرخون: و رفع الوثيقة الى معاوية، فأمره بأن يحمله إليه و يشده موثوقا بالحديد، و امر زياد باخراج حجر و اصحابه ليلا الى دمشق، فاخرجوا، و وقعت النياحة، و علا الصراخ المؤلم في دار حجر، و صعدت ابنته و لا عقب له غيرها فوق سطح الدار تلقي على القافلة- التي تسير الى الموت- نظرة الوداع و هي تبكي أمر

البكاء و اشجاه، و اخذت تناجي القمر و تبثّه احزانها و لوعتها و تصوغ من محنتها و بلواها و مصابها ابياتا يلمس فيها ذوب قلبها:

ترفع أيها القمر المنير

لعلك أن ترى حجرا يسير

يسير الى معاوية بن حرب

ليقتله كذا زعم الأمير

و يصلبه على بابي دمشق

و تأكل من محاسنه الطيور

تجبرت الجبابر بعد حجر

و طاب لها الخورنق و السدير

الا يا حجر حجر بني عدي

تلقتك السلامة و السرور

اخاف عليك ما اردى عليا

و شيخا فى دمشق له زئير

الا يا ليت حجرا مات موتا

و لم ينحر كما نحر البعير

فان تهلك فكل عميد قوم

الى هلك من الدنيا يصير

و انتهت القافلة الى مرج عذراء فلما عرف حجر انه بهذه القرية قال:

«و اللّه اني لأول مسلم نبحته كلابها، و اول مسلم كبر بواديها» ، و تقدم البريد بأخبارهم الى معاوية، فأنس و ارتاح بذلك، فأرسل إليهم رجلا اعور فأمره باعدامهم إن لم يتبرّءوا من أمير المؤمنين و يسبوه، فلما قدم عليهم رآه بعضهم فقال متنبئا:

«ان صدق الزجر فانه سيقتل منا النصف و ينجو الباقون».

«و كيف ذاك!!؟»

«أ ما ترون الرجل المقبل مصابا بإحدى عينيه؟»

و قدم عليهم الجلاد فالتفت الى حجر قائلا:

«إن أمير المؤمنين أمرني بقتلك يا رأس الضلال، و معدن الكفر و الطغيان، و المتولي لأبي تراب، و قتل أصحابك إلا ان ترجعوا عن كفركم و تلعنوا صاحبكم و تتبرءوا منه».

فانبرى إليه حجر مع الزمرة الصالحة التي آمنت بايمانه و هم يضربون أمثلة للعقيدة و للفداء في سبيل اللّه قائلين بلسان واحد:

«إن الصبر على حدّ السيف لأيسر علينا مما تدعونا إليه ثم القدوم على اللّه و على نبيه و على وصيه احب إلينا من دخول النار».

و رجع نصف من اصحاب حجر عن عقيدتهم و النصف الآخر بقوا على عقيدتهم و ولائهم لأمير المؤمنين (ع)، و صدق زجر من قال منهم انه يقتل منهم النصف، ثم حفرت قبورهم و قام الجلادون لتنفيذ حكم الاعدام فيهم فطلب منهم حجر حاجة- قبل تنفيذ اعدامه- غالية عنده رخيصة عند القوم قائلا:

«اتركوني أتوضأ واصلي، فأني ما توضأت إلا صليت».

فسمحوا له بذلك فصلى حجر و أطال في صلاته و بعد الفراغ منها التفت الى القوم قائلا:

«و اللّه ما صليت صلاة أخف منها و لو لا أن تظنوا فيّ جزعا من الموت لاسكثرت منها».

و أخذ يناجي ربه و يبثه شكواه و احزانه من هذه الأمّة التي اسلمته الى عدوه الماكر قائلا:

«اللهم إنا نستعديك على امتنا فان اهل الكوفة شهدوا علينا و ان اهل الشام يقتلوننا، أما و اللّه لئن قتلتموني بها فاني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها و اول رجل من المسلمين نبحته كلابها».

و انطلق إليه الخبيث الأعور هدبة بن فياض القضاعي شاهرا سيفه فلما رآه حجر ارتعدت اوصاله، و خارت قواه فقالوا له:

«زعمت انك لا تجزع من الموت، فابرأ من صاحبك و ندعك!؟»

فقال لهم حجر:

«و ما لي لا اجزع وارى قبرا محفورا، و كفنا منشورا، و سيفا مشهورا، و إني و اللّه إن جزعت من القتل لا اقول ما يسخط الرب» .

ثم اجري عليه الاعدام فكان آخر ما انطلق من حنجرته:

لا تطلقوا عني حديدا، و لا تغسلوا عني دما، فاني ملاق معاوية على الجادة» ، و القي حجر الى الأرض جثة هامدة يتخبط بدمه مع ستة من اصحابه الشهداء الأبرار، ففي ذمة اللّه يا حجر أنت و أصحابك، فقد مضيتم الى عالم الخلود و انتم شهداء العقيدة، و شهداء الانسانية الكاملة فأنتم من اروع امثلة البطولة الفذة التي ثارت على الظلم و الطغيان، و قاومت جور الحاكمين و استبداد الطغاة الظالمين.

ضحايا العقيدة من اصحاب حجر:

و لم يذق حجر الحمام و يقتل صبرا وحده فقد قتل معه و من بعده جماعة من اصحابه المثاليين الذين ضحّوا بحياتهم الغالية تجاه عقيدتهم الدينية، و مبدأهم المقدس غير مبالين بالموت، و بهؤلاء و امثالهم من ابطال الخلود، و عظماء العالم ترتكز العقائد، و يستقيم الحق، و يعم العدل و يزول الظلم، و ها نحن نذكر اسماءهم مع ما جرى عليهم من العسف و التنكيل من قبل معاوية و ولاته:

أ- عبد الرحمن:

و كان عبد الرحمن بن حسان العنزي فى طليعة اصحاب حجر، و أخذ معه مكبلا بالحديد الى مرج عذراء، فطلب من الجلاوزة مواجهة معاوية لعله ان يعفو عنه فاستجابوا لقوله، فجيء به إليه، فلما مثل عنده قال له معاوية:

«إيه أخا ربيعة، ما تقول في علي؟»

- دعني و لا تسألني، فهو خير لك!!

- و اللّه لا ادعك.

- أشهد أنه كان من الذاكرين اللّه كثيرا، و الآمرين بالحق، و القائمين بالقسط، و العافين عن الناس.

و لم يجد معاوية بعد هذا وسيلة يستبيح بها اراقة دمه، فعرج الى دم عثمان الذي بلى به المسلمون حيا و ميتا فقال له:

- ما قولك فى عثمان؟.

- هو أول من فتح باب الظلم، و ارتج أبواب الحق.

- قتلت نفسك!!

- بل إياك قتلت و لا ربيعة بالوادي.

لقد ظن أن أسرته تتشفع به و تفك أسره، و تدفع عنه ظلامته، فلم يجبه أحد، و أشاح معاوية بوجهه عنه ثم رفع رسالة الى عامله زياد جاء فيها:

«أما بعد: فان هذا العنزي شر من بعثته فعاقبه عقوبته التي هو أهلها و أقتله أشر قتلة».

و لما وردت رسالته الى زياد بعث به الى قس الناطف و أمر بدفنه حيا فيه فدفن و هو حي .

ب- صيفي بن فسيل:

و صيفي بن فسيل الشيباني من أبطال المسلمين و عباقرتهم و أفذاذهم و من خيرة أصحاب حجر سعى به الى زياد فبعث الدعي خلفه، فلما حضر عنده بادره بالسؤال عن أمير المؤمنين (ع) ليتخذ من ذلك وسيلة يستحل بها دمه فقال له بنبرات تقطر غيظا و غضبا.

- يا عدو اللّه!! ما تقول في أبي تراب؟

- ما أعرف أبا تراب.

- ما أعرفك به!!

- ما أعرفه،

- أ ما تعرف علي بن أبي طالب؟

- بلى.

- فذاك أبو تراب.

- كلا، ذاك أبو الحسن و الحسين (ع).

و التفت مدير شرطة زياد الى صيفي منكرا عليه مقاله ليتقرب الى ابن سمية قائلا:

«يقول لك الأمير: هو ابو تراب، و تقول أنت: لا؟!!»

فنهره صيفي و رد عليه و هو غير معتن به و لا بأميره قائلا:

«و إن كذب الأمير أ تريد أن اكذب و أشهد له على باطل كما شهد!»

فثار ابن سمية و انتفخت اوداجه غضبا، فقال له:

«و هذا أيضا مع ذنبك».

و التفت الى شرطته و هو مغيظ فقال لهم: «علي بالعصا» فأتى بها فالتفت الى صيفي:

«ما قولك؟».

فقال له بكل شجاعة و ايمان:

«أحسن قول أنا قائله فى عبد من عباد اللّه المؤمنين.»

و أمر زياد جلاوزته بضرب عاتقه حتى يلصق بالأرض، فبادروا إليه و ضربوه ضربا عنيفا حتى وصل عاتقه الى الأرض، ثم أمرهم بالكف عنه و التفت إليه:

«إيه ما قولك فى علي؟»

و أصر بطل العقيدة على ايمانه فقال:

- و اللّه لو شرحتني بالمواسي و المدى ما قلت إلا ما سمعت مني.

- لتلعننه أو لأضربن عنقك!

- إذا تضربها و اللّه قبل ذلك فان أبيت إلا أن تضربها. رضيت

باللّه و شقيت أنت!

«ادفعوا في رقبته».

ثم أمر به ثانيا أن يوقر في الحديد و يلقى فى ظلمات السجون و أخيرا بعثه مع حجر فاستشهد معه في مرج عذراء.

ج- قبيصة بن ربيعة:

و من جملة أصحاب حجر الذين أرهقهم زياد قبيصة بن ربيعة العبسي فقد بعث إليه مدير شرطته شداد بن الهيثم فهجم عليه خفية فلما أحس به قبيصة أخذ سيفه و وقف للدفاع عن نفسه و لحق به فريق من قومه فقال مدير الشرطة الى قبيصة مخادعا:

«أنت آمن على دمك و مالك، فلم تقتل نفسك؟»

و لما سمع بذلك اصحابه انخدعوا فلم يحاموا عنه و لم ينقذوه لأن خوفهم من سلطة زياد كان اشد وقعا في نفوسهم من خطر الموت، فاندفعوا قائلين:

«قد امنت فعلام تقتل نفسك و تقتلنا معك؟»

و لم يذعن لمقالة اصحابه و ذلك لعلمه بغدر الأمويين و عدم وفائهم بالعهد و الوعد فقال لهم:

«و يحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة، و اللّه لئن وقعت فى يده لا افلت ابدا أو يقتلني».

- كلا.

و لما لم يجد بدا من ذلك وضع يده في ايديهم و أخذ اسيرا الى زياد فلما مثل عنده قال له:

«أما و اللّه لأجعلن لك شاغلا عن تلقيح الفتن و التوثب على الامراء»

- إني لم آتك إلا على الأمان.

- انطلقوا به الى السجن .

لقد نقض زياد الأمان و خاس بالميثاق، ثم أمر به أن يحمل مع حجر و أصحابه الى مرج عذراء، فحمل معهم، فلما انتهت قافلتهم الى جبانة (عرزم) و كانت فيها داره، نظر إليها و إذا بناته قد أشرفن من أعلا الدار ينظرن إليه، و هن يخمشن الوجوه، و يخلطن الدموع بالدعاء، قد أخذتهن المائقة، و مزق الأسى قلوبهن، فلما نظر الى ذلك المنظر الرهيب طلب من الشرطة الموكلة بخفارته أن يسمحوا له بالدنو من بناته ليوصيهن بما أراد، فسمحوا له بذلك، فلما دنا منهن علا صراخهن فأمرهن بالسكوت و الخلود الى الصبر، و أرضاهن بوصيته التي مثلت الإيمان و الرضا بقضاء اللّه قائلا:

«اتقين اللّه عز و جل، و اصبرن، فاني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين إما الشهادة و هي السعادة، و إما الانصراف إليكن في عافية، و إن الذي كان يرزقكن و يكفيني مئونتكن هو اللّه تعالى، و هو حي لا يموت، أرجو أن لا يضيعكن، و أن يحفظني فيكن».

ثم ودعهن و انصرف، و لما رأى من معه شجو بناته و ما داخلهن من الفزع و المصاب رقّوا لهن، ثم رفعوا أيديهم بالدعاء و الابتهال الى اللّه تعالى طالبين منه العافية و السلامة الى قبيصة فانبرى إليهم قائلا:

«إنه لمما يعدل عندي خطر ما أنا فيه هلاك قومي حيث لا ينصرونني» .

أراد بذلك عدم نصرة قومه و خذلانهم له، و ان ذلك أشد وقعا على نفسه من هلاكه، و سار قبيصة مع حجر الى مرج عذراء فاستشهد معه، و أما بقية اصحاب حجر الذين استشهدوا معه فلم نعثر على معلومات وافية عنهم، و نشير الى أسمائهم و هم:

شريك بن شداد الحضرمي.

كدام بن حيان العنزي.

محرز بن شهاب التميمي.

و هؤلاء الحماة الذين قدموا نفوسهم ضحايا للعقيدة، و قرابين للحق

كانوا من خيار المسلمين و من صالحائهم، قد ساقتهم السلطة الأموية الى ساحة الإعدام، فاستباحت دماءهم، لا لذنب اقترفوه، سوى مودتهم للعترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم في لزوم مراعاتها و مودتها.

صدى الفاجعة:

[الناقمون على معاوية من أجل قتله لحجر]

و ذعر المسلمون لهذا الحادث الخطير، و عم السخط جميع ارجاء البلاد لأن حجرا من أعلام الإسلام، و من خيار صحابة النبيّ (ص)، و قد انتهكت في قتله حرمة الإسلام، لأنه لم يحدث فسادا في الأرض، و إنما رأى منكرا فناهضه، و جورا فناجزه، رأى زيادا يؤخر الصلاة فطالبه باقامتها و رآه يسب امير المؤمنين فطالبه بالكف عنه، فقتل من اجل ذلك، و قد اندفعت الشخصيات الرفيعة في العالم الإسلامى الى اعلان سخطها على معاوية و الى الإنكار عليه، و من الخير ان نذكر بعضهم و نستمع الى نقدهم و هم:

أ- الإمام الحسين (ع).

و رفع الإمام الحسين (ع) من يثرب رسالة الى معاوية أنكر فيها اشد الإنكار على ما ارتكبه من قتل حجر و اصحابه الأبرار و هذا نصها:

«الست القاتل حجرا اخا كندة، و المصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، و يستعظمون البدع، و لا يخافون فى اللّه لومة لائم؟ قتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما كنت اعطيتهم الإيمان المغلظة، و المواثيق المؤكدة أن لا تأخذهم بحدث، كان بينك و بينهم و لا بإحنة تجدها في نفسك عليهم» .

لقد انكر الإمام (ع) برسالته على معاوية استباحته لدم حجر و اصحابه المثاليين الذين انكروا الظلم و ناهضوا الجور، و استعظموا البدع و قد قتلهم ظلما و عدوانا، بعد ما أكد على نفسه و اعطاهم المواثيق المؤكدة ان لا يأخذهم بحدث و لا بإحنة فيما مضى، و لكن ابن هند قد خاس بذلك و لم يف به.

ب- عائشة:

و من جملة المنكرين على معاوية عائشة، فقد دخل عليها في بيتها بعد منصرفه من الحج فقالت له:

«أ أمنت ان اخبأ لك من يقتلك؟»

فقال لها مخادعا:

«بيت الأمن دخلت».

- اما خشيت اللّه في قتل حجر و اصحابه؟ .

و كانت دوما تتحدث عن مصاب حجر فقد حدثت عما سمعته من رسول اللّه (ص) فى فضله قالت: سمعت رسول اللّه (ص) يقول:

سيقتل بعذراء أناس يغضب اللّه لهم و أهل السماء» و قالت منددة بأهل الكوفة: «أما و اللّه لو علم معاوية أن عند أهل الكوفة منعة ما اجترأ على أن يأخذ حجرا و أصحابه من بينهم حتى يقتلهم بالشام، و لكن ابن آكلة الأكباد علم أنه قد ذهب الناس، أما و اللّه إن كانوا لجمجمة العرب عزا و منعة وفقها و للّه در لبيد حيث يقول:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم

و بقيت في خلف كجلد الأجرب

لا ينفعون و لا يرجى خيرهم

و يعاب قائلهم و ان لم يشغب

ج- الربيع بن زياد:

و من الناقمين على معاوية الربيع بن زياد البصري عامله على خراسان فانه لما سمع بالنبإ المؤلم طاش لبّه و ذهبت نفسه حسرات فقال و الحزن باد عليه:

«لا تزال العرب تقتل صبرا بعده- أي بعد مقتل حجر- و لو نفرت عند قتله لم يقتل واحد منهم صبرا. و لكنها أقرت فذلت!!»

إن أهل الكوفة لو منعوا السلطة الأموية من قتل حجر و أصحابه لماتمكن الأمويون من قتل أحرارهم و أخيارهم، و لكنهم رضوا بالخمول و الذل و كرهوا الموت في سبيل اللّه، فهان أمرهم و ذلوا، و عمل فيهم الأمويون ما أرادوا من اخضاعهم للذل و الهوان.

و بقي الربيع ذاهل النفس، خائر القوى، قد مزق الأسى قلبه، فلما صار يوم الجمعة صلى بالناس صلاة الجمعة، و بعد الفراغ منها خطب الناس فقال فى خطابه:

«أيها الناس، إني قد مللت الحياة و إني داع فأمنوا» ثم رفع يديه بالدعاء فقال:

«اللهم، إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك و عجل».

فاستجاب اللّه دعاءه فما فارق المجالس حتى وافاه الأجل المحتوم .

د- الحسن البصري:

و عدّ الحسن البصري قتل حجر إحدى الموبقات الأربعة التي ارتكبها معاوية، فقال فيما يخص حجرا:

«ويل له من حجر و أصحاب حجر مرتين» .

ه- عبد اللّه بن عمر:

لقد ذعر ابن عمر حينما علم بمقتل حجر، فقد أخبر بقتله و هو بالسوق و كان محتبى فأطلق حبوته و ولى و هو يبكي أشد البكاء و أمرّه .

و- معاوية بن خديج:

و انتهى الخبر المؤلم الى معاوية بن خديج و كان في افريقية مع الجيش، فقال لقومه الذين كانوا معه من كندة:

«أ لا ترون أنا نقاتل لقريش و نقتل أنفسنا لنثبت ملكها، و أنهم يثبون على بنى عمنا فيقتلونهم».

لقد كان قتل حجر من الأحداث الكبار و كان صدعا في الاسلام و بلاء على عموم العرب، و كان معاوية نفسه لا يشك فى ذلك فكان ينظر إليه شبحا مخيفا و يردد ذكره في خلواته، و قد ذكره كثيرا في مرضه الذي هلك فيه فكان يقول: «و يلي منك يا حجر» و كان يقول: «يوم لي من ابن الأدبار- يعني حجرا- طويل» قال ذلك ثلاث مرات .

نعم، أن يومه لطويل من حجر و أمثاله من المؤمنين و الصالحين الذين سفك دماءهم لا لذنب اقترفوه، سوى حبهم لأهل البيت، و هنا ينتهي بنا الحديث عن محنة حجر و أصحابه لنلتقي بزملاء له آخرين.

رشيد الهجري:

و رشيد الهجري يعد في طليعة رجال الإسلام ورعا و تقى و علما و فضلا، فقد تتلمذ فى مدرسة أمير المؤمنين و نال الكثير من علومه و معارفه فكان (ع) يسميه (رشيد البلايا) و حدثت ابنته قنو قالت: سمعت أبي يقول:

«قال لي أمير المؤمنين، يا رشيد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك و رجليك و لسانك؟»

- يا أمير المؤمنين آخر ذلك الى الجنة؟

- يا رشيد أنت معي في الدنيا و الآخرة.

و خرج رشيد مع أمير المؤمنين الى بستان فاستظلا تحت نخلة، فقام صاحب البستان الى نخلة، فأخذ منها رطبا و قدمه الى أمير المؤمنين فأكل عليه السلام منه، فالتفت رشيد الى الإمام قائلا له:

«ما أطيب هذا الرطب!؟»

- أما انك ستصلب على جذعها!!

فكان رشيد بعد حديث الإمام يتعاهد تلك النخلة التي أكل من رطبها فيسقيها و يتعبد تحتها و اجتاز عليها يوما فرأى سعفها قد قطع فشعر بدنو أجله، و اجتاز عليها مرة أخرى فرأى نصفها قد جعل زرنوقا يستسقى عليه فتيقن بدنو الأجل المحتوم منه ، و في فترات تلك المدة الرهيبة بعث خلفه ابن سمية، فلما حضر عنده قال له:

«ما قال لك خليلك إنا فاعلون بك؟»

- تقطعون يديّ و رجليّ و تصلبونني.

- أما و اللّه لأكذّبن حديثه، خلّوا سبيله.

فخلت الجلاوزة سراحه، فلما خرج قال زياد لجلاوزته: ردّوه، فردوه إليه، فالتفت له قائلا:

«لا نجد لك شيئا أصلح مما قال صاحبك، إنك لا تزال تبغي لنا سوءا إن بقيت، اقطعوا يديه و رجليه»، فامتثلت الجلاوزة أمره، فقطعوا يديه و رجليه و هو يتكلم، فغاظ كلامه زيادا، فقال لجلاوزته: اصلبوه خنقا، فقال رشيد لهم: «قد بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه- أراد بذلك قطع لسانه-» فأمر ابن سمية بقطع لسانه و لما أرادوا قطع لسانه قال لهم: «نفسوا عني حتى أتكلم كلمة واحدة»، فأعطوه ذلك، فقال:

«هذا و اللّه تصديق خبر أمير المؤمنين (ع) أخبرني بقطع لساني»، ثم قطع الجلاوزة لسانه .

أي ذنب اقترفه هذا العابد العظيم حتى يستحق هذا التنكيل و يمثل به بدلك التمثيل الفظيع، و لكن ابن سمية و معاوية قد راما بذلك تصفية الحساب مع شيعة أهل البيت و القضاء على روح التشيع.

عمرو بن الحمق الخزاعي:

و كان عمرو بن الحمق يحمل شعورا دينيا قويا حيا، و كان من خيرة

الصحابة في ورعه و تقواه، و هو الذي سقى النبي لبنا فدعا له (ص) بأن يمتعه اللّه بشبابه، فاستجاب اللّه دعاء نبيه فأخذ عمرو بعنق الثمانين عاما و لم تر في كريمته شعرة بيضاء .

و كان من صفوة أصحاب أمير المؤمنين (ع) و من خلص أصحابه، و قد دعا عليه السلام له فقال: «اللهم نوّر قلبه بالتقى، و اهده الى صراطك المستقيم» ، و كان (ع) يكبره و يجله و يقدمه على غيره، فقد قال له: «ليت في جندي مثلك مائة». و قال لأمير المؤمنين معربا له عن ولائه و اخلاصه:

«يا أمير المؤمنين، و اللّه ما أحببتك للدنيا و لا للمنزلة تكون لي بها، و إنما أحببتك لخمس خصال، إنك أول المؤمنين إيمانا، و ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و أعظم المهاجرين و الأنصار، و زوج سيدة النساء عليها السلام، و أبو ذريته الباقية من رسول اللّه (ص)، فلو قطعت الجبال الرواسي، و عبرت البحار الطوامي في توهين عدوك و تلقيح حجتك لرأيت ذلك قليلا من كثير ما يجب علي من حقك» .

و قد دلّ حديثه على عقيدته و إيمانه و عظيم ولائه لأمير المؤمنين (ع) ولاء يلتمس منه وجه اللّه و يبغي فيه الدار الآخرة.

و لما ولى زياد الكوفة و تتبع زعماء الشيعة و وجوههم خاف الخزاعي من سلطته الغاشمة ففرّ الى المدائن و معه رفاعة بن شداد فمكثا فيها برهة من الزمن ثم هربا الى الموصل و قبل أن يصلا إليها مكثا في جبل هناك ليستجما فيه، و بلغ بلتعة بن أبي عبد اللّه عامل معاوية أن رجلين قد كمنا في جبل من جبال الموصل فاستنكر شأنهما فسار إليهما مع فريق من أصحابه، فلما انتهوا الى الجبل خرج إليهما عمرو و رفاعة، فأما عمرو فقد كان مريضا لأنه قد سقي سما و ليس عنده قوى يستطيع بها على خلاص نفسه فوقف و لم يهرب، و أما رفاعة فقد كان في شرخ الشباب فاعتلى فرسه ثم التفت الى عمرو فقال له: «أقاتل عنك؟».

فنهاه عن ذلك و قال له:

«و ما ينفعني أن تقاتل انج بنفسك إن استطعت.» و مضى رفاعة فهجم على القوم فأفرجوا له، ثم خرجوا فى طلبه فلم يتمكنوا عليه لأنه كان راميا، و أخذ عمرو أسيرا و طلبوا منه أن يعرفهم شخصيته فامتنع و قال لهم:

«أنا من إن تركتموه كان أسلم لكم، و إن قتلتموه كان أضر لكم».

و أصروا عليه أن يعرفهم نفسه، فأبى، فارتابوا من أمره، فأرسلوه مخفورا الى عبد الرحمن بن عبد اللّه الثقفي حاكم الموصل، فلما رآه عرفه و رفع بالوقت رسالة الى معاوية عرفه بالأمر، فأجابه:

«إنه زعم أنه طعن عثمان بن عفان تسع طعنات بمشاقص كانت معه، و إنا لا نريد أن نعتدي عليه، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان».

فأخرجه عبد الرحمن و أمر بطعنه تسع طعنات فمات في الاولى أو الثانية منها ثم احتز رأسه و بعثه الى معاوية فأمر أن يطاف به في الشام و غيره فكان أول رأس طيف به في الإسلام ثم أمر به أن يبعث الى زوجته آمنة بنت الشريد و كانت في سجنه فجيء به فوضع فى حجرها و هي غافلة لا تعلم من أمره شيئا، فلما بصرت به اضطربت حتى كادت أن تموت ثم قالت و دموعها تتبلور على وجهها:

«وا حزناه لصغره في دار هوان، و ضيق من ضيمه سلطان، نفيتموه عني طويلا، و أهديتموه إليّ قتيلا، فأهلا و سهلا بمن كنت له غير قالية، و أنا له اليوم غير ناسية».

ثم التفتت الى الحرسي فقالت له:

«ارجع به أيها الرسول الى معاوية فقل له: و لا تطوه دونه، أيتم اللّه ولدك، و أوحش منك أهلك، و لا غفر لك ذنبك».

و رجع الرسول الى معاوية فأخبره بمقالتها فغضب و غاظه كلامها فأمر باحضارها في مجلسه، فجيء بها إليه فقال لها:

«أنت يا عدوة اللّه صاحبة الكلام الذي بلغنى؟»

فانبرت إليه غير مكترثة و لا هيّابة لسلطانه قائلة:

«نعم، غير نازعة عنه، و لا معتذرة منه، و لا منكرة له، فلعمري لقد اجتهدت فى الدعاء ان نفع الاجتهاد و إن الحق لمن وراء العباد، و ما بلغت شيئا من جزائك و إن اللّه بالنقمة من ورائك!!»

فالتفت إياس بن حسل الى معاوية متقربا إليه:

«أقتل هذه يا أمير المؤمنين؟ فو اللّه ما كان زوجها أحق بالقتل منها».

فقالت له: «تبا لك، ويلك بين لحييك كجثمان الضفدع، ثم أنت تدعوه الى قتلي كما قتل زوجي بالأمس!!! إن تريد إلا أن تكون جبارا فى الأرض و ما تريد أن تكون من المصلحين».

فضحك معاوية و قال متبهرا:

«للّه درك اخرجي!! ثم لا أسمع بك في شيء من الشام».

فقالت له: «و أبي لأخرجن ثم لا تسمع لي في شيء من الشام فما الشام لي بحبيب و لا اعرج فيها على حميم، و ما هي لي بوطن، و لا أحن فيها الى سكن، و لقد عظم فيها ديني، و ما قرت فيها عيني، و ما أنا فيها إليك بعائدة، و لا حيث كنت بحامدة».

و ثقل كلامها على معاوية فأشار إليها ببنانه بالخروج، فخرجت و هي تقول:

و اعجبي لمعاوية يكف عنى لسانه و يشير الى الخروج ببنانه، أما و اللّه ليعارضنه عمرو بكلام مؤيد شديد أوجع من نوافد الحديد، أو ما أنا بابنة الشريد».

ثم خرجت من مجلسه لقد كان قتل عمرو من الأحداث الجسام في الإسلام لأنه من صحابة النبي (ص) و قد عمد معاوية الى اراقة دمه فخالف بذلك ما أمر اللّه به من حرمة سفك دماء المسلمين إلا بالحق، و لم يشف قتله غليل معاوية فقد أمر بأن يطاف برأسه في بلاد المسلمين و بعث به الى زوجته فروعها و كادت أن تموت من ألم المصاب، و قد رفع الإمام الحسين (ع) من يثرب رسالة الى معاوية انكر فيها ارتكابه لهذا الحادث الخطير و هذا نصها:

«أو لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه (ص) العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه، و اصفر لونه بعد ما أمنته و أعطيته من عهود اللّه و مواثيقه ما لو اعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل ثم قتلته جرأة على ربك، و استخفافا بذلك العهد» .

لقد اشاد الإمام بفضل عمرو فذكر أنه صاحب رسول اللّه (ص) و انه قد أبلت العبادة جسمه، كما ذكر ان معاوية قد ابرم عهدا خاصا فى شأنه يتضمن أمنه و عدم البغي عليه و لكنه قد خاس بعهده و لم يف به.

أوفى بن حصن:

و كان أوفى بن حصن من المنددين بالسياسة الأموية، و من الناقدين لسلطتهم، و كان يذيع مساوئهم بين أوساط الكوفيين فبلغ ذلك زيادا فبعث في طلبه فاختفى أوفى و استعرض زياد الناس فاجتاز عليه أوفى فشك في أمره فقال لمن معه:

«من هذا؟»

- أوفى بن حصن.

- عليّ به.

فجيء به إليه فقال متبهرا: «أتتك بخائن رجلاه تسعى». ثم التفت إليه قائلا:

- ما رأيك في عثمان؟

- ختن رسول اللّه (ص) على ابنتيه.

- ما تقول في معاوية؟

- جواد حليم.

- ما تقول فيّ؟

- بلغني أنك قلت بالبصرة: «و اللّه لآخذن البريء بالسقيم و المقبل بالمدبر»- قد قلت ذلك.

- خبطتها خبط عشواء!!

- ليس النفاخ بشر الزمرة.

ثم أمر بقتله ، إن نكران أوفى لسياسة زياد في ذلك الظرف العصيب من اعظم الأعمال التي قام بها، و من أفضل الجهاد الذي عناه رسول اللّه (ص) بقوله: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، و أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، و رجل تكلم عند سلطان جائر، فأمر به فقتل» .

جويرية بن مسهر العبدي:

و كان جويرية من خلّص أصحاب الإمام أمير المؤمنين و من حملة حديثه و من المقربين عنده فقد نظر إليه يوما فناداه: يا جويرية الحق بي فأني إذا رأيتك هويتك، ثم حدثه ببعض أسرار الإمامة و قال له: «يا جويرية أحب حبيبنا ما أحبنا فاذا أبغضنا فابغضه، و ابغض بغيضنا ما ابغضنا فاذا أحبنا فأحبه» ، و دخل على أمير المؤمنين يوما و كان مضطجعا فقال له جويرية:

«أيها النائم استيقظ فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك».

فتبسم أمير المؤمنين (ع) و انبرى إليه فأخبره بما يجري عليه من بعده من ولاة الجور قائلا:

«و أحدثك يا جويرية بأمرك، أما و الذي نفسي بيده لتعتلن الى العتل الزنيم، فليقطعن يدك و رجلك و ليصلبنك تحت جذع كافر» .

و ما دارت الأيام حتى استدعى ابن سمية جويرية فأمر بقطع يده و رجله ثم صلبه على جذع قصير ، و قد ألف هشام بن محمد السائب كتابا فى فاجعة جويرية و رشيد و ميثم التمار .

عبد اللّه بن يحيى الحضرمي:

و كان عبد اللّه الحضرمى من أولياء أمير المؤمنين و من صفوة أصحابه و كان من شرطة الخميس و قد قال (ع) له يوم الجمل:

«أبشر يا عبد اللّه فانك و أباك من شرطة الخميس حقا لقد أخبرني رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله باسمك و اسم أبيك في شرطة الخميس .

و لما قتل أمير المؤمنين (ع) حزن عليه عبد اللّه حزنا مرهقا فترك الكوفة و بنى له صومعة يتعبد فيها هو و أصحابه المؤمنون، و لما علم ابن هند بجزعهم و حزنهم على موت أمير المؤمنين (ع) أمر باحضارهم عنده، فلما جيء بهم أمر بقتلهم صبرا فقتلوا ففي ذمة اللّه هؤلاء الصلحاء الأخيار الذين سفكت دماؤهم، و تقطعت أوصالهم، و لم يرتكبوا ذنبا أو يحدثوا في الإسلام حدثا سوى ولائهم لأمير المؤمنين (ع) امتثالا لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله الذي فرض ودّه على جميع المسلمين.

و لم يقتصر معاوية في عدائه للشيعة على قتل زعمائهم، فقد قام بأمور بالغة الخطورة و هي:

هدم دور الشيعة:

و بذل معاوية جميع جهوده في سبيل القضاء على شيعة أمير المؤمنين فأمر عماله أن يهدموا دورهم، فقامت جلاوزته بهدمها و قد تركهم بلا مأوى يأوون إليه كل ذلك لأجل القضاء على التشيع و محو ذكر أهل البيت عليهم السلام.

عدم قبول شهادة الشيعة:

و عمل معاوية جميع ما يمكنه في اذلال الشيعة و فهرهم، فقد كتب الى جميع عماله أن لا يجيزوا لأحد من شيعة أمير المؤمنين و أهل بيته شهادة فامتثل العمال أمره، فلم تقبل شهادة الشيعة و هم من ثقات المسلمين و عدولهم و أخيارهم.

اشاعة الارهاب و الاعتقال:

و أذاع معاوية الرعب و الإرهاب فى نفوس الشيعة فخلّد بعضهم في السجون حتى ماتوا، و روّع جمعا آخرين حتى تركوا أوطانهم و فرّوا هائمين على وجه الأرض يطاردهم الخوف و الرعب، و قد قبضت شرطته على الكثيرين منهم فجيء بهم مخفورين إليه فقابلهم بالاستخفاف و الاستهانة و التحقير و نحن نذكر أسماءهم مع ما جرى عليهم من العسف و الظلم و هم:

[المرعون من أعلام الشيعة]

1- محمد بن أبي حذيفة:

محمد بن أبي حذيفة يعد في طليعة ثقات الإسلام و من خيرة صالحاء المسلمين فقد كان من الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر و قد قال أمير المؤمنين (ع) في حقه: «ان المحامدة تأبى أن يعصى اللّه» ثم عده منهم، و كان ملازما لأمير المؤمنين و فى خدمته، و لما قتل (ع) و انتهى الأمر الى معاوية أراد قتله ثم بدا له أن يسجنه فسجنه أمدا غير قصير، و التفت يوما الى أصحابه فقال لهم: «أ لا نرسل الى هذا السفيه محمد بن أبي حذيفة فنبكته و نخبره بضلاله، و نأمره أن يقوم فيسب عليا» فأجابوه الى ذلك، ثم أمر باحضاره فلما مثل عنده التفت إليه قائلا:

«يا محمد أ لم يأن لك أن تبصر ما كنت عليه من الضلالة بنصرتك علي بن أبي طالب (ع) أ لم تعلم أن عثمان قتل مظلوما و ان عائشة و طلحة و الزبير خرجوا يطلبون بدمه و ان عليا هو الذي دس الناس في قتله و نحن اليوم نطلب بدمه».

فأجابه محمد: «إنك لتعلم أني أمس القوم بك رحما و أعرفهم بك».

فقال له معاوية: أجل. و اندفع محمد فقال له:

«فو اللّه الذي لا إله غيره ما اعلم أحدا شرك في دم عثمان و الّب الناس عليه غيرك لما استعملك، و من كان مثلك فسأله المهاجرون و الأنصار أن يعزلك فأبى ففعلوا به ما بلغك، و اللّه ما أحد شرك فى قتله بدئا و أخيرا إلا طلحة و الزبير و عائشة فهم الذين شهدوا عليه بالعظمة و ألّبوا عليه الناس و شركهم في ذلك عبد الرحمن بن عوف و ابن مسعود و عمار و الأنصار جميعا». فارتاع معاوية و قال منكرا عليه:

«قد كان ذلك؟!!»

«أي و اللّه، و إني لأشهد أنك منذ عرفتك في الجاهلية و الإسلام لعلى خلق واحد، ما زاد الإسلام فيك لا قليلا و لا كثيرا و إن علامة ذلك فيك لبينة تلومنى على حبي عليا، خرج مع علي كل صوام قوام مهاجري و انصاري و خرج معك ابناء المنافقين و الطلقاء و العنقاء خدعتهم عن دينهم، و خدعوك عن دنياك، و اللّه يا معاوية ما خفي عليك ما صنعت، و ما خفي عليهم ما صنعوا إذ احلوا انفسهم بسخط اللّه في طاعتك، و اللّه لا ازال احب عليا للّه و لرسوله، و ابغضك في اللّه و رسوله ابدا ما بقيت!!»

ففزع معاوية و قال: «إني اراك على ضلالك بعد ردوه الى السجن»

فردوه للسجن فمكث فيه مدة من الزمن حتى مات فيه .

لقد لاقى محمد حتفه و هو مروع في ظلمات السجون لأنه لم يرتض اعمال معاوية و لم يقره على منكراته و مساوئه، و هكذا كان مصير الأحرار و النبلاء المعارضين لحكومة معاوية يلاقون التعذيب و التنكيل و التخليد في السجون.

2- عبد اللّه بن هاشم المرقال:

و من زعماء الشيعة و عيونهم الذين روعهم معاوية الزعيم المثالي عبد اللّه ابن هاشم المرقال، فقد كان معاوية يحمل فى نفسه كمدا و حقدا عليه و ذلك لولائه و اخلاصه لأمير المؤمنين (ع) و لموقف ابيه هاشم في يوم صفين ذلك الموقف الخالد الذي اخافه و ارهبه حتى صمم على الهزيمة و الفرار، و للتشفي و الانتقام منه فقد كتب الى عامله زياد رسالة يطلب فيها القبض على عبد اللّه لينكل به، و هذا نص كتابه:

«أما بعد: فانظر عبد اللّه بن هاشم بن عتبة فشدّ يده الى عنقه ثم ابعث به إليّ».

و لما وصلت رسالة معاوية الى زياد قام فى طلبه و حينما علم بذلك عبد اللّه هرب و اختفى منه، و علم به بعض الأوغاد فجاء الى معاوية ليتقرب إليه فأخبره انه قد اختفى عند امراة مخزومية، فكتب معاوية الى زياد ما يلي:

«أما بعد: فاذا اتاك كتابي هذا فاعمد الى حي بنى مخزوم ففتشه دارا دارا حتى تأتي الى دار فلانة المخزومية فاستخرج عبد اللّه بن هاشم المرقال منها، فاحلق راسه و البسه جبة شعر و قيّده و غل يده الى عنقه و احمله على قتب بغير وطاء و لا غطاء و اقدمه إلي».

و قام زياد ففتش حي بنى مخزوم حتى ظفر بعبد اللّه فحمله إليه بالكيفية التي ارادها و هو مهان الجانب، محطم الكيان فوصل الى دمشق في يوم الجمعة و هو يوم القبول الذي اعده معاوية لمقابلة اشراف قريش و وجوه العراقيين و لم يشعر معاوية إلا و ابن هاشم قد ادخل عليه فعرفه و لم يعرفه ابن العاص فالتفت معاوية إليه قائلا:

«يا أبا عبد اللّه، هل تعرف هذا الفتى؟» قال: لا.

فقال معاوية هذا الذي يقول أبوه يوم صفين:

إني شريت النفس لما اعتلا

و أكثر اللوم و ما أقلا

أعور يبغي أهله محلا

قد عالج الحياة حتى ملا

لا بد أن يفل أو يفلا

أسلهم بذي الكعوب سلا

لا خير عندي في كريم ولى فبهر ابن العاص و قال متمثلا:

و قد ينبت المرعى على دمن الثرى

و تبقى حزازات النفوس كما هيا

و تذكر ابن العاص مواقف أبيه يوم صفين فقال لمعاوية:

«دونك يا أمير المؤمنين الضب المضب فاشخب اوداجه على أثباجه و لا ترده الى أهل العراق، فانه لا يصبر على النفاق، و هم أهل غدر و شقاق، و حزب ابليس ليوم هيجانه، و إن له هوى سيوديه، و رأيا سيطغيه، و بطانة ستقويه، و جزاء سيئة سيئة مثلها.

فانبرى إليه عبد اللّه كالأسد الغضبان مسددا له سهاما من القول غير هياب له قائلا:

«يا عمرو، إن أقتل فرجل اسلمه قومه، و أدركه يومه، أ فلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال و نحن ندعوك الى النزال، و أنت تلوذ بشمال النطاف ، و عقائق الرصاف كالأمة السوداء، و النعجة القوداء، لا تدفع يد لامس؟»

فالتاع ابن العاص و لم يستطع أن يقول شيئا سوى التهديد و التوعيد له قائلا:

«أما و اللّه لقد وقعت في لهازم شدقم للأقران ذي لبد، و لا أحسبك منفلتا من مخالب أمير المؤمنين».

فأجابه ابن هاشم غير معتن بتهديده قائلا:

«أما و اللّه يا ابن العاص إنك لبطر فى الرخاء، جبان عند اللقاء، غشوم إذا وليت، هياب إذا لقيت، تهدر كما يهدر العود المنكوس المقيد بين مجرى الشوك، لا يستعجل في المدة، و لا يرتجي في الشدة، أ فلا كان هذا منك إذ غمرك أقوام لم يعنفوا صغارا، و لم يمزقوا كبارا لهم أيد شداد و ألسنة حداد، يدعمون العوج، و يذهبون الحرج، يكثرون القليل، و يشفون الغليل، و يعزون الذليل؟»

فلم يطق ابن العاص جوابا و بقي يفتش في حقيبة مكره عيبا يوصم به عبد اللّه فلم يجد شيئا سوى افتعال الكذب فقال:

«أما و اللّه لقد رأيت أباك يومئذ تخفق احشاؤه و تبق أمعاؤه و تضطرب أصلاؤه كأنما انطبق عليه ضمد».

فانبرى إليه عبد اللّه مجيبا عن بهتانه و كذبه قائلا له:

«يا عمرو، إنا قد بلوناك و مقالتك فوجدنا لسانك كذوبا غادرا، خلوت بأقوام لا يعرفونك، و جند لا يساومونك، و لو رمت المنطق في غير أهل الشام لجحظ عليك عقلك ، و لتلجلج لسانك، و لاضطرب فخذاك اضطراب القعود الذي أثقله حمله».

و التفت إليهما معاوية فقطع حديثهما قائلا: «إيها عنكما» ثم أمر باطلاق سراح عبد اللّه، فاستاء ابن العاص لهذا العفو، و انبرى الى معاوية يحرضه على الفتك و البطش به و يذكره مواقف أبيه هاشم في أيام صفين و قد نظم ذلك بأبيات من الشعر قال:

أمرتك أمرا حازما فعصيتني

و كان من التوفيق قتل ابن هاشم

أ ليس أبوه يا معاوية الذي

أعان عليا يوم حز الغلاصم

فلم ينثن حتى جرت من دمائنا

بصفين أمثال البحور الخضارم

و هذا ابنه و المرء يشبه شيخه

و يوشك أن تقرع به سن نادم

فأجابه عبد اللّه:

معاوي إن المرء عمرا أبت له

ضغينة صدر غشها غير نائم

يرى لك قتلي يا ابن هند و إنما

يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم

على انهم لا يقتلون أسيرهم

إذا منعت منه عهود المسالم

و قد كان منا يوم صفين نقرة

عليك جناها هاشم و ابن هاشم

قضى ما قضى منها و ليس الذي مضى

و لا ما جرى إلا كأضغاث حالم

فان تعف عني تعف عن ذي قرابة

و إن تر قتلي تستحل محارمى

و اندفع معاوية قائلا:

أرى العفو عن عليا قريش وسيلة

الى اللّه فى يوم العضيب القماطر

و لست أرى قتل العداة ابن هاشم

بادراك ثاري في لؤي و عامر

بل العفو عنه بعد ما بان جرمه

و زلت به إحدى الجدود العواثر

فكان أبوه يوم صفين جمرة

علينا فأردته رماح نهابر

لقد روع عبد اللّه و أفزعه معاوية و هو لم يقترف ذنبا سوى ولائه لأمير المؤمنين (ع) الذي جعله ابن هند من أعظم الموبقات و الجرائم، و صرحت بعض المصادر أنه لم يعفو عنه بل أودعه فى ظلمات السجون.

3- عبد اللّه بن خليفة الطائي.

و عبد اللّه بن خليفة الطائي ممن عرف بالولاء و الإخلاص لأمير المؤمنين فقد جاء إليه حينما توجه (ع) الى البصرة فقال له:

«الحمد للّه الذي ردّ الحق الى أهله، و وضعه في موضعه، فان كره ذلك قوم فقد و اللّه كرهوا محمدا (ص) و نابذوه و قاتلوه، فرد اللّه كيدهم في نحورهم و جعل دائرة السوء عليهم، و اللّه لأجاهد معك في كل موطن تحفظا لحق رسول اللّه (ص)» .

و قد دلّ حديثه على تبصره في دينه، و على طيب عنصره، و حسن رأيه، و لعظيم ايمانه و وفور عقله، كان من المقربين عند الإمام و من الذين يستشيرهم في مهام اموره .

و في محنة حجر كان عبد اللّه في طليعة أصحابه و من المعارضين للسياسة الأموية، و من المشتركين معه في ثورته، و لما قبض زياد على حجر و أصحابه أمر شرطته أن يأتوه بعبد اللّه، ففتشوا عنه فوجدوه، فناجزهم عبد اللّه، و بعد صراع جرى فيما بينهم لم يتمكن عبد اللّه على انقاذ نفسه منهم فاستولوا عليه، فاستنجدت اخته النوار بقومها و اسرتها فطلبت نصرة أخيها قائلة:

«يا معشر طيء أ تسلمون سنانكم و لسانكم عبد اللّه بن خليفة؟» فثار الطائيون على الشرطة فضربوهم و ناجزوهم حتى انتزعوا منهم عبد اللّه فرجعت الشرطة الى زياد و أخبرته بالأمر فاستدعا زعيم طيء و عميدها عدي ابن حاتم فقال له:

«ائتني بعبد اللّه بن خليفة؟»

و بعد حديث جرى بينهما أجابه ابن حاتم بمنطق الأحرار قائلا:

«لا و اللّه لا أتاك به أبدا، أجيئك بابن عمي تقتله؟ و اللّه لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه».

فالتاع زياد و أمر به الى السجن، و لم يبق بالكوفة يماني و لا ربعي إلا أتوا زيادا فكلموه في شأن عدي، و أخبروه بعظم شأنه و شرفه، فاضطر زياد الى اطلاق سراحه، و لكنه شرط عليه أن يغيب ابن عمه عن الكوفة فوافق عدي على ذلك، و أمر عبد اللّه أن يغادر الكوفة و يلحق با (لجبلين)، فغادر عبد اللّه الكوفة، و قد سرى الألم العاصف في محياه على بعده عن وطنه و على فراقه لأصحابه و أهله، و قد أرسل الى عدي بعد نفيه قصيدة عصماء يرثي بها حجرا و أصحابه و يذكر فيها ما يعانيه من ألم الفراق فيقول في رثاء حجر:

و لاقى بها حجر من اللّه رحمة

فقد كان أرضى اللّه حجر و أعذرا

و لا زال تهطال ملث وديمة

على قبر حجر أو ينادى فيحشرا

فيا حجر من للخيل تدمى نحورها

و للملك المغزى إذا ما تغشمرا

و من صادع بالحق بعدك ناطق

بتقوى و من إن قيل بالجور غيرا

فنعم أخو الإسلام كنت و انني

لأطمع أن تؤتى الخلود و تحبرا

و قد كنت تعطي السيف في الحرب حقه

و تعرف معروفا و تنكر منكرا

ثم يسترسل فى رثاء حجر فيذكر صفاته و مواهبه و ملكاته و يبكيه أمر البكاء و ينتهي في قصيدته الى وصف محنته و بلواه و الى ما يلاقيه من الألم و الأسى في غربته فيقول:

فها أنا ذا آوي بأجبال طيء

طريدا فلو شاء الإله لغيرا

نفاني عدوي ظالما عن مهاجري

رضيت بما شاء الإله و قدرا

و أسلمني قومى بغير جناية

كأن لم يكونوا لي قبيلا و معشرا

و ذكر الطبري و ابن الأثير بقية قصيدته التي أعرب فيها عن شجونه و أحزانه، و ظل عبد اللّه منفيا حتى مات بالجبلين قبل موت زياد .

4- صعصعة بن صوحان:

و صعصعة بن صوحان من سادات العرب و فصحائهم النابهين و خطبائهم المفوهين كان من ذوي الفضيلة و الدين، أسلم على عهد رسول اللّه (ص) و هو صغير و لم يجتمع به لصغر سنه، و وفد على عمر و كان يقسم أموال الغنائم و كان مقدارها ألف ألف درهم ففضها على المسلمين و بقيت منها فضلة فاختلفت الصحابة فيها فقام فيهم عمر خطيبا فقال في خطابه:

«أيها الناس، قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس، فما تقولون فيها؟»

فانبرى إليه صعصعة منكرا عليه تحيره فى هذه المسألة البسيطة قائلا:

«يا أمير المؤمنين، إنما تشاور الناس فيما لم ينزل اللّه فيه قرآنا، و أما ما أنزل اللّه به القرآن و وضعه مواضعه فضعه فى مواضعه التي وضعه اللّه تعالى».

فاستحسن عمر رأيه و قال له: «صدقت أنت مني و أنا منك» ثم قسم المال بين المسلمين» .

و كان صعصعة من صفوة أصحاب أمير المؤمنين (ع) و من الملازمين له، و قال الإمام الصادق عليه السلام في حقه: «ما كان مع أمير المؤمنين من يعرف حقه إلا صعصعة و أصحابه» . و مرض صعصعة فعاده (ع) فقال له:

«يا صعصعة، لا تتخذ عيادتي لك أبهة على قومك!!»

- بلى و اللّه أعدها منّة من اللّه و فضلا علي.

- إنك إن كنت على ما علمتك فأنت خفيف المؤنة حسن المعونة.

- و أنت و اللّه يا أمير المؤمنين باللّه عليما و بالمؤمنين رءوفا رحيما .

و لحصافة رأيه، و سداد منطقه كان الإمام (ع) يرسله فى مهامه فقد أرسله مرة الى معاوية و معه كتاب منه، فلما انتهى إليه قال معاوية مشيدا بنفسه و مبررا لأعماله:

«الأرض للّه و أنا خليفة اللّه فما آخذ من مال اللّه فهو لي و ما تركت منه كان جائزا لي».

و ثقل على صعصعة هذا الكلام الملتوي فانبرى إليه مجيبا.

تمنيك نفسك ما لا يكو

ن جهلا معاوي لا تأثم

فتألم معاوية و قال منددا به:

«تعلمت الكلام؟»

- العلم بالتعلم و من لا يعلم يجهل.

- ما أحوجك الى أن أذيقك وبال أمرك.

- ليس ذلك بيدك، ذلك بيد الذي لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها.

- من يحول بيني و بينك؟

- الذي يحول بين المرء و قلبه.

- اتسع بطنك للكلام كما اتسع بطن البعير للشعير.

- اتسع بطن من لا يشبع، و دعا عليه من لا يجمع .

و دلت هذه المحاورة على قوة جنان صعصعة و انه ليس بالرعديد و لا الهياب، فقد ردّ على معاوية مقالته بالمثل و قابله بالاستخفاف و الاستهانة و هو غير خائف من سلطانه.

و خطب معاوية بعد ما تم له الأمر، فقام إليه صعصعة فعلق على كل جملة من خطابه، و فيما يلي خطاب معاوية مع رد صعصعة عليه.

قال معاوية:

- لو أن أبا سفيان، ولد الناس كلهم كانوا أكياسا ..

- قد ولد الناس كلهم من هو خير من أبي سفيان آدم، فمنهم الأحمق و الكيّس!!

- إن أرضنا قريبة من المحشر.

- إن المحشر لا يبعد على مؤمن، و لا يقرب من كافر.

- إن أرضنا أرض مقدسة.

- إن الأرض لا يقدسها شيء، و لا ينجسها، إنما تقدسها الأعمال.

- عباد اللّه اتخذوا اللّه وليّا، و اتخذوا خلفاءه جنة تحرزوا بها.

- كيف؟! و قد عطلت السنة، و اخفرت الذمة، فصارت عشواء مطلخمة، في دهياء مدلهمة، قد استوعبتها الأحداث، و تمكنت منها الانكاث.

فثار معاويه و صاح به:

- يا صعصعة، لإن تقع على ضلعك خير لك من استبراء رأيك، و إبداء ضعفك، تعرض بالحسن بن علي، و لقد هممت أن أبعث إليه، فأجابه صعصعة قائلا:

«أي و اللّه، وجدتهم أكرمكم جدودا، و أحياكم حدودا، و أوفاكم عهدا، و لو بعثت إليه لوجدته في الرأي أديبا، و في الأمر صليبا، و فى الكرم نجيبا، يلذعك بحرارة لسانه، و يقرعك بما لا تستطيع إنكاره!!»

و لسع قوله معاوية فراح يهدده قائلا:

- لأجفينك عن الوساد، و لأشردن بك في البلاد.

- و اللّه إن فى الأرض لسعة، و إن فى فراقك لدعة.

- و اللّه لأحبسن عطاءك.

- إن كان ذلك بيدك فافعل، إن العطاء و فضائل النعماء في ملكوت من لا تنفذ خزائنه، و لا يبيد عطاؤه، و لا يحيف في قضيته.

- لقد استقتلت!!

- مهلا، لم أقل جهلا، و لم أستحل قتلا، لا تقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، و من قتل مظلوما كان اللّه لقاتله مقيما، يرهقه أليما، و يجرعه حميما، و يصليه جحيما ...

و انصرف صعصعة و ترك معاوية يتميز غيظا و كمدا، و عمد بعد ذلك الى سجنه مع جماعة من أصحابه، و بقوا فى سجنه مدة من الزمن فدخل عليهم قائلا لهم:

«نشدتكم باللّه إلا ما قلتم حقا و صدقا، أي الخلفاء رأيتموني؟».

فانبرى إليه عبد اللّه بن الكواء قائلا:

«لو لا انك عزمت علينا ما قلنا، لأنك جبار عنيد، لا تراقب اللّه فى قتل الأخيار، و لكنا نقول: قد علمنا أنك واسع الدنيا ضيق الآخرة قريب الثرى، بعيد المرعى، تجعل الظلمات نورا و النور ظلمات!!»

فقال معاوية له: «إن اللّه أكرم هذا الأمر بأهل الشام الذابين عن بيضته، التاركين لمحارمه، و لم يكونوا كأمثال أهل العراق المنتهكين لمحارم اللّه، و المحلين ما حرم اللّه، و المحرمين ما أحل اللّه».

فأجابه ابن الكواء: «يا ابن أبي سفيان، إن لكل كلام جوابا و نحن نخاف جبروتك، فان كنت تطلق السنتنا ذببنا عن أهل العراق بألسنة حداد لا يأخذها فى اللّه لومة لائم، و إلا فإنا صابرون حتى يحكم اللّه و يضعنا على فرجه».

فقال له معاوية: «لا و اللّه لا يطلق لك لسان».

و سكت عبد اللّه فتكلم صعصعة:

«تكلمات يا ابن أبي سفيان فأبلغت، و لم تقصر عما أردت، و ليس الأمر كما ذكرت، أنى يكون الخليفة من ملك الناس قهرا، و دانهم كبرا و استولى بأسباب الباطل كذبا و مكرا!! أما و اللّه مالك في يوم بدر مضرب و لا مرمى و ما كنت فيه إلا كما قال القائل: «لا حلي و لا سيري» و لقد كنت أنت و أبوك في العير و النفير ممن أجلب على رسول اللّه (ص) و إنما أنت طليق ابن طليق أطلقكما رسول اللّه (ص) فانى تصلح الخلافة لطليق؟»

و امتلأ قلب معاوية غيظا و كمدا فالتفت إليهم:

«لو لا أني أرجع الى قول أبي طالب حيث يقول:

قابلت جهلهم حلما و مغفرة

و العفو عن قدرة ضرب من الكرم

لقتلتكم» .

و كان صعصعة من جملة الأشخاص الذين طلب لهم الإمام الحسن (ع) من معاوية الأمن و عدم التعرض لهم بسوء و مكروه و لكن معاوية لم يف بذلك فقد روعه و أفزعه و أودعه في سجنه كما روع غيره من زعماء الشيعة، و صرحت بعض المصادر ان المغيرة نفى صعصعة بأمر معاوية من الكوفة الى الجزيرة أو الى البحرين أو الى جزيرة ابن كافان فمات بها معتقلا منفيا عن وطنه و بلاده و في رثائه يقول المرزباني :

هلا سألت بني الجارود أي فتى

عند الشفاعة و البان ابن صوحانا

كنا و كانوا كأم أرضعت ولدا

عق و لم نجز بالإحسان إحسانا

5- عدي بن حاتم:

و عدي بن حاتم من أهم الشخصيات الرفيعة الفذة في العراق، فقد كان قبل الإسلام يتمتع بمجد أصيل و شرف أثيل، فهو ابن حاتم مضرب المثل في الجود و السخاء، و بالإضافة الى مجده الموروث فقد كان في الإسلام من ابطال العقيدة، و من عيون المؤمنين، و من رجال الإسلام البارزين، و قد تقدم في هامش هذا الكتاب شيء موجز عن ترجمته، و المهم التعرض الى ما لاقاه من الهوان و الاستخفاف من قبل ابن هند لأجل ولائه و اخلاصه لأمير المؤمنين (ع) فقد دخل يوما على معاوية فقال له متشمتا به:

- ما فعلت الطرفات؟ .

- قتلوا مع علي.

- ما أنصفك علي قتل أولادك و أبقى أولاده!!.

- ما أنصفك علي إذ قتل و بقيت بعده.

فتألم ابن هند من مقال عدي و قال مهددا له:

«أما إنه قد بقي قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلا دم شريف من أشراف اليمن- يعني به عديا-».

فانبرى إليه عدي و هو غير مكترث بتهديده قائلا له:

«و اللّه إن قلوبنا التي أبغضناك بها لفي صدورنا، و إن أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، و لئن أدنيت إلينا من الغدر فترا، لندنين إليك من الشر شبرا، و إن حز الحلقوم و حشرجة الحيزوم لأهون علينا من أن نسمع المساءة في علي، فسلم السيف يا معاوية لباعث السيف».

فراوغ معاوية على عادته و قال:

«هذه كلمات حكم فاكتبوها».

ثم أقبل عليه يحدثه كأنه لم يخاطبه بشيء ثم قال له:

«صف لي عليا».

- إن رأيت أن تعفيني.

- لا أعفيك.

فأخذ عدي في وصف أمير المؤمنين فقال:

«كان و اللّه بعيد المدى، شديد القوى، يقول عدلا، و يحكم فصلا تتفجر الحكمة من جوانبه، و العلم من نواحيه، يستوحش من الدنيا و زهرتها و يستأنس بالليل و وحشته، و كان و اللّه غزير الدمعة، طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلا، و يقلب كفيه على ما مضى، يعجبه من اللباس القصير، و من المعاش الخشن، و كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، و يدنينا إذا أتيناه، و نحن مع تقريبه لنا، و قربه منا لا نكلمه لهيبته، و لا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فان تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، و يتحبب الى المساكين، لا يخاف القوي ظلمه، و لا ييأس الضعيف من عدله، فأقسم لقد رأيته ليلة و قد مثل فى محرابه و أرخى الليل سرباله، و غارت نجومه، و دموعه تتحادر على لحيته، و هو يتململ تململ السليم، و يبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه و هو يقول:

«يا دنيا، إليّ تعرضت أم إليّ أقبلت؟ غري غيري لا حان حينك قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعيشك حقير، و خطرك يسير، آه من قلة الزاد، و بعد السفر، و قلة الأنيس».

فوكفت عينا معاوية، و جعل ينشفهما بكمه و هو يقول:

«يرحم اللّه أبا الحسن، كان كذلك، فكيف صبرك عنه؟»

- كصبر من ذبح ولدها في حجرها فهي لا ترقأ دمعتها، و لا تسكن عبرتها.

- فكيف ذكرك له؟

- و هل يتركني الدهر أن أنساه؟ ،

و قد دل هذا الحديث على ولاء عدي لأمير المؤمنين و من أجل ولائه و اخلاصه فقد روع و أفزع، و قد تقدم أن زيادا أودعه في السجن حفنة من الأيام من أجل عبد اللّه بن خليفة الطائي و لم يراع شخصيته الكريمة، و مكانته الاجتماعية، و عظم منزلته، و إنما فعل ذلك به ليقضي على شيعة أمير المؤمنين عليه السلام.

6- جارية بن قدامة:

و وفد معاوية بن قدامة السعدي على معاوية، فقال له معاوية:

- أنت الساعي مع علي بن أبي طالب، و الموقد النار في شعلك، تجوس قرى عربية تسفك دماءهم؟

- يا معاوية دع عنك عليا، فما أبغضنا عليا منذ أحببناه، و لا غششناه منذ صحبناه.

- و يحك يا جارية!! ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية!!

- أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سموك معاوية !

- لا أمّ لك.

- أم ما ولدتني ، إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا.

- إنك لتهددني؟

- إنك لم تملكنا قسرة، و لم تفتحنا عنوة، و لكن أعطيتنا عهودا و مواثيق، فان وفيت لنا وفينا، و إن ترغب الى غير ذلك فقد تركنا وراءنا رجالا مدادا، و أدرعا شدادا، و أسنّة حدادا، فان بسطت إلينا فترا من غدر، زلفنا إليك بباع من ختر.

- لا كثر اللّه في الناس من أمثالك.

و تركه جارية و الأسى ملأ اهابه ، لقد لقي جارية هذا الهوان، و التبكيت من أجل ولائه للعترة الطاهرة التي فرض اللّه مودتها على جميع المسلمين.

ترويع نساء الشيعة:

و لم يقتصر معاوية فى ارهابه و اضطهاده على رجال الشيعة و زعمائهم فقد أخذ يتحرى نساءهم فما ذكرت له امرأة منهم ذات مكانة مهمة إلا و بعث خلفها فقابلها بالاستخفاف و الاستهانة، و أدخل الفزع و الخوف فى نفسها، و إذا وفدت عليه امرأة منهم قابلها بالإذلال، و أظهر لها ما يكنه في نفسه من الحقد و البغض العارم للإمام أمير المؤمنين و لشيعته و ها نحن نقدم الى القارئ الكريم أسماء بعض السيدات اللاتي بعث خلفهن، و اللاتي و فدن عليه مع ما جرى بينهن و بينه من الحديث:

1- الزرقاء بنت عدي:

و كانت الزرقاء بنت عدي بن غالب ممن عرفت بالولاء و الإخلاص لأمير المؤمنين (ع)، و كانت من ربات البلاغة و الفصاحة و الرأي الصائب و كانت في واقعة صفين تدعو الجماهير الى نصرة أمير المؤمنين (ع) و تحرضهم على قتال عدوه، و لما فجع الإسلام بقتل أمير المؤمنين و انتهى الأمر الى ابن هند كتب الى عامله بالكوفة أن يحمل إليه الزرقاء بنت عدي فبعث بها إليه، فلما دخلت عليه رحب بها ثم قال لها:

«هل تعلمين لم بعثت إليك؟».

- سبحان اللّه أنّى لي بعلم ما لم أعلم!! و هل يعلم ما فى القلوب إلا اللّه.

- بعثت إليك أن أسألك أ لست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصفين توقدين الحرب، و تحرضين على القتال، فما حملك على ذلك؟

- يا أمير المؤمنين، إنه قد مات الرأس، و بتر الذنب، و الدهر ذو غير، و من تفكر أبصار، و الأمر يحدث بعده الأمر!!!

- صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟

- ما أحفظه.

- و لكني و اللّه أحفظه للّه أبوك لقد سمعتك تقولين: أيها الناس إنكم فى فتنة غشتكم جلابيب الظلم و جارت بكم عن المحجة فيا لها من فتنة عمياء صماء تسمع لناعقها، و لا تسلس لقائدها، إن المصباح لا يضيء في الشمس و إن الكواكب لا تنير مع القمر، و إن البغل لا يسبق الفرس و ان الزف لا يوازن الحجر، و لا يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشدنا أرشدناه و من استخبرنا أخبرناه، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرا يا معشر المهاجرين و الأنصار، فكان قد اندمل شعب الشتات، و التأمت كلمة العدل، و غلب الحق باطله، فلا يعجلن أحد فيقول: كيف العدل و أنى؟ ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا، ألا إن خضاب النساء الحناء، و خضاب الرجال الدماء، و الصبر خير عواقب الأمور، إيها الى الحرب غير ناكصين، و لا متشاكسين فهذا يوم له ما بعده.

و بعد ما تلى معاوية كلامها تأثر منه و اندفع و هو مغيظ محنق فقال لها:

«و اللّه يا زرقاء لقد شركت عليا في كل دم سفكه».

«أحسن اللّه بشارتك، و أدام سلامتك، مثلك من بشر بخير و سر جليسه».

«و قد سرّك ذلك؟»

«نعم و اللّه لقد سرني قولك فأنّى لي بتصديق الفعل!؟»

فتبهر معاوية من اخلاصها لأمير المؤمنين فقال:

«و اللّه لوفاؤكم له بعد موته احبّ إليّ من حبكم له فى حياته، اذكري حاجتك؟»

- إني قد آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه شيئا أبدا و مثلك أعطى من غير مسألة، و جاد عن غير طلب.

- صدقت.

ثم أقطعها ضيعة و أوصلها وردها الى أهلها .

إنه و إن أكرمها أخيرا، و أجزل لها العطاء إلا أنه قد روعها و أفزعها أولا و أظهر لها الظفر و الغلبة و النصر عليها.

2- أم الخير البارقية:

كانت أم الخير بنت الحريش البارقية من سيدات النساء و من البليغات البارعات، و قد عرفت بالولاء و الإخلاص لأمير المؤمنين (ع)، و كانت في واقعة صفين تحرض الجماهير على حرب ابن هند، و تحفزهم الى الذب عن أمير المؤمنين و نصرته، و قد تألم معاوية من مواقفها، و أضمر لها الحقد و العداء، و لما انحسرت روح الإسلام باستيلائه على زمام الحكم كتب الى واليه على الكوفة يأمره بأن يحمل إليه أم الخير لينتقم منها، فلما ورد الكتاب الى عامله بعثها إليه، فلما دخلت على معاوية قالت:

«السلام عليك يا أمير المؤمنين».

- و عليك السلام، و بالرغم و اللّه دعوتنى بهذا الاسم.

- مه يا هذا، فان بديهة السلطان مدحضة لما يجب علمه.

- صدقت يا خالة، و كيف رأيت مسيرك؟

- لم أزل في عافية و سلامة حتى أوفدت الى ملك جزل، و عطاء بذل، فأنا في عيش أنيق، عند ملك رفيق.

- بحسن نيتي ظفرت بكم و أعنت عليكم.

- مه يا هذا، لك و اللّه من دحض المقال ما تردّى عاقبته.

- ليس لهذا أردناك.

- إنما أجرى فى ميدانك إذا أجريت شيئا أجريته، فاسأل عما بدا لك؟

- كيف كان كلامك يوم قتل عمار بن ياسر؟

- لم أكن و اللّه رويته قبل، و لا زورته بعد، و إنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة، فان شئت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت؟

- لا أشاء ذلك!!

ثم التفت الى أصحابه فقال لهم: أيكم حفظ كلام أم الخير؟ فانبرى إليه أحدهم فقال له: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد فقال له: هاته، فقال: كأني بها و عليها برد زبيدي كثيف الحاشية و على جمل أرمك و قد احيط حولها و بيدها سوط منتشر الضفر و هي كالفحل يهدر في شقشقته تقول:

«يا أيها الناس، اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، إن اللّه قد أوضح الحق، و أبان الدليل، و نوّر السبيل، و رفع العلم، فلم يدعكم فى عمياء مبهمة، و لا سوداء مدلهمة، فإلى أين تريدون رحمكم اللّه! أ فرارا عن أمير المؤمنين؟ أم فرارا من الزحف؟ أم رغبة عن الإسلام؟ أم ارتدادا عن الحق؟ أ ما سمعتم اللّه عز و جل يقول: «و لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرون و نبلو أخباركم».

ثم رفعت رأسها الى السماء و هي تقول: «اللهم قد عيل الصبر، و ضعف اليقين، و انتشر الرعب، و بيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع الكلمة على التقوى، و الّف القلوب على الهدى، و رد الحق الى أهله، هلموا رحمكم اللّه الى الإمام العادل، و الوصي الوفي، و الصديق الأكبر، إنها احن بدرية، و أحقاد جاهلية، و ضغائن أحدية، و ثب بها معاوية حين الغافلة، ليدرك بها ثارات بني عبد شمس».

ثم قالت: «قاتلوا أئمة الكفر انهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون» صبرا معاشر المهاجرين و الأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم، قد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة، فرت من قسورة، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، و اشتروا الضلالة بالهدى، و باعوا البصيرة بالعمى، و عما قليل ليصبحن نادمين حين تحل الندامة فيطلبون الاقالة إنه و اللّه من ضل عن الحق وقع فى الباطل، و من لم يسكن الجنة نزل النار، أيها الناس إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها، و استبطئوا مدة الآخرة فسعوا لها، و اللّه أيها الناس لو لا أن تبطل الحقوق، و تعطل الحدود، و يظهر الظالمون، و تقوى كلمة الشيطان لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش و طيبه، فإلى أين تريدون رحمكم اللّه؟ عن ابن عم رسول اللّه (ص) و زوج ابنته و أبي ابنيه؟ خلق من طينته، و تفرع من نبعته. و خصه بسره، و جعله باب مدينته، و أعلم بحبه المسلمين، و أبان ببغضه المنافقين، فلم يزل كذلك يؤيده بمعونته، و يمضى على سنن استقامته لا يرجع لراحة اللذات و هو مفلق الهام، و مكسر الأصنام، إذ صلى و الناس مشركون، و أطاع و الناس مرتابون، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، و أفنى أهل أحد، و فرق جمع هوازن، فيا لها وقائع زرعت فى قلوب قوم نفاقا، وردة و شقاقا، و قد اجتهدت فى القول، و بالغت فى النصيحة، و باللّه التوفيق و عليكم السلام و رحمة اللّه و بركاته».

فانتفخت أوداج معاوية غيظا و حنقا و قال لها بنبرات تقطر غضبا:

«و اللّه يا أم الخير ما أردت بهذا إلا قتلي، و اللّه لو قتلتك ما حرجت فى ذلك».

فأجابته و هي غير خائفة منه:

«و اللّه ما يسؤني يا ابن هند أن يجري اللّه ذلك على يد من يسعدني اللّه بشقائه».

- هيهات يا كثيرة الفضول، ما تقولين فى عثمان بن عفان؟

- و ما عسيت أن أقول فيه استخلفه الناس و هم كارهون، و قتلوه و هم راضون.

و بعد حديث جرى بينهما أطلق أخيرا سراحها و عفا عنها .

3- سودة بنت عمارة:

و سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمداني من سيدات نساء العراق، و من ربات الفصاحة و البيان، ورثت حب أمير المؤمنين من آبائها الكرام الذين عرفوا بالحب و الأخلاص له، وفدت على معاوية تشتكي عنده جور عامله فلما دخلت عليه عرفها فقال لها:

أ لست القائلة يوم صفين؟:

شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة

يوم الطعان و ملتقى الأقران

و انصر عليا و الحسين و رهطه

و اقصد لهند و ابنها بهوان

إن الإمام أخا النبي محمد

علم الهدى و منارة الإيمان

فقد الجيوش و سر أمام لوائه

قدما بأبيض صارم و سنان

قالت: «أي و اللّه ما مثلي من رغب عن الحق أو اعتذر بالكذب».

- فما حملك على ذلك؟!

- حب علي و إتباع الحق.

- فو اللّه ما أرى عليك من أثر علي شيئا؟!

- يا أمير المؤمنين مات الرأس و بتر الذنب، فدع عنك تذكار ما قد نسي و اعادة ما مضى.

- هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى، و ما لقيت من أحد ما لقيت من قومك و أخيك.

- صدق فوك لم يكن أخي ذميم المقام، و لا خفي المكان كان و اللّه كقول الخنساء:

و إن صخرا لتأتم الهداة به

كأنه علم فى رأسه نار

- صدقت كان كذلك.

- مات الرأس و بتر الذنب، و باللّه أسأل أمير المؤمنين اعفائي مما استعفيت منه.

- قد فعلت فما حاجتك؟

- إنك أصبحت للناس سيدا. و لأمرهم متقلدا، و اللّه سائلك من أمرنا، و ما افترض من حقنا. و لا يزال يقدم علينا من ينوء بعزك.

و يبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السنبل، و يدوسنا دوس البقر، و يسومنا الخسيسة، و يسلبنا الجليلة هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي و أخذ مالي، و لو لا الطاعة لكان فينا عز و منعة، فأما عزلته عنا فشكرناك، و إما لا فعرفناك.

فتأثر معاوية من كلامها و قال لها:

«أ تهدديني بقومك؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردك إليه ينفذ فيك حكمه».

فأطرقت الى الأرض و هي باكية العين حزينة القلب ثم أنشأت تقول:

صلى الإله على جسم تضمنه

قبر فأصبح فيه العدل مدفونا

قد حالف الحق لا يبغي به بدلا

فصار بالحق و الإيمان مقرونا

- و من ذلك؟

- علي بن أبي طالب.

- و ما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟

- قدمت عليه في رجل ولاه صدقتنا فكان بيني و بينه ما بين الغث و السمين، فأتيت عليا عليه السلام لأشكو إليه ما صنع، فوجدته قائما يصلي فلما نظر إلي انفتل من صلاته، ثم قال لي برأفة و تعطف: أ لك حاجة؟

فأخبرته الخبر فبكى ثم قال: «اللهم إنك أنت الشاهد عليّ و عليهم أني لم آمرهم بظلم خلقك، و لا بترك حقك» ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب، فكتب فيها: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل و الميزان بالقسط و لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدين، بقية اللّه خير لكم إن كنتم مؤمنين، و ما أنا عليكم بحفيظ، إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك و السلام» فأخذته منه، و اللّه ما ختمه بطين و لا حزمه بحزام.

فتبهر معاوية و تعجب من هذا العدل و الإنصاف و قال: «أكتبوا لها بالانصاف و العدل لها».

فانبرت إليه قائلة:

«أ لي خاصة أم لقومى عامة؟»

- و ما أنت و غيرك؟

- هي و اللّه إذن الفحشاء و اللؤم، إن لم يكن عدلا شاملا، و إلا فأنا كسائر قومى.

- هيهات لمظكم ابن أبي طالب الجرأة و غركم قوله:

فلو كنت بوابا على باب جنة

لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

ثم قال: «اكتبوا لها و لقومها بحاجتها» .

4- أم البراء بنت صفوان:

و كانت أم البراء بنت صفوان بن هلال من سيدات النساء في عفتها و طهارة ذيلها، عرفت بالولاء و الإخلاص لأمير المؤمنين عليه السلام، و كان لها موقف مشرف في صفين فكانت تحرض الجماهير الحاشدة على مناجزة معاوية و قتاله، و لما انتهى الأمر إليه وفدت عليه فقال لها:

«كيف أنت يا بنت صفوان؟»

- بخير يا أمير المؤمنين.

- كيف حالك؟

- ضعفت بعد جلد، و كسلت بعد نشاط.

- شتان بينك اليوم و حين تقولين:

يا عمرو دونك صارما ذا رونق

غضب المهزة ليس بالخوار

أسرج جوادك مسرعا و مشمرا

للحرب غير معرد لفرار

أجب الإمام و دب تحت لوائه

وافر العدو بصارم بتار

يا ليتني أصبحت ليس بعورة

فأذب عنه عساكر الفجار

- قد كان ذاك يا أمير المؤمنين، و مثلك عفا و اللّه تعالى يقول:

«عفا اللّه عما سلف».

- هيهات أما انه لو عاد لعدت، و لكن أخترم دونك فكيف قولك حين قتل؟» فقالت نسيته.

فانبرى إليه بعض جلسائه فقال إنها تقول:

يا للرجال لعظم هول مصيبة

فدحت فليس مصابها بالهازل

الشمس كاسفة لفقد إمامنا

خير الخلائق و الإمام العادل

يا خير من ركب المطي و من مشى

فوق التراب لمحتف أو ناعل

حاشا النبي لقد هددت قواءنا

فالحق أصبح خاضعا للباطل

فتألم ابن هند و قال لها:

«قاتلك اللّه يا بنت صفوان، ما تركت لقائل مقالا اذكري حاجتك».

و لما رأت بنت صفوان الاستهانة و التحقير من معاوية امتنعت أن تفوه بحاجتها و تسأله بمسألتها فقالت له:

«هيهات بعد هذا و اللّه لا سألتك شيئا».

و لما قامت من مجلسه عثرت فقالت: «تعس شاءني علي» .

و قد لاقت هذه المرأة النبيلة الكريمة المحتد و الطيبة العنصر الاستهانة و الإذلال لحبها لأمير المؤمنين.

5- بكارة الهلالية:

و بكارة الهلالية من سيدات النساء الموصوفات بالشجاعة و الإقدام و الفصاحة و البلاغة، كانت من أنصار أمير المؤمنين في واقعة صفين و قد خطبت فيها خطبا حماسية دعت فيها جنود الحق للذب عن سيد المسلمين و أمير المؤمنين (ع) و لحرب عدوه.

و فدت بكارة على معاوية بعد أن تم له الأمر، و قد كبرت ودق عظمها، و معها خادمان و هي متكئة عليهما و بيدها عكاز، فسلمت على معاوية بالخلافة فأحسن لها الرد و أذن لها بالجلوس، و كان عنده مروان بن الحكم، و عمرو بن العاص، فعرفها مروان فالتفت الى معاوية قائلا:

«أ ما تعرف هذه يا أمير المؤمنين؟»

- و من هي؟

- هي التي كانت تعين علينا يوم صفين و هي القائلة:

يا زيد دونك فاستثر من دارنا

سيفا حساما فى التراب دفينا

قد كان مذخورا لكل عظيمة

فاليوم أبرزه الزمان مصونا

و اندفع ابن العاص قائلا: يا أمير المؤمنين و هي القائلة:

أ ترى ابن هند للخلافة مالكا

هيهات ذاك و ما أراد بعيد

منتك نفسك في الخلاء ضلالة

أغراك عمرو للشقاء و سعيد

فارجع بأنكد طائر بنحوسها

لاقت عليا أسعد و سعود

و انبرى بعدهما سعيد قائلا: يا أمير المؤمنين و هي القائلة:

قد كنت آمل أن أموت و لا أرى

فوق المنابر من أميّة خاطبا

فاللّه أخر مدتي فتطاولت

حتى رأيت من الزمان عجائبا

في كل يوم لا يزال خطيبهم

وسط الجموع لآل أحمد عائبا

و سكت القوم، فالتفتت بكارة الى معاوية قائلة له:

«نبحتنى كلابك يا أمير المؤمنين و اعتورتني، فقصرت محجتي و كثر عجبي، و غشي بصري، و أنا و اللّه قائلة ما قالوا لا أدفع ذلك بتكذيب، فامض لشأنك، فلا خير فى العيش بعد أمير المؤمنين» .

ثم انصرفت و الألم يحز فى فؤادها، قد نبحتها كلاب معاوية و احتوشها جلساؤه الأوغاد.

6- أروى بنت الحارث:

و أروى بنت الحارث بن عبد المطلب من سيدات نساء المسلمين فى اقدامها و شجاعتها و حسن منطقها، قد عرفت بالولاء و الحب لأمير المؤمنين عليه السلام، و فدت على معاوية فوجهت له سهاما من القول، و عرضت في كلامها عن محنة أهل البيت (ع) و ما لاقوه بعد النبي (ص) من المحن و البلاء و هذا نص كلامها:

«أنت يا ابن أخي لقد كفرت بالنعمة، و أسأت لابن عمك- يعني عليا- الصحبة، و تسميت بغير اسمك، و أخذت غير حقك بغير بلاء كان منك و لا من آبائك في الإسلام، و لقد كفرتم بما جاء به محمد (ص) فأتعس اللّه منكم الجدود، و أصعر منكم الخدود، حتى رد اللّه الحق الى أهله، و كانت كلمة اللّه هي العليا، و نبينا محمد (ص) هو المنصور على من ناوأه و لو كره المشركون، فكنا أهل البيت أعظم الناس فى الدين حظا و نصيبا و قدرا حتى قبض اللّه نبيه (ص) مغفورا ذنبه، مرفوعا درجته شريفا عند اللّه مرضيا فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من آل فرعون يذبحون أبناءهم، و يستحيون نساءهم، و صار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول: «يا ابن أم ان القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني»، و لم يجمع بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لنا شمل، و لم يسهل لنا وعر، و غايتنا الجنة، و غايتكم النار».

و كان ابن العاص حاضرا فلسعه كلامها فاندفع قائلا:

«أيتها العجوز الضالة أقصري من قولك، و غضي من طرفك».

- و من أنت لا أم لك؟

- عمرو بن العاص.

- يا ابن اللخناء النابغة، أ تكلمني؟!! أربع على ضلعك، و أعن بشأن نفسك، فو اللّه ما أنت من قريش فى اللباب من حسبها، و لا كريم منصبها، و لقد ادعاك ستة من قريش كل واحد يزعم أنه أبوك، و لقد رأيت أمك أيام منى بمكة مع كل عبد عاهر فأتم بهم فانك بهم أشبه.

و التفت لها مروان بن الحكم فقال لها:

«أيتها العجوز الضالة ساخ بصرك مع ذهاب عقلك، فلا تجوز شهادتك».

فانبرت إليه قائلة:

«يا بني أ تتكلم؟ فو اللّه لأنت الى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم، و إنك لتشبهه فى زرقة عينيك، و حمرة شعرك، مع قصر قامته، و ظاهر دمامته، و لقد رأيت الحكم ماد القامة، ظاهر الأمة، سبط الشعر و ما بينكما من قرابة إلا كقرابة الفرس الضامر من الأتان المقرب فاسأل أمك عما ذكرت لك فانها تخبرك بشأن أبيك إن صدقت».

ثم التفتت الى معاوية فقالت له:

«و اللّه ما عرضني لهؤلاء غيرك و إن أمك هند القائلة فى يوم أحد في قتل حمزة رحمة اللّه عليه:

نحن جزيناكم بيوم بدر

و الحرب يوم الحرب ذات سعر

ما كان عن عتبة لي من صبر

أبي و عمي و أخي و صهرى

شفيت وحشي غليل صدري

شفيت نفسي و قضيت نذري

فشكر وحشي عليّ عمري

حتى تغيب أعظمي في قبري

فأجبتها:

يا بنت رقاع عظيم الكفر

خزيت فى بدر و غير بدر

صبحك اللّه قبيل الفجر

بالهاشميين الطوال الزهر

بكل قطاع حسام يفري

حمزة ليثي و علي صقري

إذ رام شبيب و أبوك غدري

أعطيت وحشي ضمير الصدر

هتك وحشي حجاب الستر

ما للبغايا بعدها من فخر

فثار معاوية و التفت الى ابن العاص و مروان قائلا:

«ويلكما أنتما عرضتماني لها و أسمعتماني ما أكره».

ثم التفت إليها فقال لها:

«يا عمة اقصدي حاجتك و دعي عنك أساطير النساء».

- تأمر لي بألفي دينار، و ألفي دينار، و ألفي دينار.

- ما تصنعين بألفي دينار؟

- أشتري بها عينا خرخارة، في أرض خوارة تكون لولد الحارث ابن عبد المطلب.

- نعم الموضع وضعتها، فما تصنعين بألفي دينار؟

- أزوج بها فتيان عبد المطلب من أكفائهم.

- نعم الموضع وضعتها، فما تصنعين بألفي دينار؟

- أستعين بها على عسر المدينة، و زيارة بيت اللّه الحرام.

- نعم الموضع وضعتها، هي لك نعم و كرامة.

ثم التفت إليها بعد هذا العطاء الجزيل ليرى مدى اخلاصها لأمير المؤمنين قائلا:

«أما و اللّه لو كان علي ما أمر لك بها!!»

- صدقت، إن عليا أدى الأمانة، و عمل بأمر اللّه و أخذ به، و أنت ضيعت أمانتك، و خنت اللّه فى ماله، فأعطيت مال اللّه من لا يستحقه و قد فرض اللّه في كتابه الحقوق لأهلها و بيّنها فلم تأخذ بها، و دعانا علي الى أخذ حقنا الذي فرض اللّه لنا فشغل بحربك عن وضع الأمور في مواضعها، و ما سألتك من مالك شيئا فتمن به إنما سألتك من حقنا، و لا نرى أخذ شيء غير حقنا، أتذكر عليا فضّ اللّه فاك و أجاهد بلاءك؟.

ثم بكت و قالت راثية لأمير المؤمنين:

ألا يا عين ويحك أسعدينا

ألا و ابكي أمير المؤمنينا

رزينا خير من ركب المطايا

و فارسها و من ركب السفينا

و من لبس النعال أو احتذاها

و من قرأ المثاني و المئينا

إذا استقبلت وجه أبي حسين

رأيت البدر راع الناظرينا

و لا و اللّه لا أنسى عليا

و حسن صلاته في الراكعينا

أ في الشهر الحرام فجعتمونا

بخير الناس طرا أجمعينا

فأمر لها معاوية بستة آلاف دينار فأخذتها و انصرفت و قد أراد معاوية بتكريمه لها استمالة قلبها و صرفها عن حب أمير المؤمنين (ع)، و قد خاب سعيه، فان من طبع على حب أمير المؤمنين و الإخلاص إليه كيف يغيره المال؟ و تقلب عقيدته المادة، و قد فاهت بهذا الشعور الطيب كريمة أبي الأسود الدؤلي فقد بعث معاوية حلوى هدية الى أبيها ليستميله عن حب أمير المؤمنين (ع) فتناولت ابنته قطعة من تلك الحلوى و وضعتها في فيها فقال لها أبوها:

«يا بنتي القيها فانها سم، هذه حلواء أرسلها إلينا معاوية ليخدعنا عن أمير المؤمنين و يردنا عن محبة أهل البيت!!»

فلما سمعت بذلك انبرت الى أبيها تعرب له عن شعورها الطيب و عن مدى حبها لأمير المؤمنين قائلة:

«قبحه اللّه، يخدعنا عن السيد المطهر بالشهد المزعفر، تبا لمرسله و آكله!!»

ثم قاءت ما أكلته و أنشأت تقول:

أبا لشهد المزعفر يا ابن هند

نبيع عليك أحسابا و دينا

معاذ اللّه كيف يكون هذا

و مولانا أمير المؤمنينا

7- عكرشة بنت الأطرش:

و عكرشة بنت الأطرش سيدة جليلة تعد في طليعة نساء العرب فى شجاعتها، و قوة بيانها، كانت فى صفين تدعو الناس الى نصرة الإمام و مناجزة عدوه، و لما تم الأمر الى معاوية و فدت عليه فسلمت عليه بالخلافة

فتذكر موقفها في صفين فقال لها:

«يا عكرشة الآن صرت أمير المؤمنين؟»

فقالت له:

«نعم إذ لا عليّ حي».

فلم يقتنع بذلك و أخذ يذكرها بموقفها و خطبها فى صفين قائلا:

«أ لست صاحبة الكور المسدول، و الوسيط المشدود، و المتقلدة بحمائل السيف، و أنت واقفة بين الصفين تقولين:

«يا أيها الناس، عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إن الجنة دار لا يرحل عنها من قطنها، و لا يحزن من سكنها، فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها، و لا تنصرم همومها، كونوا قوما مستبصرين، إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب، غلف القلوب، لا يفقهون الإيمان، و لا يدرون ما الحكمة؟ دعاهم بالدنيا فأجابوه، و استدعاهم الى الباطل فلبوه، فاللّه اللّه عباد اللّه في دين اللّه!! و إياكم و التواكل، فان فى ذلك نقض عروة الإسلام، و إطفاء نور الإيمان، و ذهاب السنة، و إظهار الباطل هذه بدر الصغرى، و العقبة الأخرى، قاتلوا يا معشر الأنصار و المهاجرين على بصيرة من دينكم، و اصبروا على عزيمتكم، فكأني بكم غدا و قد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة، و البغال الشحاجة تضفع ضفع البقر، و تروث روث العتاق».

و بعد ما تلى معاوية عليها خطابها قال لها بنبرات تقطر غضبا:

«فو اللّه لو لا قدر اللّه، و ما أحب أن يجعل لنا هذا الأمر لقد كان انكفأ علي العسكران فما حملك على ذلك؟»

فقابلته بناعم القول قائلة:

«إن اللبيب إذا كره أمرا لم يحب إعادته».

- صدقت اذكري حاجتك.

- إن اللّه قد رد صدقاتنا علينا ورد أموالنا فينا إلا بحقها، و إنا قد فقدنا ذلك، فما ينعش لنا فقير، و لا يجبر لنا كسير فان كان ذلك عن رأيك فما مثلك من استعان بالخونة، و لا استعمل الظالمين.

فما اعتنى معاوية باسترحامها و قال لها:

«يا هذه إنه تنوبنا أمور هي أولى بنا منكم، من بحور تنبثق، و ثغور تنفتق».

- يا سبحان اللّه!! ما فرض اللّه لنا حقا جعل لنا فيه ضررا على غيرنا ما جعله لنا و هو علام الغيوب.

و لم يجد حينئذ معاوية بدا من إجابتها فقال لها:

- هيهات يا أهل العراق نبهكم ابن أبي طالب فلن تطاقوا.

ثم أمر لها بقضاء حاجتها وردها الى أهلها .

8- الدارمية الحجونية:

و من سيدات النساء و خيارهن الدارمية الحجونية، عرفت بالصلاح و النسك، و بقوة الحجة، و شدة العارضة، قد والت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، و لما تم الأمر الى معاوية بعث خلفها و كان آنذاك في الحجاز فلما مثلت عنده قال لها:

«كيف حالك يا ابنة حام»

- بخير، و لست لحام إنما أنا امرأة من قريش من بني كنانة، ثمت من بني أبيك.

- صدقت، هل تعلمين لم بعثت إليك؟

- لا، يا سبحان اللّه!! و أنّى لي بعلم ما لم أعلم؟

- بعثت إليك أن أسألك علام أحببت عليا (ع) و أبغضتيني؟ و علام و أليتيه و عاديتيني؟

- أو تعفيني من ذلك؟

- لا أعفيك، لذلك دعوتك.

- فأما إذا أبيت فإني أحببت عليا (ع) على عدله في الرعية، و قسمه بالسوية، و أبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك، و طلبك ما ليس لك، و واليت عليا على ما عقد له رسول اللّه (ص) من الولاية و حب المساكين، و اعظامه لأهل الدين، و عاديتك على سفكك الدماء، و شقك العصا.

فتأثر ابن هند من مقالها و قال فاحشا و مستهزئا:

«صدقت فلذلك انتفخ بطنك، و كبر ثديك، و عظمت عجيزتك» فردت عليه مقالته بالمثل:

«يا هذا بهند و اللّه يضرب المثل لا أنا».

- لا تغضبي فانا لم نقل إلا خيرا، إنه إن انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، و إذا كبر ثديها حسن غذاء ولدها، و إذا عظمت عجيزتها وزن مجلسها.

فهدأ روعها، و سكن غضبها، ثم التفت لها:

- هل رأيت عليا؟

- أي و اللّه لقد رأيته.

- كيف رأيته؟

- لم ينفخه الملك، و لم تصقله النعمة .

- هل سمعت كلامه؟

- كان و اللّه كلامه يجلو القلوب من العمى، كما يجلي الزيت صداء الطست.

- صدقت، هل لك من حاجة؟

- أو تفعل إذا سألتك؟

- نعم.

- تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها و راعيها.

- ما تصنعين بها؟

- أغذو بألبانها الصغار، و أستحيي بها الكبار، و اكتسب بها المكارم و اصلح بها بين العشائر.

- فان أعطيتك ذلك فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب؟

- سبحان اللّه!!! أو دونه أو دونه.

فتبهر معاوية و قال:

إذا لم أعد بالحلم مني عليكم

فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم

خذيها هنيئا و اذكري فعل ماجد

جزاك على حرب العداوة بالسلم

أما و اللّه لو كان علي حيا ما أعطاك منها شيئا.

- لا و اللّه و لا و برة واحدة من مال المسلمين .

الى هنا يننهي بنا الحديث عما لاقته شيعة أمير المؤمنين عليه السلام من التنكيل، و التعذيب، و الإعدام، و العسف، و الإرهاب، و الإذلال، و التحقير من قبل معاوية و عامله زياد، و بذلك فقد نقض معاوية أهم شروط الصلح، و هو عدم التعرض لشيعة آل البيت بسوء و مكروه و غائلة:

المؤتمر الحسيني:

و لما رأى سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) الإجرءات الحاسمة التي اتخذها معاوية ضد العترة الطاهرة، عقد (ع) مؤتمرا في مكة، دعا فيه جمهورا غفيرا ممن شهد موسم الحج من المهاجرين و الأنصار، و التابعين، و غيرهم من سائر المسلمين، و عرض عليهم ما ألمّ بأهل البيت و بشيعتهم من المحن و الخطوب من جراء الحكم القائم الذي عمد الى اتخاذ جميع الوسائل للكيد لآل النبي (ص) و اخفاء فضائلهم، و ستر ما أثر عن الرسول فى حقهم و قد ألزم حضار مؤتمره باذاعة ذلك بين المسلمين، و نسوق ما رواه سليم ابن قيس فى ذلك قال:

«و لما كان قبل موت معاوية بسنة، حج الحسين بن علي، و عبد اللّه ابن عباس، و عبد اللّه بن جعفر، فجمع الحسين بني هاشم، رجالهم و نساءهم، و مواليهم، و من حج منهم من الأنصار، ممن يعرفه الحسين عليه السلام و أهل بيته، ثم أرسل رسلا و قال لهم: لا تدعوا أحدا حج العام من أصحاب رسول اللّه (ص) المعروفين بالصلاح و النسك إلا اجمعوهم لي، فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل و هم فى سرادقه. عامتهم من التابعين، و نحو من مائتي رجل من أصحاب النبي صلى اللّه عليه و آله فقام فيهم خطيبا:

«فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد، فان هذا الطاغية قد فعل بنا و بشيعتنا ما قد رأيتم، و علمتم و شهدتم. و إني أريد أن أسألكم عن شيء فان صدقت فصدقوني، و إن كذبت فكذبوني، اسمعوا مقالتي، و اكتبوا قولي، ثم ارجعوا الى أمصاركم و قبائلكم، فمن أمنتم من الناس، و وثقتم به فادعوهم الى ما تعلمون من حقنا. فاني أتخوف أن يدرس هذا الأمر و يغلب، و اللّه متم نوره و لو كره الكافرون».

«و ما ترك شيئا مما أنزله اللّه فيهم من القرآن إلا تلاه و فسره، و لا شيئا مما قاله رسول اللّه (ص) فى أبيه و أخيه و أمه و فى نفسه و أهل بيته إلا رواه .. و كل ذلك يقول أصحابه اللهم نعم، و قد سمعنا و شهدنا، و يقول التابعي: اللهم قد حدثني به من أصدقه و ائتمنه من الصحابة، فقال: أنشدكم اللّه إلا حدثتم به من تثقون به و بدينه ...»

و كان هذا المؤتمر الذي عقده الإمام أول مؤتمر عرفه العالم الإسلامى في ذلك الوقت، فقد شجب فيه الإمام سياسة معاوية، و دعا المسلمين الى مناهضة حكمه، و الى الإطاحة بسلطانه.

4- البيعة ليزيد:

و من أهم بنود الصلح إرجاع الخلافة الإسلامية الى الإمام الحسن، و من بعده الى أخيه الحسين عليهما السلام بعد هلاك معاوية، فقد كانت هذه المادة من أهم شروط الصلح التي وقع عليها معاوية، و لكنه بعد ما تم له الأمر، و صفا له الملك، صمم على نقضها، و على عدم الوفاء بها، فقد أخذ يعمل مجدّا في جعل الخلافة وراثة في أهل بيته، و هو بهذا الفعل كما يقول الاستاذ السيد قطب: «مدفوع بدافع لا يعرفه الإسلام، دافع العصبية العائلية و القبلية، و ما هي بكثيرة على معاوية و لا بغريبة عليه، فمعاوية بن أبي سفيان و ابن هند بنت عتبة، و هو وريث قومه و أشبه شيء بهم في بعد روحه عن حقيقة الإسلام» .

لقد كان معاوية في فعله هذا مدفوعا بدافع الجاهلية العمياء، و بدافع العصبية القبلية التي شجبها الإسلام فقد اعتبر المواهب و الكفاءة و العلم و الجدارة فيمن يتولى شئون الحكم، و الغى جميع الاعتبارات التي لا تمت لذلك، فقد صح عن رسول اللّه (ص) أنه قال: «من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمّر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة اللّه لا يقبل منه صرفا و لا عدلا حتى يدخله جهنم» و لكن معاوية الذي برىء من الإسلام راح يعمل بوحي من جاهليته الى الانتقام من الإسلام و الى تمزيق صفوف المسلمين فعمد الى جعل الخلافة الى ولده الفاسق الأثيم يزيد و قد صور فسقه و مجونه الشاعر العبقري الاستاذ الكبير بولس سلامة بقوله:

و ترفق بصاحب العرش مشغو

لا عن اللّه بالقيان الملاح

ألف (اللّه أكبر) لا يساوي

بين كفي يزيد نهلة راح

تتلظى في الدنان بكرا فلم

تدنس بلثم و لا بماء قراح

و قال فيه عبد اللّه بن حنظلة الصحابي العظيم المنعوت بالراهب قتيل واقعة الحرة: و اللّه ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنه رجل ينكح الامهات، و البنات، و الأخوات، و يشرب الخمر و يدع الصلاة، و اللّه لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت للّه فيه بلاء حسنا» . و قال فيه المنذر بن الزبير لما قدم المدينة: «إن يزيد قد أجازني بمائة الف، و لا يمنعني ما صنع بي أن أخبركم خبره، و اللّه إنه ليشرب الخمر، و اللّه إنه ليسكر حتى يدع الصلاة» ، و قال ابن فليح إن أبا عمرو بن حفص و فد على يزيد فأكرمه، و أحسن جائزته، فلما قدم المدينة قام الى جنب المنبر و كان مرضيا صالحا فخطب الناس فقال لهم: «أ لم أحب؟ أ لم أكرم؟ و اللّه رأيت يزيد بن معاوية يترك الصلاة مسكرا، .

لقد كان معاوية يعلم فسق ولده و ارتكابه للموبقات، و ادمانه على شرب المسكر، و تركه للصلاة، و قد أدلى بذلك في كتابه الذي ندد فيه بأفعاله فقد جاء فيه ما نصه:

«بلغني أنك اتخذت المصانع و المجالس للملاهي و المزامير كما قال تعالى:

«أتبنون بكل ريع آية تعبثون و تتخذون مصانع لعلكم تخالدون»، و أجهرت الفاحشة حتى اتخذت سريرتها عندك جهرا. اعلم يا يزيد، ان أول ما سلبكه السكر معرفة مواطن الشكر للّه على نعمه المتظاهرة، و آلائه المتواترة، و هي الجرحة العظمى، و الفجعة الكبرى: ترك الصلوات المفروضات في أوقاتها، و هو من أعظم ما يحدث من آفاتها، ثم استحسان العيوب، و ركوب الذنوب، و إظهار العورة، و إباحة السر، فلا تأمن نفسك على سرك، و لا تعتقد على فعلك» .

و مع علمه بمروق ولده عن الدين، و استحلاله لما حرّم اللّه، و اغراقه في الشهوات، كيف يمكنه من رقاب المسلمين و يفرضه حاكما عليهم، إنه بذلك مدفوع بدافع الحقد على الإسلام، و بدافع العصبية الجاهلية التي أترعت بها نفسه الشريرة.

لقد أجاهد معاوية نفسه في فرض يزيد حاكما على المسلمين، فقد ظل سبع سنين يروض الناس، و يعطي الأقارب، و يدني الأباعد من أجل ذلك ، و لما هلك زياد و كان كارها لبيعة يزيد أظهر عهدا مفتعلا عليه فيه عقد الخلافة ليزيد من بعده ، و هكذا اعتمد على جميع الوسائل التي لم يألفها المسلمون، و لم يقرها الدين فى سبيل جعل الملك في بني أميّة و تحويل الخلافة عن مفاهيمها الخلاقة الى الملك العضوض. و قد جرت تلك المقدمات التي عملها معاوية فى حياة الإمام الحسن (ع) و لكنه لم يعلن البيعة الرسمية ليزيد إلا بعد اغتياله للإمام، و علينا أن نعرض بعض الوسائل التمهيدية التي عملها معاوية من أجل ذلك.

دعوة المغيرة:

و أول من تصدى الى الدعوة لهذه البيعة المشومة المنافق الأثيم أعور ثقيف المغيرة بن شعبة صاحب الأحداث و الموبقات في الإسلام و سبب ذلك فيما يرويه المؤرخون أن معاوية أراد عزله عن الكوفة فبلغه ذلك، فرأى أن يسافر الى دمشق و يبادر بتقديم استقالته عن منصبه حتى لا تكون عليه حزازة، و ليرى الناس أنه كاره للإمارة و الحكم، و لما وصل الى دمشق عنّ له أن يلتقي بيزيد قبل التقائه بمعاوية فيحبذ له الخلافة من بعد أبيه ليتخذ من اغرائه وسيلة الى اقراره فى الحكم، كما أدلى بذلك لأصحابه و لما التقى بيزيد قال له:

«إنه قد ذهب أعيان أصحاب محمد (ص) و كبراء قريش و ذوو أسنانهم، و إنما بقي أبناؤهم و أنت من أفضلهم، و أحسنهم رأيا، و أعلمهم بالسنة و السياسة، و لا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة؟.»

و لما سمع ذلك يزيد الطائش المغرور طار لبه فرحا و سرورا فانبرى إليه قائلا:

«أو ترى ذلك يتم؟»

«نعم».

و مضى يزيد مستعجلا الى أبيه فأخبره بمقالة المغيرة، فارتاح معاوية بذلك و بعث بالوقت خلفه فعرض عليه مقالته ليزيد فأجابه بصدور ذلك منه ثم انبرى إليه يحفزه على تحقيق هذه الفكرة قائلا له مقال المنافق الذي لا يعرف الخير و لا يفكر به:

«يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما كان من سفك الدماء و الاختلاف بعد عثمان. و في يزيد منك خلف فاعقد له، فان حدث بك حدث كان كهفا للناس و خلفا منك، و لا تسفك دماء، و لا تكون فتنة!!»

و أصابت هذه الكلمات الهدف المقصود لمعاوية فقال له مخادعا و مستشيرا:

«و من لي بهذا؟»

«أكفيك أهل الكوفة، و يكفيك زياد أهل البصرة، و ليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك.»

فاستحسن معاوية رأيه، و أجازه على ذلك فأقره فى عمله، ثم أمره بالخروج الى الكوفة ليعمل على تحقيق ذلك، و لما انصرف عنه اجتمع بقومه فبادروه بالسؤال عن مصيره فأجابهم بما جلبه من البلاء و الفتن لعموم المسلمين من أجل غايته قائلا:

«لقد وضعت رجل معاوية فى غرز بعيد الغاية على أمة محمد (ص) و فتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا» و تمثل:

بمثلي شاهد النجوى و غالى

بي الأعداء و الخصم الغضابا

و سار المغيرة حتى انتهى الى الكوفة، ففاوض بمهمته جماعة ممن عرفهم بالولاء و الإخلاص للبيت الأموي فأجابوه الى ما أراد فأوفد منهم عشرة الى معاوية بعد أن أرشاهم بثلاثين ألف درهم، و جعل عليهم عميدا ولده موسى، فلما انتهوا الى معاوية حبذوا له الأمر و دعوه الى انجازه فشكرهم معاوية، و أوصاهم بكتمان الأمر، ثم التفت الى ابن المغيرة فساره قائلا:

«بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟»

- بثلاثين ألف درهم.

فضحك معاوية و قال:

«لقد هان عليهم دينهم» .

لقد توصل معاوية الى تحقيق ذلك بشراء الأديان و الضمائر و الى الاعتماد على الوسائل التي لم يألفها المسلمون، و لم يقرها الدين.

وفود الأمصار:

و وجه معاوية دعوة رسمية الى جميع الشخصيات الرفيعة فى العالم الإسلامى يدعوهم الى الحضور في دمشق ليفاوضهم في أمر البيعة ليزيد، فلما حضروا عنده دعا الضحاك بن قيس الفهري سرّا و قال له:

«إذا جلست على المنبر، و فرغت من بعض موعظتي و كلامى، فاستاذني للقيام، فاذا أذنت لك فاحمد اللّه تعالى، و اذكر يزيد و قل فيه الذي يحق له عليك، من حسن الثناء عليه، ثم ادعني الى توليته من بعدي فاني قد رأيت و أجمعت على توليته، فاسأل اللّه في ذلك، و فى غيره الخيرة و حسن القضاء».

ثم دعا فريقا آخر من الأذناب و العملاء الذين هان عليهم دينهم فباعوه بأبخس الأثمان، فأمرهم بتصديق مقالة الضحاك و تأييد فكرته، و هم:

عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، و عبد اللّه بن مسعدة الفزاري، و ثور بن معن السلمي، و عبد اللّه بن عصام الأشعري، فاستجابوا لدعوته، و نزى معاوية على المنبر فحدث الناس بما شاء أن يتحدث به، و بعد الفراغ من حديثه انبرى إليه الضحاك فاستأذنه بالكلام فأذن له، فقال بعد حمد اللّه و الثناء عليه: «أصلح اللّه أمير المؤمنين، و أمتع به، إنا قد بلونا الجماعة و الألفة و الاختلاف، و الفرقة، فوجدناها ألمّ لشعثنا، و أمنة لسبلنا، و حاقنة لدمائنا و عائدة علينا فى عاجل ما نرجو، و آجل ما نؤمل، مع ما ترجو به الجماعة من الألفة، و لا خير لنا أن نترك سدى، و الأيام عوج رواجع و اللّه يقول:

«كل يوم هو في شأن»، و لسنا ندري ما يختلف به العصران، و أنت يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك من أنبياء اللّه و خلفائه، نسأل اللّه بك المتاع، و قد رأينا من دعة يزيد بن أمير المؤمنين، و حسن مذهبه و قصد سيرته، و يمن نقيبته، مع ما قسم اللّه له من المحبة في المسلمين، و الشبه بأمير المؤمنين، في عقله، و سياسته و شيمته المرضية، ما دعانا الى الرضا به في امورنا، و القنوع به في الولاية علينا، فليوله أمير المؤمنين- أكرمه اللّه- عهده، و ليجعله لنا ملجأ و مفزعا بعده، نأوي إليه إن كان كون، فانه ليس أحد أحق بها منه، فاعزم على ذلك عزم اللّه لك في رشدك، و وفقك في امورنا».

و دل هذا الكلام على أن صاحبه رجل سوء و نفاق، فقد عمد الى سحق جميع القيم الإنسانية في سبيل أطماعه و منافعه.

و لما فرغ الضحاك من مقالته انبرى من بعده زملاؤه فأيدوا مقالته، و أخذوا ينسبون ليزيد فضائل المحسنين، و يضفون عليه مواهب العبقريين، و يطلقون عليه الألقاب الضخمة، و النعوت الشريفة التي اتصف بعكسها، و أخذوا يموهون على المجتمع أنهم إنما تكلموا من صالحه و اسعاده، و هم- يعلم اللّه- إنما أرادوا هلاكه و تحطيمه، و القضاء على نواميسه و مقدساته و بعد ما انتهى حديث هؤلاء التفت معاوية الى الوفد العراقي ليسمع رأيه و كان شخصية الوفد الأحنف بن قيس حليم العرب و سيد تميم فطلب منه معاوية الرأي فى الأمر، فقام الأحنف خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ثم التفت الى معاوية قائلا:

«أصلح اللّه أمير المؤمنين، ان الناس قد أمسوا فى منكر زمان قد سلف، و معروف زمان مؤتنف، و يزيد بن أمير المؤمنين، نعم الخلف و قد حلبت الدهر أشطره يا أمير المؤمنين فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك، ثم اعص أمر من يأمرك، لا يغررك من يشير عليك، و لا ينظر لك و أنت أنظر للجماعة، و أعلم باستقامة الطاعة، مع أن أهل الحجاز و أهل العراق لا يرضون بهذا، و لا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا»:

لقد منح الأحنف النصيحة الى معاوية و أرشده الى الحق فأشار عليه بعدم سماع أقوال المرتزقين الذين ينظرون الى صالح أنفسهم أكثر مما ينظرون لصالحه، و بيّن له أن العراقيين و الحجازيين لا يرضون بهذه البيعة ما دام حفيد الرسول و سبطه الأول حيا، و قد اثارت هذه الكلمات غضب النفعيين و المرتشين الذين تذرع معاوية بهم الى تحقيق هدفه فقام إليه الضحاك بن قيس فندد بمقالته و شتم العراقيين و هذا نص كلامه:

«أصلح اللّه أمير المؤمنين، إن أهل النفاق من أهل العراق مروءتهم في أنفسهم الشقاق، و الفتهم في دينهم الفراق، يرون الحق على أهوائهم كأنما ينظرون بأقفائهم، اختالوا جهلا و بطرا، لا يرقبون من اللّه راقبة، و لا يخافون وبال عاقبة، اتخذوا ابليس لهم ربا، و اتخذهم ابليس حزبا، فمن يقاربوه لا يسروه، و من يفارقوه لا يضروه، فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين فى نحورهم، و كلامهم في صدورهم، ما للحسن و ذوي الحسن في سلطان اللّه الذي استخلف به معاوية في أرضه؟ هيهات لا تورث الخلافة عن كلالة، و لا يحجب غير الذكر العصبة، فوطنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم، و كاتب نبيكم و صهره، يسلم لكم العاجل، و تربحوا من الآجل».

و لم نحسب أن العراق قد ذم بمثل هذا الذم الفظيع، أو وصم بمثل هذه الامور، و لكن العراقيين هم الذين جروا لأنفسهم هذا البلاء و تركوا هذا الوغد و أمثاله يحط من كرامتهم، و يتطاول عليهم. و على أي حال، فان الأحنف لم يذعن لمعاوية و لم يعتن بمقالة الضحاك فقد انبرى يهدد معاوية باعلان الحرب إن أصرّ على تنفيذ فكرته قائلا:

«يا أمير المؤمنين، إنا قد فررنا عنك قريشا فوجدناك أكرمها زندا، و أشدها عقدا، و أوفاها عهدا، قد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة، و لم تظهر عليها قعصا، و لكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود اللّه ما قد علمت ليكون له الأمر من بعدك، فان تف فأنت أهل الوفاء و إن تغدر تعلم، و اللّه إن وراء الحسن خيولا جيادا، و أذرعا شدادا، و سيوفا حدادا، إن تدن له شبرا من غدر، تجد وراءه باعا من نصر، و إنك تعلم أن أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك، و لا أبغضوا عليا و حسنا منذ أحبوهما، و ما نزل عليهم فى ذلك غير من السماء، و إن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم، و القلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم، و أيم اللّه إن الحسن لأحب لأهل العراق من علي».

لقد بالغ الأحنف فى نصح معاوية، و ذكر له تمسك العراقيين بولاء أهل البيت (ع) و ان اخلاصهم للإمام الحسن أكثر من أبيه، و هم على استعداد الى مناجزته إن نفذ بيعة يزيد، و انطلق عبد الرحمن بن عثمان فندد بمقالة الأحنف، و حرض معاوية على تنجيز مهمته قائلا له:

«أصلح اللّه أمير المؤمنين، ان رأي الناس مختلف، و كثير منهم منحرف، لا يدعون أحدا الى رشاد، و لا يجيبون داعيا الى سداد، مجانبون لرأي الخلفاء، مخالفون لهم في السنة و القضاء، و قد وقفت ليزيد فى أحسن القضية و أرضاها لحمل الرعية، فاذا خار اللّه لك فاعزم ثم اقطع قالة الكلام فان يزيد أعظمنا حلما و علما، و أوسعنا كنفا، و خيرنا سلفا، قد أحكمته التجارب، و قصدت به سبل المذاهب فلا يصرفنك عن بيعته صارف، و لا يقفن بك دونها واقف، ممن هو شاسع عاص ينوص للفتنة كل مناص لسانه ملتو، و في صدره داء دوّى، إن قال فشر قائل، و إن سكت فذو دغائل، قد عرفت من هم أولئك و ما هم عليه لك من المجانبة للتوفيق و الكلف للتفريق فاجعل ببيعته عنا الغمة، و اجمع به شمل الأمّة، فلا تحد عنه إذا هديت له، و لا تنش عنه إذا وقفت له، فان ذلك الرأي لنا و لك، و الحق علينا و عليك، اسأل اللّه العون و حسن العاقبة لنا و لك».

و صورت لنا هذه الكلمات ضميرا قلقا، و نفسا أثيمة، قد اعتنقت الشر، و ابتعدت عن الخير، و انبرى معاوية يهدد من لا يوافقه على رغبته ليفرض على المجتمع الخضوع لفكرته، و الرضا ببيعة يزيد قائلا:

«أيها الناس: إن لإبليس إخوانا و خلّانا، بهم يستعد، و إياهم يستعين، و على ألسنتهم ينطق، إن رجوا طمعا أو جفوا، و إن استغنى عنهم أرجفوا، ثم يلحقون الفتن بالفجور، و يشققون لها حطب النفاق، عيابون مرتابون، إن ولوا عروة أمر حنقوا، و إن دعوا الى غي أسرفوا و ليسوا أولئك بمنتهين، و لا بمقلعين، و لا متعظين، حتى تصيبهم صواعق خزي و بيل، و تحل بهم قوارع أمر جليل، تجتث اصولهم كاجتثاث اصول الفقع فأولى لأولئك ثم أولى، فانا قد قدما و أنذرنا إن أغنى التقدم شيئا أو نفع النذر».

بمثل هذا الإرهاب الفظيع الذي لم يعهد له نظير تذرع معاوية الى تحقيق فكرته، ثم استدعى الضحاك بن قيس فولاه الكوفة جزاء لكلامه بعد هلاك المغيرة، و استدعى عبد الرحمن فولاه الجزيرة، و قام يزيد بن المقفع رافعا عقيرته قائلا:

«أمير المؤمنين هذا- و أشار الى معاوية-».

ثم قال: «فإن هلك، فهذا- و أشار الى يزيد-».

ثم قال: «فمن أبى، فهذا- و أشار الى السيف-!!!»

فاستحسن معاوية كلامه و قال له:

«اجلس، فأنت سيد الخطباء و أكرمهم!!»

بهذا اللون من الإرهاب فرض معاوية ابنه الفاسق الفاجر خليفة على المسلمين، فلولا السيف لما وجد الى ذلك سبيلا. و لما رأى الأحنف بن قيس تصميم معاوية على فكرته و عدم تنازله عنها انبرى إليه قائلا:

«يا أمير المؤمنين: أنت أعلمنا بليله و نهاره، و بسره و علانيته، فان كنت تعلم أنه خير لك فوله و استخلفه، و إن كنت تعلم أنه شر لك، فلا تزوده الدنيا و أنت صائر الى الآخرة، فانه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب، و اعلم أنه لا حجة لك عند اللّه إن قدمت يزيد على الحسن و الحسين و أنت تعلم من هما، و إلى ما هما، و إنما علينا أن نقول: سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير» .

و لم يعتن معاوية بمقالة الأحنف و نصحه، و لم يفكر في مصير المسلمين إذا استخلف عليهم ولده قرين الفهود و المدمن على الخمور، و أخذ معاوية ولده يزيد فأجلسه فى قبة حمراء و بايعه بولاية العهد و أمر الناس بمبايعته، و أقبل بعض العملاء فسلم عليهما ثم أقبل على معاوية فقال له:

«يا أمير المؤمنين: اعلم انك لو لم تول هذا- و أشار الى يزيد أمور المسلمين لاضعتها».

فالتفت معاوية الى الأحنف:

«ما بالك لا تقول يا أبا بحر؟»

- أخاف اللّه إذا كذبت، و أخافكم إذا صدقت.

- جزاك اللّه على الطاعة خيرا.

و خرج الأحنف فلقيه ذلك الرجل بعد أن أجزل له معاوية بالعطاء فقال للأحنف معتذرا من مقالته:

«يا أبا بحر: إني لأعلم ان شر من خلق اللّه هذا و ابنه- يعنى معاوية و يزيد- و لكنهم استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب و الأقفال، فليس يطمع في استخراجها إلا بما سمعت» .

لقد أحدث معاوية بهذه البيعة المشومة صدعا في الإسلام، و قد صور لنا الشاعر الموهوب عبد اللّه بن هشام السلولي بمقطوعته الرائعة جزعه و جزع خيار المسلمين من خلافة يزيد بقوله:

فان تأتوا برملة أو بهند

نبايعها أميرة مؤمنينا

إذا ما مات كسرى قام كسرى

نعد ثلاثة متناسقينا

فيا لهفا لو أن لنا ألوفا

و لكن لا نعود كما عنينا

إذا لضربتموا حتى تعودوا

بمكة تلعقون بها السخينا

خشينا الغيظ حتى لو شربنا

دماء بني أميّة ما روينا

لقد ضاعت رعيتكم و أنتم

تصيدون الأرانب غافلينا

لقد ذعر المسلمون في جميع أقطار الأرض من هذا الحادث الخطير لأن الخلافة عندهم ليست كسروية و لا قيصرية حتى تورث بل أمرها شورى بين المسلمين يختارون لخلافتهم من أحبوا و ذلك عند الجمهور من أبناء السنة و الجماعة، و أما عند الشيعة فإنها حق شرعي لأمير المؤمنين و أولاده الطيبين كما نصّ النبي (ص) على ذلك.

و مهما يكن من شيء فإن معاوية بعد ما أخذ البيعة ليزيد من أهل دمشق رفع مذكرة الى جميع عماله يطلب فيها أخذ البيعة ليزيد من جميع المواطنين، و استجاب جميع عماله لذلك سوى مروان بن الحكم فإنه قد ورم أنفه لصرف الأمر عنه و هو شيخ الأمويين بعد معاوية، و توجّه فورا بحاشيته الى دمشق، فلما مثل عند معاوية انبرى إليه و هو مغيظ قائلا:

«أقم الامور يا ابن أبي سفيان، و اعدل عن تأميرك الصبيان، و اعلم أن لك من قومك نظراء، و أن لك على مناوءتهم وزراء».

فاندفع إليه معاوية يخادعه قائلا له بناعم القول:

«أنت نظير أمير المؤمنين، وعدته في كل شديدة، و عضده، و الثاني بعد ولي عهده.»

ثم أعطاه ولاية العهد حيلة منه و مكرا و أخرجه من عاصمته مكرما فلما وصل الى يثرب عزله عن منصبه و جعل مكانه سعيد بن العاص و قيل الوليد بن عاقبة، و كتب إليه أن يأخذ البيعة من أهل المدينة لولده إلا انه فشل أخيرا فى أداء مهمته فقد أصرت الجماهير على رفض دعوة معاوية و عدم طاعته في شأن خليفته الجديد، خصوصا الشخصيات الرفيعة من أبناء المهاجرين و الأنصار فإنهم قد شجبوا ذلك و أعلنوا سخطهم و إنكارهم على معاوية، فإنهم كانوا يحقرون يزيد و يأنفون أن يعد في مصافهم، فضلا عن أن يكون خليفة عليهم.

سفرة معاوية الاولى بشرب:

و رأى معاوية بعد امتناع المدنيين عن بيعة يزيد و اجماعهم على رفضها أن ينطلق بنفسه الى المدينة ليفاوض أهل الحل و العقد، و ليشتري الذمم و الضمائر بالأموال، و يتوعد و يرهب من لم يخضع للمادة ليفوز ولده بالخلافة و سافر من أجل هذه الغاية الى يثرب و ذلك سنة خمسين من الهجرة، فلما انتهى إليها بعث فورا نحو عبد اللّه بن عباس، و عبد اللّه بن جعفر، و عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن الزبير. فلما حضروا عنده أمر حاجبه أن لا يسمح لأحد بالدخول عليه حتى يخرج هؤلاء النفر من عنده ثم التفت إليهم قائلا:

«الحمد للّه الذي أمرنا بحمده، و وعدنا عليه ثوابه، نحمده كثيرا كما أنعم علينا كثيرا، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله.

أما بعد: فإني قد كبر سني، و وهن عظمي، و قرب أجلي، و أوشكت أن أدعى فأجيب، و قد رأيت أن أستخلف بعدي يزيد، و رأيته لكم رضا، و أنتم عبادلة قريش و خيارهم، و أبناء خيارهم، و لم يمنعني أن أحضر حسنا و حسينا إلا أنهما أولاد أبيهما علي، على حسن رأيي فيهما، و شديد محبتي لهما فردوا على أمير المؤمنين خيرا، رحمكم اللّه».

و قد احتوى كلامه على اللين و المدح و الثناء، و لكن هؤلاء الأبطال الذين هم نخبة العرب و المسلمين رأيا و إقداما، لم يذعنوا لمعاوية وردوا عليه مقاله و عرفوه بمن هو أهل للخلافة و أول من تكلم منهم حبر الأمّة عبد اللّه ابن عباس فقال:

«الحمد للّه الذي ألهمنا أن نحمده، و استوجب علينا الشكر على آلائه و حسن بلائه، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، و صلى اللّه على محمد و آل محمد.

أما بعد: فانك قد تكلمات فأنصتنا، و قلت فسمعنا، و إن اللّه جل ثناؤه، و تقدست أسماؤه اختار محمدا (ص) لرسالته، و اختاره لوحيه، و شرّفه على خلقه، فأشرف الناس من تشرف به، و أولاهم بالأمر أخصهم به، و إنما على الأمّة التسليم لنبيها، إذا اختاره اللّه لها، فإنه إنما اختار محمدا (ص) بعلمه، و هو العليم الخبير، و استغفر اللّه لي و لكم».

و تكلم من بعده عبد اللّه بن جعفر فقال:

«الحمد للّه أهل الحمد و منتهاه: نحمده على إلهامنا حمده، و نرغب إليه في تأدية حقه، و أشهد أن لا إله إلا اللّه واحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة و لا ولدا، و أن محمدا عبده و رسوله (ص).

أما بعد: فان هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن، فأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه، و إن أخذ فيها بسنة رسول اللّه (ص) فأولو رسول اللّه (ص)، و إن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر و عمر فأي الناس أفضل و أكمل و أحق بهذا الأمر من آل الرسول؟ و أيم اللّه لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه و صدقه، و لأطيع الرحمن و عصي الشيطان، و ما اختلف في الأمّة سيفان، فاتق اللّه يا معاوية، فانك قد صرت راعيا، و نحن رعية، فانظر لرعيتك، فانك مسئول عنها غدا، و أما ما ذكرت من ابني عمي، و تركك أن تحضرهما، فو اللّه ما أصبت الحق، و لا يجوز لك ذلك إلا بهما، و إنك لتعلم انهما معدن العلم و الكرم، فقل أودع و استغفر اللّه لي و لكم».

و بيّن عبد اللّه بن جعفر استحقاق أهل البيت (ع) للخلافة على جميع الوجوه فان كان مدرك استحقاقها القرآن الكريم فأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض، و إن كانت السنة المقدسة قال الرسول أولى بالأمر من غيرهم، و إن كانت سنة الشيخين قال الرسول (ص) أولى بالأمر و ذلك لمواهبهم و كمالهم و تقدمهم على غيرهم بالعلم و الفضل، ثم بيّن الأضرار الناجمة من ترك الأمّة لهم و عدم اتباعهم، و انبرى من بعده عبد اللّه بن الزبير فقال:

«الحمد للّه الذي عرفنا دينه، و أكرمنا برسوله، أحمده على ما أبلى و أولى، و أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله.

أما بعد: فان هذه الخلافة لقريش خاصة، تتناولها بمآثرها السنية و أفعالها المرضية، مع شرف الآباء و كرم الأبناء، فاتق اللّه يا معاوية و أنصف نفسك، فإن هذا عبد اللّه بن عباس ابن عم رسول اللّه (ص)، و هذا عبد اللّه بن جعفر ذي الجناحين ابن عم رسول اللّه (ص)، و أنا عبد اللّه بن الزبير ابن عمة رسول اللّه، و علي خلف حسنا و حسينا و أنت تعلم من هما، و ما هما، فاتق اللّه يا معاوية، و أنت الحاكم بيننا و بين نفسك».

و قد رشح ابن الزبير هؤلاء النفر للخلافة، و حفزهم لمعارضة معاوية و إفساد مهمته، و انبرى من بعده عبد اللّه بن عمر فقال:

«الحمد للّه الذي أكرمنا بدينه، و شرفنا بنبيه (ص).

أما بعد: فإن هذه الخلافة ليست بهرقلية، و لا قيصرية، و لا كسروية يتوارثها الأبناء عن الآباء، و لو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي، فو اللّه ما أدخلنى مع الستة من أصحاب الشورى إلا على أن الخلافة ليست شرطا مشروطا، و إنما هي في قريش خاصة، لمن كان لها أهلا ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم ممن كان أتقى و أرضى، فإن كنت تريد الفتيان من قريش فلعمري إن يزيد من فتيانها، و اعلم انه لا يغني عنك من اللّه شيئا».

لقد شجب ابن عمر بيعة يزيد و لكنه لم يلبث أن سمع و أطاع و بايع له لأن معاوية قد أرشاه بمائة ألف دينار و بذلك فقد باع عليه ضميره و دينه.

و مهما يكن من شيء فان معاوية قد ثقل عليه كلام هؤلاء النفر فلقد جابهوه بعدم صلاحية ابنه للخلافة، و انهم أولى بها منه، و انبرى إليهم مجيبا:

«قد قلت و قلتم، و إنه قد ذهبت الآباء و بقيت الأبناء، فابني أحب إلي من أبنائهم، مع ان ابني إن قاولتموه وجد مقالا، و إنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف لأنهم أهل رسول اللّه (ص) فلما مضى رسول اللّه ولىّ الناس أبا بكر و عمر من غير معدن الملك و الخلافة، غير أنهما سارا بسيرة جميلة ثم رجع الملك الى بني عبد مناف فلا يزال فيهم الى يوم القيامة و قد أخرجك اللّه يا ابن الزبير و أنت يا ابن عمر منها، فأما ابنا عمي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء اللّه».

و على أي حال فقد فشل معاوية فى مهمته و نزح عن يثرب و ولى الى عاصمته، و أعرض عن ذكر بيعة يزيد فلقد عرف انها لا تتم ما دام الحسن حيا، فأخذ يطيل التفكير في كيفية اغتيال الإمام حتى يتم له الأمر و قد توصل الى ما أراد، فاغتاله بالسم كما سنبينه عند نهاية المطاف من هذا الكتاب.

لقد اتخذ معاوية بعد اغتياله للإمام جميع التدابير، و اعتمد على جميع الوسائل فى ارغام المسلمين على بيعة يزيد، و فرضه حاكما عليهم، و قد راسل الوجوه من أبناء المهاجرين و الأنصار يدعوهم الى ذلك، و ذكر المؤرخون نصوص رسائله مع أجوبتهم له، و قد كتب الى الإمام الحسين عليه السلام ما نصه:

«أما بعد: فقد انتهت إلي منك امور، لم أكن أظنك بها رغبة عنها، و إن أحق الناس بالوفاء لمن أعطى بيعة من كان مثلك، في خطرك و شرفك، و منزلتك التي أنزلك اللّه بها، فلا تنازع الى قطيعتك، و اتق اللّه، و لا تردن هذه الأمّة في فتنة، و انظر لنفسك و دينك و أمّة محمد، و لا يستخفنك الذين لا يوقنون ..»

و أجابه أبو الشهداء (ع) فذكر له الاحداث الجسام التي ارتكبها و عرض عليه ما مني به المسلمون من الظلم و الجور فى دوره، و قد استشهدنا ببعض فصوله للاستدلال به على شجب الإمام الحسين (ع) لموبقات معاوية و قد جاء فى آخر جوابه ما لفظه:

«و قلت فيما قلت: لا ترد هذه الأمّة في فتنة. و إني لا أعلم فتنة لها أعظم من امارتك عليها.

و قلت فيما قلت: انظر لنفسك و لدينك، و لأمّة محمد، و إني و اللّه ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنه قربة الى ربي، و إن لم أفعل فأستغفر اللّه لذنبي و أسأله التوفيق لما يحب و يرضى.

و قلت فيما قلت: متى تكدني أكدك، فكدني يا معاوية فيما بدا لك فلعمري لقديما يكاد الصالحون، و إني لأرجو أن لا تضر إلا نفسك، و لا تمحق إلا عملك، فكدني ما بدا لك.

و اتق اللّه يا معاوية، و اعلم أن للّه كتابا لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها! و اعلم أن اللّه ليس بناس لك، قتلك بالظنة، و أخذك بالتهمة و امارتك صبيا يشرب الخمر، و يلعب بالكلاب!! ما أراك إلا و قد أوبقت نفسك، و أهلكت دينك، و أضعت الرعية و السلام.»

و لم يجد مع ابن هند النصح، و لا التحذير من عقوبة اللّه، فقد راح يعمل بوحي من جاهليته الى ضرب الإسلام، و الى ارغام المسلمين على مبايعة يزيد المستحل لجميع ما حرم اللّه.

سفره الثاني الى يثرب:

و لما رأى معاوية أن خيار الصحابة، و أبناء المهاجرين و الأنصار لم يستجيبوا لدعوته، و أصروا على رفض بيعة يزيد سافر مرة أخرى الى يثرب، و قد أحاط نفسه بالقوى العسكرية ليرغم الجبهة المعارضة على الاستجابة له، و في اليوم الثاني من قدومه أرسل الى الإمام الحسين، و الى عبد اللّه بن عباس، و سبق ابن عباس فأجلسه معاوية عن يساره و شاغله بالحديث حتى أقبل الحسين (ع) فأجلسه عن يمينه و سأله عن بني الحسن و عن أسنانهم فاخبره بذلك، و خطب معاوية خطبة أشاد فيها بيزيد، و ذكر علمه بالقرآن و السنة، و حسن سياسته، ثم دعاهم الى بيعته و الى الاستجابة لقوله.

خطبة الامام الحسين:

و قام أبي الضيم بعد خطاب معاوية فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

«أما بعد: يا معاوية، فلن يؤدي القائل و إن أطنب في صفة الرسول (ص) من جميع جزءا، و قد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول اللّه (ص) من ايجاز الصفة، و التنكب عن استبلاغ النعت، و هيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، و بهرت الشمس أنوار السرج، و لقد فضلت حتى أفرطت، و استأثرت حتى أجحفت، و منعت حتى بخلت، و جرت حتى جاوزت، ما بذلت لذي حق من اسم حقه من نصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر، و نصيبه الأكمل.

و فهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله و سياسته لأمّة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوبا، أو تنعت غائبا، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، و قد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش و الحمام السبّق لأترابهن، و القيان ذوات المعازف، و ضروب الملاهي تجده ناصرا.

و دع عنك ما تحاول!! فما أغناك أن تلقي اللّه بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فو اللّه ما برحت تقدح باطلا في جور، و حنقا في ظلم، حنى ملأت الأسقية، و ما بينك و بين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، و لات حين مناص، و رأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر، و منعتنا عن آبائنا تراثا، و لقد لعمر اللّه أورثنا الرسول (ص) ولادة، و جئت لنا بها ما حججتم به القائم عند موت الرسول فاذعن للحجة بذلك، و رده الإيمان الى النصف، فركبتم الأعاليل، و فعلتم الأفاعيل و قلتم كان و يكون حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك فهناك فاعتبروا يا اولي الأبصار. و ذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول اللّه (ص) و تأميره له، و قد كان ذلك، و لعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول و بيعته له، و ما صار لعمر اللّه يومئذ مبعثهم حتى أنف القوم إمرته، و كرهوا تقديمه، و عدوا عليه أفعاله، فقال (ص): لا جرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري، فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول فى أوكد الأحكام، و أولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابعا، و حولك من لا يؤمن في صحبته، و لا يعتمد فى دينه و قرابته و تتخطاهم الى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي فى دنياه، و تشقى بها في آخرتك، إن هذا لهو الخسران المبين، و استغفر اللّه لي و لكم.»

و ذهل معاوية فنظر الى ابن عباس فقال له:

«ما هذا يا ابن عباس؟؟»

«لعمر اللّه إنها لذرية الرسول، و أحد أصحاب الكساء، و من البيت المطهر، قاله عما تريد، فإن لك في الناس مقنعا حتى يحكم اللّه بأمره و هو خير الحاكمين» .

و انصرف الإمام (ع) و ترك الأسى يحر في نفس معاوية، و اعتمد معاوية بعد ذلك على جميع وسائل العنف و الإرهاب، فقد روى المؤرخون أنه لما كان في مكة أحضر الإمام الحسين، و عبد اللّه بن الزبير، و عبد الرحمن ابن أبي بكر، و ابن عمر و قال لهم: إني أتقدم إليكم، إنه قد أعذر من أنذر، إني كنت أخطب فيكم، فيقوم إليّ القائم منكم فيكذبني على رءوس الناس، فأحمل ذلك و أصفح. و إني قائم بمقالة، فأقسم باللّه لئن ردّ عليّ أحدكم كلمة فى مقامى هذا، لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف الى رأسه، فلا يبقينّ رجل إلا على نفسه!

و دعا صاحب حرسه بحضورهم فقال له: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين و مع كل واحد سيف، فان ذهب رجل يردّ عليّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما؟!

و خرج و خرجت الجماعة معه فنزى على المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

«إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين و خيارهم، لا يبتز أمر دونهم، و لا يقضى إلا عن مشورتهم، و انهم قد رضوا و بايعوا يزيد، فبايعوا على اسم اللّه» .

و بهذه الوسائل الرهيبة، و الكذب السافر حمل معاوية المسلمين على بيعة يزيد و قد انتهك بذلك الحرمات، و القى المسلمين فى الفتن و البلاء.

عائشة و بيعة يزيد:

و لم تعارض عائشة هذه البيعة المشومة، و لم تعمل أي عمل إيجابي ضد هذه الكارثة الكبرى التي روع بها المسلمون، و انتهكت بها حرمة الإسلام، فقد كانت تدلي بالرأي لمعاوية في حمل المعارضين على الطاعة فقد أوصته بالرفق بهم، و اللين معهم ليستجيبوا له قائلة:

«و ارفق بهم- أي بالمعارضين- فإنهم يصيرون الى ما تحب إن شاء اللّه!!»

لقد وقفت عائشة هذا الموقف المؤسف من بيعة يزيد الماجن الخليع و هي من دون شك تعلم بفسقه، و بلعبه بالفهود و القرود، و استباحته لما حرم اللّه، إن الفكر ليقف حائرا أمام موقفها هذا، و موقفها من بيعة أمير المؤمنين (ع) الذي هو أخو النبي و أبو سبطيه، و باب مدينة علمه، فإنها لما أخبرت ببيعته انهارت أعصابها، و هتفت و هي حانقة مغيظة، و بصرها يشير الى السماء ثم ينخفض فيشير الى الأرض قائلة:

«و اللّه ليت هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لابن أبي طالب!!»

و قفلت راجعة الى مكة تحفز الجماهير لحرب الإمام رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض، فقادت الجيوش لمناجزته حتى أغرقت الأرض بالدماء، و أشاعت الثكل و الحزن و الحداد بين المسلمين للإطاحة بحكمه.

و على أي حال، فإن موقف عائشة من بيعة يزيد، و تأييد ابن عمر و سائر القوى النفعية لها قد أخلد للمسلمين الفتن و المصاعب و جرّ لهم الويلات و الخطوب، فقد سارت الخلافة الإسلامية تنتقل بالوراثة الى الطلقاء و أبنائهم الذين لم يألوا جاهدا في الكيد للإسلام، و فى نشر البغي و الفساد في الأرض.

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved