۱۳۹۶ يکشنبه ۲۸ آبان | اِلأَحَّد ٢٩ صفر ١٤٣٩
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
الى دمشق 

و اتفق جمهور المؤرخين ان الإمام الحسن (ع) قد وفد على معاوية في دمشق، و اختلفوا فى أن وفادته كانت مرة واحدة أو أكثر، و اطالة الكلام في تحقيق هذه الجهة لا تغنينا شيئا، و إنما المهم البحث عن سر سفره، فالذي نذهب إليه ان المقصود منه ليس إلا الدعاية لمبدإ أهل البيت و ابراز الواقع الأموي أمام ذلك المجتمع الذي ظلله معاوية و حرفه عن الطريق القويم، أما الاستدلال عليه فانه يظهر من مواقفه و مناظراته مع معاوية- التي سنذكرها- فانه قد هتك بها حجابه. و أبدا عاره و عياره، و فلّ بها عروش دولته، ثم انه على تقدير أن يكون سفره لأخذ العطاء من معاوية- كما يقول به البعض- فقد قيل إنه كيف جاز له أن يأخذ صلاته مع أن جلها أموال مغصوبة، و قد كفانا مئونة البحث عن هذه المسألة علماء الفقه الإسلامى فقد ذكروا أن صلاة السلطان الجائر و هداياه جائزة ما لم تشتمل على أموال مغصوبة يعلم غصبها على نحو التعيين، فحينئذ لا يجوز أخذها، و إن أخذت وجب ردها الى أهلها ، و أكثر الأموال التي كانت بيد معاوية إنما هي من أموال الخراج و الزكاة و ما شاكل ذلك من الأموال التي تجبيها الدولة فان استيلاء معاوية عليها و إن كان غير مشروع لأنه من حكام الظلم و الجور إلا ان لخيار المسلمين الحق في استنقاذها و ردها الى أهلها، فضلا عن الإمام الذي له الولاية العامة على جميع المسلمين.

 

أما الذاهبون الى أن سفره كان لأخذ العطاء فقد استندوا الى إحدى الروايات الموضوعة- فيما نحسب- فقد روي أنه كان يفد فى كل سنة الى معاوية فيوصله بمائة ألف، فلم يمض في بعض السنين فنساه معاوية و لم يبعث له بصلة فهمّ الإمام أن يكتب له فرأى رسول اللّه (ص) فى منامه و هو يقول له:

«يا حسن أ تكتب الى مخلوق تسأله حاجتك و تدع أن تسأل ربك؟»

فقال له: «ما أصنع يا رسول اللّه؟»

فعلمه رسول اللّه (ص) بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك من كل أمر ضعفت عنه حيلتي، و لم تنته إليه رغبتي، و لم يخطر ببالي، و لم يجر على لساني من الشيء الذي أعطيته أحدا من المخلوقين الأولين المهاجرين، و الآخرين الأنصار.»

و انتبه الحسن من منامه و هو حافظ للدعاء، فدعا به، فلم يلبث معاوية أن بعث إليه بصلته بعد ما نبهه بعض خواصه ان الإمام لم يفد عليه في تلك السنة . و هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لأن الإمام قد عرف بالعزة و الإباء و الشمم، فكيف يتنازل لابن هند فيهمّ أن يكتب له و يسأله العطاء، فينهاه رسول اللّه (ص) عن ذلك، على انه كان فى غنى عن صلاة معاوية لأن له ضياعا كبيرة في يثرب كانت تدر عليه بالأموال الطائلة مضافا الى ما كان يصله من الحقوق التي يدفعها خيار المسلمين و صالحاؤهم له، على أن الأموال التي كان يصله بها معاوية على القول بذلك لم يكن ينفقها على نفسه و عياله. فقد ورد أنه لم يكن يأخذ منها مقدار ما تحمله الدابة بفيها ، و مع هذا فكيف يكون سفره لمعاوية لأخذ العطاء منه؟!!

مناظراته: 

و ضاق معاوية ذرعا بالإمام حينما كان في دمشق، فقد رأى من اقبال الناس و احتفائهم به ما ساءه فعقد عدة مجالس حشدها بالقوى المنحرفة عن أهل البيت و المعادية لهم كابن العاص، و المغيرة بن شعبة، و مروان بن الحكم و الوليد بن عاقبة، و زياد بن أبيه، و عبد اللّه بن الزبير، و أوعز لهم بالتطاول على ريحانة الرسول، و النيل منه، ليزهد الناس فيه، و يشفي نفسه من ابن فاتح مكة، و محطم أوثان قريش، و قد قابله هؤلاء الأوغاد بمرارة القول و بذاءة الكلام، و بالغوا في الاستهتار و الاعتداء عليه، و كان (ع) يسدد لهم سهاما من منطقه الفياض فيرديهم صرعى، يلاحقهم العار و الخزي، و يلمسهم مساوئهم و ما عرفوا به من الزيغ و الانحطاط، كان يجيبهم- و هو مكره-، و يرد على بذاءتهم و هو يقول: «أما و اللّه لو لا أن بني أميّة تنسبني الى العجز عن المقال لكففت تهاونا»، و لروعة كلامه، و قوة حجته كان عبد اللّه بن عباس يقبل ما بين عينيه و يقول له: «أفديك يا ابن العم و اللّه ما زال بحرك يزخر و أنت تصول حتى شفيتني من أولاد ...»

لقد كان الإمام في جميع تلك المناظرات هو الظافر المنتصر و خصومه الضعفاء قد عرتهم الاستكانة و الهزيمة و الذهول، و قد أوصاهم كبيرهم بعد ما شاهد أشلاءهم مضرجة بطعناته، أن يجتنبوا محاوراته .

و على أي حال فان «نصوص هذه المشاجرات بصيغها البلاغية، و قيمها الأدبية جديرة بالعرض، كتراث عربي أصيل يدل بنفسه على صحة نسبه، و تعطينا بأسلوبه و صياغته صورة عن (أدب المشاجرات) في عصره» و قد تركت نوادي دمشق و محافلها مشغولة بها ترددها مقرونة بالإكبار و التقدير للإمام، و بالاستهانة و الاحتقار لخصومه، و فيما يلي نصوصها:

1- و أقبل معاوية على الإمام (ع) فقال له:

«يا حسن، أنا خير منك!!»

- و كيف ذاك يا ابن هند؟!!

- لأن الناس قد أجمعوا عليّ، و لم يجمعوا عليك.

و حيث أن الامرة لم تكن في الإسلام موجبة للتمايز، و إنما توجبه التقوى و عمل الخير، و قد انبرى (ع) مبطلا دعوى معاوية:

«هيهات!! لشر ما علوت به يا ابن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان، بين مطيع و مكره، فالطائع لك عاص للّه، و المكره معذور بكتاب اللّه، و حاشا للّه أن أقول أنا خير منك لأنك لا خير فيك، فان اللّه قد برّ أني من الرذائل كما برّأك من الفضائل» .

ان هذا هو منطق الثورة، و منطق الأحرار الذين يشجبون الظلم، و يقاومون المنكر، و ليس هذا هو منطق من يريد العطاء و الأموال.

2- و دخل الإمام على معاوية، فلما رأى ابن العاص ما في الإمام من عظيم الهيبة و الوقار ساءه ذلك، و تميز من الغيظ و الحسد فاندفع قائلا:

«قد جاءكم الفهه العي، الذي كأن بين لحييه عقله.»

و كان عبد اللّه بن جعفر حاضرا فلذعه قوله فصاح به:

«مه، و اللّه لقد رمت صخرة ململمة، تنحط عنها السيول، و تقصر دونها الوعول، و لا تبلغها السهام، فإياك و الحسن إياك، فانك لا تزل راتعا في لحم رجل من قريش، و لقد رميت فما برح سهمك، و قدحت فما أورى زندك».

و سمع الإمام الحديث، فلما اكتظ مجلس معاوية بالناس انبرى (ع) فوجّه خطابه الى معاوية، فألقى عليه ذنب وزيره ابن العاص، و تهدده باعلان الحرب عليه إن لم ينته عن مكره و غيه، و ذكر له الصفات الرفيعة الماثلة في شخصيته الكريمة قائلا:

«يا معاوية لا يزال عندك عبد راتعا في لحوم الناس، أما و اللّه لو شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الامور، و تحرّج منه الصدور».

ثم أنشأ يقول:

أ تأمر يا معاوي عبد سهم

بشتمي و الملا منّا شهود

إذا أخذت مجالسها قريش

فقد علمت قريش ما تريد

أ أنت تظل تشتمني سفاها

لضغن ما يزول و ما يبيد

فهل لك من أب كأبي تسامى

به من قد تسامى أو تكيد

و لاجد كجدي يا ابن حرب

رسول اللّه إن ذكر الجدود

و لا أم كأمي من قريش

إذا ما حصل الحسب التليد

فما مثلي تهكم يا ابن حرب

و لا مثلي ينهنهه الوعيد

فمهلا لا تهج منا أمورا

يشيب لهولها الطفل الوليد

لقد عرض (ع) بعض فضائله و مآثره، و نشر مساوئ معاوية و مخازيه بهذا الكلام الرائع الذي تمثلت فيه بلاغة الإعجاز، و روعة الإيجاز، و سرعة البديهة، و قوة الحجة، فحط به من غلواء معاوية، و أصاب أبرز مقوماته من حسبه المعروف، و نسبه الموصوف، فأين الفهاهة و العي يا ابن العاص؟.

3- و عظم أمر الإمام فى الشام، فقد أقبلت الناس تترى لزيارته و الى الاستماع لحديثه، فملك (ع) القلوب و المشاعر و العواطف، و تحدثت الأندية و المجالس بعظيم فضله و مواهبه، و لما رأى ذلك أذناب معاوية و عملاؤه و هم: عمرو بن العاص، و الوليد بن عاقبة، و عتبة بن أبي سفيان، و المغيرة ابن شعبة، فخافوا أن يحدث ما لا تحمد عقباه، و ينفلت الأمر من أيديهم، و تندك عروش الدولة الأموية، فعقدوا في البلاط الأموي اجتماعا، و ذكروا لمعاوية حفاوة الجماهير بالإمام، و تكريمهم له، و ازدحامهم على زيارته، و ان وجوده فى دمشق خطر على الدولة الأموية، و قد رأوا أن خير وسيلة للحط من كرامته، و لإعراض الناس عنه، أن يستدعوه فيتهمون أباه بقتل عثمان، و يسبّونه على ذلك، و هذا نص حديثهم:

«إن الحسن قد أحيا أباه و ذكره، و قال فصدّق، و أمر فأطيع، و خفقت له النعال، و ان ذلك لرافعه الى ما هو أعظم منه، و لا يزال يبلغنا عنه ما يسوؤنا».

فقال لهم معاوية: ما تريدون؟

قالوا: «ابعث عليه فليحضر لنسبه و نسب أباه، و نعيّره و نوبخه، و نخبره أن أباه قتل عثمان، و نقرره بذلك، و لا يستطيع أن يغير علينا شيئا من ذلك.» و لم يخف على معاوية سخافة رأيهم، و بعد تفكيرهم عن الصواب، و ذلك لعلمه ان الإمام سوف يفلجهم، و يخرج ظافرا بخزيهم، فقال لهم:

«إني لا أرى ذلك و لا أفعله».

«عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن».

«و يحكم لا تفعلوا، فو اللّه ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه، و عيبه لي.»

«ابعث إليه على كل حال».

«إن بعثت إليه لأنصفنه منكم.»

فقال ابن العاص: أ تخشى أن يأتي باطله على حقنا، أو يربى قوله على قولنا؟.

و لما رأى معاوية إصرارهم عليه قال لهم: أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أن يتكلم بلسانه كله.

فقالوا له: مره بذلك.

و أجلبهم الى ما أرادوا، و أمرهم أن يسلكوا خطة خاصة في حديثهم مع الإمام قائلا:

«أما إذا عصيتموني و بعثتم إليه، و أبيتم إلا ذلك، فلا تمرضوا له فى القول، و اعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، و لا يلصق بهم العار و لكن اقذفوه بحجره، تقولون له: إن أباك قتل عثمان، و كره خلافة الخلفاء من قبله».

ثم بعث خلف الإمام، فقام (ع) و استدعى بثيابه فلبسها و عرف الغاية من هذه الدعوى فخرج و هو يدعو بهذا الدعاء:

«اللهم إني أعوذ بك من شرورهم، و أدرأ بك في نحورهم، و أستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت، و أنّى شئت، بحول منك و قوة يا أرحم الراحمين».

ثم سار (ع) حتى انتهى الى معاوية، فلما رآه مقبلا قابله بحفاوة و تكريم ثم التفت إليه معتذرا:

«يا أبا محمد، إن هؤلاء بعثوا إليك و عصوني».

فانبرى إليه الإمام مبينا له عدم واقعية هذا الاعتذار قائلا:

«سبحان اللّه!! الدار دارك، و الإذن فيها إليك، و اللّه إن كنت أجبتهم الى ما أرادوا و ما في أنفسهم إني لأستحي لك من الفحش، و إن كانوا غلبوك على رأيك إني لأستحيى لك من الضعف، فأيهما تقر و أيهما تنكر؟ أما أني لو علمت بمكانهم لجئت بمثلهم من بني عبد المطلب، و مالي أن أكون مستوحشا منك و منهم، إن وليي اللّه، و هو يتولى الصالحين».

فقال معاوية: «إني كرهت أن أدعوك، و لكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له، و إن لك منهم النصف و مني، و إنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلوما، و ان أباك قتله فاستمع منهم ثم أجبهم، و لا تمنعك وحدتك و اجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك».

و لما سكت معاوية ابتدأ بالحديث أولا:

عمرو بن العاص:

و اندفع ابن العاص فسب الإمام أمير المؤمنين، و اتهمه بسب أبي بكر و كراهته لخلافته، و انه شرك في دم عمر بن الخطاب، و قتل عثمان ظلما و لا أبقى شيئا من صفات الذم إلا و ألصقها به، ثم التفت الى الإمام الحسن قائلا:

«إنكم يا بني عبد المطلب، لم يكن اللّه ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء و استحلالكم ما حرّم اللّه من الدماء، و حرصكم على الملك، و إتيانكم ما لا يحل، ثم إنك يا حسن تحدّث نفسك أن الخلافة صائرة إليك، و ليس عندك عقل ذلك و لا لبّه، كيف ترى اللّه سبحانه سلبك عقلك، و ترك أحمق قريش يسخر منك، و يهزأ بك، و ذلك لسوء عمل أبيك، و إنما دعوناك لنسبك و أباك، فأما أبوك فقد تفرد اللّه به و كفانا أمره، و أما أنت فانك فى أيدينا نختار فيك الخصال، و لو قتلناك ما كان علينا إثم من اللّه و لا عيب من الناس، فهل تستطيع أن تردّ علينا و تكذبنا؟ فان كنت ترى أنا كذبنا في شيء فاردده علينا فيما قلنا، و إلا فاعلم أنك و أباك ظالمان».

و ليس في هذا الكلام سوى القذف و السب المنبعث عن نفس مترعة بالباطل و العداء لآل البيت (ع) ثم انبرى من بعده.

الوليد بن عاقبة:

و انطلق هذا الأثيم قائلا:

«إنكم كنتم أخوال عثمان فنعم الولد كان لكم فعرف حقكم و كنتم أصهاره فنعم الصهر كان لكم، يكرمكم فكنتم أول من حسده، فقتله أبوك ظلما لا عذر له و لا حجة، فكيف ترون اللّه طلب بدمه و أنزلكم منزلتكم و اللّه إن بني أميّة خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أميّة و إن معاوية خير لك من نفسك».

ثم سكت و تكلم من بعده عتبة بن أبي سفيان:

و انبرى عتبة فأظهر خبث سريرته و عداءه لآل البيت قائلا:

«يا حسن، كان أبوك شر قريش لقريش لسفكه لدمائها، و قطعه لارحامها، طويل السيف و اللسان، يقتل الحي و يعيب الميت، و انك ممن قتل عثمان، و نحن قالموك به، و أما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحا و لا في ميراثها راجحا، و إنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، و إن في الحق أن نقتلك و أخاك به، فأما أبوك فقد كفانا اللّه أمره، و أقاد منه، و أما أنت فو اللّه ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم و لا عدوان».

و اندفع من بعده المغيرة بن شعبة:

و ابتدأ المغيرة أولا بشتم أمير المؤمنين (ع) ثم قال:

«و اللّه ما أعيبه فى قضية يخون، و لكنه قتل عثمان».

ثم سكتوا عن الكلام، فانبرى إليهم الإمام فوضعهم على طاولة التشريح، فنشر عيوبهم و مخازيهم، و أشاد بفضل أبيه أمير المؤمنين (ع).

جوابه لمعاوية:

و قد وجّه خطابه أولا الى معاوية قائلا:

«يا معاوية، ما هؤلاء شتموني، و لكنك شتمتني، فحشا ألفته، و سوء رأي عرفت به، و خلقا سيئا ثبّت عليه، و بغيا علينا عداوة منك لمحمد صلى اللّه عليه و آله، و لكن اسمع يا معاوية و اسمعوا فلأقولن فيك و فيهم ما هو دون ما فيكم. أنشدكم اللّه أيها الرهط، أ تعلمون ان الذي شتمتموه منذ اليوم صلى القبلتين كلتيهما؟ و أنت يا معاوية بهما كافر تراهما ضلالة، و تعبد اللات و العزى غواية. و أنشدكم اللّه هل تعلمون أنه بايع البيعتين كلتيهما بيعة الفتح و بيعة الرضوان؟ و أنت يا معاوية باحداهما كافر، و بالأخرى ناكث. و أنشدكم اللّه هل تعلمون أنه أول الناس إيمانا؟

و إنك يا معاوية و أباك من المؤلفة قلوبهم، تسرّون الكفر، و تظهرون الإسلام، و تستمالون بالأموال. و أنشدكم اللّه أ لستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول اللّه (ص) يوم بدر و إن راية المشركين كانت مع معاوية و مع أبيه، ثم لقيكم يوم احد، و يوم الأحزاب و معه راية رسول اللّه (ص) و مع أبيك راية الشرك، و في كل ذلك يفتح اللّه له و يفلج حجته ، و ينصر دعوته، و يصدق حديثه، و رسول اللّه (ص) في تلك المواطن كلها عنه راض، و عليك و على أبيك ساخط. و أنشدك باللّه يا معاوية أتذكر يوم جاء أبوك على جمل أحمر و أنت تسوقه و أخوك عتبة هذا يقوده فرآكم رسول اللّه (ص) فقال: «اللهم العن الراكب و القائد و السائق». أ تنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته الى أبيك لمّا همّ أن يسلم تنهاه عن ذلك؟.

يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا

بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا

خالي و عمي و عم الأم ثالثهم

و حنظل الخير قد أهدى لنا الارقا

لا تركنن الى أمر تكلفنا

و الراقصات به في مكة الخرقا

فالموت أهون من قول العداة لقد

حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا

و اللّه لما أخفيت من أمرك أكبر مما أبديت. و أنشدكم اللّه أيها الرهط أ تعلمون أن عليا حرم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول اللّه (ص) فأنزل فيه: «يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل اللّه لكم» و إن رسول اللّه (ص) بعث أكابر أصحابه الى بني قريضة فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث عليا بالراية فاستنزلهم على حكم اللّه و حكم رسوله، و فعل في خيبر مثلها، ثم قال: يا معاوية أظنك لا تعلم أني أعلم ما قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فيك لما أراد أن يكتب كتابا الى بني خزيمة فبعث إليك فلم تأته فدعا عليك بالنهم الى أن تموت. و أنتم أيها الرهط نشدتكم اللّه أ لا تعلمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها:

(أولها) يوم لقي رسول اللّه (ص) خارجا من مكة الى الطائف يدعو ثقيفا الى الدين فوقع به و سبه و سفهه و شتمه و كذبه و توعده و همّ أن يبطش به فلعنه اللّه و رسوله و صرف عنه.

(الثانية) يوم العير إذ عرض لها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و هي جائية من الشام فطردها أبو سفيان، و ساحل بها فلم يظفر المسلمون بها، و لعنه رسول اللّه (ص) و دعا عليه فكانت واقعة بدر لأجلها.

(الثالثة) يوم احد حيث وقف تحت الجبل و رسول اللّه (ص) في أعلاه و هو ينادي أعل هبل مرارا فلعنه رسول اللّه (ص) عشر مرات، و لعنه المسلمون.

(الرابعة) يوم جاء بالأحزاب و غطفان اليهود فلعنه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و ابتهل.

(الخامسة) يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدوا رسول اللّه (ص) عن المسجد الحرام و الهدي معكوفا أن يبلغ محله يوم الحديبية فلعن رسول اللّه أبا سفيان، و لعن القادة و الأتباع، و قال: ملعونون كلهم و ليس فيهم من يؤمن، فقيل: يا رسول اللّه أ فما يرجى الإسلام لأحد منهم فكيف باللعنة؟

فقال: لا تصيب اللعنة أحدا من الأتباع، و أما القادة فلا يفلح منهم أحد (السادسة) يوم الجمل الأحمر.

(السابعة) يوم وقفوا لرسول اللّه (ص) في العقبة ليستنفروا ناقته و كانوا اثنى عشر رجلا منهم أبو سفيان، فهذا لك يا معاوية».

و أنزل (ع) بكلامه معاوية من قصره الى قبره، و من عرشه الى نعشه و تركه و الحزن يحز في نفسه. ثم التفت (ع) الى عمرو بن العاص فقال له: «و أما أنت يا ابن العاص فان أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولا من عهر و سفاح فتحاكم فيك أربعة من قريش فغلب عليك جزارها ألأمهم حسبا، و أخبثهم منصبا، ثم قام أبوك فقال: أنا شانئ محمد الأبتر، فأنزل اللّه فيه ما أنزل. و قاتلت رسول اللّه (ص) في جميع المشاهد، و هجوته و آذيته بمكة، و كدته كيدك كله، و كنت من أشد الناس له تكذيبا و عداوة، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة لتأتي بجعفر و أصحابه الى أهل مكة، فلما أخطأك ما رجوت، و أرجعك اللّه خائبا، و أكذبك واشيا، جعلت حدك على صاحبك عمارة بن الوليد فوشيت به الى النجاشي حسدا لما ارتكب من حليلته، ففضحك اللّه و فضح صاحبك فأنت عدو بني هاشم فى الجاهلية و الإسلام، ثم انك تعلم و كل هؤلاء الرهط يعلمون انك هجوت رسول اللّه (ص) بسبعين بيتا من الشعر، فقال رسول اللّه (ص): اللهم إني لا أقول الشعر و لا ينبغي لي، اللهم العنه بكل حرف الف لعنة، فعليك إذا من اللّه ما لا يحصى من اللعن. و أما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه الدنيا نارا ثم لحقت بفلسطين فلما أتاك قتله قلت: أنا أبو عبد اللّه إذا نكأت قرحة أدميتها ثم حبست نفسك الى معاوية و بعت دينك بدنياه فلسنا نلومك على بغض، و لا نعاتبك على ود، و باللّه ما نصرت عثمان حيا و لا غضبت له مقتولا، ويحك يا ابن العاص أ لست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة الى النجاشي:

تقول ابنتى أين هذا الرحيل

و ما السير مني بمستنكر

فقلت ذريني فاني امرؤ

اريد النجاشي فى جعفر

لأكويه عنده كية

اقيم بها نخوة الأصعر

و شأني أحمد من بينهم

و أقولهم فيه بالمنكر

و أجرى الى عتبة جاهدا

و لو كان كالذهب الأحمر

و لا أنثني عن بني هاشم

و ما اسطعت في الغيب و المحضر

فان قبل العتب مني له

و إلا لويت له مشفري

فهذا جوابك هل سمعته؟

لقد ذكر (ع) ما هو ماثل في ابن العاص من الرذائل و المخازي، و من الحقد العارم للإسلام و المسلمين، و اشتراكه في دم عثمان، و انضمامه بعد ذلك الى معاوية طمعا بدنياه. ثم التفت (ع) الى الوليد بن عاقبة فقال له:

«و أما أنت يا وليد فو اللّه ما ألومك على بغض علي، و قد جلدك ثمانين جلدة في الخمر، و قتل أباك بين يدي رسول اللّه (ص)، و أنت الذي سماه اللّه الفاسق، و سمى عليا المؤمن حيث تفاخرتما فقلت له: أسكت يا علي فأنا أشجع منك جنانا، و أطول منك لسانا. فقال لك علي: أسكت يا وليد فأنا مؤمن و أنت فاسق فأنزل اللّه في موافقة قوله: «أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ» . ثم أنزل على موافقة قوله: «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» ويحك يا وليد مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر فيك و فيه، ثم ذكر (ع) الأبيات التي قيلت فيه:

ليس من كان مؤمنا عمرك

اللّه كمن كان فاسقا خوانا

سوف يدعى الوليد بعد قليل

و علي الى الحساب عيانا

فعلي يجزى بذاك جنانا

و وليد يجزى بذاك هوانا

و ما أنت و قريش إنما أنت علج من أهل صفورية، و أقسم باللّه لأنت أكبر في الميلاد و اسن ممن تدعى إليه».

ان السبب الداعي الى بغض الوليد و عدائه الى أمير المؤمنين (ع) ان الإمام مثال للإيمان و الوليد رمز للكفر، و من المعلوم ان التضاد بين الإيمان و الكفر تضاد ذاتي و تنافر طبيعي، و مضافا الى ذلك فان أمير المؤمنين قد جلده ثمانين جلدة لشربه الخمر، و قد أولد ذلك في نفسه عداء لأمير المؤمنين أي عداء، و بعد ما أخزى (ع) الوليد. التفت الى عتبة بن أبي سفيان فقال له:

«و أما أنت يا عتبة، فو اللّه ما أنت بحصيف فأجيبك، و لا عاقل فأحاورك و أعاتبك، و ما عندك خير يرجى، و لا شر يتقى، و ما عقلك و عقل أمتك إلا سواء، و ما يضر عليا لو سببته على رءوس الأشهاد، و أما و عيدك إياي بالقتل فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك. أ ما تستحيي من قول نصر بن الحجاج فيك:

يا للرجال و حادث الأزمان

و لسبة تخزي أبا سفيان

نبئت عتبة خانه في عرسه

جنس لئيم الأصل من لحيان

و بعد هذا ما أربأ بنفسي عن ذكره لفحشه، فكيف يخاف أحد سيفك و لم تقتل فاضحك؟!! و كيف ألومك على بغض علي و قد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر، و اشترك مع حمزة فى قتل جدك عتبة و أوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد؟!!».

لقد بين (ع) سفاهة عتبة و عدم عقله، و فقدانه الشرف، و ان أمير المؤمنين (ع) قد حصد ببتاره رأس جده و خاله و أخيه يوم بدر، فلهذا كان يكنّ في نفسه الحقد و البغض له، ثم التفت (ع) بعد ذلك الى المغيرة بن شعبة فقال له:

«و أما أنت يا مغيرة، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا و شبهه، و إنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: «استمسكي فاني طائرة عنك. فقالت النخلة: و هل علمت بك واقعة عليّ فأعلم بأنك طائرة عنى». و اللّه ما نشعر بعداوتك إيانا، و لا اغتممنا إذ علمنا بها، و لا يشق علينا كلامك و إن حدّ اللّه فى الزنا لثابت عليك، و لقد درأ عمر عنك حقا اللّه سائله عنه، و لقد سألت رسول اللّه (ص) هل ينظر الرجل الى المرأة يريد أن يتزوجها؟ فقال: لا بأس بذلك يا مغيرة، ما لم ينو الزنا لعلمه بأنك زان، و أما فخركم علينا بالامارة فان اللّه تعالى يقول: (و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)» .

و انتهى بذلك حديث الإمام مع خصومه، و قد دلهم (ع) على عيوبهم و رذائلهم النفسية و النسبية، و كشف الستار عن مخازيهم، و سلبهم ثوب الافتخار، و ترك (ع) الكمد و الحزن يحزان في نفوسهم، فلما أراد الانصراف تعلق بطرف ثوبه ابن العاص و هو يقول:

«يا أمير المؤمنين، قد شهدت قوله فى قذف أمي، و أنا مطالب له بحق القذف».

فصاح به معاوية في غيظ:

«خل عنه لا جزاك اللّه خيرا».

ثم التفت الى بطانته منددا بهم و لائما لهم على عصيانهم و مخالفتهم له قائلا:

«قد أنبأتكم أنه ممن لا يطاق عارضته، و نهيتكم أن تسبوه فعصيتموني و اللّه ما قام حتى أظلم عليّ البيت، قوموا عني، فلقد فضحكم اللّه و أخزاكم بترككم الحزم و عدولكم عن رأي الناصح المشفق، و اللّه المستعان» .

4- و اجتمع معاوية مع بطانته فجعل بعضهم يفخر على بعض و يتطاولون فيما بينهم، فأراد معاوية أن يضحك على ذقونهم فقال لهم:

«أكثرتم الفخر، فلو حضركم الحسن بن علي (ع) و عبد اللّه بن عباس لقصرا من أعنتكم ما طال».

فاندفع زياد بن سمية فقال:

«و كيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ ما يقومان لمروان بن الحكم فى غرب منطقه ، و لا لنا فى بواذخنا ، فابعث إليهما فى غد حتى تسمع كلامنا».

فالتفت معاوية الى وزيره ابن العاص يستشيره فى ذلك:

«ما تقول؟».

«ابعث إليهما فى غد».

و بعث معاوية ابنه يزيد خلفهما، فلما حضرا قال لهما معاوية:

«إني أجلكما و ارفع قدركما عن المسامرة بالليل و لا سيما أنت يا أبا محمد فانك ابن رسول اللّه (ص) و سيد شباب أهل الجنة».

فشكر الإمام و ابن عباس مقالته، و اندفع ابن العاص قائلا:

«يا حسن، إنا قد تفاوضنا فقلنا إن رجال بني أمية أصبر عند اللقاء و أمضى في الوغى، و أوفى عهدا، و أكرم خيما ، و أمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلب».

ثم سكت، و تكلم من بعده مروان بن الحكم فقال:

«و كيف لا نكون كذلك و قد قارعناكم فغلبناكم، و حاربناكم فملكناكم فان شئنا عفونا و إن شئنا بطشنا».

و سكت مروان فتكلم زياد فقال:

«ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله، و يجحدوا الخير في سلطانه نحن أهل الحملة في الحروب، و لنا الفضل على سائر الناس قديما و حديثا».

فانبرى إليهم الامام كالأسد محطما لكيانهم، و مبيدا لفخرهم قائلا:

«ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجة، و لكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا، و يصور الباطل بصورة الحق، ثم وجّه عليه السلام خطابه الى عمرو بن العاص فقال له:

«يا عمرو، افتخارا بالكذب، و جرأة على الإفك، ما زلت اعرف مثالبك الخبيثة، أبديها مرة و أمسك عنها اخرى، فتأبى إلا انهماكا فى الضلالة، أتذكر مصابيح الدجى، و اعلام الهدى، و فرسان الطراد، و حتوف الأقران، و ابناء الطعان، و ربيع الضيفان، و معدن النبوة، و مهبط العلم؟ و زعمتم انكم أحمى لما وراء ظهوركم، و قد تبين ذلك يوم بدر حين نكصت الأبطال، و تساورت الأقران، و اقتحمت الليوث، و اعتركت المنية، و قامت رحاها على قطبها، و أ فترت عن نابها، و طار شرار الحرب، فقتلنا رجالكم، و منّ النبي (ص) على ذراريكم فكنتم لعمري في ذلك اليوم غير مانعين لما وراء ظهوركم من بني عبد المطلب».

ثم التفت (ع) الى مروان فقال له:

«و أما أنت يا مروان، فما أنت و الإكثار فى قريش و أنت طليق و أبوك طريد يتقلب من خزاية الى سوأة، و لقد جيء بك الى أمير المؤمنين فلما رأيت الضرغام قد دميت براثنه، و اشتبكت أنيابه كنت كما قال القائل:

ليث إذا سمع الليوث زئيره

بصبصن ثم قذفن بالأبعار

فلما منّ عليك بالعفو و أرخى خناقك بعد ما ضاق عليك، و غصصت بريقك لم تقعد معنا مقعد أهل الشكر، و لكن تساوينا و تجارينا و نحن مما لا يدركنا عار، و لا تلحقنا خزاية».

ثم وجّه (ع) خطابه إلى زياد فقال له:

«و ما أنت يا زياد و قريشا لا أعرف لك فيها أديما صحيحا ، و لا فرعا نابتا، و لا قديما ثابتا، و لا منبتا كريما، بل كانت أمك بغيا تداولها رجال من قريش، و فجار العرب، فلما ولدت لم تعرف لك العرب والدا فادعاك هذا- و أشار الى معاوية- بعد ممات أبيه مالك افتخار، تكفيك سمية، و يكفينا رسول اللّه (ص) و أبي علي بن أبي طالب (ع) سيد المؤمنين الذي لم يرتد على عقبيه و عمي حمزة سيد الشهداء و جعفر الطيار و أنا و أخي سيدا شباب أهل الجنة».

و بعد ما القم الحجر أفواه خصومه التفت الى ابن عباس قائلا:

«يا ابن العم، إنما هي بغاث الطير انقضّ عليها أجدل».

و أراد ابن عباس أن يتكلم فخاف معاوية من حديثه فأقسم عليه أن يسكت فسكت، ثم خرج الإمام و ابن عباس، فالتفت معاوية الى بطانته مستهزئا بهم: «أجاد عمرو الكلام لو لا أن حجته دحضت، و تكلم مروان: لو لا انه نكص».

ثم التفت الى زياد فأنكر عليه هذا التدخل قائلا:

«ما دعاك الى محاورته ما كنت إلا كالحجل فى كف البازي».

و التفت ابن العاص الى معاوية:

«أ لا رميت من ورائنا؟».

«إذا كنت شريككم فى الجهل، أ فاخر رجلا رسول اللّه جدّه، و هو سيد من مضى و من بقى، و أمّه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين».

ثم التفت الى ابن العاص:

«و اللّه لئن سمع به أهل الشام لهي السوءة السواء».

فقال عمرو: لقد أبقى عليك و لكنه طحن مروان و زيادا طحن الرحا بثفالها، و وطأهما وطىء البازل القراد بمنسمه.

و اندفع زياد يؤيد مقالة ابن العاص في تحطيم الإمام لهم قائلا:

«قد و اللّه فعل، و لكن معاوية يأبى إلا الإغراء بيننا و بينهم، لا جرم و اللّه لا شهدت مجلسا يكونان فيه إلا كنت معهما على من فاخرهما».

و خلا ابن عباس بالإمام فقبّل ما بين عينيه و أظهر له الإعجاب بحديثه و رده على هؤلاء الأوغاد قائلا:

«أفديك يا ابن العم، و اللّه ما زال بحرك يزخر، و أنت تصول حتى شفيتني من أولاد البغايا».

5- و غاب الإمام عن دمشق أياما ثم رجع إليها فدخل على معاوية و كان في مجلسه عبد اللّه بن الزبير، فلما رأى معاوية الإمام قام إليه فاستقبله، و بعد ما استقر به المجالس التفت إليه قائلا: «يا أبا محمد، إني أظنك تعبا نصبا فأت المنزل فأرح نفسك فيه».

و خرج الإمام من عنده، و التفت معاوية الى عبد اللّه بن الزبير مغريا له:

«لو افتخرت على الحسن، فانك ابن حواري رسول اللّه (ص) و ابن عمته، و لأبيك في الإسلام نصيب وافر».

فانخدع ابن الزبير بمقالة معاوية فأظهر له الاستعداد على مطاولة الإمام و مفاخرته قائلا:

«أنا، له».

و انصرف ابن الزبير و قد انفق ليله ساهرا و هو يفكر بما ذا سيوصم به الإمام؟ فلما أصبح جاء يشتد الى مجلس معاوية ليطاول الإمام و يعتدي عليه حتى يرضي عواطف معاوية، و أقبل الامام (ع) فقام إليه معاوية و احتفى به، و لما استقر به المجالس اندفع ابن الزبير قائلا:

«لو لا انك خوار في الحرب غير مقدام ما سلمت لمعاوية الأمر، و كنت لا تحتاج الى اختراق السهوب ، و قطع المفاوز، تطلب معروفه و تقوم ببابه، و كنت حريا أن لا تفعل ذلك و أنت ابن علي فى بأسه و نجدته فما أدري ما الذي حملك على ذلك؟ أضعف في الرأي أم وهن نحيزة فما أظن لك مخرجا من هاتين الخلتين، أما و اللّه لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أني ابن الزبير، و إني لا أنكص عن الأبطال، و كيف لا أكون كذلك و جدتي صفية بنت عبد المطلب، و أبي الزبير من حواري رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و أشد الناس بأسا، و أكرمهم حسبا فى الجاهلية، و أطوعهم لرسول اللّه (ص)».

و اندفع الامام فردّ عليه أباطيله و بهتانه قائلا:

«أما و اللّه، لو لا أن بني أميّة تنسبني الى العجز عن المقال لكففت عنك تهاونا، و لكن سأبين لك ذلك لتعلم أني لست بالعي، و لا الكليل اللسان إياي تعيّر، و عليّ تفتخر؟! و لم يكن لجدك بيت في الجاهلية و لا مكرمة فزوجته جدتي صفية بنت عبد المطلب فبذخ على جميع العرب بها، و شرف بمكانها، فكيف تفاخر من هو من القلادة واسطتها، و من الأشراف سادتها نحن اكرم أهل الأرض زندا؟ لنا الشرف الثاقب، و الكرم الغالب، ثم تزعم أني سلمت الأمر، فكيف يكون ذلك و يحك- كذلك.؟- و أنا ابن أشجع العرب، و قد ولدتني فاطمة سيدة نساء العالمين (ع) و خيرة الاماء، لم أفعل ذلك ويحك جبنا و لا ضعفا، و لكنه بايعني مثلك، و هو يطلبني بترة، و يداجيني المودة، و لم أثق بنصرته، لأنكم أهل بيت غدر، و كيف لا يكون كما أقول:؟ و قد بايع أبوك أمير المؤمنين ثم نكث بيعته و نكص على عقبيه، و اختدع حشية من حشايا رسول اللّه (ص) ليضل بها الناس، فلما دلف نحو الأعنة و رأى بريق الأسنة قتل مضيعة لا ناصر له، و أتى بك أسيرا، قد وطأتك الكماة بأظلافها، و الخيل بسنابكها، و اعتلاك الأشتر فغصصت بريقك و أقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشته الليوث، فنحن ويحك نور البلاد و أملاكها، و بنا تفخر الأمة، و إلينا تلقى مقاليد الأزمة، أ تصول و أنت تخدع النساء!! ثم تفخر على بني الأنبياء، لم تزل الأقاويل منا مقبولة، و عليك و على أبيك مردودة، دخل الناس في دين جدي طائعين و كارهين، ثم بايعوا أمير المؤمنين (ع) فسار الى أبيك و طلحة حين نكثا البيعة، و خدعا عرس رسول اللّه (ص) فقتل أبوك و طلحة و أتي بك أسيرا فبصبصت بذنبك و ناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي، و أنا سيدك و سيد أبيك فذق وبال أمرك».

و خجل ابن الزبير و ندم على ما فرط في أمره، فتقدم الى الإمام باسلوب لين ناعم يلتمس فيه العفو و الرضا، معربا له ان معاوية هو الذي أغراه بذلك قائلا:

«أعذر يا أبا محمد، فإنما حملني على محاورتك هذا- و أشار الى معاوية- فهلا إذ جهلت أمسكت عني، فإنكم أهل بيت سجيتكم الحلم و العفو».

و التفت الامام الى معاوية فقال له:

«انظر هل أكيع عن محاورة أحد؟ و يحك أ تدري من أي شجرة أنا؟ و الى من أنتمي؟ انته قبل أن أسمك بميسم تتحدث به الركبان في الآفاق و البلدان».

فقال ابن الزبير:

«هو لذلك أهل».

فالتفت معاوية الى ابن الزبير قائلا:

«أما انه قد شفى بلابل صدري منك، و رمى مقتلك، فصرت كالحجل في كف البازي يتلاعب به كيف أراد، فلا أراك تفتخر على أحد بعدها» .

6- و من مناظراته القيّمة، و مشاجراته مع خصومه التي حطّم بها كيانهم انه (ع) أقبل الى معاوية فلما بصر به حاجبه أسرع إليه فعرّفه بتشريف الامام، فالتفت معاوية الى بطانته قائلا.

«إنه إن دخل علينا أفسد ما نحن فيه».

فقال له مروان: «ائذن له، فاني أسأله عما ليس عنده جواب».

فنهره معاوية و قال له: «لا تفعل، انهم قوم ألهموا الكلام».

و أذن معاوية للإمام، فلما دخل قام إليه فرحب به و التفت مروان قائلا باستهزاء.

«أسرع الشيب الى شاربك يا حسن، و يقال إن ذلك من الخرق»

فأجابه الامام قائلا:

«ليس كما بلغك، و لكنا معشر بني هاشم طيبة أفواهنا، فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهن، و أنتم معاشر بني أميّة فيكم بخر شديد فنساؤكم يصرفن أفواههن، و أنفاسهن عنكم الى أصداغكم فانما يشيب موضع العذار من أجل ذلك».

فغضب معاوية و صاح بأصحابه:

«قد كنت أخبرتكم فأبيتم حتى سمعتم ما أظلم عليكم بيتكم، و أفسد مجلسكم»

و خرج الامام من عندهم و قد ترك الكمد ملأ نفوسهم و هو يقول:

و مارست هذا الدهر خمسين حجة

و خمسا أرجى قائلا بعد قائل

فما أنا في الدنيا بلغت جسيمها

و لا فى الذي أهوى كدحت بطائل

و قد أسرعت في المنايا أكفها

و أيقنت أني رهن موت معاجل

7- و تحدث (ع) في مجلس معاوية عن عظيم فضله، و شرف نسبه قائلا:

«قد علمت قريش بأسرها أني منها فى عز أرومتها، لم أطبع على ضعف، و لم أعكس على خسف، أعرف بشبهي، و أدعى لأبي».

و ساء ذلك ابن العاص فانبرى قائلا:

«قد علمت قريش أنك من أقلها عقلا، و أكثرها جهلا، و إن فيك خصالا لو لم يكن فيك إلا واحدة منهن لشملك خزيها كما شمل البياض الحالك لعمر اللّه، لتنتهين عما أراك تصنع أو لأكبسن لك حافة كجلد العائط أرميك من خلالها بأحر من وقع الأثافي أعرّك منها أديمك عرك السلعة فانك طالما ركبت صعب المنحدر، و نزلت في اعراض الوعر التماسا للفرقة، و ارصادا للفتنة، و لن يزيدك اللّه إلا فظاعة».

فردّ عليه الامام مقالته:

«أما و اللّه لو كنت تسمو بحسبك، و تعمل برأيك، ما سلكت فج قصد، و لا حللت رابية مجد، و أيم اللّه لو أطاعني معاوية لجعلك بمنزلة العدو الكاشح ، فانه طال ما طويت على هذا كشحك، و أخفيته في صدرك، و طمع بك الرجاء الى الغاية القصوى التي لا يورق لها غصنك، و لا يخضرّ لها مرعاك، أما و اللّه ليوشكن يا ابن العاص أن تقع بين لحيي ضرغام من قريش، قوي ممتنع، فروس ذي لبد، يضغطك ضغط الرحا للحب، لا ينجيك منه الروغان إذا التقت حلقتا البطان» .

لقد كان ابن العاص يتحرى في كل مناسبة انتقاص أهل البيت، و يعلن عداءه و بغضه لهم و ما سبب ذلك إلا لخبث ذاته، و عدم طهارة انائه، و قد رأى الامام في الطواف فجعل يشتد نحوه، فلما انتهى إليه رفع عقيرته:

«يا حسن أ زعمت أن الدين لا يقوم إلا بك و بأبيك، فلقد رأيت اللّه عز و جل أقامه بمعاوية فجعله راسيا بعد ميله، و بيّنا بعد خفائه، أ فرضي اللّه قتل عثمان أم من الحق أن تدور بالبيت كما يدور الجمل بالطحين عليك ثياب كغرقىء البيض و أنت قاتل عثمان، و اللّه إنه لألم للشعث و أسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك».

فوجّه (ع) إليه سهاما من قوله قائلا:

«ان لأهل النار علامات يعرفون بها، و هي الالحاد لأولياء اللّه، و الموالاة لأعداء اللّه، و اللّه إنك لتعلم أن عليا (ع) لم يتريب في الأمر و لم يشك في اللّه طرفة عين، و أيم اللّه لتنتهين يا ابن أم عمرو أو لأقرعن جبينك بكلام تبقى سمته عليك ما حييت، فاياك و الابراز علي فاني من قد عرفت لست بضعيف الغميزة و لا بهش المشاشة و لا بمرئ المأكلة و إني من قريش كاوسط القلادة، يعرف حسبي، و لا أدعى لغير أبي و قد تحاكمت فيك رجال من قريش فغلب عليك ألأمهم نسبا و أظهرهم لعنة فاياك عنى فانك رجس، و أما نحن بيت الطهارة أذهب اللّه عنا الرجس، و طهرنا تطهيرا» .

8- و مما وقع للإمام في دمشق انه دخل على معاوية فلما رآه قام إليه و احتفى به فساء ذلك مروان و اضطرب غيظا و موجدة و اندفع قائلا:

يا حسن، لو لا حلم أمير المؤمنين و ما قد بنى له آباؤه الكرام من المجد و العلا ما أقعدك هذا المقعد، و لقتلك و أنت له مستوجب بقودك الجماهير

فلما أحسست بنا و علمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام، و صناديد بني أمية اذعنت بالطاعة، و احتجزت بالبيعة، و بعثت تطلب الأمان، أما و اللّه لو لا ذلك لأريق دمك، و علمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى فاحمد اللّه اذا ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه ثم صنع بك ما ترى!.».

فرد عليه الإمام قائلا:

ويحك يا مروان، لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها و المخاذلة عند مخالطتها، نحن- هبلتك الهوابل- لنا الحجج البوالغ، و لنا إن شكرتم عليكم النعم السوابغ ندعوكم إلى النجاة و تدعوننا إلى النار، فشتان ما بين المنزلتين تفخر ببني أمية و تزعم أنهم صبر في الحروب أسد عند اللقاء ثكلتك أمك أولئك البهاليل السادة و الحماة الذادة و الكرام القادة بنو عبد المطلب أما و اللّه لقد رأيتهم و جميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال و لم يحيدوا عن الأبطال كالليوث الضارية الباسلة الحنقة فعندها وليت هاربا و أخذت أسيرا فقلدت قومك العار لأنك في الحروب خوار، أ يراق دمى زعمت؟!! أ فلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل؟ و أنت تثغو ثغاء النعجة!! و تنادي بالويل و الثبور كالأمة اللكعاء أ لا دفعت عنه بيد أو ناضلت عنه بسهم؟! لقد أرتعدت فرائصك!! و غشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربه فأنجيتك من القتل و منعتك منه ثم تحث معاوية على قتلي؟ و لو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفان، أنت معه أقصر يدا و أضيق باعا و أجبن قلبا من أن تجسر على ذلك ثم تزعم أنى ابتليت بحلم معاوية أما و اللّه لهو أعرف بشأنه، و أشكر لما وليناه هذا الأمر فمتى بدا له، فلا يغضين جفنه على القذى معك فو اللّه لاعقبن أهل الشام بجيش يضيق عنه فضاؤها و يستأصل فرسانها ثم لا ينفعك عند ذلك الهرب و الروغان، و لا يرد عنك الطلب تدريجك الكلام فنحن من لا يجهل آباؤنا القدماء الأكابر، و فروعنا السادة الأخيار، أنطلق إن كنت صادقا».

فقال ابن العاص مستهزا بمروان:

«ينطق بالخنا و تنطق بالصدق». ثم أنشأ يقول:

قد يضرط العير و المكواة تأخذه

لا يضرط العير و المكواة في النار

«ذق وبال أمرك يا مروان».

و صاح معاوية بمروان:

«قد كنت نهيتك عن هذا الرجل و أنت تأبى إلا إنهما كما فيما لا يعنيك أربع على نفسك فليس أبوك كأبيه و لا أنت مثله، أنت ابن الطريد الشريد و هو ابن رسول اللّه (ص) الكريم، و لكن رب باحث عن حتفه و حافر عن مديته».

و انتفخت أوداج مروان غضبا و حنقا فاندفع نحو معاوية قائلا:

«ارم من دون بيضتك، و قم بحجة عشيرتك».

ثم التفت إلى ابن العاص قائلا:

«و طعنك أبوه فوقيت نفسك بخصييك فلذلك تحذره».

ثم قام و هو محطم الكيان قد أهين و حقر فقال معاوية:

«لا تجار البحور فتغمرك، و لا الجبال فتبهرك».

9- و دخل الإمام على معاوية و كان في مجلس ضيق فجلس (ع) عند رجليه فتحدث معاوية بما شاء أن يتحدث به ثم قال «عجبا لعائشة!! تزعم أني في غير ما أنا أهله، و ان الذي أصبحت فيه ليس لي بحق، مالها و لهذا يغفر اللّه لها، انما كان ينازعنى أبو هذا الجالس- و أشار إلى الحسن- و قد استأثر اللّه به».

فقال (ع): «أ و عجب ذلك يا معاوية!!».

- أي و اللّه!:.

- أ فلا اخبرك بما هو أعجب؟!!.

- ما هو؟

- جلوسك في صدر المجالس و أنا عند رجليك.

فضحك معاوية و راوغ على عادته و قال:

«يا ابن أخي بلغنى أن عليك دينا، كم هو؟».

- مائة الف.

- أمرنا لك بثلاثمائة ألف، مائة ألف منها لدينك، و مائة ألف تقسمها في أهل بيتك خاصة، و مائة ألف لخاصة نفسك، فقم مكرما فاقبض صلتك.

و خرج الإمام من عنده و كان يزيد حاضرا في مجلس أبيه فلما رأى حفاوته بالإمام ساءه ذلك و حينما انصرف من في المجالس اندفع قائلا:

«تاللّه ما رأيت رجلا مثلك، استقبلك بما استقبلك به ثم أمرت له بثلاثمائة ألف!»

- يا بني، إن الحق حقهم فمن جاءك منهم فاحث له .

و قد اعترف معاوية أن الخلافة الإسلامية لأهل البيت و انه قد غصبها منهم.

هذه بعض مناظرات الإمام مع خصومه، قد روى أكثرها البيهقي و الجاحظ، و نصّ عليها غيرهما من المؤرخين، و قد فضح بها الإمام معاوية و أتباعه، و أبدا عارهم و عيارهم، و أظهر لأهل الشام مخازي بنى أمية، و عيوب آل أبي سفيان، فهي بحق ثورة على حكومة معاوية، فقد حطمت كيانه، و أنزلته من عرشه إلى قبره.

و شكك بعض أهل العلم فى بعض تلك المناظرات، و احتمل فيها الوضع لأنها قد اشتملت على تعيير الإمام لخصومه باسلوب يستبعد صدور منه و قد استدل على ذلك بما روى من أن الإمام لم تسمع منه كلمة فحش قط إلا قوله لمروان: «ليس لك عندي إلا ما رغم به أنفك» و مع هذا فكيف يصدر ذلك منه، و هو احتمال موهوم لأن خصومه الحقراء قد تجرءوا عليه و جابهوه بألفاظ قاسية بذيئة، فرد عليهم اعتداءهم، و لكن لم يستعن بالكذب، و لم يتذرع بالبذاء كما تذرعوا به.

و على أي حال فان معاوية بالرغم مما انزله الإمام به من الذل و الهوان فانه كان يحذر جانبه و يخشاه و ذلك لما له من المكانة المرموقة في نفوس المسلمين، و تقديمهم له بالفضل على غيره، و كانوا يعلنون ذلك أمام معاوية فقد ذكر رواة الأثر ان معاوية تحدث في مجلسه فقال:

«اخبروني بخير الناس أبا و أما، و عما و عمة، و خالا و خالة، و جدا و جدة».

و انما قال ذلك ليرى مدى انطباع المسلمين عن الإمام، فقام إليه مالك بن عجلان فقال له: «هذا- و أشار إلى الحسن- خير الناس أبوه علي بن أبي طالب، و أمه فاطمة بنت رسول اللّه (ص)، و عمه جعفر الطيار في الجنان، و عمته أم هاني بنت أبي طالب، و خاله القاسم بن رسول اللّه، و خالته زينب بنت رسول اللّه، و جده رسول اللّه (ص)، و جدته خديجة بنت خويلد ...».

فسكت معاوية و لم يطق جوابا، و لما انصرف الإمام انبرى ابن العاص الى مالك فانكر عليه قوله، قائلا له:

«أحب بني هاشم حملك على أن تكلمات بالباطل؟!».

فرد عليه مالك قائلا:

«ما قلت إلا حقا: و ما أحد من الناس يطلب مرضاة المخلوق بمعصية الخالق، إلا لم يعط أمنيته في دنياه، و ختم له بالشقاء في آخرته، بنو هاشم أنضرهم عودا، و اوراهم زندا».

و التفت إلى معاوية فقال له: «أ ليس هم كذلك؟» و لم يسع معاوية إلا التصديق لكلامه .

ان معاوية كان يخشى من الإمام و يحذر من انتفاضته عليه، و لا تزال ذكريات صفين ماثلة امامه فيفزع منها، و يخاف ان تعود عليه مرة اخرى، و لهذا كان يرعى عواطف الإمام، و قد ذكر المؤرخون ان عمرو ابن عثمان بن عفان، و اسامة بن زيد مولى رسول الله (ص) تخاصما عند معاوية في ارض فقال عمرو لأسامة: «كأنك تنكرني؟!» فرد عليه اسامة مقالته، و كثر التشاجر بينهما فهدده أسامة بالهاشميين، ثم قام فجلس إلى جانب الحسن (ع) و قام الهاشميون فجلسوا إلى جانبه، و لما راى الأمويون ذلك انضموا إلى ابن عثمان، و خاف معاوية من اثارة الفتنة فبادر الى حسم النزاع قائلا:

«لا تعجلوا أنا كنت شاهدا إذ أقطعها رسول الله (ص) اسامة».

و قد حكم بذلك لأسامة و قدمه على عمرو و لما خرج الإمام اقبل الأمويون على معاوية يلومونه على ذلك، و قالوا له: «الا كنت اصلحت بيننا؟» فأجابهم معاوية بما ينم عن فزعه و خوفه قائلا:

«دعوني فو اللّه ما ذكرت عيونهم تحت المغافر بصفين إلا لبس علي عقلي، و إن الحرب اولها نجوى، و اوسطها شكوى، و آخرها بلوى».

ثم تمثل بأبيات لامرئ القيس قائلا:

الحرب اول ما تكون فتية

تدنو بزينتها لكل جهول

حتى إذا حميت و شب ضرامها

عادت عجوزا غير ذات حليل

شمطاء جزت راسها و تنكرت

مكروهة للّثم و التقبيل

ثم قال: ما في القلوب يشب الحروب، و الأمر الكبير يدفعه الأمر الصغير، و تمثل بقول الشاعر:

قد يلحق الصغير بالجليل

و إنما القرم من الأفيل

و تسحق النخل من الفسيل إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن سفر الإمام إلى دمشق، و عن مناظراته فيها.

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved