۱۳۹۶ سه شنبه ۴ مهر | اِثَّلاثا ٥ محرم ١٤٣٩
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
المندّدون بالصّلح 

المندّدون بالصّلح  

 

و لم تقتصر محنة الإمام و بلواه الخالدة على ما لاقاه من عظيم البلاء و شدة المحنة في صلحه مع معاوية و اجتماعه به، فقد تجاوز بلاؤه الى ما هو أعظم من ذلك و أشد أثرا في نفسه و هو كلام المنددين بصلحه من أعدائه و أصحابه فقد جابهوه بكلام أشد عليه من وقع الحسام المهند، فقد رأى منهم غلظة فى القول و قسوة في الحديث و جفاء أي جفاء، فاستاء (ع) من شيعته أكثر مما استاء من اعدائه لأنهم على علم بالظروف السود، و العوامل المرة التي ألجأته الى الصلح و الهدنة، و فيما يلي كلام المنددين في ذلك مع جواب الإمام (ع) لهم.

1- حجر بن عدي:

و أقبل بطل العقيدة و مثال الإيمان حجر بن عدي الى الامام و قد مشت الرعدة بأوصاله، و استولى عليه الحزن قائلا:

«أما و اللّه، لوددت أنك مت في ذلك اليوم و متنا معك و لم نر هذا اليوم، فإنا رجعنا راغمين بما كرهنا، و رجعوا مسرورين بما أحبوا».

و لا أدري كيف فاه حجر بهذا الكلام القاسي و هو أعلم بمركز الإمام و بواقعه من غيره، و أدرى بالظروف العصيبة و المصاعب الشديدة التي أحاطت به (ع) حتى اضطرته الى الصلح، و لكنه يعذر لأن لوعة المصاب و ذهول النفس تخرج الإنسان عن موازين الاعتدال و الاستقامة، و قام الإمام (ع) فأخذ بيد حجر و اختلى به في زاوية من زوايا البيت فبيّن له الحكمة التي من أجلها صالح معاوية قائلا:

«يا حجر، قد سمعت كلامك في مجلس معاوية، و ليس كل انسان يحب ما تحب، و لا رأيه كرأيك، و إني لم أفعل إلا إبقاء عليكم، و اللّه

تعالى كل يوم فى شأن» «1».

و قد أبان (ع) عدم وجود المخلصين له فى الجيش العراقي و لو كان هناك أمثال حجر فى عقيدته و ايمانه و رأيه و اخلاصه لما صالح معاوية، كما بيّن (ع) انه إنما صالح خصمه محافظة على حجر و أمثاله من المؤمنين.

2- عدي بن حاتم:

و عدي بن حاتم هو الفذ المثالي الذي ضرب الرقم القياسي للعقيدة و الايمان و الفداء فى سبيل اللّه، و قد اندفع هذا الصحابي العظيم بثورة نفسية عارمة الى انكار الصلح، و كانت لهجة حديثه لهجة مؤدب كامل، فقال للإمام و قد ذابت حشاه من الحزن و المصاب:

«يا ابن رسول اللّه، لوددت أني مت قبل ما رأيت، أخرجتنا من العدل الى الجور، فتركنا الحق الذي كنّا عليه، و دخلنا في الباطل الذي كنّا نهرب منه، و أعطينا الدنية من أنفسنا، و قبلنا الخسيس التي لم تلق بنا».

و ترك كلام عدي في نفس الامام بالغ الأسى و الحزن، فانبرى (ع) مبينا له العلة التي صالح من أجلها قائلا:

«يا عدي، إني رأيت هوى معظم الناس في الصلح، و كرهوا الحرب فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون، فرأيت دفع هذه الحروب الى يوم ما فان اللّه كل يوم هو في شأن».

و أعرب (ع) في جوابه عن سأم جيشه من الحرب، و حبه للعافية و ايثاره للسلم، و إنه عازم على إثارة الحرب و مناجزة معاوية، و لكن في وقت مناسب يضمن له النجاح و النصر، و لم يقتنع عدي بكلام الامام، فمضى و هو مثقل الخطى نحو الإمام الحسين (ع) و قلبه يلتهب نارا و حماسا و كان معه عبيدة بن عمر، فلما انتهى الى الإمام قال له بنبرات تقطر حماسا و عزما الى اثارة الحرب.

«يا أبا عبد اللّه شريتم الذل بالعز، و قبلتم القليل و تركتم الكثير، أطعنا اليوم و أعصنا الدهر، دع الحسن و ما رأى من هذا الصلح، و أجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة و غيرها، و ولني و صاحبي هذه المقدمة، فلا يشعر ابن هند إلا و نحن نقارعه بالسيوف».

فقال له (ع):

«إنا قد بايعنا و عاهدنا و لا سبيل لنقض بيعتنا» «1».

3- المسيب بن نجبة:

و المسيب بن نجبة «2» من عيون المؤمنين و خيار الصالحين الذين عرفوا بالولاء و الاخلاص لآل البيت (ع) و قد تأثر من الصلح و تألم بكل ما للتألم من معنى فقد أقبل الى الامام و هو محزون النفس مكلوم القلب قائلا:

«ما ينقضي تعجبي منك!!! بايعت معاوية و معك اربعون ألفا، و لم تأخذ لنفسك وثيقة، و عهدا ظاهرا، أعطاك أمرا فيما بينك و بينه، ثم قال: ما قد سمعت، و اللّه ما أراد بها غيرك».

فقال له الامام: «ما ترى؟»

«أرى أن ترجع الى ما كنت عليه، فقد كان نقض ما بينك و بينه» فانبرى إليه الإمام مبينا له أن المصلحة كانت تقضي بالصلح قائلا:

«يا مسيب، إني لو أردت- بما فعلت- الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللقاء، و لا أثبت عند الحرب مني، و لكني أردت صلاحكم، و كف بعضكم عن بعض» «1».

و أعرب الإمام (ع) في حديثه أنه لو كان من طلاب الدنيا و عشاق الملك و السلطان ما كان معاوية بأصبر منه، و لا أثبت في الحرب، و لكن الانتصار عليه يتوقف على الاعتماد على الطرق التي لا يقرها الدين كالمواربة و المداهنة و الخداع و ما شاكل ذلك، و لكنه (ع) أبى أن يسلك ذلك و سار على خطة أبيه الداعية الى ملازمة الحق و العدل، و متابعة الشرع.

4- مالك بن ضمرة:

و دخل على الإمام مالك بن ضمرة «2» فتكلم معه بكلام مرّ كان في منتهى الشدة فأجابه الامام (ع).

«إني خشيت أن يجتث المسلمون عن وجه الأرض، فأردت أن يكون للدين ناعي» «1».

و أدلى الامام (ع) في حديثه عن حرصه على دماء المسلمين و انه لو فتح باب الحرب بينه و بين معاوية لما بقي مسلم على وجه الأرض، فصالح حفظا على دماء المسلمين و ابقاء عليهم.

5- سفيان بن أبي ليلى:

و سفيان بن أبي ليلى كان ممن يدين بفكرة الخوارج، فقد دخل على الامام و تكلم بكلمات تنمّ عن نفس مترعة بالجفاء و الجهل قائلا:

«السلام عليك يا مذل المؤمنين»،

فتأثر (ع) منه و اندفع قائلا:

«و يحك أيها الخارجي، لا تعنفني، فان الذي أحوجني الى ما فعلت قتلكم أبي، و طعنكم إياي، و انتهابكم متاعي، و إنكم لما سرتم الى صفين كان دينكم أمام دنياكم، و قد أصبحتم اليوم و دنيا كم أمام دينكم، و يحك أيها الخارجي!!! إني رأيت أهل الكوفة قوما لا يوثق بهم، و ما اعتز بهم إلا من ذل، و ليس أحد منهم يوافق رأي الآخر، و لقد لقى أبي منهم امورا صعبة، و شدائدا مرّة و هي أسرع البلاد خرابا، و أهلها هم الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا» «1».

6- بشير الهمداني:

و دخل بشير الهمداني على الامام و كان (ع) في يثرب فقال له:

«السلام عليك يا مذل المؤمنين».

«و عليك السلام، اجلس».

فلما استقر به المجالس التفت (ع) له قائلا:

«لست مذلّا للمؤمنين، و لكني معزّهم، ما أردت بمصالحتي إلا أن أدفع عنكم القتل عند ما رأيت تباطؤ أصحابي و نكولهم عن القتال» «2».

7- سليمان بن صرد:

و سليمان بن صرد من صفوة أصحاب الامام في إيمانه و عقيدته و ولائه لآل البيت عليهم السلام، و لم يكن حاضرا في المدائن حينما جرى الصلح فلما وافته الأنباء المؤلمة توجه الى الامام و كان في يثرب فلما انتهى إليه اندفع قائلا:

«السلام عليك يا مذل المؤمنين».

«عليك السلام، اجلس».

فلما جلس اندفع قائلا:

«إن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك لمعاوية!! و معك مائة ألف مقاتل من أهل العراق و كلهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم و مواليهم سوى شيعتك من أهل البصرة و أهل الحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد، و لا حظا من القضية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت، و أعطاك ما أعطاك بينك و بينه من العهد و الميثاق كنت كتبت عليه بذلك كتابا، و أشهدت عليه شهودا من أهل المشرق و المغرب، أن هذا الأمر لك من بعده، كان الأمر علينا أيسر، و لكنه أعطاك هذا فرضيت به من قوله، ثم قال و زعم على رءوس الناس ما قد سمعت: إني كنت شرطت لقوم شروطا، و وعدتهم عدات، و منيتهم أماني، إرادة إطفاء نار الحرب، و مداراة لهذه الفتنة، إذ جمع اللّه لنا كلمتنا و ألفتنا، فان كل ما هنالك تحت قدمي هاتين، و اللّه ما أعنى بذلك إلا نقض ما بينك و بينه، فأعد للحرب خدعة، و اذن لي أشخص الى الكوفة، فأخرج عامله منها، و أظهر فيها خلعه، و أنبذ إليه على سواء إن اللّه لا يهدي كيد الخائنين».

و قد دلّ حديث سليمان على ولائه و اخلاصه للإمام (ع) و قد حفزه الى الثورة على حكومة معاوية و نقض البيعة لأنه لم يف بالعهد و لم يلتزم ببنود الصلح، كما أعلن ذلك أمام الرأي العام، و صادف حديث سليمان هوى في نفوس من حضر نادي الامام فهتفوا بالتأييد لمقالته قائلين:

«ابعث سليمان بن صرد، و ابعثنا معه، ثم الحقنا إذا علمت أنا قد أشخصنا عامله، و أظهرنا خلعه».

و لما كانت المصلحة العامة للمسلمين لا تساعد على خلع معاوية و نقض المعاهدة، لأن ذلك غير ممكن نظرا لتلبد الجو بالفتن و الاضطرابات، و لقلة الناصر، و خذلان المحب، و كثرة العدو، فقد أمرهم (ع) بالسكون و هدّأ ثورتهم النفسية قائلا لهم بعد حمد اللّه و الثناء عليه:

«أما بعد: فإنكم شيعتنا، و أهل مودتنا، و من نعرفه بالنصيحة و الصحبة و الاستقامة لنا، و قد فهمت ما ذكرتم، و لو كنت بالحزم في أمر الدنيا. و للدنيا أعمل و أنصب، ما كان معاوية بأبأس مني بأسا، و أشد شكيمة، و لكان رأيي غير ما رأيتم، و لكني أشهد و إياكم أني لم أرد بما رأيتم إلا حقن دمائكم، و إصلاح ذات بينكم، فاتقوا اللّه و ارضوا بقضاء اللّه، و سلموا الأمر للّه، و الزموا بيوتكم، و كفوا أيديكم، حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر، مع ان أبي كان يحدثني أن معاوية سيلي الأمر، فو اللّه لو سرنا إليه بالجبال و الشجر ما شككت أنه سيظهر إن اللّه لا معقب لحكمه و لا راد لقضائه، و أما قولك: يا مذل المؤمنين.

فو اللّه لأن تذلوا و تعافوا أحب إلي من أن تعزوا و تقتلوا، فان رد اللّه علينا حقنا فى عافية قبلنا، و سألنا اللّه العون على أمره و ان صرفه عنا رضينا و سألنا اللّه أن يبارك في صرفه عنا فليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس بيته، ما دام معاوية حيا، فان يهلك و نحن و أنتم أحياء سألنا اللّه العزيمة على رشدنا، و المعونة على أمرنا، و أن لا يكلنا الى أنفسنا، فان اللّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون.» «1»

لقد أمر الامام شيعته بالخلود الى الصبر و السكون ما دام معاوية في قيد الحياة، و علل صلحه بأمور تقدم بيانها بالتفصيل.

8- عبد اللّه بن الزبير:

و عبد اللّه بن الزبير و غد خبيث عرف بالبغض و العداء لآل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و قد عاب على الامام صلحه مع معاوية، فأجابه (ع) قائلا:

«و تزعم أني سلمت الأمر، و كيف يكون ذلك- و يحك- كذلك و انا ابن أشجع العرب، و قد ولدتني فاطمة سيدة نساء العالمين، لم أفعل ذلك- و يحك- جبنا و لا ضعفا، و لكنه بايعني مثلك، و هو يطلبني بترة و يداجيني المودة، و لم أثق بنصرته».

لقد اتهم ابن الزبير الإمام بالجبن، و حاشاه من ذلك، فمن أين جاءه الجبن «أ من أبيه أسد اللّه و أسد رسوله، أم من جديه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و شيخ البطحاء، أم من عميه سيدي الشهداء العظمين حمزة و جعفر، أم من أخيه أبي الشهداء، أم من مواقفه المشهورة في مختلف الميادين، يوم الدار، و يوم البصرة، و فى مظلم ساباط، و هو ذلك الرئبال الذي (إذا سار سار الموت حيث يسير) على حد تعبير عدوه فيه؟؟».

9- أبو سعيد:

و أقبل أبو سعيد إلى الإمام يعاتبه على صلحه، و يؤنبه على ذلك قائلا:

«يا ابن رسول اللّه لم هادنت معاوية و صالحته، و قد علمت أن الحق لك دونه، و ان معاوية ضال باغ؟»

- يا أبا سعيد أ لست حجة اللّه على خلقه، و إماما عليهم بعد أبي؟

- بلى.

- يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول اللّه لبنى ضمرة و بني أشجع، و لأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنزيل و معاوية و أصحابه كفار بالتأويل.

يا أبا سعيد، إذا كنت إماما من قبل اللّه تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، و إن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا، أ لا ترى الخضر لمّا خرق السفينة، و قتل الغلام، و أقام الجدار، سخط موسى فعله لاشتباه الحكمة عليه، حتى أخبره فرضي. هكذا أنا سخطتم عليّ بجهلكم وجه الحكمة، و لو لا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على

وجه الأرض أحد إلا قتل ...»

إن شأن الإمام كشأن النبي، لا يفعل إلا ما فيه الصالح العام، و لكن المصلحة قد تخفى أحيانا على الناس فلا يعقلونها إلا بعد حين، و قد شبه صلحه بفعل الخضر (ع) لما خرق السفينة، و هدم الجدار، و قتل الغلام، و لما لم يفهم صاحبه المصلحة فى ذلك نقم عليه، و راح يشتد في معارضته و الإنكار عليه، و حينما تبين له الحال أذعن له و أطاع، و كذلك الإمام في صلحه، فإن الحكمة قد خفيت على كثير من شيعته فاندفعوا الى اعلان سخطهم و إلى الإنكار عليه.

10- بعض أصحابه:

و دخل على الإمام بعض أصحابه، و هو مندلع الثورة قد أخذ منه الوجد و الأسى مبلغا ليس بالقليل فقال له:

«يا ابن رسول اللّه، أذللت رقابنا بتسليمك الأمر الى هذا الطاغية:» فأجابه الإمام:

«و اللّه، إني ما سلمت الأمر إلا لأني لم أجد أنصارا، و لو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي و نهاري حتى يحكم اللّه بيني و بينه، و لكن عرفت أهل الكوفة، و بلوتهم، و لا يصلح لي منهم من كان فاسدا، إنهم لا وفاء لهم و لا ذمة في قول، و لا فعل، إنهم لمختلفون، و يقولون لنا: إن قلوبهم معنا، و إن سيوفهم لمشهورة علينا ...»

لقد بيّن (ع) انه لا ناصر له و لا معين ليناجز معاوية، إذ لم يكن معه سوى أهل الكوفة الذين لا وفاء لهم و لا ذمة في قول و لا فعل فكيف يحارب بهم معاوية؟

لقد رد عليه السلام شبه الناقدين، و أوضح لهم الحكمة في ذلك، و أجاب كلا على عتابه ببراعة الحجة، و روعة العرض و اصالة الرأي.

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved