۱۳۹۶ يکشنبه ۲۸ آبان | اِلأَحَّد ٢٩ صفر ١٤٣٩
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
اجتماع الإمام بمعاوية 

 

لعل أقسى محنة اجتازتها نفس أي انسان كان هي التي ألمّت بالامام الحسن (ع) حينما اجتمع بابن أبي سفيان، فقد أودع ذلك الاجتماع ألما مرهقا، و أسى مرّا، استوعب نفسه الشريفة، ذلك لأنه رأى باطل معاوية قد استحكم و جوره قد انتصر، و زاد في أساه ما ستعانيه الأمّة في دور هذا الطاغية من الماسي و الشجون، فترك ذلك أعمق الألم و الحزن في نفسه.

 

لقد اجتمع الامام- على كره- بمعاوية، و كان الاجتماع بالنخيلة و قيل بالكوفة ، و قد حضرته جموع حاشدة من المسلمين، تنتظر بفارغ الصبر ما يفوه به الملك الظافر من الأمن و الرفاهية و ما يبسطه على الناس من العدل، و ما عسى معاوية أن يفعل في هذه الساعة الرهيبة، إنه اعتلى المنبر فأظهر خبث ذاته، و سوء سريرته، و اعلن ما يضمره للمسلمين من الشر و الارهاق، كما أظهر لهم السر في الحرب التي أثارها على أمير المؤمنين و ولده الحسن قائلا:

[خطاب معاوية] 

«أيها الناس، ما اختلف أمر أمّة بعد نبيها إلا و ظهر أهل باطلها على أهل حقها».

و لما افتتح خطابه بهذا القول الذي حكى فيه الواقع التفت الى أنه قد عنى به نفسه فندم على ذلك فاستدرك قائلا:

«إلا هذه الأمّة».

ثم وجه خطابه القاسي الى العراقيين معربا لهم عن حقيقة الحرب التي أثارها عليهم، و إن الهدف الأقصى الذي ينشده من وراء ذلك إنما هو الملك، لا الطلب بدم عثمان قائلا:

«و اللّه إني ما قاتلتكم لتصلوا، و لا لتصوموا، و لا لتحجوا، و لا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، و إنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، و قد أعطاني اللّه ذلك و أنتم له كارهون».

ثم صرح بعد ذلك بعدم التزامه و وفائه بالشروط التي أعطاها للإمام فقال:

«ألا إن كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول، و كل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين و لا يصلح الناس إلا ثلاث: اخراج العطاء عند محله، و إقفال الجنود لوقتها، و غزو العدو في داره، فان لم تغزوهم غزوكم».

حقا ان هذا هو التمادي في الإثم، و كان عبد الرحمن بن شريك إذا حدّث بذلك يقول: «و اللّه هذا هو التهتك». و يقول أبو اسحاق السبيعي، و هو ممن روى خطاب معاوية: «كان و اللّه غدارا».

و أخذ معاوية يكيل السب و الشتم الى أمير المؤمنين (ع) و ولده الحسن غير مستأثم من ذلك و لا متحرج، و قد خرق بذلك أبرز بنود المعاهدة التي وقع عليها.

خطاب الامام الحسن: 

و طلب معاوية من الإمام أن يعتلي منصة الخطابة ليبين للناس تنازله عن الأمر. و قيل ان ابن العاص أشار عليه بذلك ليظهر للناس- بحسب زعمه- عي الإمام و عدم مقدرته على الخطاب، و قد أخطأ في ذلك، فان الإمام قد خطب الناس غير مرة في حياة أبيه، و بعد وفاته و لم يعرف عنه العي و الحصر، لأنه من أهل بيت كانوا معدن الفصاحة و البلاغة، و فصل الخطاب، و انبرى الإمام الى أعواد المنبر و الناس كلهم أذن صاغية و هم ما بين راغب و راغم، فخطبهم خطبة طويلة كانت فى منتهى الروعة و البلاغة، وعظ فيها الناس، و دعاهم الى الالفة و المحبة، و صوّر فيها الأحداث الرهيبة التي جرت على أهل البيت بعد وفاة النبيّ (ص) و عزى ما جرى عليهم من المحن و الخطوب الى الصدر الأول الذين نزعوا الخلافة منهم، و ردّ في آخر خطابه على معاوية، و هذا نص خطابه:

«الحمد للّه كلما حمده حامد، و أشهد أن لا إله إلا اللّه كلما شهد له شاهد، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى، و ائتمنه على الوحي صلى اللّه عليه و آله و سلم.

أما بعد: فو اللّه إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد اللّه و منّه و أنا أنصح خلق اللّه لخلقه، و ما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة، و لا مريدا له سوءا، و لا غائلة. ألا و إن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة ألا و إني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم، فلا تخالفوا أمري، و لا تردوا عليّ رأي غفر اللّه لي و لكم، و أرشدني و إياكم لما فيه

المحبة و الرضا.»

ثم التفت الى الجماهير فقال لها:

«أيها الناس، إن أكيس الكيس التقى، و أحمق الحمق الفجور، و اللّه لو طلبتم ما بين جابلق و جابرس رجلا جده رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ما وجدتموه غيري و غير أخي الحسين، و قد علمتم أن اللّه هداكم بجدي محمد (ص) فأنقذكم به من الضلالة، و رفعكم به من الجهالة، و أعزكم به بعد الذلة، و كثركم به بعد القلة، إن معاوية نازعني حقا هو لي دونه، فنظرت لصلاح الأمّة، و قطع الفتنة، و قد كنتم بايعتموني على أن تسالمون من سالمت، و تحاربون من حاربت، فرأيت أن أسالم معاوية، واضع الحرب بيني و بينه، و قد بايعته، و قد رأيت أن حقن الدماء خير من سفكها، و لم أرد بذلك إلا صلاحكم و بقاءكم، و إن أدرى لعله فتنة لكم و متاع الى حين» .

و أخذ (ع) يبين ظلامة أهل البيت فقال:

«و إن معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلا و لم أر نفسي لها أهلا، فكذب معاوية. نحن أولى الناس بالناس في كتاب اللّه عز و جل و على لسان نبيه، و لم نزل- أهل البيت- مظلومين منذ قبض اللّه نبيه، فاللّه بيننا و بين من ظلمنا، و توثب على رقابنا، و حمل الناس علينا، و منعنا سهمنا من الفيء، و منع أمّنا ما جعل لها رسول اللّه، و اقسم باللّه لو أن الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول اللّه لأعطتهم السماء قطرها، و الأرض بركتها، و لما طمعت فيها يا معاوية، فلما خرجت من معدنها تنازعتها قريش بينها، فطمع فيها الطلقاء و أبناء الطلقاء، أنت و أصحابك. و قد قال رسول اللّه: ما ولت أمّة أمرها رجلا و فيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا الى ما تركوا. فقد ترك بنو اسرائيل هارون و هم يعلمون أنه خليفة موسى فيهم و اتبعوا السامري، و تركت هذه الأمّة أبي و بايعوا غيره، و قد سمعوا رسول اللّه يقول له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة، و قد رأوا رسول اللّه نصب أبي يوم غدير خم، و أمرهم أن يبلغ أمره الشاهد الغائب، و هرب رسول اللّه من قومه و هو يدعوهم الى اللّه حتى دخل الغار، و لو انه وجد أعوانا لما هرب، كفّ أبي يده حين ناشدهم، و استغاث فلم يغث. فجعل اللّه هارون في سعة حين استضعفوه، و كادوا يقتلونه، و جعل اللّه النبي في سعة حين دخل الغار و لم يجد أعوانا. و كذلك أبي و أنا في سعة من اللّه حين خذلتنا هذه الأمّة. و إنما هي السنن و الأمثال يتبع بعضها بعضا.» و التفت الى حضار الحفل فقال لهم.

«فو الذي بعث محمدا بالحق، لا ينقص من حقنا- أهل البيت- أحد إلا نقصه اللّه من عمله، و لا تكون علينا دولة إلا و تكون لنا العاقبة و لتعلمن نبأه بعد حين.»

و التفت (ع) الى معاوية فردّ عليه سبه لأبيه فقال له:

«أيها الذاكر عليا أنا الحسن و أبي علي، و أنت معاوية و أبوك صخر و أمىّ فاطمة، و أمك هند، و جدي رسول اللّه، وجدك عتبة بن ربيعة، و جدتي خديجة، وجدتك فتيلة، فلعن اللّه أخملنا ذكرا، و ألأمنا حسبا، و شرنا قديما و حديثا، و أقدمنا كفرا و نفاقا!!»

و ارتفعت الأصوات من جميع جنبات الحفل بقول:

«آمين آمين».

و ما سمع أحد هذا الخطاب إلا شاركهم بقول: آمين و نحن نقول: آمين آمين.

و هذه الخطبة أبلغ خطبة عرفها التأريخ، فقد وضع الإمام فيها النقاط على الحروف- كما يقولون- و صوّر الموقف الدقيق الذي هو فيه، و ربط بين الأحداث التي واجهها، و بين الأحداث التي جرت على أبيه و انها جميعا تستند الى من تقمص الخلافة بعد وفاة النبي (ص)، فلولاهم لما طمع معاوية في الخلافة و نازعه فيها.

موقف الزعيم قيس: 

و لما سمع الزعيم الحديدي قيس بن سعد بالنبإ المؤلم جمد دمه و استولت عليه موجة من الهموم، و غشيته سحب من الأحزان حتى تمنى مفارقة الحياة و جعل يردد في دخيلة نفسه:

كيف سالم أمير الحق أمير الباطل؟!!! و وقف و هو حائر اللب، خائر القوى يريد أن ينقل قدمه من الأرض فلم يتمكن، قد مشت الرعدة بأوصاله، و الحيرة بصدره، و سرى الألم العاصف في محيّاه، ثم انفجر باكيا و هو ينظم ذوب الحشا قائلا:

أتاني بأرض العال من أرض مسكن

بأن إمام الحق أضحى مسالما

فما زلت مذ بينته متلددا

أراعي نجوما خاشع القلب واجما

و التفت الى الجيش و قد علاه الانكسار و استولى عليه الجزع و الذهول قائلا بصوت خافت حزين النبرات:

«اختاروا إحدى اثنتين، اما قتال بغير إمام، و اما أن تبايعوا بيعة ضلال؟!!»

فأجابوه و قد علاهم الذل و الهوان قائلين:

«بل نقاتل بغير إمام».

و زحفوا الى جموع أهل الشام فضربوهم حتى أرجعوهم الى مصافهم و اضطرب معاوية من ذلك أشد الاضطراب، فراسل قيسا يمنّيه و يتوعّده

فأجابه قيس:

«لا و اللّه، لا تلقاني إلا و بيني و بينك السيف أو الرمح».

و لما يئس منه معاوية أرسل إليه رسالة يشتمه فيها و يتوعّده و هذا نصها:

«أما بعد: فإنك يهودي تشقى نفسك، و تقتلها فيما ليس لك، فإن ظهر أحب الفريقين إليك نبذك و غدرك، و إن ظهر أبغضهم إليك، نكّل بك و قتلك، و قد كان أبوك أوتر غير قوسه، و رمى غير غرضه، فأكثر الجذ، و أخطأ المفصل، فخذله قومه، و أدركه يومه، فمات بحوران غريبا و السلام».

[موقف الزعيم قيس] 

فاجابه قيس:

«أما بعد: فإنما أنت وثن ابن وثن، دخلت في الإسلام كرها، و اقمت فيه فرقا، و خرجت منه طوعا، و لم يجعل اللّه لك فيه نصيبا، لم يقدم إسلامك، و لم يحدث نفاقك، و لم تزل حربا للّه و لرسوله، و حزبا من أحزاب المشركين، و عدوّا للّه و لنبيه و للمؤمنين من عباده. و ذكرت أبي فلعمري ما أوتر إلا قوسه، و لا رمى إلا غرضه، فشغب عليه من لا تشق غباره، و لا تبلغ كعبه، و زعمت أني يهودي ابن يهودي و قد علمت و علم الناس أني و أبي أعداء الدين الذي خرجت منه، و انصار الدين الذي دخلت فيه و صرت إليه و السلام».

و حكت هذه الرسالة حقيقة معاوية و واقعه، و لمّا قرأها انتفخت أوداجه، و ورم أنفه، فأراد أن يجيبه، و لكن الداهية الماكر وزيره ابن العاص نهاه عن ذلك قائلا له:

«!! فإنك إن كاتبته أجابك بأشد من هذا، و إن تركته دخل فيما دخل فيه الناس».

و استصوب معاوية رأي ابن العاص فأعرض عن الشدة و العنف و بعث إليه رسالة جاء فيها:

«على طاعة من تقاتل؟ و قد بايعني الذي أعطيته طاعتك».

و لم يقتنع قيس بذلك و بقي مصرا على رأيه، و لكن معاوية خاف من الفتنة و من تطور الأحداث فبعث إليه طومارا ختم في أسفله، و قال للرسول قل له فليكتب فيه ما شاء و غاظ ذلك ابن العاص، لأن فيه نوعا من التكريم و الحفاوة بقيس، فالتفت الى معاوية قائلا:

«لا تأته هذا و قاتله!!»

و لم يخف على معاوية حقد ابن العاص لقيس و عدم نصحه في مقاله فأجابه:

«على رسلك فانا لا نخلص الى قتلهم حتى يقتل اعدادهم من أهل الشام فما خير في العيش بعد ذلك و اني و اللّه لا أقاتله أبدا حتى لا أجد من قتاله بدّا».

و أوصل الرسول الطومار الى قيس، و ابلغه بمقالة معاوية، فتأمل قيس و أطال التفكير، و أخيرا لم يجد بدا من الدخول فيما دخل فيه الناس إذ لم تكن عنده قوة يستطيع بها على مناجزة معاوية، و لم يكن هناك ركن شديد يأوى إليه حتى يتخلص من بيعته، فأجاب الرسول بالموافقة و سجل في الطومار الأمان له و لشيعته، و لم يسأل غير ذلك و لكنه امتنع من الاجتماع معه لأنه قد عاهد اللّه أن لا يجتمع معه إلا و بينهما السيف و الرمح فلما علم معاوية ذلك أمر باحضار سيف و رمح ليجعل بينهما حتى يبر قيس بيمينه و لا يحنث، فعند ذلك التجأ قيس الى الاجتماع به فأقبل و قد أحاطت به الجماهير، و شخصت نحوه الأبصار، و هو مطأطئ الرأس، مثقل الخطى لا يبصر طريقه من الأسى و الذل، يتنفس فيلفظ شظايا قلبه مع أنفاسه، و لما استقر به المجالس التفت الى الجموع الحاشدة قائلا:

«يا معشر الناس، لقد اعتضتم الشر من الخير، و استبدلتم الذل من العز، و الكفر من الإيمان، فأصبحتم بعد ولاية أمير المؤمنين و سيد المسلمين، و ابن عم رسول رب العالمين، و قد وليكم الطليق ابن الطليق، يسومكم الخسف، و يسير فيكم بالسيف، فكيف تجهل ذلك أنفسكم، أم طبع اللّه على قلوبكم و أنتم لا تعقلون».

ثم التفت الى الإمام (ع) و قد استولى عليه الذل و الانكسار قائلا بصوت خفيض و بنبرات مرتعشة.

«أ في حل أنا من بيعتك؟»

و التاع الإمام أشد اللوعة من حديث قيس فأجابه بكلمة واحدة:

«نعم».

و لم يكتف معاوية بذلك فقد دفعته الوقاحة و صفاقة الوجه، و ضيق الوعاء أن يقول له:

«أ تبايع يا قيس؟»

فأجابه بصوت خافت حزين:

«نعم».

ثم أطرق برأسه و وضع يده على فخذه لم يمدها إليه، و قام معاوية من سريره و أكب عليه و مسح يده، و قيس لم يرفع يده.

الى هنا ينتهي بنا الحديث عن اجتماع الإمام بمعاوية، و قد كان الاجتماع من أعظم المحن و أقساها عليه، و أقبل (ع) بعد ذلك يتهيأ للسفر الى يثرب ليترك العراق الذي غدر به و بأبيه من قبل، فلم يف لهما بعهد و وعد يتركه الى معاوية و لبني أميّة يتصرفون فيه حسبما شاءت لهم أهواؤهم الخاصة، فقد أخرجوه من الدعة و الرفاهية و الأمن، الى الشدة و القسوة و العذاب، و جعل العراقيون بعد نزوح الإمام عنهم يذكرون أيام حياتهم تحت ظلال الحكومة الهاشمية فيحزنون أشد الحزن، و يندمون أشد الندم على تفريطهم في جنب أمير المؤمنين، و ولده الإمام الحسن عليهما السلام.

 

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved