۱۳۹۶ سه شنبه ۴ مهر | اِثَّلاثا ٥ محرم ١٤٣٩
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
اسباب الصّلح 

تحوم حول صلح الامام الحسن (ع) مع خصمه معاوية كثير من الظنون و الأقوال، و يستفاد منها حكمان متباينان بكل ما للتباين من معنى و الحق أن أحدهما خطأ و بعيد عن الصواب كما هو الشأن في كل حكمين متباينين:

 

«الأول» من هذين الحاكمين تبرير موقف الامام في صلحه و موفقيته فيه الى أبعد الحدود، و يختلف مبنى التعليل فيه، فطائفة من العلماء و البحاث عللته بأنه إمام و الإمام معصوم من الخطأ، فلا يفعل إلا ما هو الصالح العام لجميع الأمّة، و سنذكر في أواخر هذا البحث الذاهبين الى هذا القول و تعليل آخر يكشف عن مناط القول الأول، و يوضح مدركه و هو يستند الى العلل المادية التي اضطرت الامام الى الصلح كخذلان جيشه، و فساد مجتمعه، و خيانة الزعماء و المبرزين و الوجهاء من شعبه و غير ذلك من العوامل،

«الثاني» من هذين الحاكمين تعود خلاصته الى ضعف ارادة الامام و عدم احاطته بشئون السياسة العامة و عجزه عن ادارة دفة الدولة، و عدم تداركه للموقف بالاعتماد على الأساليب السياسية و إن منع عنها الدين، فان نال الظفر فذاك و إلا فالشهادة في سبيل المجد التي هي شعار الهاشميين، و هدف المصلحين، و هذا الرأي مبني على ظواهر لا تمت الى الواقع بصلة و لا تلتقي معه بطريق و ذلك لعدم ابتنائه على دراسة الظروف المحيطة بالامام، و عدم الوقوف على اتجاه شعبه الذي اصيب بأخلاقه و عقيدته، فلذا كان هذا الرأي سطحيا و خاليا عن التحقيق و بعيدا عن الواقع، أما الذاهبون لهذا الرأي فهم:

1- الصفدي:

قال الصفدي فى شرحه لهذا البيت من لامية العجم:

حب السلامة يثني عزم صاحبه

عن المعالي و يغري المرء بالكسل

و قد رضى بالخمول جماعة من الرؤساء و الأكابر المتقدمين في العلم و المنصب و فارقوا مناصبهم، و أخلوا الدسوت من تصديرهم، ثم ذكر جماعة من الذين رضوا بالخمول و نزعوا عن أنفسهم الخلافة ثم قال:

«و هذا الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) قال لمعاوية: إن عليّ دينا فأوفوه عني و أنتم فى حل من الخلافة، فأوفوا دينه و ترك لهم الخلافة» .

2- الدكتور فيليب حتى:

قال الاستاذ فيليب حتى: «و في بدء حكم معاوية قامت حركة أخرى كان لها شأن كبير في الأجيال التي تلت أعني اعلان أهل العراق الحسن بن علي الخليفة الشرعي، و لعلمهم هذا أساس منطقي لأن الحسن كان أكبر أبناء علي و فاطمة ابنة النبيّ الوحيدة الباقية بعد وفاته، و لكن الحسن الذي كان يميل الى الترف و البذخ لا الى الحكم و الادارة لم يكن رجل الموقف، فانزوى عن الخلافة مكتفيا بهبة سنوية منحه إياها» .

3- العلائلي:

قال الاستاذ العلائلي: «و لكنه (يعني الحسن) كان قديرا على أن يعد الجماعات المنحلة عن طريق الاستشارة و الحماس، و بث روح العزم و الإرادة كما رأينا في القادة الحديديين أمثال «نابليون» الذي تولى شعبا أنهكته الثورة الطويلة كما أنهكت العرب، و زاد هو فى انهاكه بالحروب المتتالية المستمرة التي اخذ بها أوربا، و لكن القائد غمرته موجة السأم التي غمرت الناس» .

4- المستشرق «روايت م رونلدس»:

قال هذا المستشرق: «فان الأخبار تدل على أن الحسن كانت تنقصه القوة المعنوية و القابلية العقلية لقيادة شعبه بنجاح» .

5- لامنس:

قال هذا الإنگليزي المتهوس الأثيم الذي لم يفهم من التاريخ الإسلامى شيئا: «و بويع للحسن بعد مقتل علي فحاول أنصاره أن يقنعوه بالعودة الى قتال أهل الشام، و قلب هذا الإلحاح من جانبهم حفيظة الحسن القعيد الهمة، فلم يعد يفكر إلا في التفاهم مع معاوية، كما أدى إلى وقوع الفرقة بينه و بين أهل العراق، و انتهى بهم الأمر إلى اثخان امامهم اسما لا فعلا بالجراح فتملكت الحسن منذ ذلك الوقت فكرة واحدة هي الوصول الى اتفاق مع الأمويين، و ترك له معاوية أن يحدد ما يطلبه جزاء تنازله عن الخلافة، و لم يكتف الحسن بالمليوني درهم التي طلبها معاشا لأخيه الحسين بل طلب لنفسه خمسة ملايين درهما أخرى، و دخل كورة فى فارس طيلة حياته و عارض أهل العراق بعد ذلك في تنفيذ الفقرة الأخيرة من هذا الاتفاق، بيد انه اجيب إلى كل ما سأله حتى ان حفيد النبي اجترأ فجاهر بالندم على أنه لم يضاعف طلبه و ترك العراق مشيعا بسخط الناس عليه ليقبع في المدينة»

و هؤلاء الناقدون لصلح الامام كان بعضهم مدفوعا بدافع الحقد و العداء للإسلام، و بعضهم لم يكن رأيه خاضعا لحرية الفكر و لم يحتضن قولهم الدليل فى جميع أحواله، و ذلك لعدم وقوفهم على العوامل التي أحاطت بالامام حتى دعته إلى مسالمة خصمه، و يجب على الكاتب الذي يريد أن يمثل للمجتمع صورة عن شخصية مهمة لها من الخطورة شأن كبير أن يحيط بأطرافها من جميع النواحي ليكون رأيه قريبا الى الصواب و بعيدا عن الخطأ و بما أنا وقفنا بعض الوقوف أو أقله على بعض العلل و العوامل التي دعت الامام لمسالمة عدوه، و هي تتلخص في أمور استنبطنا بعضها من الابحاث السالفة و البعض الآخر استنتجناه من دراسة نفسية معاوية و ملاحظة أعماله، و من الوقوف على أضواء سيرة الامام الرفيعة، و معرفة سياسة أهل البيت (ع) التي لا تتذرع بالوسائل التي شجبها الاسلام في سبيل الوصول الى الحكم و قبل أن نعرض أسباب الصلح نود أن نبين انا قد نعيد نماذج بعض المواضيع السالفة لأجل الاستدلال على ما نذهب إليه فان في الاعادة ضرورة ملزمة يقتضيها البحث، فان تفصيل هذا الموضوع و الاحاطة به أهم من غيره، و لعل نظر القراء إليه و هي كما يلي:

1- تفلل الجيش:

إن أعظم ما تواجهه الدولة فى جميع مجالاتها مسبب- على الأكثر- من خبث الجند، و شدة خلافه، و عصيانه لقيادته العامة، و قد مني الجيش العراقي آنذاك بالتمرد و الانحلال بما لم يبتل به جيش معاوية فانه ظل محتفضا بالولاء لحكومته و لم يصب بمثل هذه الرجات و الانتكاسات، أما العلل التي أدت الى اضطراب الجيش العراقي و انشقاقه فهي:

أ- تضارب الحزبية فيه:

إن الأحزاب إذا تضاربت في الجيش و كانت مدفوعة بالحقد للحكم القائم، أو كان لها اتصال بدولة أجنبية تعمل بوحي منها، و تستمد منها التوجيهات للإطاحة به، فان الدولة لا تلبث أن تلاقي النهاية المحتومة إن عاجلا أو آجلا، و قد ابتلي الجيش العراقي في ذلك الوقت بحزبين ليس فيهما صديق للدولة الهاشمية و لا محافظ عليها، و إنما كانا يبذلان المساعي و الجهود للقضاء عليها، و هما:

الحزب الاموي: 

و هؤلاء هم أبناء الأسر البارزة و ذوو البيوتات الشريفة الذين لا يهمهم غير الزعامة الدنيوية، و الظفر بالمال و السلطان و هم كعمر بن سعد، و قيس ابن الأشعث، و عمرو بن حريث، و حجار بن أبجر، و عمرو بن الحجاج، و أمثالهم من الذين لا صلة لهم بالفضيلة و الكرامة، و كانوا أهم عنصر مخيف فى الجيش، فقد و عدوا معاوية باغتيال الامام أو بتسليمه له أسيرا كما قاموا بدورهم باعمال بالغة الخطورة و هي:

1- إنهم سجلوا كل ظاهرة أو بادرة فى الجيش فارسلوها الى معاوية للاطلاع عليها.

2- كانوا همزة وصل بين معاوية و بقية الوجوه.

3- قاموا بنشر الأراجيف و الارهاب فى نفوس الجيش بقوة معاوية و ضعف الحسن.

و أدت هذه الأعمال الى انهيار الجيش، و زعزعة كيانه، و ضعف معنوياته في جميع المجالات.

الحزب الحروري: 

و هذا الحزب قد أخذ على نفسه الخروج على النظام القائم، و محاربته بجميع الوسائل، و قد انتشرت مبادئه في الجيش العراقي انتشارا هائلا لأن المبشرين بأفكارهم كانوا يحسنون غزو القلوب و الأفكار و يجيدون الدعاية و قد وصف زياد بن أبيه مدى قابلياتهم بقوله: «لكلام هؤلاء أسرع الى القلوب من النار الى اليراع» و وصف المغيرة بن شعبة شدة تأثر يهم في النفوس بقوله: «إنهم لم يقيموا ببلد إلا أفسدوا كل من خالطهم» و قد استولوا على عقول السذج و البسطاء من الجيش بشعارهم الذي هتفوا به «لا حكم إلا للّه» و لم يقصد بذلك إلا حكم السيف كما يقول فان فلوتن

لقد قضت خطط الخوارج الملتوية بوجوب الخروج على ولي أمر المسلمين إذا لم ينتم إليهم و هو عندهم جهاد ديني تجب التضحية في سبيله و قد قاموا بأعنف الثورات ضد الولاة حتى عسر عليهم مقاومتهم. و كان الخوارج يحملون حقدا بالغا في نفوسهم على الحكومة الهاشمية لأنها قد وترتهم بأعلامهم، و قضت على الكثيرين منهم فى واقعة النهروان، و قد فتكوا بالإمام أمير المؤمنين و تركوه صريعا في محرابه انتقاما منه بما فعله فيهم، كما اغتالوا الإمام الحسن (ع) و طعنوه في فخذه، و حكموا بتكفيره، و كانت كمية هذه العصابة كثيرة للغاية فقد نصت بعض المصادر أن أكثرية الجيشكانت من الخوارج .

و هذان الحزبان السائدان في العراق قد بذلا جميع الطاقات لإفساد الجيش، و بذر الخلاف و الانشقاق في جميع وحداته حتى ارتطم في الفتن و الأهواء، و يضاف لذلك أن هناك مجموعة كبيرة منه كان موقفها موقفا سلبيا في قضية الإمام الحسن (ع) لأنها لا تفقه الأهداف الأصيلة التي ينشدها الامام، و لضيق تفكيرها ترى أن الامام كل من ارتقى دست الحكم من أي طريق كان فالحسن و معاويه سيان، و إن حارب الحسن معاوية على الدين، و حارب معاوية الحسن على الدنيا.

و لم يعد بعد ذلك من يناصر الحكومة الهاشمية، و يقف الى جانبها سوى الفئة الشيعية التي ترى رأي العلويين في أحقيتهم بالخلافة و هم أمثال الزعيم قيس بن سعد، و سعيد بن قيس، و عدي بن حاتم الطائي، و حجر ابن عدي، و رشيد الهجري، و حبيب بن مظاهر، و أضرابهم من تلامذة أمير المؤمنين (ع) و هم الأقلية عددا كما قال اللّه تعالى «و قليل ما هم» و ليس باستطاعتهم أن ينتشلوا الحكومة من الأخطار الحافة بها فانهم لو كانوا كثرة في الجيش لما اضطر الامام أمير المؤمنين على قبول التحكيم و لما التجأ الامام الحسن الى الصلح.

ب- السأم من الحرب: ان من طبيعة الكوفة التي جبلت عليها نفوس أهلها السأم و الملل «و لا رأي لملول» و مضافا لهذه الظاهرة النفسية التي عرفوا بها أن هناك سببين أوجبا زيادته و مضاعفته و هما:

1- الحروب المتتالية:

و مما سبب شيوع الملل و السأم فى نفوس الجيش العراقي الحروب المتتالية فان الدولة كانت تستعمله فى الفتوحات و الدفاع عنها، و زاد في ضعف أعصابه و انهياره حرب صفين و النهروان، فقد طحنت الحرب فيها جمعا غفيرا منهم حتى أصبحوا يكرهون الحرب و يؤثرون السلم و يحبون العافية.

2- اليأس من الغنائم:

و لم يربح الجيش العراقي في حرب الجمل و صفين و النهروان شيئا من العتاد و الأموال، لأن الامام أمير المؤمنين لم يعاملهم معاملة الكفار فيقسم غنائمهم على المسلمين، و إنما أمر بارجاع جميع الأموال التي اغتنمها جيشه إلى أهلها بعد انتهاء حرب البصرة و قد علم الجيش أن الامام الحسن (ع) لا يتحول عن سيرة أبيه و نهجه، فلم يثقوا بالأموال و الغنائم إن حاربوا معاوية فاعلنوا العصيان و أظهروا التمرد و السأم من الحرب.

إن كراهية الجيش العراقي للحرب و إيثاره للعافية لم يكن ناشئا في «مسكن» و إنما كان عقيب رفع المصاحف و واقعة النهروان فقد خلد بجميع كتائبه إلى السلم، و قد ذكرنا في الحلقة الأولى من هذا الكتاب صورا من الاعتداءات الغادرة التي قامت بها قوات معاوية على الحدود العراقية و غزوهم لمدن العراق، و ترويعهم للآمنين، و قتلهم الأبرياء، و هم متخاذلون متقاعسون عن ردها لا تحركهم العواطف الدينية و لا يهزهم الشعور الانساني لدفع الضيم و الذل عنهم، يأمرهم الامام أمير المؤمنين بالجهاد فلا يطيعونه، و يدعوهم إلى مناصرته فلم يستجيبوا له، و قد ترك ذلك أسى مريرا و شجى مقيما في نفسه، و قد اندفع فى كثير من خطبه إلى انتقاصهم و ذمهم يقول (ع): «لقد سئمت عتابكم أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا، و بالذل من العز خلفا، إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة، و من الذهول في سكرة».

و يستمر في تقريعه و لومه لهم، و إبداء تأثره على تخاذلهم و نكوصهم عن الحرب فيقول:

«و ما أنتم بركن يمال بكم، و أيم اللّه إني لأظن أن لو حمس الوغى، و استحر الموت قد انفرجتم من ابن أبي طالب انفراج الرأس ...».

و يصف (ع) فى خطاب آخر عدم اندفاعهم للجهاد في سبيل اللّه، و مدى محنته و بلائه فيهم فيقول:

«و دعوتهم سرا و جهرا، و عودا و بدء فمنهم الآتي كرها، و منهم المعتل كاذبا. و منهم القاعد خاذلا، و اسأل اللّه أن يجعل منهم فرجا عاجلا و اللّه لو لا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة لا حببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا و لا ألتقي بهم أبدا» .

و يقول (ع) في خطاب آخر له:

«المغرور و اللّه من غررتموه، و من فاز بكم فقد فاز و اللّه بالسهم الأخيب، و من رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل أصبحت و اللّه لا أصدق قولكم، و لا أطمع في نصركم، و لا أوعد العدو بكم، ما بالكم! ما دواؤكم ما طبكم ...» .

و قد احتوى «نهج البلاغة» على طائفة كبيرة من خطب الامام تدل على استيائه البالغ، و حزنه العميق من تخاذل جيشه و عدم استجابتهم لنصرته حتى ملأوا قلبه غيظا و جرعوه نغب التهمام انفاسا- على حد تعبيره- و بقي سأمهم من الحرب و كراهيتهم للجهاد مستمرا طيلة أيام أمير المؤمنين.

و لما آل الأمر إلى الحسن (ع) ظهر ذلك بأبشع الصور فانه لما عرض عليهم دعوة معاوية للصلح ارتفعت أصواتهم و هم يهتفون:

«البقية البقية».

و دل ذلك على مدى جزعهم من الحرب، و كراهيتهم للجهاد، و انهم لم يكونوا بأي حال مع الإمام لو فتح باب الحرب مع معاوية.

ج- فقد القوى الواعية:

و مما سبب تفلل الجيش العراقي فقده للقوى الواعية من أعلام الإسلام الذين آمنوا بحق أهل البيت (ع) و عرفوا فضلهم، و كان الجيش بجميع كتائبه يكن لهم أعمق الولاء و التقدير لأنهم من خيار المسلمين و من الذين أبلوا في الإسلام بلاء حسنا، و كان لهم شأن كبير فى تنظيم الحركة العسكرية، و في توجيه الجيش في خدمة الأهداف الإسلامية، و هم أمثال الصحابي العظيم عمار بن ياسر، و القائد الملهم هاشم المرقال، و ثابت بن قيس، و ذو الشهادتين و نظائرهم من الذين سبقوا إلى الإسلام و الإيمان، و قد طحنتهم حرب صفين و قد أحصى رواة الأثر عدد البدرين منهم فكانوا ثلاثا و ستين بدريا، و هناك كوكبة أخرى من أبرار الصحابة و خيارهم قد استشهدوا فى تلك الحروب التي أثارها الطامعون و المنحرفون عن الإسلام ضد وصي رسول اللّه (ص) و باب مدينة علمه، و قد ترك فقدهم فراغا هائلا في الجيش العراقي فقد خسر الضروس و الرءوس، و بلي من بعدهم بالمنافقين و الخوارج الذين كانوا سوسة تنخر فى كيانه، و لو ضم جيش الإمام أمثال أولئك الأبرار لما التجأ إلى الصلح و الموادعة مع خصمه.

د- الدعوة إلى الصلح:

و مما سبب ضعف العزائم، و إخماد نار الثورة في نفوس الجيش دعوة معاوية إلى الصلح و حقن الدماء، فقد كانت هذه الدعوى لذيذة مقبولة إلى حد بعيد، فقد استطابها البسطاء و السذج و رحب بها عملاء معاوية و أذنابه من الذين ضمهم جيش الإمام، و لم تكن الاكثرية الساحقة في الجيش تعلم بنوايا معاوية و ما يبيته لهم من الشر فانخدعوا بدعوته إلى الصلح كما انخدعوا من قبل في رفع المصاحف، مضافا لذلك خيانة زعمائهم، و التحاقهم بمعسكر معاوية.

و على أي حال فقد رحبت أكثرية الجيش بالدعوة إلى الصلح و آثرت السلم على الحرب، و لم يكن في استطاعة الامام أن يرغمهم على مناجزة معاوية و مقاومته.

ه- خيانة عبيد اللّه:

و يعتبر خذلان عبيد اللّه بن العباس من العوامل المهمة التي سببت تفكك الجيش و تخاذله، فقد طعن بخيانته الجيش العراقي طعنة نجلاء، و فتح باب الخيانة و الغدر، و مهد السبيل للالتحاق بمعاوية، و قد وجد ذوو النفوس الضعيفة مجالا واسعا للغدر بخيانتهم للإمام، فاتخذوا من غدر عبيد اللّه وسيلة لذلك فهو ابن عم الامام و أقرب الناس إليه، و قديما قد قيل:

إذا فاتك الادنى الذي أنت حزبه

فلا عجب إن أسلمتك الاباعد

و قد أولد غدر عبيد اللّه في نفس الامام حزنا بالغا و أسى مريرا، فانه لم يرع «الدين، و لا الوتر، و لا العنعنات القبلية، و لا الرحم الماسة من رسول اللّه (ص)، و لا من قائده الاعلى، و لا الميثاق الذي واثق اللّه عليه في البيعة منذ كان أول من دعا الناس إلى بيعة الحسن في مسجد الكوفة، و لا الخوف من حديث الناس، و نقمة التاريخ».

و- رشوات معاوية:

و بالأموال تشترى ذمم الرجال، و تباع الأوطان، و تخمد الافكار، و تسيل لها لعاب الابطال، و قد عمد معاوية إلى بذلها بسخاء إلى الوجوه و الاشراف و الزعماء فانه لم ير وسيلة للتغلب على الاحداث إلا بذلك، فغدروا بالامام، و تسللوا إليه في غلس الليل و فى وضح النهار غير حافلين بالعار و الخزي و عذاب اللّه، و قد أدت خيانتهم إلى اضطراب الجيش و تفلله، و إعلانه للعصيان و التمرد.

إن الاكثرية الساحقة من الجيش لم يكن لها أي هدف نبيل. و إنما كانت تسعى نحو المنافع و الاطماع، و قد أدلى بعضهم بذلك في بعض المعارك فقال:

«من أعطانا الدراهم قاتلنا معه».

و هجا بعض الشعراء شخصا قتل في تلك المعارك يقول لابنائه:

و لا فى سبيل اللّه لاقى حمامه

أبوكم و لكن في سبيل الدراهم

إن الجيش إذا كان مدفوعا بالدوافع المادية فانه لا يخلص في دفاعه، و لا يؤمن من انقلابه، و خطره على حكومته أعظم من الخطر الخارجي.

لقد بلغ من فساد العراقيين و جشعهم فى الحصول على أموال معاوية ان الإمام الحسن لما نزل بالمدائن للاستشفاء من جرحه في دار سعد بن مسعود الثقفي و كان واليا على المدائن من قبل أمير المؤمنين (ع) و أقره الإمام الحسن عليها أقبل إليه ابن اخيه المختار- على ما قيل- و كان آنذاك غلاما فقال له:

«يا عم هل لك في الغنى و الشرف؟».

«و ما ذاك؟».

«توثق الحسن و تستأمن به إلى معاوية!».

فانبرى إليه عمه و قد لسعه قوله قائلا:

«عليك لعنة اللّه أثب على ابن بنت رسول اللّه فاوثقه بئس الرجل أنت» .

و لم يكن المختار وحده- على تقدير صحة هذه الرواية- قد غمره هذا الشعور بالخيانة، فقد غمر ذلك أكثرية الجيش الذي كان مع الإمام، فقد تسابقوا إلى مطامع الدنيا، و ليس ذلك في زمان الحسن (ع) و انما كان في زمان أمير المؤمنين (ع) فقد قال الإمام زين العابدين (ع) «إن عليا كان يقاتله معاوية بذهبه» ان معاوية عرف نقطة الضعف في جيش الإمام فأغدف عليهم بالرشوات حتى استجابوا له و تركوا عترة نبيهم و وديعته في أمته.

ز- الاشاعات الكاذبة

و مما سبب انحلال الجيش الاشاعات الكاذبة التي أذاعها عملاء معاوية فى (المدائن) بأن قيس بن سعد قد قتل، و اشاعوا أخرى بأنه قد صالح معاوية، و قد اعتقد الجيش بصحة هذه الأنباء فارتطم بالفتن و الاختلاف و أعظم هذه الدعايات بلاء و أشدها فتكا هي ما بثّه الوفد الذي أرسله معاوية للإمام، فانه لما خرج منه أخذ يفتري عليه بأنه قد أجابهم إلى الصلح، و حينما سمعوا بذلك اندفعوا كالموج فنهبوا أمتعته، و اعتدوا عليه، و لو كانت عند الزعماء و الوجوه صبابة من الانسانية و الكرامة لقاموا بحماية الامام، ورد الغوغاء عنه حتى يتبين لهم الأمر، و لكنهم أقاموا في ثكناتهم العسكرية و لم يقوموا بحمايته و نجدته.

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن العوامل التي أدت إلى تفكك الجيش و القضاء على اصالته، و من البديهي ان القوى العسكرية قلب الدولة و مصدر حمايتها فاذا أصيبت بمثل هذه الزعازع و الأخطار فهل يتمكن القائد الاعلى أن يحقق أهدافه أو يفتح باب الحرب مع القوى المعادية له؟!.

2- قوة العدو:

العامل الثاني الذي دعى الامام إلى المصالحة و المسالمة هو ما يتمتع به خصمه من القوى العسكرية و غيرها التي لا طاقة للإمام على مناجزتها، و لا قابلية له للوقوف أمامها، حتى استطاع معاوية أن يناجز أمير المؤمنين من قبل و يرغم الامام الحسن على الصلح، و نقدم عرضا لبعضها و هي:

أ- طاعة الجيش:

و غرس معاوية حبه في قلوب جيشه، و هيمن على مشاعرهم و عواطفهم فقد عرف ميولهم و اتجاههم فسايرها حتى أحبهم و أحبوه و صاروا طوع إرادته و قد اختمر في أذهانهم بسبب دعايته و تمويهه أنه الحجة من بعد الخلفاء، و ان النبي (ص) ليس له وارث شرعي غير بني أمية فقد نقل المؤرخون أن أبا العباس السفاح لما فتح الشام أقبلت إليه طائفة من الزعماء و الوجوه فحلفوا له أنهم ما علموا للرسول قرابة، و لا أهل بيت يرثونه غير بني أمية حنى تولى بنو العباس الخلافة، و فى ذلك يقول ابراهيم بن المهاجر البجلي :

أيها الناس اسمعوا أخبركم

عجبا زاد على كل العجب

عجبا من عبد شمس إنهم

فتحوا للناس أبواب الكذب

ورثوا أحمد فيما زعموا

دون عباس بن عبد المطلب

كذبوا و اللّه ما نعلمه

يحرز الميراث إلا من قرب

و يعود السبب في ذلك إلى الروايات التي تعمد وضعها الرواة المستأجرون و أشاعوها في أوساط دمشق من أن معاوية هو وارث النبيّ و أقرب الناس إليه و قد أفاضوا عليه و على الشجرة الملعونة من اسرته النعوت الحسنة و الاوصاف الشريفة حتى جعلوهم فى الرعيل الأول من المصلحين الاخيار و أصبحت طاعتهم فرضا من فروض الدين، و اعتقدوا فيه و في بني أمية أكثر من ذلك يقول الاستاذ (فان فلوتن): «و كان السواد الاعظم يرى في حزب بني أمية حزب الدين و النظام» و قال: «و كان معاوية فى نظر الحزب الاموي خليفة اللّه كما كان ابنه يزيد إمام المسلمين، و عبد الملك إمام الاسلام و أمين اللّه» و بلغ من و دهم و طاعتهم له أنه كان يسلك بهم جميع المسالك البعيدة التي تتنافى مع الدين حتى استطاع أن يحقق بهم جميع ما يصبو إليه، و نظرا لمزيد طاعتهم له تمنى أمير المؤمنين أن يصارفه معاوية بأصحابه فيعطيه واحدا منهم و يأخذ عشرة من العراقيين الذين عرفوا بالشغب و التمرد.

ب- بساطة و سذاجة:

و أتاح الزمن الهزيل إلى معاوية أن يسيطر على جيش كان مثالا للسذاجة و البساطة فلم يعرف الاكثر منهم أي طرفيه أطول و قد احتفظ التأريخ بصور كثيرة من بلاهتهم تدل على مدى خمولهم و عدم نباهتهم، فقد ذكر المؤرخون أن رجلا من أهل الكوفة قدم على بعير له إلى دمشق حال منصرفهم من صفين فتعلق به رجل من أهل دمشق قائلا له:

«هذه ناقتي أخذت مني بصفين».

و حدث بينهما نزاع حاد فرفعا أمرهما إلى معاوية و أقام الدمشقي بينة على دعواه تتألف من خمسين رجلا يشهدون انها ناقته فقضى معاوية على الكوفى و أمره بتسليم البعير إليه فورا، فالتفت إليه العراقي متعجبا من هذا الحكم قائلا:

«أصلحك اللّه إنه جمل و ليس بناقة!».

«حكم قد مضى».

و لما انفض الجمع أمر معاوية باحضار العراقي فلما مثل عنده سأله عن ثمن البعير فاخبره به فدفع إليه ضعفه و برّ به و أحسن إليه ثم قال له:

«أبلغ عليا أني أقابله بمائة الف ما فيهم من يفرق بين الناقة و الجمل» .

ان خمسين رجلا منهم لا يفرقون بين الناقة و الجمل، و ليس من شك أن الاكثرية الساحقة منهم لا يميزون بين الحق و الباطل و لا يتدبرون الفرق بين المحسوسات همج رعاع لا تفكير لهم و لا تدبر، و أدل دليل على غفلتهم قصة الصحابي العظيم عمار بن ياسر حينما نال الشهادة فوقع الاختلاف فيما بينهم لقول النبي (ص) «ان ابن سمية تقتله الفئة الباغية» و لما رأى ابن العاص الخلاف قد دب فيهم قال لهم إن الذي قتله من أخرجه فصدقوا قوله و رجعوا إلى طاعة معاوية و من الطبيعي ان الدولة إذا ظفرت بمثل هذا الجند المطيع الغافل توصلت الى غاياتها و تحقيق أهدافها.

و أبقى معاوية أهل الشام على غفلتهم يتخبطون في دياجير الجهالة و يسرحون في ميادين الشقاء رازحين تحت نير الاستعباد الاموي قد وضع بينهم و بين الناس حجابا حديديا فلم يسمح للغير أن يتصل بهم و لم يسمح لهم بالاتصال بالغير لئلا تتبلور أفكارهم و يقفون على الحقيقة فيتبين لهم باطل معاوية و ابتزازه للخلافة من أهلها.

ج- اتفاق الكلمة:

ذكرنا فى بحوثنا السابقة ما منى به العراق من الاختلاف و التفكك بسبب الأحزاب التي كانت تعمل على زعزة كيان الدولة الهاشمية و تحطيم عروشها و على العكس من ذلك كانت الشام فانها بجميع طبقاتها لم تبتل بتلك الأحزاب و لم تصب بالافكار المعادية للحكم القائم فقد كان السلام و الوئام و الهدوء مخيما على دمشق و جميع ملحقاتها و لم يكن في الجيش و لا في المملكة وكر للخوارج و لا دعاة لهم و لا لغيرهم ممن يعملون على قلب الحكم، و هذا الاتفاق الداخلي هو السبب في قوة معاوية و اتساع نطاقه و نفوذه.

د- ضخامة القوى العسكرية:

و انفق معاوية جميع جهوده المعنوية و المادية فى إصلاح جيشه و تقويته فانه لما منيت الشام بخطر الروم بادر فعقد هدنة مؤقتة مع ملكها و دفع إليه أموالا خطيرة و لم يفتح معه باب الحرب لئلا تضعف أعصاب جيشه و مضافا إلى ذلك فانه لم يستعمله في الفتوح و الحروب، فلم يكن قد ولج به حربا غير صفين فكان محتفظا بنشاطه و قوته.

و بالإضافة لجيشه الذي كان مقيما معه في دمشق فانه لما عزم على حرب الإمام الحسن كتب إلى عماله و ولاته في جميع الأقطار يطلب منهم النجدة و الاستعداد الكامل لحرب ريحانة رسول اللّه (ص)، و فى فترات قصيرة التحقت به قوى هائلة ضخمة فضمها إلى جيوش أهل الشام، و زحف إلى العراق بجيش جرار كامل العدد حسن الهيئة موفور القوة، مطيع لأمره فرأى الإمام الحسن (ع) أنه لا يتمكن على مقابلته و لا يستطيع أن يحاربه بجيشه المتخاذل الذي تسوده الخيانة و الغدر.

ه- حاشيته:

و مضافا إلى ما كان يتمتع به معاوية من القوى العسكرية فقد ظفر بقوة أخرى لها أثرها الفعال فى تقوية جبهته و توجيهه و تدبير شؤنه و هي انضمام المحنكين و السياسيين إليه طمعا بماله و دنياه، و هم كالمغيرة بن شعبة الذي قيل في حيلته و دهائه «لو كان المغيرة في مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج منها إلا بالمكر و الخداع لخرج المغيرة من أبوابها كلها.» و قيل فى عظيم مكره «كان المغيرة لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجا، و لا يلتبس عليه أمران إلا أظهر الرأي في أحدهما» و من حاشيته عمرو بن العاص الذي كان قلعة من المكر و الباطل، و قد قيل في وصفه «ما رأيت أغلب للرجال و لا أبذلهم حين يجتمعون من عمرو بن العاص» و هو في طليعة من رفع علم الثورة على عثمان لأنه عزله عن منصبه، و كان يثير عليه حفائظ النفوس و يحفز القريب و البعيد لمناجزته و قال فى ذلك: «و اللّه لألقى الراعي فاحرضه على عثمان فضلا عن الرؤساء و الوجوه» و لما بلغه مقتله قال:

«أنا أبو عبد اللّه ما نكأت قرحة إلا أدميتها» و هو الذي خدع الجيش العراقي برفع المصاحف، فتركه ممزق الأوصال، مختلف الأهواء.

لقد جذب معاوية هؤلاء الدهاة الماكرين الذين يخلطون السم بالعسل، و يلبسون الباطل لباس الحق، و لم يتحرجوا من الاثم و المنكر في سبيل نزعاتهم الشريرة، و لم يكن لهم هدف إلا القضاء على ذرية النبيّ (ص) و من يمت إليهم من صالحاء المسلمين ليتسنى لهم القضاء على الإسلام حتى يمعنوا في التحلل حيثما شاءوا، و قد وقف الإمام الحسن (ع) معهم في صلحه أحزم موقف يتخذه المفكرون فقد حفظ ذرية رسول اللّه (ص) و حقن دماء المؤمنين من شيعته لأن التضحية في ذلك الوقت لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعود بالصالح العام للمسلمين لأنهم يضفون عليها أصباغا من التمويه و التظليل ما تفقد به معنويتها و أصالتها.

و- ضخامة الأموال:

و يسر لمعاوية من الثراء العريض الذي مهدته له بلاد الشام طيلة ملكه لها فانه لم ينفقها فى صالح المسلمين و انما شرى بها الضمائر و الاديان، ليمهد بذلك الطريق الموصل لفوزه بالإمرة و السلطان و التحكم في رقاب المسلمين.

لقد وجه معاوية الجباة السود إلى أخذ الضرائب من الشعوب الإسلامية التي احتلها، و قد عمدوا إلى أخذ أموال المسلمين بغير حق، حتى بالغوا في إرهاقهم و إرغامهم على أدائها، كما فرض عليهم من الضرائب ما لا يقره الإسلام كهدايا النيروز و غيرها، و قد امتلأت خزائنه بها فأنفقها بسخاء على حرب ريحانة رسول اللّه (ص) و التغلب عليه، و قد رأى السبط بعد هذه القوى التي ظفر بها ابن هند أنه لا يمكن مناجزته، و لا الانتصار عليه، و ان الموقف يقضي بالصلح و المسالمة لا بالحرب و المناجزة فانها تجر للأمة من المضاعفات السيئة ما لا يعلم خطورتها إلا اللّه.

3- اغتيال أمير المؤمنين:

و من العوامل التي دعت الإمام الى الصلح ما روع به من اغتيال أبيه، فقد ترك ذلك حزنا مقيما و أسى شديدا في نفسه لأنه قد قتل على غير مال احتجبه و لا سنة في الإسلام غيرها، و لا حق اختص به دونهم، و كان يحيى بينهم حياة الفقراء و الضعفاء، و يتطلب لهم حياة حافلة بالنعم و الخيرات، و يسعى جادا فى اقامة العدل، و اماتة الجور، و نصرة المظلومين و اعالة الضعفاء و المحرومين، فعمدوا على اغتياله و تركوه صريعا في محرابه لم يحافظوا حرمته، و لا حرمة رسول اللّه (ص) فيه و قد رأى الإمام الحسن (ع) بعد ارتكابهم لهذه الجريمة النكراء أنه لا يمكن إصلاحهم، و إرجاعهم الى طريق الحق و الصواب، فتنكر منهم، و زهد في ولايتهم، و قد أدلى (ع) بذلك بقوله:

«و قد زهدني فيكم اغتيالكم أبي».

حقا أن يكون اغتيال الامام أمير المؤمنين (ع) رائد العدالة الاجتماعية الكبرى من الأسباب الوثيقة التي زهدت الامام الحسن في ذلك الشعب الجاهل الذي غمرته الفتن و الأطماع، و انحرف عن الطريق القويم.

4- حقن الدماء:

و من دواع الصلح رغبة الإمام الملحة في حقن دماء المسلمين، و عدم اراقتها، و لو فتح باب الحرب مع معاوية لضحى بشيعته و أهل بيته، و يجتث بذلك الإسلام من أصله، و قد صرح (ع) بذلك في جوابه عن دوافع صلحه فقال:

«إني خشيت أن يجتث المسلمون عن وجه الأرض فأردت أن يكون للدين ناعي ...»

و أجاب (ع) بعض الناقمين عليه من شيعته فى الصلح فقال: «ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل» . و أعرب في خطابه الذي ألقاه في المدائن عن مدى اهتمامه في دماء المسلمين فقد جاء فيه.

«أيها الناس. إن الأمر الذي اختلفت فيه أنا و معاوية إنما هو حق أتركه لإصلاح أمر الأمة، و حقن دمائها و من حيطته و رعايته لذلك أنه أوصى أخاه الحسين حينما وافاه الأجل المحتوم أن لا يهرق في أمره ملء محجمة دما.»

إن أحب شيء للإمام (ع) الحفاظ على دماء المسلمين، و نشر الأمن و الوئام فيما بينهم، و قد بذل في سبيل ذلك جميع جهوده و مساعيه.

5- منة معاوية:

لقد علم الإمام (ع) أنه إن حارب معاوية فان اجلاف العراقيين و أوباشهم سوف يسلمونه أسيرا الى معاوية و أغلب الظن انه لا يقتله بل يخلي عنه و يسجل له بذلك مكرمة و فضيلة و يسدي يدا بيضاء على عموم الهاشميين و يغسل عنه العار الذي لحقه من أنه طليق و ابن طليق، و قد صرح الحسن (ع) بهذه الخاطرة قائلا:

«و اللّه لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما، و اللّه لئن أسالمه و أنا عزيز، أحب إليّ من أن يقتلنى و أنا أسير أو يمن عليّ فتكون سبة على بني هاشم الى آخر الدهر و لمعاوية لا يزال يمن بها هو و عقبه على الحي منّا و الميت.»

و هذا السبب له مكانته من التقدير فان الإمام أراد أن لا يسجل لخصمه أي فضيلة و مكرمة.

6- حوادث المدائن:

و من جملة الأسباب التي دعت الامام الى الصلح هي الحوادث القاسية التي لاقاها في المدائن، و قد ذكرناها مشفوعة بالتفصيل و خلاصتها.

أ- خيانة الزعماء و الوجوه و اتصالهم بمعاوية.

ب- الحكم عليه بالتكفير من قبل الخوارج.

ج- اغتياله.

د- نهب أمتعته.

هذه بعض العوامل التي أدت الامام الى السلم، و فيما نعلم انها تلزم بالصلح و عدم فتح أبواب الحرب.

7- الحديث النبوي:

نظر النبي (ص) الى الحوادث الآتية من بعده فرآها بعينها و حقيقتها لا بصورها و أشكالها، رأى أمّته ستخيم عليها الكوارث، و تنصب عليها الفتن و الخطوب، حتى تشرف على الهلاك و الدمار، و إن إنقاذها مما هي فيه من الواقع المرير سيكون على يد سبطه الأكبر، و ريحانته من الدنيا الامام الحسن (ع) فأرسل كلمته الخالدة قائلا:

«إن ابني هذا سيد و لعل اللّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين عظيمتين» .

و انطبع هذا الحديث في أعماق الامام الحسن و في دخائل ذاته منذ نعومة أظفاره، و تمثل أمامه في ذلك الموقف الرهيب، «و إنه ليطمئن الى قول جده كما يطمئن الى محكم التنزيل و ها هو ذا جده العظيم يقول له:

و كأن صوته الشريف يرن بعذوبته المحببة في أذنه، و يقول لأمّه الطاهرة البتول، و يقول على منبره، و يقول بين أصحابه، و يقول ما لا يحصى كثرة: إن ابني هذا سيد و سيصلح اللّه به بين فئتين من المسلمين».

و زادت هذه الذكرى تفاعلا شديدا في نفسه فقد رأى ما عناه جده (ص) في (المدائن) رأى طائفتين:

(إحداهما) شيعته و هم من خيار المسلمين، و صالحائهم من الذين وقفوا على أهداف الاسلام، و عرفوا حقيقته و واقعه.

(الثانية) اتباع معاوية من السذج و البسطاء و المنحرفين عن الاسلام، و هؤلاء و إن كانوا بغاة قد خرجوا على إمام زمانهم و لكنهم يدعون الاسلام و هاتان الطائفتان إن دارت رحى الحرب فانها ستطحن الكثير منهم و بذلك يتضعضع كيان الاسلام و تنهار قواه، و من يصد عن المسلمين العدو الرابض الذي يراقب الأحداث ليثب عليهم، و من هو يا ترى حريص على رعاية الاسلام و الحفاظ على المسلمين غير سبط النبي و وارثه، فاثر الصلح على ما فيه من قذى في العين، و شجى في الحلق، و يذهب شمس الدين الصقلي (المتوفى سنة 565 ه) الى أن الباعث لخلع الحسن نفسه عن الخلافة حديث النبي (ص) في ذلك .

و زعم الرواة ان النبي (ص) كان يحدث أصحابه عن عمر الخلافة الاسلامية فقال لهم: «إن الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا.»

و لاحظوا أن في مصالحة الحسن لمعاوية قد كملت الثلاثون سنة حسب ما يقولون . نظر الحسن (ع) الى قول جده (ص) فعلم أن الأمر لا بد أن ينتقل الى معاوية، و مضافا لذلك فقد أخبره أبوه بذلك كما حدث عنه فقال:

«قال لي أبي ذات يوم: كيف بك يا حسن إذا ولي هذا الأمر بنو أميّة؟ و أميرها الرحب البلعوم، الواسع الاعفجاج، يأكل و لا يشبع، فيستولي على غربها و شرقها، تدين له العباد، و يطول ملكه، و يسن البدع و الضلال، و يميت الحق و سنة رسول اللّه (ص)، يقسم المال في أهل ولايته، و يمنعه عمن هو أحق به، و يذل في ملكه المؤمن، و يقوى في سلطانه الفاسق، و يجعل المال بين أنصاره دولا، و يتخذ عباد اللّه خولا، و يدرس في سلطانه الحق، و يظهر الباطل، و يقتل من ناوأه على الحق ..»

إن النبي و الوصي قد استشفا من حجاب الغيب ما تمنى به الأمّة الاسلامية من المحن و البلاء بسبب تخاذلها عن مناصرة الحق و مناجزة الباطل و انها من جراء ذلك سيتولى أمرها الأدعياء من الطلقاء و أبنائهم فيسومونها سوء العذاب، و يستأثرون بمال اللّه، و يتخذون المسلمين عبيدا لهم و خولا.

و كان معاوية يعلم بمصير الأمر إليه في زمان أمير المؤمنين (ع) فقد صنع فذلكة استعلم بها منه عما يؤول إليه أمره، فبعث جماعة من أصحابه الى الكوفة ليشيعون أن معاوية قد مات، فبلغ ذلك أمير المؤمنين، و تكرر حديث الناس حول هذه الاشاعة فقال (ع).

«قد أكثرتم من نعي معاوية، و اللّه ما مات، و لا يموتن حتى يملك ما تحت قدمي.»

و لما بلغه ذلك اعتقد به لعلمه أن الامام هو باب مدينة علم النبي (ص) و مستودع سره، و ان قوله لا يتخلف عن الواقع و لا يخطئ الحق.

و مهما يكن الأمر فان الامام الحسن (ع) بصلحه مع معاوية قد لقبه المسلمون بالمصلح العظيم، و قد أفاض عليه هذا اللقب جده الرسول من قبل.

8- العصمة:

و ذكرت طائفة من العلماء الأعلام صلح الامام عليه السلام فعللته بالعصمة و ان الامام المعصوم لا يرتكب الخطأ و لا يفعل إلا ما فيه الخير و الصلاح لجميع الأمّة و لعل الوجوه التي ذكرناها قد كشفت عن مناط هذا القول و أوضحت حسنه و ذلك للأسباب و العوامل التي أحاطت بالامام حتى دعته الى الصلح، و نشير الى بعض الذاهبين الى هذا القول و هم:

1- الشريف المرتضى:

قال الشريف المرتضى علم الهدى رحمه اللّه: «إنه (يعني الحسن) قد ثبت انه المعصوم المؤيد بالحجج الظاهرة، و الأدلة القاهرة، فلا بد من التسليم لجميع أفعاله و إن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل أو كان له ظاهر نفرت منه النفوس» .

2- السيد ابن طاوس:

و علل نابغة الإسلام السيد الجليل ابن طاوس طيب اللّه مثواه في وصيته لولده صلح الإمام بالعصمة و ببعض الأسباب التي ذكرناها قال رحمه اللّه يخاطب ولده:

«و ليس بغريب من قوم عابوا جدك الحسن على صلح معاوية و هو كان بأمر جده و قد صالح جده الكفار و كان عذره في ذلك أوضح الأعذار فلما قام أخوه الحسين بنصرهم و إجابة سؤالهم و ترك المصالحة ليزيد المارق كانوا بين قاتل و خاذل حتى ما عرفنا أنهم غضبوا في أيام يزيد لذلك القتل الشنيع و لا خرجوا عليه و لا عزلوه عن ولايته و غضبوا لعبد اللّه ابن الزبير و ساعدوه على ضلالته و افتضحوا بهذه المناقصة الهائلة و ظهر سوء اختيارهم النازلة فهل يستبعد من هؤلاء ضلال عن الصراط المستقيم؟ و قد بلغوا الى هذا الحال السقيم العظيم الذميم» .

و علل السيد رحمه اللّه صلح الامام (أولا) بالعصمة من الخطأ و قاس صلحه بصلح جده الرسول (ص) مع المشركين في قصة الحديبية فكما ان صلح الرسول لا يتطرقه الشك و لا يأتيه النقد نظرا لوجود المصلحة فيه فكذلك صلح الإمام مع خصمه فانه محفوف بالمصلحة العامة لعموم المسلمين و (ثانيا) ببلاء الإمام و محنته بذلك المجتمع الضال الذي لم يقم وزنا للفضيلة و لم يفقه من القيم الروحية شيئا فانه هو الذي اضطر الإمام الى الصلح و المسالمة. و أقام السيد الدليل على تفسخ أخلاق ذلك المجتمع و تماديه في الشر و ذلك بمتابعته ليزيد شارب الخمور، و معلن الفسق و الفجور، و مناصرته و الاشتراك معه في أفظع فظع جريمة سجلها التأريخ و هي قتل سيد شباب أهل الجنة الحسين عليه السلام و لم يظهر أحد منهم الأسف و الحزن على هذه الجريمة، و ما ثاروا عليه، و لا عزلوه عن منصبه. و قد ذكرنا في الابحاث السالفة الأسباب التي أوجبت هذا الانحطاط الهائل في جموع أهل العراق.

9- ابراز الواقع الاموي:

كان معاوية قبل أن يستولي على زمام الحكم ملتزما بتعاليم الإسلام

ظاهرا، و يظهر الاهتمام بشئون المسلمين، و لكن كان ذلك- من دون شك- رياء منه و مكيدة من باب المشي رويدا لأخذ الصيد، كان يبطن الكفر و النفاق و يضمر السوء و العداء للمسلمين فأراد الإمام الحسن (ع) بصلحه أن يبرز حقيقته، و يظهر للناس عاره و عياره، و يعرفه للذين خدعهم بمظاهره من أنه أعدى عدو للإسلام، فأخلى له الميدان، و سلم له الأمر، فاذا بكسرى العرب- كما يقولون- تتفجر سياسته الجهنمية بكل ما خالف كتاب اللّه، و سنة رسول اللّه (ص)، و إذا به يعمد الى فصم عرى الإسلام و إلى نسف طاقاته، و إلى الإجهاز على القوى الواعية فيه، فيصب عليها وابلا من العذاب الأليم، فيعدم و ينكّل بمن شاء منها، و يرغم المسلمين على البراءة من عترة نبيهم، و اعلان سبهم و انتقاصهم على الأعواد و المنابر و بذلك ظهرت خفايا نفسه، و فهم المسلمون جميعا حقيقة هذا الطاغية و ما يبغيه من الغوائل لهم، و لو لم تكن للصلح من فائدة إلا إظهار ذلك لكفى بها كما نصّ على ذلك الامام كاشف الغطاء رحمه اللّه في مقدمته لهذا الكتاب .

إن معاوية بعد أن آل إليه الأمر حمل معول الهدم على جميع الأسس الاسلامية محاولا بذلك اطفاء نور الاسلام، و لف لوائه، و محو أثره، و قلع جذوره، و اعادة الحياة الجاهلية الأولى، و قبل أن نعرض بعض موبقاته و مردياته التي سود بها وجه التأريخ نذكر ما أثر عن أبويه من الحقد و العداء للإسلام. و ما ورد من النبي (ص) من الأخبار فى انتقاصه و ذمه لنرى هل كان خليقا بأن تسند إليه الامارة و يفرض حاكما على المسلمين و يخلى بينه و بين الحكم يتصرف فيه كيفما يشاء من دون أن يحاسب أو يراقب و إلى القراء ذلك.

أبو سفيان و هند:

و أبو سفيان من ألدّ أعداء النبي (ص) فهو الذي قاد الأحزاب، و ظاهر اليهود، و ناصر جميع القوى المعادية للإسلام، و تضاعف حقده على النبي (ص) حينما وتره بأسرته و بسبعين رجلا من صناديد قريش ممن كانوا تحت لواء الشرك في غزوة بدر الكبرى، فأترعت نفسه الأثيمة بالحزن عليهم، و ظل يناجز الرسول (ص) و يؤلب عليه الأحقاد، و لكن اللّه رد كيده، فنصر رسوله، و أعز دينه، و أذل أبا سفيان و حزبه، فقد فتح النبي (ص) مكة و دخل ظافرا منتصرا فحطم الأصنام، و كسر الأوثان و دخل أبو سفيان- على كره منه- في الاسلام ذليلا مقهورا يلاحقه العار و الخزي، و ظل بعد إسلامه محتفضا بجاهليته لم يغير الاسلام شيئا من طباعه و أخلاقه، و كان بيته و كرا للخيانة و كان هو كهفا للمنافقين .

و لما فجع المسلمون بالنبي (ص) و تقمص أبو بكر الخلافة أقبل أبو سفيان يشتد إلى أمير المؤمنين (ع) يطلب منه الثورة و مناجزة أبي بكر لارجاع الخلافة إليه، و لم يكن ذلك منه إيمانا بحق أمير المؤمنين، و لكن ليجد بذلك منفذا يسلك فيه للتخريب و الهدم، و لم يخف على الامام نواياه الشريرة فأعرض عنه و زجره، و ظل أبو سفيان بعد ذلك قابعا في زوايا الخمول ينظر إليه المسلمون نظرة ريبة و شك في اسلامه، و لما آل الأمر الى عثمان و قرّب بني أمية، و فوض إليهم أمور المسلمين، ظهر أبو سفيان و علا نجمه، و راح يظهر الأحقاد، و العداء الى النبي، فوقف يوما قبال مرقد سيد الشهداء حمزة (ع) فألقى ببصره المتغور على القبر ثم حرّك شفتيه قائلا:

«يا أبا عمارة! .. إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس في يد غلماننا يلعبون به.»

ثم ركل القبر الشريف برجله، و مضى مثلوج الصدر، ناعم البال، قرير العين، كل ذلك بمرأى و مسمع من عثمان فلم يوجّه له عتابا و لم ينزل به عقابا (فإنا للّه و إنا إليه راجعون).

هذا واقع أبي سفيان في كفره و حقده على الإسلام، و أما زوجته هند فانها لا تقل ضراوة عن زوجها و كانت أحقد منه على رسول اللّه (ص) فكانت تحرض المشركين على قتاله و مناجزته، و لما انتهت واقعة بدر بقتل أهلها و من يمت إليها من المشركين، لم تظهر الحداد و الحزن عليهم، تحرض بذلك قريشا على الطلب بثارهم و جاءتها نسوة قريش قائلات لها:

«أ لا تبكين على أبيك، و أخيك، و عمك، و أهل بيتك»؟

فانبرت إليهن قائلة بحرارة:

«حلأني أن أبكيهم فيبلغ محمدا و أصحابه فيشمتوا بنا و نساء بني الخزرج لا و اللّه حتى أثأر محمدا و أصحابه، و الدهن عليّ حرام إن دخل رأسي حتى نغزوا محمدا، و اللّه لو أعلم أن الحزن يذهب عن قلبي لبكيت، و لكن لا يذهبه إلا أن أرى ثأري بعينى من قتلة الأحبة.»

و مكثت على حالها لم تظهر الأسى، و لم تقرب من فراش أبي سفيان و لم تدهن حتى صارت واقعة أحد فأخذت ثارها من سيد الشهداء حمزة فمثلت به، و فعلت معه ذلك الفعل الشنيع، فعند ذلك أظهرت السرور و الفرح و أخذت ترتجز قائلة:

شفيت نفسي بأحد

حين بقرت بطنه عن الكبد

أذهب عني ذاك ما كنت أجد

من لوعة الحزن الشديد المعتمد

و الحرب تعلوكم بشؤبوب برد

نقدم إقداما عليكم كالأسد

و لما رأى رسول اللّه (ص) ما فعلته هند بعمه من التنكيل غاظه ذلك و التاع أشد اللوعة، و قال:

«ما وقفت موقفا أغيظ إلي من هذا الموقف».

و قال (ص) ثانيا:

«لن أصاب بمثل حمزة أبدا ..»

و لما كان يوم الفتح و دخل المسلمون مكة قام أبو سفيان في أزقة مكة و شوارعها مناديا على كره منه من ألقى سلاحه فهو آمن، و من دخل داره فهو آمن، و من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فلما سمعت هند منه ذلك لطمته على وجهه و جعلت تصيح بلا اختيار:

«اقتلوا الخبيث الدنس، قبّح من طليعة قوم ..»

ثم التفت الى جماهير قريش محرضة لهم على الحرب قائلة بنبرات تقطر حماسا: «هلّا قاتلتم عن بلادكم، و دفعتم عن أنفسكم ..»

تثير بذلك حفاظ النفوس، و تلهب نار الثورة في قومها، و لكن اللّه ردّ كيدها، و خيّب سعيها، فنصر الاسلام و أهله. هذان أبوا معاوية و بقاعدة الوراثة نجزم بأن ما استقر في نفسيهما من الغل و الحقد و البغض و العداء للإسلام و لرسول اللّه (ص) قد انتقل إلى معاوية، و مضافا إلى ذلك فان رسول اللّه قد لاقى الأمويين عموما بالاستهانة و التحقير و ذلك لما لاقى منهم من العناء و الآلام، فأمر بابعادهم عن يثرب كالحكم و ابنه مروان و سعيد بن العاص و الوليد، و أمر المسلمين بالتجنب عنهم و سماهم بالشجرة الملعونة، و هذه الامور التي شاهدها معاوية قد أولدت في نفسه حقدا على النبيّ (ص) و على أهل بيته.

ما أثر عن النبي في معاوية:

و تضافرت الأخبار الواردة عن النبي (ص) في ذم معاوية و في الاستهانة به و هي:

1- قال (ص) يطلع من هذا الفج رجل يحشر على غير ملتي.

فطلع معاوية .

2- و رأى رسول اللّه (ص) أبا سفيان مقبلا على حمار، و معاوية يقود به، و يزيد ابنه يسوق به، قال: لعن اللّه القائد و الراكب و السائق .

3- و روى البراء بن عازب قال: أقبل أبو سفيان و معه معاوية فقال رسول اللّه (ص): اللهم عليك بالأقيعس، و سأل ابن البراء أباه عن الأقيعس، فقال له: إنه معاوية .

4- و جاءت الى النبي (ص) امرأة تستشيره في الزواج من معاوية فنهاها، و قال لها: إنه صعلوك.

5- و روى أبو برزة الأسلمي قال: كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فسمعنا غناء فتشرفنا له، فقام رجل فاستمع له و ذاك قبل أن تحرم الخمر فأتانا و أخبرنا أنه معاوية و ابن العاص يجيب أحدهما الآخر بهذا البيت:

يزال حواري تلوح عظامه

زوى الحرب عنه أن يحس فيقبرا

فلما سمع بذلك رسول اللّه رفع يديه بالدعاء و هو يقول:

«اللهم اركسهم في الفتنة ركسا، اللهم دعهم إلى النار دعا »

و استشف رسول اللّه (ص) من وراء الغيب ان معاوية سوف يتولى شئون الحكم فحذر المسلمين منه و أمرهم بقتله فقال (ص):

إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاضربوا عنقه .

و كان الحسن (ع) إذا حدث بهذا الحديث يقول و التأثر ظاهر عليه.

«فما فعلوا و لا أفلحوا ..» .

و هكذا كان معاوية في زمان النبي (ص) مهان الجانب، محطم الكيان، صعلوكا ذليلا، يلاحقه العار، و يتابعه الخزي، يتلقى من النبي صلى اللّه عليه و آله اللعن، و من المسلمين الاستهانة و التحقير، و لما آل الأمر الى عمر جافى ما أثر عن النبي (ص) فيه فقربه و أدناه، و رفعه بعد الضعة و الهوان، فجعله واليا على الشام، و منحه الصلاحيات الواسعة، و فوض إليه أمر القضاء و الصلاة، و جباية الأموال، و غير ذلك من الشؤون العامة التي تتوقف على الوثاقة و العدالة، و بلغ من عظيم حبه و تسديده له أنه كان في كل سنة يحاسب عماله، و ينظر في أعمالهم إلا معاوية فانه لم يحاسبه، و لم يراقبه، و قد قيل له إنه قد انحرف عن الطريق القويم فبدد في الثروات و لبس الحرير و الديباج، فلم يلتفت لذلك، و أضفى عليه ثوب الأبهة و المجد، فقال: «ذاك كسرى العرب» و لما فتل حبل الشورى لأجل إقصاء عترة النبيّ (ص) عن الحكم، و جعله في بني أمية، أشاد بمعاوية و هو في أواخر حياته، و نفخ فيه روح الطموح، فقال لأعضاء الشورى: «إن تحاسدتم و تقاعدتم، و تدابرتم، و تباغضتم غلبكم على هذا معاوية بن أبي سفيان، و كان إذ ذاك أميرا على الشام» .

و ما أكثر عماله و ولاته فلما ذا أشاد به دونهم؟! و كيف ساغ له أن يهدد أعضاء الشورى بسطوته و هم ذوو المكانة العليا و قد مات رسول اللّه (ص) و هو عنهم راض- كما يقول- و إذا كان يخاف عليهم منه فكيف أبقاه فى جهاز الحكم إن هذه الأمور تدعو إلى التساؤل و الاستغراب.

و على أي حال فان معاوية كان أثيرا عند عمر و عزيزا عليه، و لما آل الأمر إلى عثمان زاد في رقعة سلطانه و في تقوية نفوذه كما أوضحنا ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب فصار يعمل في الشام عمل من يريد الملك و السلطان، و لما قتل المسلمون عثمان نظرا للأحداث الجسام التي ارتكبها، اتخذ معاوية قتله وسيلة لتحقيق مأربه و أهدافه، فبغى على أمير المؤمنين بدعوة أنه رضى بقتله و آوى قتلته، و أعقبت ذلك من الخطوب و المحن ما بلي بها الإسلام، و تصدع بها شمل المسلمين فأدت الأحداث المؤسفة إلى انتصاره، و خذلان الإمام أمير المؤمنين، و ولده الإمام الحسن، و لما صار الأمر إليه بعد الصلح أخذ يعمل مجدا في إحياء جاهليته الأولى و القضاء على كلمة الإسلام و تحطيم أسسه، و إلغاء نصوصه، و قد ظهرت منه تلك الأعمال بوضوح لما خلا له الجو و صفا له الملك، فلم يخش أو يراقب أحدا في اظهار نواياه، و في ابراز اتّجاهه و عدائه للإسلام و للمسلمين، و قد أوضح الإمام الحسن في صلحه حقيقته و بين واقعه و سلبه ذلك الغشاء الرقيق الذي تستر به باسم الدين و دونك أيها القارئ الكريم النزر اليسير من نواياه و أعماله:

1- عداؤه للنبى:

كان معاوية يكن في نفسه بغضا عارما للنبى و لذريته و يحاول بكل جهوده القضاء على كلمة الإسلام و محو أثره و قد أدلى بذلك في حديثه مع المغيرة بن شعبة فقد حدث عنه ولده مطرف قال و فدت مع أبي المغيرة على معاوية فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ثم ينصرف إلىّ فيذكر معاوية و عقله و يعجب بما يرى منه، و أقبل ذات ليلة فأمسك عن العشاء و هو مغتم أشد الغم، فانتظرته ساعة و ظننت أنه لشىء حدث فينا أو في عملنا فقلت له:

- مالي أراك مغتما منذ الليلة؟.

- يا بني إني جئت من أخبث الناس!!.

- و ما ذاك؟.

- خلوت بمعاوية فقلت له: إنك قد بلغت مناك يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلا و بسطت خيرا فانك قد كبرت، و لو نظرت إلى اخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فو اللّه ما عندهم اليوم شيء تخافه.

فقال لي:

«هيهات هيهات!! ملك أخو تيم فعدل و فعل ما فعل، فو اللّه ما عدا أن هلك، فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل أبو بكر. ثم ملك أخو عدى فاجتهد، و شمر عشر سنين، فو اللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك، رجل لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل و عمل به، فو اللّه ما عدا أن هلك فهلك ذكره و ذكر ما فعّل به، و إن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات «أشهد أن محمدا رسول اللّه» فأي عمل يبقى بعد هذا لا أم لك، إلا دفنا دفنا» .

و هذه البادرة تدل بوضوح على كفره و الحاده، و على حقده البالغ على النبي فقد أزعجه و ساءه أن يذكر اسمه كل يوم خمس مرات في الأذان و لو وجد سبيلا لمحا ذلك و لشدة بغضه و عدائه لذريته أنه مكث في أيام خلافته أربعين جمعة لا يصلي فيها على النبيّ (ص) و قد سئل عن ذلك فقال:

«لا يمنعني من ذكره إلا أن تشمخ رجال بانافها» .

2- تعطيله الحدود:

و لم يعتن معاوية بالحدود الإسلامية و لم يهتم باقامتها فقد عفا عمن ثبت عليه الحد، فقد جيء إليه بجماعة سارقين فقطع أيديهم، و بقى واحد منهم فقال السارق:

يميني أمير المؤمنين أعيذها

بعفوك أن تلقى مكانا يشينها

يدى كانت الحسناء لو تمّ سترها

و لا تعدم الحسناء عيبا يشيبها

فلا خير في الدنيا و كانت حبيبة

إذا ما شمالي فارقتها يمينها

و غزت هذه الأبيات قلب معاوية فقال له:

«كيف أصنع بك؟ قد قطعنا أصحابك».

فاجابته أم السارق:

«يا أمير المؤمنين اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها».

فخلى سبيله و أطلق سراحه، فكان أول حد ترك في الإسلام .

3- اباحته الربا:

و منع الإسلام من الربا أشد المنع و جعله من الموبقات و الكبائر، فلعن المعطي و الآخذ و الوسيط و الشاهد، و لم يعتن معاوية بتحريم الإسلام له فعن عطاء بن يسار أن معاوية باع سقاية من ذهب، أو ورق بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء : «سمعت رسول اللّه (ص) ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل».

فانبرى معاوية مظهرا له عدم اعتنائه بنهي رسول اللّه، و تحريمه له قائلا:

«ما أرى بمثل هذا بأسا».

فاستاء أبو الدرداء من هذه الجرأة و اندفع و هو غضبان متألم قائلا:

«من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول اللّه (ص) و يخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها».

ثم ترك الشام و انصرف إلى عاصمة الرسول و هو ثائر غضبان و استقال من وظيفته .

4- الأذان فى صلاة العيد:

و قضى الشرع الإسلامي باتيان الأذان و الإقامة في خصوص الصلاة اليومية الواجبة، و أما ما عداها من الصلاة المندوبة كصلاة النوافل أو الواجبة كصلاة العيدين و الآيات فان الشرع قد حكم بتركهما، فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:

«ليس في العيدين أذان، و لا إقامة» و سار على هذه السنة الخلفاء من بعد رسول اللّه (ص) و لكن معاوية لم يبال بذلك فقد أحدث الأذان و الإقامة في صلاة العيد و بذلك خالف رسول اللّه و جافى ما أثر عنه و كان مبدعا في تشريعه.

5- الخطبة قبل صلاة العيد:

و الزمت السنة الإسلامية فى صلاة العيد بالخطبة بعد فراغ الإمام من الصلاة فقد صلى النبي (ص) صلاة عيد الفطر و بعد الفراغ منها قام خطيبا بين أصحابه و فعل النبيّ كقوله سنة يجب اتباعه، و صلى من بعده الخلفاء على وفق صلاته و لكن معاوية لم يعتن بذلك فقد قدّم الخطبة على الصلاة» و اقتفي بفعله الأمويون و بذلك فقد هجر سنة النبيّ.

6- أخذه الزكاة من الأعطية:

و فرض الإسلام الزكاة في موارد مخصوصة ذكرها الفقهاء و ما عداها فلا تجب فيه الزكاة، و لكن معاوية قد أعرض عن ذلك فأخذ الزكاة من الأعطية و لم تشرع فيها الزكاة باجماع المسلمين و قد ارتكب معاوية ذلك .

أما جهلا منه بالحكم الشرعي أو تعمدا منه على مخالفة السنة و الثاني أولى بسيرته.

7- تطيبه فى الإحرام:

و يجب على المحرم في الحج أن يترك الطيب ما دام محرما، فاذا حلّ من إحرامه جاز له استعماله، و لكن معاوية خالف ذلك فتطيب في حال إحرامه عنادا منه للإسلام أو لجهله بتعاليمه و فروضه.

8- استعماله أواني الذهب و الفضة:

و يحرم استعمال أواني الذهب و الفضة إلا أن معاوية قد عمد إلى مخالفة ذلك و أخذ يستعملها في مأكله و مشربه، و لما تلي عليه قول رسول اللّه (ص) في التحريم قال:

«لا أرى بأسا في ذلك» .

9- لبسه الحرير:

و حرم الإسلام لبس الحرير على الرجال إلا في حال الحرب و لكن معاوية قد جافى ذلك فقد عمد إلى لبسه غبر معتن بتحريم الإسلام و نهيه عنه.

10- استحلاله أموال الناس:

و حرم الإسلام أموال الناس و أخذها بالباطل، و لكن معاوية لم يلتزم بذلك فقد استصفى أموال الناس من دون عوض .

11- شراؤه الأديان:

و ليس في سوق التجارة رذيلة أسوأ من شراء ضمائر الناس و أديانهم فانه ينم عن سوء سريرة البائع و المشتري، و قد مهر معاوية في هذه الصنعة و كان يتجاهر بها من دون خيفة و حذر فقد ذكر الرواة أنه و فد عليه الأحنف بن قيس و جارية بن قدامة و الجون بن قتادة و الحتات بن يزيد فأعطى معاوية كل واحد منهم مائة الف، و أعطى الحتات سبعين الفا، فلما كانوا فى الطريق ذكر كل منهم جائزته فرجع الحتات مغضبا فالتفت إليه معاوية قائلا له:

«ما ردّك؟».

- فضحتني في بني تميم أما حسبى فصحيح، أو لست ذا سن؟

أ لست مطاعا في عشيرتي؟».

فأجابه معاوية:

«بلى».

و اندفع الحتات قائلا:

«فما بالك خست بي دون القوم و أعطيت من كان عليك أكثر ممن

كان لك- يريد الأحنف و جارية فهما كانا مع علي في حرب الجمل- و هو قد اعتزل القتال».

فقال له معاوية بلا حياء و لا خجل.

- إني اشتريت من القوم دينهم و وكلتك إلى دينك.

- و أنا اشتري مني ديني.

فأمر له باتمام الجائزة .

12- خلاعة و مجون:

و اتسعت الدعارة و انتشر المجون في الحاظرة الإسلامية في عصر بني أمية، فكان الشعراء يتشببون و يتغزلون بالنساء، و أول من فتح باب الدعارة معاوية فقد حدثوا أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قد تشبب بابنة معاوية فبلغ ذلك يزيد فغضب و دخل على أبيه قائلا بنبرات تقطر ألما:

- يا أبة أقتل عبد الرحمن بن حسان.

- لم؟.

- تشبب بأختي.

- و ما قال؟

- قال:

طال ليلي و بت كالمحزون

و مللت الثواء في جيرون

فأجابه معاوية باستهزاء و سخرية:

«يا بني و ما علينا من طول ليله و حزنه، أبعده اللّه».

فالتفت يزيد إلى أبيه انه يقول:

فلذا اغتربت بالشام حتى

ظن أهلي مرجات الظنون

«يا بني و ما علينا من ظن أهله».

- إنه يقول:

هي زهراء مثل لؤلؤة الغوا

ص ميزت من جوهر مكنون

- صدق يا بني هي كذلك.

- إنه يقول:

و إذا ما نسبتها لم تجدها

في سناء من المكارم دون

- صدق يا بني:

- إنه يقول:

تجشمنا بامرتك المنايا

و قد درج الكرام بنو الكرام

أمير المؤمنين أبو حسين

مفلق رأس جدك بالحسام

و إنا صابرون و منظروكم

إلى يوم التغابن و الخصام

ثم خاصرتها إلى القبة الخض

راء تمشي في مرمر مسنون

-: و لا كل هذا يا بني.

و ما زال يزيد يذكر له ما قاله عبد الرحمن من التشبيب بأخته، و معاوية يدافعه عن ذلك، و يظهر براءته و عدم استحقاقه العقاب، و انتشر تشبب عبد الرحمن، و افتضحت ابنة معاوية، فأقبلت إليه طائفة فأكبروا هذه الجسارة على ابنته و قالوا له: «لو جعلته نكالا» فامتنع معاوية من اجابتهم، و قال لهم:- لا- و لكن أداويه بغير ذلك، و اتفق أن عبد الرحمن و فد على معاوية فاستقبله أحسن استقبال و أجلسه على سريره و أقبل عليه بوجهه، ثم قال:

إن ابنتي الأخرى عاتبة عليك.

- في أي شيء؟

- في مدحك أختها و تركك إياها.

- لها العتبى و كرامة أنا أذكرها.

و أخذ يتغزل بابنة معاوية فلما علم الناس ذلك قالوا: «قد كنا نرى أن تشبب حسان بابنة معاوية لشيء فاذا هو على رأي معاوية و أمره»

و هذه البادرة تدل على ميوعته و تفسخ أخلاقه و قد فتح بذلك باب الفساد و مكن الماجنين من التعرض ببنات المسلمين حتى بلغ التهالك على اللذة منتهاه في عصره و عصر بني أمية.

و تشبب أبو دهبل الجحمي بابنته فعامله باللين و أوصله و أعطاه و سار بنو أمية على هذه الخطة، و قد حاولوا أن يقلبوا الدنيا إلى مسارح للعبث و المجون، فحببوا إلى الناس الفسق و الدعارة و ساقوهم إلى الضلال و الباطل و الفساد.

و من تهتك معاوية و مجونه أنه اشترى جارية بيضاء جميلة، فادخلها عليه مولاه (خديج) و هي مجردة عارية ليس عليها شيء، و كان بيده قضيب فجعل يهوى به إلى (متاعها) و هو يقول:

«هذا المتاع، لو كان لي متاع» .

و أمر بها إلى يزيد، ثم عدل عن ذلك و وهبها إلى عبد اللّه بن مسعدة الفزاري فقال له:

«دونك هذه الجارية الرومية فبيض ولدك» .

و ذكر المؤرخون بوادر كثيرة من استهتاره و مجونه دلت على تحلله من جميع القيم الإنسانية.

13- افتعال الحديث:

قال اللّه تعالى في كتابه الكريم: «إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات اللّه و أولئك هم الكاذبون» و قرب معاوية من يفترى الكذب على اللّه و رسوله و لا يؤمن باللّه و اليوم الآخر فقربهم إليه و أدناهم منه و منحهم الأموال الضخمة، و أوعز إليهم أن يضعوا الأحاديث الكاذبة على رسول اللّه (ص) فى فضله و في فضل الأمويين و الصحابة، و في الحط من كرامة العترة الطاهرة و انتقاصها خصوصا سيدها الإمام أمير المؤمنين (ع)، و كتب مذكرة بذلك إلى جميع عماله و ولاته جاء فيها:

«أنظروا من قبلكم من شيعة عثمان الذين يرون فضله، و يتحدثون بمناقبه فاكرموهم، و شرفوهم، و اكتبوا إليّ بما يروي كل واحد منهم فيه باسمه و اسم أبيه و ممن هو».

فامتثل عماله و ولاته ذلك فأدنوا الرواة المستأجرين و أشادوا بهم، و منحوهم الأموال الكثيرة و دونوا ما افتعلوه في فضل عثمان، و أرسلوه إليه،

و لما رأى الناس أن الحكومة تشجع الوضاعين و تقابلهم بالحفاوة و التكريم، و تمنحهم الأموال و الثراء العريض بادر من غرته الدنيا إلى وضع الأحاديث و أخذ عوضها من الجهة المختصة، و قد رووا فى فضل معاوية طائفة كبيرة، فمن جملة ما وضعوه: أن النبي قال: «اللهم علمه الكتاب و الحساب و قه العذاب، و ادخله الجنة». و أخرج الترمذي أن النبيّ قال لمعاوية: اللهم اجعله هاديا مهديا.

و روى الحارث بن أسامة أنه (ص) قال: أبو بكر أرق أمتي، و أرحمها، ثم ذكر مناقب الخلفاء الأربعة، و مناقب جماعة آخرين من أصحابه ثم ذكر (ص) معاوية فقال (ص): و معاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي و أجودها .

و رووا أن النبي (ص) أشاد بفضل أصحابه، ثم قال في معاوية:

و صاحب سري معاوية بن أبي سفيان .

و حكى القدسي أنه كان بجامع واسط و إذا برجل قد اجتمع عليه الناس فدنا منه فإذا هو يروي حديثا بسنده عن النبيّ (ص) ان اللّه يدني معاوية يوم القيامة فيجلسه إلى جنبه و يغلفه؟ بيده ثم يجلوه على الناس كالعروس فقال له المقدسي: بما ذا؟ قال بمحاربته عليا، فأجابه المقدسي: كذبت يا ضال!! فقال خذوا هذا الرافضي فتدافع الناس عليه للبطش به و أنقذه شخص كان يعرفه و حكى المقدسي أيضا أنه تعرض للقتل حينما أنكر على رجل قوله: ان معاوية نبى مرسل .

و حدث بعضهم قال رأيت رسول اللّه (ص) و عنده أبو بكر و عمر و عثمان و علي و معاوية، إذ جاء رجل فقال عمر يا رسول اللّه هذا ينتقصنا فكأنه انتهره رسول اللّه (ص) فقال يا رسول اللّه: إني لا أنتقص هؤلاء و لكن هذا- يعنى معاوية- فقال: ويلك أ و ليس هو من أصحابي؟ قالها ثلاثا ثم أخذ رسول اللّه (ص) حربة فناولها معاوية، فقال جابهه في لبته فضربه بها، و انتبهت إلى منزلي فاذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل و مات و هو راشد الكندي .

و تعصب البسطاء و السذج لمعاوية، و بالغوا في تقديره نظرا لهذه الأخبار الموضوعة و الدعايات الكاذبة، فقد ذكر المؤرخون ان عبد الرحمن النسائي دخل دمشق فسئل عن معاوية و ما روى من فضائله فقال: أ ما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس حتى يفضّل؟ و في رواية أنه قال: ما أعرف له فضيلة إلا «لا أشبع اللّه له بطنا» فثاروا عليه و داسوه فحمل إلى الرملة فمات بسبب ذلك .

لقد أراد معاوية بهذه الأحاديث التي أصدرتها لجان الوضع أن يضفي على نفسه ثوب القداسة و الإيمان لتمنحه الأمة ثقتها، و تنقاد إليه بدافع العقيدة، و لكنها محاولة فاشلة لأن المسلمين ينظرون إليه نظرة ريبة و شك في إسلامه لأنه من الشجرة الملعونة في القرآن التي ناجزت النبي (ص) و قادت الجيوش لمحاربته، بالاضافة إلى الأحداث الجسام التي ارتكبها كمناجزته لوصي رسول اللّه (ص) و باب مدينة علمه، و قتله الأخيار، و مطاردته الصلحاء، و بدعه التي أحدثها في الإسلام، و غير ذلك من الكبائر و الموبقات التي سود بها وجه التأريخ، و من الطبيعي أن هذه الدعايات و الأكاذيب لا تمحو عنه العار و الخزي.

و على أي حال فقد كثرت الأحاديث التي وضعها الدجالون في فضل معاوية، و في فضل عثمان بن عفان، و قد خاف أن يفوت غرضه، و يفتضح أمره، و لا يصل إلى هدفه من البغي على العترة الطاهرة، فكتب مذكرة إلى عماله يأمرهم فيها بأن يكف الوضاعون عن ذلك، و يضعوا الأحاديث في فضل الشيخين، لأن ذلك من أقرب الطرق و من أهم الوسائل فى محاربة ذرية النبيّ (ص) و الحط من قيمتهم، و هذا نص ما كتبه:

«إن الحديث قد كثر في عثمان، و فشا في كل مصر، و في كل ناحية، فإذا جاءكم كتابي فادعوهم إلى الرواية في أبي بكر و عمر، فان فضلهما و سوابقهما أحب إلي و أقر لعيني، و أدحض لحجة أهل هذا البيت- يعني أهل بيت النبيّ- و أشد عليهم من مناقب عثمان و فضله».

و قرأ القضاة و الأمراء كتابه على الناس، فبادر الوضاعون إلى افتعال الأحاديث فى مناقب أبي بكر و عمر، و أمر معاوية بتدوينها و إنفاذ نسخ منها إلى جميع العمال و الولاة ليقرؤها على المنابر، و يتلوها في الجوامع، و أوعز إليهم أن ينفذوها إلى المعلمين ليجعلوها من مناهج دروسهم، و يرغموا

الأطفال على حفظها، و قد اهتمت الحكومات المحلية فى ذلك اهتماما بالغا فالزمت الناشئة و سائر الطبقات بحفظ تلك الأخبار المفتعلة حتى حفظها الأولاد و حفظتها النساء و الخدم و الحشم و قد عرض الإمام الباقر عليه السلام بعض تلك الأخبار الموضوعة في حديثه مع أبان، و ندد بها فقد قال له أبان:

«أصلحك اللّه، سم لي من ذلك شيئا؟».

قال (ع) رووا:

«إن سيدي كهول أهل الجنة أبو بكر و عمر» .

«إن عمر محدث- بصيغة المفعول أي تحدثه الملائكة-».

«إن عمر يلقنه الملك».

«إن السكينة تنطق على لسان عمر».

«إن الملائكة لتستحي من عثمان» .

ثم استرسل (ع) في عرض الأخبار المفتعلة حتى عدّ أكثر من مائة رواية يحسبها الناس أنها حق، ثم قال (ع): و اللّه كلها كذب و زور

و يقول المحدث ابن عرفة المعروف بنفطويه «إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية، تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم» .

و لم يكتف معاوية بتلك الأخبار الكثيرة التي وضعت في مناقب الشيخين فقد عمد إلى تشجيع الوضاعين لاختلاق الحديث ضد أهل البيت (ع) و قد أنفق عليهم الأموال الطائلة في سبيل ذلك، فقد أعطى الجلاد سمرة بن جندب أربع مائة الف على أن يخطب في أهل الشام، و يذكر لهم أن الآية الكريمة و هي «و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا و يشهد اللّه على ما في قلبه و هو ألد الخصام و إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل و اللّه لا يحب الفساد» .

نزلت في علي، فروى لهم سمرة ذلك و أخذ العوض من بيت مال المسلمين، و قد الزم الإسلام بانفاقه على صالح المسلمين، و إعالة ضعيفهم و محرومهم، و لكن ابن هند أنفقه على حرب الإسلام و على الكيد و الطعن في أعلامه الذين نافحوا عن رسول اللّه (ص) في جميع المواقف و المشاهد و أرغموا معاوية و أباه على الدخول في حظيرته.

و على أي حال فقد انطلق ذوو الأطماع و المنحرفون عن الإسلام إلى افتعال الأحاديث في الحط من قيمة أهل البيت للظفر بالأموال و الثراء العريض، و روى ابن العاص لأهل الشام أن النبي (ص) قال في آل أبي طالب: «إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، انما ولي اللّه و صالح المؤمنين» .

و هكذا أخذت لجان الوضع تفتعل أمثال هذه الأحاديث ضد عترة النبيّ (ص) الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، محاولة بذلك إطفاء نور اللّه، و حجب المسلمين عن قادتهم الواقعيين الذين نصّ عليهم النبيّ (ص) و جعلهم خلفاء من بعده على أمته.

و تحدث الإمام الباقر (ع) عن زيف تلك الأخبار و كذبها فقال:

«و يرون عن علي أشياء قبيحة، و عن الحسن و الحسين ما يعلم اللّه أنهم قد رووا في ذلك الباطل و الكذب و الزور» . و قال ابن أبي الحديد: «و ذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي أن معاوية وضع قوما من الصحابة، و قوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي عليه السلام تقتضي الطعن فيه و البراءة منه، و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة، و عمرو بن العاص، و المغيرة بن شعبة، و من التابعين عروة بن الزبير» .

إن هذه الإجرءات التي اتخذها معاوية ضد أهل البيت قد أشاعت الفرقة بين المسلمين، و فتحت باب الكذب على اللّه و على رسوله، و قد أعرض خيار الصحابة عن تلك الأخبار، و لم يصغوا لرواتها، فقد نقل الرواة ان بشير العدوى جاء إلى ابن عباس، و جعل يحدثه، و يقول له:

قال رسول اللّه (ص): و ابن عباس لا يأذن لحديثه، و لا ينظر إليه، و قابله بالاستخفاف و الاستهانة، فاندفع بشير قائلا:

«ما لي لا أراك تسمع الحديث؟ أحدثك عن رسول اللّه و لا تسمع».

فزجره ابن عباس قائلا:

«إنا كنا إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول اللّه ابتدرته أبصارنا، و أصغينا إليه باذاننا، فلما ركب الناس الصعبة و الذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرفه» .

إن الناس قد ركبوا الصعبة و الذلول- على حد تعبير ابن عباس- و سلكوا جميع المسالك التي تتنافى مع الدين فلم يتحرجوا من الكذب على اللّه و لم يتأثموا من الوضع على رسول اللّه (ص) فلذا كان التوقف و التثبت في الأخبار أمرا ضروريا.

و المحنة الكبرى التي امتحن المسلمون بها امتحانا عسيرا هو ان تلك الأخبار التي افتعلتها لجان الوضع قد وصلت إلى الثقات و الحفاظ فدونوها في كتبهم و هم- من دون شك- لو علموا واقعها لأسقطوها و تبرءوا منها و ما رووها، و قد ألمع إلى ذلك المدائني في حديثه عن الوضاعين في عصر معاوية، و نسوق نص كلامه في ذلك قال:

«و ظهر حديث كثير موضوع، و بهتان منتشر، و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة و الولاة، و كان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون، و المستضعفون، الذين يظاهرون الخشوع و النسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، و يقربوا مجلسهم، و يصيبوا به الأموال و الضياع، و المنازل، حتى انتقلت تلك الأخبار و الأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب، و البهتان، فقبلوها، و رووها و هم يظنون أنها حق، و لو علموا أنها باطلة لما رووها، و لا تدينوا بها» .

و قد فاضت الكتاب بتلك الأخبار الموضوعة، و امتلأت بالإسرائيليات و بخرافات أبي هريرة، و مما لا شبهة فيه أنها أضرت بالإسلام فشوهت شريعته السمحاء، و أفسدت عقائد المسلمين، و فرقتهم شيعا و أحزابا.

و ليس من شك في أن الخلفاء لو بادروا إلى تدوين ما أثر عن النبي (ص) من الأحاديث لصانوا الأمة من الاختلاف و وقوها من الفتن و الخطوب، و لكنهم لم يفعلوا ذلك فقد عمد أبو بكر إلى جمع بعض الأحاديث فأحرقها و جاء بعده عمر فاستشار الصحابة في تدوينها فأشار عليه عامتهم بذلك، و لبث مدة يفكر في الأمر ثم عدل عنه، و قال لهم: «إني كنت قد ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد علمتم. ثم تذكرت، فاذا أناس من أهل الكتاب قبلكم قد كتبوا مع كتاب اللّه كتبا فأكبوا عليها، و تركوا كتاب اللّه، و إني و اللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء أبدا.» ثم ترك ذلك و عدل عنه .

و هو تعليل لا يساعده الدليل لأن حديث النبي (ص) لا يشذ عن كتاب اللّه، و لا يخالفه بحال من الأحوال، و ليس تدوينه موجبا لهجر القرآن الكريم، و لا مستلزما للاعراض عنه، و أكبر الظن أنهم إنما أبوا من تدوينه لأن شطرا كبيرا منه يتعلق فى فضل العترة الطاهرة. و في لزوم مودتها، و وجوب الرجوع إليها في جميع المجالات، و ليس من الممكن التبعيض في كتابة الحديث بأن تدون السنن، و تترك الأخبار الواردة في حق أهل البيت، و من الطبيعي أن تدوينها يتنافى مع ابتزازهم حقهم و اجماعهم على هضمهم، و اقصائهم عن مراتبهم التي رتبهم اللّه فيها، و قد بلغ من عظيم وجدهم و حقدهم عليهم، أنهم لما شعروا أن النبي يريد أن يعهد بالأمر إليهم و يكتب فى ذلك كتابا ردوا عليه و هو في ساعاته الأخيرة فقالوا له: «حسبنا كتاب اللّه».

و أثر عنهم أنهم قالوا: «لا تجتمع النبوة و الخلافة فى بيت واحد» و بعد هذا فكيف يثبتون اخبار النبي (ص) في أهل بيته.

و على أي حال فان أعظم ما مني به المسلمون من الكوارث هي الروايات المفتعلة التي عهد معاوية بوضعها فانها قد أوجبت تشتت المسلمين و اختلافهم في كل شيء، و هي مما لا شبهة فيه من أعظم موبقات ابن هند.

14- استلحاقه زيادا:

قال رسول اللّه (ص): «الولد للفراش، و للعاهر الحجر». لقد ضرب معاوية كلام رسول اللّه (ص) بعرض الجدار بلا خيفة و لا حذر.

فعاكس قوله، ورد حكمه علانية لأجل تدعيم ملكه، و إقامة سلطانه، فاستلحق به زياد بن أبيه طبقا لما كان عليه العمل قبل الإسلام!

يقول اللّه تعالى: «أ فحكم الجاهلية يبغون و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون» لقد بغى معاوية حكم الجاهلية، و أحيى سننها فألحق به زياد بن أبيه و هو ابن بغية، فان سمية كانت من ذوات الرايات بالطائف تؤدي الضريبة الى الحارث بن كلدة من بغيها، و كانت تنزل بالموضع الذي تنزل فيه البغايا خارجا عن الحضر في محلة يقال لها حارة البغايا هذه أم زياد في قذارتها و فجورها و لم يأنف معاوية من إلحاق هذا الدعى به.

أما بواعث هذا الاستلحاق فيقول عنه المؤرخون ان أمير المؤمنين «ع» كان قد ولى زيادا قطعة من أعمال فارس، و اصطنعه لنفسه، فلما قتل «ع» بقى زياد في مله و خاف معاوية جانبه، و علم صعوبة ناحيته، و أشفق من ممالاته الحسن بن علي «ع» فكتب إليه هذه الرسالة:

«من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، إلى زياد بن عبيد، أما بعد: فانك عبد قد كفرت النعمة، و استدعيت النقمة، و لقد كان الشكر أولى بك من الكفر و إن الشجرة لتضرب بعرقها، و تتفرع من أصلها إنك لا أم لك، بل لا أب لك قد هلكت و أهلكت، و ظننت أنك تخرج من قبضتي، و لا ينالك سلطاني، هيهات ما كل ذي لب يصيب رأيه و لا كل ذي رأي ينصح في مشورته، أمس عبد و اليوم أمير خطة ما ارتقاها مثلك يا ابن سمية، إذا أتاك كتابى هذا فخذ الناس بالطاعة و البيعة و اسرع الإجابة فانك إن تفعل فدمك حقنت و نفسك تداركت، و إلا اختطفتك بأضعف ريش و نلتك بأهون سعي، و أقسم قسما مبرورا أن لا أوتى بك إلا في زمارة تمشي حافيا من أرض فارس إلى الشام حتى أقيمك في السوق و أبيعك عبدا و أردك إلى حيث كنت فيه و خرجت منه و السلام».

و في هذه الرسالة قد نسب زيادا إلى عبيد، و اعترف برقيته، و إنه إذا تمكن منه يبيعه في أسواق دمشق و يرده إلى أصله، و لما وصلت هذه الرسالة إلى زياد ورم أنفه من الغضب و أمر بجمع الناس و خطب فيهم فقال بعد حمد اللّه و الثناء عليه:

«ابن آكلة الأكباد، و قاتلة أسد اللّه، و مظهر الخلاف، و مسر النفاق، و رئيس الأحزاب، و من أنفق ماله في إطفاء نور اللّه كتب إلى يرعد و يبرق عن سحابة جفل لا ماء فيها، و عما قليل تصيرها الرياح قزعا و الذي يدلني على ضعفه تهدده قبل القدرة، أ فمن اشفاق على تنذر و تعذر كلا؟ و لكن ذهب إلى غير مذهب و قعقع لمن ربي بين صواعق تهامة، كيف أرهبه و بينى و بينه ابن بنت رسول اللّه (ص) و ابن ابن عمه في مائة الف من المهاجرين و الأنصار، و اللّه لو أذن لي فيه أو ندبني إليه لأرينه الكواكب نهارا و لأسعطنه ماء الخردل دونه الكلام اليوم، و الجمع غدا و المشورة بعد ذلك إن شاء اللّه».

و قد أبرق زياد و أرعد و تهدد و أوعد و ذلك لعدم علمه بما مني به جيش الإمام من التخاذل و الانحلال معتقدا بأن الجيش على وضعه الأول محتفضا بنشاطه و قواه، و انه مائة الف من المهاجرين و الأنصار و لم يعلم بما نكب به من الانحلال و الفتن التي مزقته و قضت على نشاطه، و ان أعلام المهاجرين و الأنصار قد طحنتهم حرب صفين و أبادتهم واقعة النهروان و أصبح الجيش لا يضم من أولئك الرءوس و الضروس إلا ما هو أقل من الصبابة، و أقسم باللّه إن الإمام لو استدعى زيادا حينذاك لغدر به و ما استجاب له، و آية ذلك أنه لما علم بوهن جيش الإمام انحاز إلى معاوية و غدر بالإمام، و كيف لا ينخدع و هو من ذوي الضمائر القلقة و قد أبان الزمان خبثه، و كشف عن عدم طيب إنائه، فقد عاد بعد الاستلحاق من ألد الأعداء إلى أمير المؤمنين و ذريته و شيعته.

و مهما يكن من شيء فان زيادا عقيب خطابه أجاب معاوية عن رسالته و هذا نص جوابه:

«أما بعد، فقد وصل إلي كتابك يا معاوية، و فهمت ما فيه فوجدتك كالغريق يغطيه الموج فيتشبث بالطحلب و يتعلق بأرجل الضفادع طمعا فى الحياة إنما يكفر النعم و يستدعي النقم من حاد اللّه و رسوله و سعى في الأرض فسادا فاما سبك لي فلولا حلم ينهاني عنك، و خوفي أن أدعى سفيها لأثرت لك مخازي لا يغسلها الماء، و أما تعييرك لي بسمية فان كنت ابن سمية فأنت ابن جماعة و أما زعمك انك تخطفنى بأضعف ريش و تتناولني بأهون سعي فهل رأيت بازيا يفزعه صغير القنابر؟ أم هل سمعت بذئب أكله خروف؟

فامض الآن لطيتك، و اجتهد جاهدك فلست أنزل إلا بحيث تكره، و لا اجتهد إلا فيما يسوؤك، و ستعلم أينا الخاضع لصاحبه، الطالع إليه و السلام»

و لما قرأ معاوية رسالة زياد طار قلبه رعبا و داخله فزع شديد فاستدعى داهية العرب «المغيرة بن شعبة» فقال له:

«يا مغيرة إني أريد مشاورتك في أمر أهمنى فانصحنى فيه و أشر علي برأي المجتهد، و كن لي أكن لك، فقد خصصتك بسري و آثرتك على ولدي».

فقال له المغيرة:

«فما ذاك؟ و اللّه لتجدني في طاعتك أمضى من الماء في الحدور و من ذى الرونق في كف البطل الشجاع».

و لما أظهر له المغيرة الانقياد و الخضوع لطاعته عرض عليه مهمته قائلا:

«يا مغيرة إن زيادا قد أقام بفارس يكش لنا كشيش الأفاعي و هو رجل ثاقب الرأي ماضي العزيمة جوال الفكر مصيب إذا رمى، و قد خفت منه الآن ما كنت آمنه إذ كان صاحبه حيا، و أخشى ممالأته حسنا:

فكيف السبيل إليه؟ و ما الحيلة في إصلاح رأيه؟».

و لما عرف الداهية الماكر مهمة معاوية أشار عليه بأن يخدعه و يمنيه، و يكتب له بناعم القول و كان رأيه في ذلك مبنيا على دراسته لنفسية زياد و معرفته باتجاهه و ميوله قائلا له:

«ان زيادا رجل يحب الشرف و الذكر و صعود المنابر، فلو لاطفته المسألة و ألنت له الكتاب لكان لك أميل و بك أوثق، فاكتب إليه و أنا الرسول»

و استجاب معاوية لنصيحة المغيرة، فكتب إلى زياد رسالة تمثلت فيها المواربة و الخداع و هذا نصها:

«من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان، أما بعد: فان المرء ربما طرحه الهوى في مطارح العطب، و انك للمرء المضروب به المثل قاطع الرحم، و واصل العدو، و حملك سوء ظنك بي و بغضك لي على أن عققت قرابتي، و قطعت رحمي و بتت نسبى و حرمتي حتى كأنك لست أخي، و ليس صخر بن حرب أباك و أبي، و شتان ما بيني و بينك، أطلب بدم ابن أبي العاص و أنت تقاتلني، و لكن أدركك عرق الرخاوة من قبل النساء فكنت «كتاركة بيضها بالعراء، و ملحفة بيض أخرى جناحها» و قد رأيت أن أعطف عليك و لا أؤاخذك بسوء سعيك، و ان أصل رحمك، و أبتغي الثواب في أمرك، فاعلم أبا المغيرة أنك لو خضت البحر في طاعة القوم فتضرب بالسيف حتى ينقطع متنه لما ازددت منهم إلا بعدا، فان بني شمس أبغض إلى بني هاشم من الشفرة إلى الثور الصريع و قد أوثق للذبح، فارجع رحمك اللّه إلى أصلك، و اتصل بقومك و لا تكن كالموصول يطير بريش غيره، فقد أصبحت ضال النسب، و لعمري ما فعل بك ذلك إلا اللجاج فدعه عنك، فقد أصبحت على بينة من أمرك و وضوح من حجتك، فان أحببت جانبي و وثقت بي فامرة بامرة و ان كرهت جانبي و لم تثق بقولي ففعل جميل لا عليّ و لا لي و السلام».

و أخذ المغيرة الرسالة التي كتبت على وفق رأيه و هي لا تحمل جانبا من الواقعية، و لا بصيص فيها من نور الحق و الصدق فغادر دمشق إلى فارس و أقبل إلى زياد فلما رآه رحب به و أدناه من مجلسه و أخذ الداهية الماكر يكلم زيادا بمختلف الطرق و شتى الأساليب حتى غزى قلبه و هيمن على مشاعره فأجابه إلى ما أراد.

و بعد ما وقع زياد في اشباك المغيرة غادر فارس إلى دمشق فلما انتهى إليها و مثل عند معاوية رحب به و ادناه، و أمر أخته جويرية بنت أبي سفيان أن تستدعيه، فلما حضر عندها كشفت عن شعرها بين يديه، و قالت له:

«أنت أخي أخبرني بذلك أبو مريم» ثم أخرجه إلى المسجد و جمع الناس ليعلن أمامهم أن زيادا أخوه، و قام أبو مريم السلولي الخمار أمام ذلك المجتمع الحاشد فادى شهادته بزنا أبى سفيان بسمية شهادة أخزت أبا سفيان و معاوية و الحقت العار بزياد و هذا نصها:

«أشهد أن أبا سفيان قدم علينا بالطائف و أنا خمار فى الجاهلية، فقال أبغى بغيا. فاتيته و قلت: لم أجد إلا جارية الحرث بن كلدة، سمية. فقال ائتني بها على ذفرها و قذرها» و ثار زياد فقطع على أبى مريم شهادته قائلا له بصوت يقطر غضبا:

«مهلا يا أبا مريم، إنما بعثت شاهدا و لم تبعث شاتما».

فقال أبو مريم:

«لو كنتم أعفيتموني لكان أحب إليّ، و إنما شهدت بما عاينت و رأيت».

ثم استرسل فى بيان شهادته فقال:

«و اللّه لقد أخذ بكم درعها، و أغلقت الباب عليهما، و قعدت دهشانا فلم ألبث أن خرج عليّ يمسح جبينه، فقلت، مه يا أبا سفيان.

فقال: ما أصبت مثلها يا أبا مريم لو لا استرخاء من ثديها، و ذفر من فيها».

هذه شهادة أبى مريم في فجور سمية و تندى لفضاعتها و خزيها وجه الإنسانية و لكن معاوية ما خجل منها و ما أنف و لا استحى، و كيف يخجل ابن هند من هذه المساوئ و المخازي و هو الذي جر ذيله على الرذائل و الخداع كما يقول حتى صارت الرذيلة عنصرا من عناصره و مقوما من مقوماته.

لقد ألحق معاوية زياد بن أبيه به ليستريح من خصومته، و يستعين به على تحقيق أهدافه و تدعيم سلطانه.

الاستياء الشامل:

و أثر استلحاق معاوية لزياد استياء شاملا في نفوس المسلمين، فقد رووا أن معاوية قد عمد إلى مخالفة النبي (ص) و الى هجر سنته، و قد خافوه على دينهم، فاندفع جمع من الأحرار و المصلحين إلى إعلان سخطهم و إنكارهم عليه و على زياد

المنكرون ذلك

و نشير إلى بعض المنكرين و الناقدين له و هم:

1- الإمام الحسن:

و رفع الإمام الحسن رسالة إلى زياد بين فيها فساد استلحاقه بمعاوية، و أعرب له ان الإسلام لا يقر ذلك بحال من الأحوال، و هذا نصها:

«من الحسن بن فاطمة إلى زياد بن سمية أما بعد: فان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم قال الولد للفراش، و للعاهر الحجر و السلام»

و قال «ع» له في حضور معاوية و عمرو بن العاص، و مروان بن الحكم: «و ما أنت يا زياد و قريشا؟ لا أعرف لك فيها أديما صحيحا، و لا فرعا نابتا، و لا قديما ثابتا، و لا منبتا كريما، بل كانت أمك بغيا تداولها رجال قريش و فجار العرب فلما ولدت لم تعرف لك العرب والدا فادعاك هذا- يعنى معاوية- بعد ممات أبيه، مالك افتخار، تكفيك سمية و يكفينا رسول اللّه (ص)» .

2- الإمام الحسين:

و لما رأى سيد الشهداء الإمام الحسين معاوية قد حمل معول الهدم على جميع الأسس الإسلامية اندفع (ع) ثائرا في وجهه و رفع له رسالة سجل فيها موبقاته، و قد عرض فيها استلحاقه لزياد، و هذا نص ما كتبه في ذلك:

«أ و لست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف فزعمت أنه ابن أبيك، و قد قال رسول اللّه (ص) الولد للفراش و للعاهر الحجر، فتركت سنة رسول اللّه تعمدا و اتبعت هواك بغير هدى من اللّه» .

3- يونس بن عبيد:

و كان يونس بن عبيد ممن حضر هذه المأساة، و شاهد فصولها، فانطلق إلى معارضة معاوية و إلى الإنكار عليه قائلا:

«يا معاوية قضى رسول اللّه (ص) ان الولد للفراش، و للعاهر الحجر و قضيت أنت أن الولد للعاهر مخالفة لكتاب اللّه تعالى، و انصرافا عن سنة رسول اللّه بشهادة أبي مريم على زنا أبي سفيان».

فانبرى إليه معاوية يتهدده و يتوعده بالقتل قائلا:

«و الله يا يونس لتنتهي أو لأطيرن بك طيرة بطيئا وقوعها».

فقال له يونس: «هل إلا إلى الله، ثم أقع؟».

قال له معاوية:- نعم- .

4- عبد الرحمن بن الحكم:

و ما رضى بهذا الاستلحاق حتى بنو أمية، فقد نقموا عليه ذلك فقد أقبل عبد الرحمن بن الحكم و معه جماعة من بني أمية فقال عبد الرحمن لمعاوية:

«يا معاوية، لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا- يعني على بني العاص قلة- و ذلة».

فالتفت معاوية إلى مروان قائلا:

«اخرج عنا هذا الخليع».

«أى و الله إنه لخليع ما يطاق».

فقال معاوية: «و اللّه لو لا حلمي و تجاوزي لعلمت أنه يطاق، أ لم يبلغنى شعره في و في زياد».

قال مروان و ما ذا قال؟:

- إنه يقول:

ألا أبلغ معاوية بن حرب

لقد ضاقت بما يأتي اليدان

أ تغضب أن يقال أبوك عف

و ترضى أن يقال أبوك زاني

فاشهد أن رحمك من زياد

كرحم الفيل من ولد الأتان

و أشهد انها حملت زيادا

و صخرا من سمية غير دان

و تألم معاوية حينما قرأها فقال: و اللّه لا أرضى عنه حتى يأتي زيادا فيترضاه و يعتذر إليه.

و خرج عبد الرحمن و قد غضب عليه معاوية، فجاء إلى الكوفة و قصد زيادا يعتذر منه فاستأذن عليه بالدخول فلم يأذن له، و توسط في شأنه وجهاء قريش فسمح له بالدخول، فلما دخل عليه أعرض عنه، ثم التفت له قائلا:

«أنت القائل؟ ما قلت!!».

- ما الذي قلت؟.

- قلت ما لا يقال!!

- أصلح اللّه الأمير أنه لا ذنب لمن أعتب، و إنما الصفح عمن أذنب فاسمع مني ما أقول:

- هات ما عندك.

إليك أبا المغيرة تبت مما

جرى بالشام من خطل اللسان

و أغضبت الخليفة فيك حتى

دعاه فرط غيظ أن هجاني

و قلت لمن لحاني فى اعتذاري

إليك أذهب فشأنك غير شاني

عرفت الحق بعد ضلال رأيى

و بعد الغي من زيغ الجنان

زياد من أبي سفيان غصن

تهادى ناضرا بين الجنان

أراك أخا و عما و ابن عم

فما أدري بعيب ما تراني

و إن زيادة في آل حرب

أحب إلي من وسطى بناني

ألا بلغ معاوية بن حرب

فقد ظفرت بما تأتي اليدان

فقال زياد:

«أراك أحمق صرفا شاعرا صنع اللسان، يسوغ لك ريقك ساخطا و مسخوطا و لكنا قد سمعنا شعرك و قبلنا عذرك، فهات حاجتك».

- تكتب إلى أمير المؤمنين بالرضا عني.

- نعم.

ثم دعا كاتبه فرسم له العفو و الرضا، فأخذ الكتاب و مضى إلى معاوية فلما قرأ الأبيات قال:

«لحا اللّه زيادا أ لم ينتبه لقوله: و إن زيادة في آل حرب؟».

ثم رضى عن عبد الرحمن و رده إلى حالته الأولى .

5- أبو العريان:

و كان أبو العريان شيخا مكفوفا ذا لسان و عارضة شديدة فاجتاز عليه زياد فى موكبه فقال أبو العريان:

«ما هذه الجلبة؟».

«إنه موكب زياد بن أبي سفيان».

«و اللّه ما ترك أبو سفيان إلا يزيد و معاوية و عتبة و عنبسة و حنظلة و محمدا فمن أين جاء زياد؟».

و نقل المتزلفون حديث أبي العريان إلى زياد فأشار عليه بعض خواصه أن يوصله بالمال حتى يكف لسانه عنه، فاستصوب الرأي و أمر له بمائتي دينار فجاء بها الرسول إليه، فقال له:

«يا أبا العريان ابن عمك زياد الأمير قد أرسل إليك مائتي دينار لتنفقها» فلما سمع أبو العريان بذلك طار فرحا فقال:

«وصلته رحم أى و اللّه ابن عمي حقا».

و اجتاز موكب زياد عليه في اليوم الثاني، فسلم عليه زياد، فبكى أبو العريان، فقيل له:

«ما يبكيك؟».

«عرفت صوت أبي سفيان في صوت زياد».

هكذا تفعل المادة بالضمائر القذرة التي لم تنطبع فيها العقيدة، و كان أبو العريان عاريا من الإيمان فتغير بهذه الصلة الضئيلة، و لما سمع حديثه معاوية كتب إليه:

ما ألبثتك الدنانير التي بعثت

أن لونتك أبا العريان الوانا

أمسى إليك زياد فى أرومته

نكرا فأصبح ما أنكرت عرفانا

للّه در زياد لو تعجلها

كانت له دون ما يخشاه قربانا

فلما قرأت على أبي العريان هذه الأبيات أجابه:

احدث لنا صلة تحيا النفوس بها

قد كدت يا ابن أبي سفيان تنسانا

أما زياد فقد صحت مناسبه

عندي فلا أبتغي في الحق بهتانا

من يسد خيرا يصبه حين يفعله

أو يسد شرا يصبه حيثما كانا

6- أبو بكرة:

و من جملة الناقمين على معاوية و الناقدين لزياد على هذا الاستلحاق الفظيع أبو بكرة أخو زياد، فقد أنكر على أخيه أشد الإنكار، فقاطعه و لم يتصل به، و لما عزم زياد على السفر إلى بيت اللّه الحرام أقبل إليه أبو بكرة فلما بصر به بعض الحرس أقبل مسرعا إلى زياد، فقال له:

«أيها الأمير هذا أخوك أبو بكرة قد دخل القصر».

- و يحك أنت رأيته؟.

- ها هو ذا قد طلع!!.

أقبل أبو بكرة فوقف على رأس زياد و كان قد احتضن غلاما له فوجه أبو بكرة خطابا إلى الغلام و لم يوجهه إلى زياد ترفعا و استحقارا له:

«يا غلام، إن أباك ركب في الإسلام عظيما، زنى أمه و انتفى من أبيه، و لا و اللّه ما علمت سمية رأت أبا سفيان قط، ثم أبوك يريد أن يركب ما هو أعظم من ذلك يوافى الموسم غدا، و يوافي أم حبيبة بنت أبي سفيان و هي من أمهات المؤمنين، فان جاء ان يستأذن عليها فأذنت له فاعظم بها فرية على رسول اللّه (ص) و مصيبة و ان هي منعته فاعظم بها على أبيك فضيحة».

ثم تركه و انصرف، فقال زياد:

«جزاك اللّه يا أخي عن النصيحة خيرا ساخطا كنت أو راضيا»

7- يزيد بن المفرغ:

و هجا هذا الشاعر العبقرى زيادا ببيتين من الشعر كانتا وصما عليه و عارا مدى الأجيال و الأحقاب و هما:

فكر ففي ذاك إن فكرت معتبر

هل نلت مكرمة إلا بتأمير

عاشت سمية ما عاشت و ما علمت

أن ابنها من قريش في الجماهير

و ارتاع زياد و حزن من هذا الهجاء، فقال:

«ما هجيت قط أشد علي من هذين البيتين» .

و لم يقتصر هذا الشاعر الفذ على ذلك فقد نظم أقسى الشعر و الذعه نقدا و هجاء لزياد و معاوية على ارتكابهما هذه الجريمة التي انتهكت بها حرمة الإسلام و إليك بعض ما جادت به قريحته و خياله الخصب:

شهدت بأن أمك لم تباشر

أبا سفيان واضعة القناع

و لكن كان أمر فيه لبس

على حذر شديد و ارتياع

إذا أودى معاوية بن حرب

فبشر شعب قعبك بانصداع

و قال أيضا:

إن زيادا و نافعا و أبا

بكرة عندي من أعجب العجب

هم رجال ثلاثة خلقوا

في رحم أنثى و كلهم لأب

ذا قرشي كما تقول و ذا

مولى و هذا ابن عمه عربي

و ذكر المسعودى في «مروج الذهب» ان هذه الأبيات إلى خالد النجاري و انه قال في هجاء زياد لما استلحق به عبادا:

أ عباد ما اللؤم عنك محول

و لا لك أم من قريش و لا أب

و قل لعبيد اللّه مالك والد

بحق و لا يدري امرؤ كيف تنسب

لقد كان استلحاق زياد لعباد على غرار استلحاق معاوية له مخالفا لسنة رسول اللّه و قد قال (ص): «من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه فالجنة عليه حرام» و ما جرأ زيادا على ارتكاب هذه الموبقة إلا معاوية فهو الذي فتح باب الفساد، و خالف أحكام الإسلام و تعاليمه و فروضه من دون خيفة و لا حذر.

8- الحسن البصري:

و من جملة الناقمين على معاوية و الناكرين عليه الحسن البصري فقد

جعل هذا الاستلحاق إحدى موبقاته و سيئاته و مردياته فقال: «اربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها (يعني الخلافة) بغير مشورة منهم و فيهم بقايا الصحابة و ذوو الفضيلة، و استخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير و الديباج، و يضرب بالطنابير، و ادعاؤه زيادا، و قد قال رسول اللّه (ص):

«الولد للفراش و للعاهر الحجر» ويلا له من حجر و أصحاب حجر مرتين»

و هذه الجرائم الأربعة التي هي بعض موبقات معاوية تعد من أفظع فظع الكبائر التي اقترفها، و سيحاسب عليها حسابا عسيرا عند اللّه، و ذلك لما أحدثته من المضاعفات السيئة التي مني بها المسلمون.

9- السكتواري:

و قال العلامة السكتواري: «أول قضية ردت من قضايا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم علانية دعوة معاوية زيادا، و كان أبو سفيان تبرأ منه و ادعى أنه ليس من أولاده، و قضى بقطع نسبه، فلما تأمر معاوية قربه و استأمره، ففعل ما فعل زيادا بن أبيه- يعني ابن زنية- من الطغيان و الإساءة في حق أهل بيت النبوة» .

و هؤلاء بعض الناقمين على معاوية و المنكرين عليه في استلحاقه زيادا، و هم- من دون شك- كانوا مدفوعين بدافع العقيدة و الغيرة على الإسلام فقد رأوا أن معاوية قد عمد بذلك إلى احياء سنن الجاهلية و بدعها، و اماتة ما فرضه الإسلام، استجابة لعواطفه و رغبته الملحة في السيطرة على المسلمين و إخضاع القوى المعارضة له بشتى الوسائل و الأساليب.

و على أي حال فان زيادا قد استخدم جميع الوسائل لإثبات نسبه و إلحاقه بالعنصر الأموي فقد كتب إلى عائشة رسالة افتتحها بقوله: «من زياد بن أبي سفيان» و قد ظن أنها ستقر نسبه فيتخذ من ذلك دليلا يستدل به على صحة نسبه، و لم يخف ذلك على عائشة فقد أجابته «من عائشة أم المؤمنين إلى ولدها زياد» و قد خاب بذلك سعيه، و باء بالفشل و الخزي، و لما ولي الكوفة قال لأهلها:

- قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم.

- أدعنا إلى ما شئت.

- تلحقون نسبي إلى معاوية.

فاعلن الأحرار و المؤمنون عدم إجابتهم له قائلين:

«أما بشهادة الزور فلا!!» .

لقد أبت العرب من أن تلحق هذا الدعي بها، و لكن السلطة الأموية سجلته في ديوان قريش، و ظل على هذا الحال هو و أبناؤه و لما انقرضت الدولة الأموية و جاءت دولة بني العباس الغى الخليفة المهدي هذا الاستلحاق و أمر باخراج آل زياد من ديوان قريش و من العرب و ذلك في سنة 159 هج و بذلك فقد عادت ذرية زياد إلى جدها الأول عبيد الرومي.

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved