۱۳۹۶ جمعه ۶ مرداد | اِجُّمعَة ٤ ذو القعده ١٤٣٨
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
في المدائن 

فى سجل التاريخ حوادث مفجعة يذوب القلب من هولها أسى و حسرات، و ذلك بما تتركه من الآثار المريعة، و المضاعفات السيئة، و بما تخلفه من المشاكل و المصاعب كانتشار الظلم، و ذيوع الجور، و هضم الحق، و ضياع العدل. و من أفجع هذه الحوادث و أقساها، انتصار الظالمين و تغلبهم على أئمة الحق و العدل، فانه يؤدي حتما الى شل الحركة الإصلاحية، و تدمير القيم الإنسانية، و ظهور البغي و الجور في البلاد.

 

و تمثلت هذه المأساة المحزنة بأبشع صورها على مسرح الزمن الهازل في صراع الإمام الحسن (ع) مع معاوية، و غلبة معاوية عليه، و قد انتصرت بذلك القوى الحاقدة على الإسلام، و الباغية على المسلمين، و اندحرت المبادئ العليا التي جاء هذا الدين ليقيمها.

إن من نكد الدنيا غلبة معاوية و انتصاره على سبط النبي و ريحانته، و ابتزازه لحقه، و فرضه حاكما على المسلمين باسم الإسلام، و هو من ألدّ خصومه و أعدائه. إن السر في انتصار معاوية يرجع الى أسباب كثيرة و عوامل متعددة و أهمها الحوادث القاسية التي وقعت في «مسكن» التي كانت تضم مقدمة جيش الإمام، و الحوادث المؤسفة التي جرت فى «المدائن» التي استقرت فيها عامة جيوشه، و قد عانى الإمام منها ألوانا شاقة من المحن و الخطوب حتى اضطر الى الصلح، و التجأ الى مسالمة الخصم، و علينا أن ننظر الى تلكم الأحداث و نتأملها فانها من أهم علل الصلح و أسبابه- فيما نحسب- و هي كما يلي:

حوادث مسكن 

و بعد ما أسند الإمام القيادة العامة في مقدمة جيشه الى عبيد اللّه بن العباس، انطلق عبيد اللّه يطوي البيداء مع الجيش حتى انتهى الى «سينور» و منها خرج الى «شاهي» ، فلزم الفرات و الفلوجة حتى وصل الى مسكن فاستقام فيها و قابل العدو وجها لوجه، و قد قام معاوية بدوره بعمليات التخريب و الإفساد فسلك جميع الوسائل للقضاء على أصالة «المقدمة» و تمزيق وحداتها، و اماتة نشاطها العسكري، فنشر بها المخاوف و الأراجيف، و بث فيها العصيان و التمرد، و نقدم عرضا لبعضها:

بث الجواسيس 

و كانت باكورة الدسائس الخطيرة التي قام بها معاوية فى إفساده «المقدمة»، انه بعث الجواسيس، و نشر العيون ليذيعون الذعر و الإرهاب و يقومون بخذلان الجيش، و كانت دعايتهم ذات طابع واحد و هي:

«إن الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلم تقتلون أنفسكم؟.»

و تركت هذه الموجة من الافتراء اضطرابا فظيعا، و خوفا بالغا فى النفوس، و أحدثت تمردا شاملا في جميع الوحدات العسكرية.

رشوة الوجوه

و لم يقتصر معاوية في عمليات التخريب على ذلك، فقد صنع ما هو أفتك منها و هو شراؤه الضمائر الرخيصة من قادة الجيش و زعمائه المقيمين في «مسكن» فقد بذل لهم أموالا ضخمة، و مناهم بالوظائف و المراتب، فأجابوه الى ذلك، و تسللوا إليه، و التحقوا بمعسكره في غلس الليل و فى وضح النهار، و كتب عبيد اللّه أنباءهم بالتفصيل الى الإمام الحسن «ع»

اغراؤه لعبيد اللّه

و لما رأى معاوية ان عملية الرشوة قد نجح بها الى حد كبير راح يعمل بنشاط فى اغرائه لذوي الضمائر القلقة، و النفوس المريضة، فمدّ أسلاك مكره الى عبيد اللّه بن العباس، فجذبه إليه، و صار العوبة بيده، و قد خان عبيد اللّه بذلك ثقل رسول اللّه، و ترك موكب الحق و الهدى، و انضم الى معسكر الخيانة و الجور، أما نص رسالة معاوية التي خدعه بها فهي:

«إن الحسن قد راسلني فى الصلح، و هو مسلم الأمر إليّ فان دخلت فى طاعتي الآن كنت متبوعا، و إلا دخلت و أنت تابع، و لك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم، أعجل لك في هذا الوقت نصفها، و إذا دخلت الكوفة النصف الآخر ...»

و تمثل الكذب الصريح، و المكر السافر في قوله: «إن الحسن قد راسلني في الصلح.» إن الإمام متى راسله فى الصلح؟ أ في رسائله و مذكراته التي احتوت على تهديده و توعيده باعلانه للحرب عليه إن لم يثب لطاعته، أم بخروجه لمناجزته؟ مضافا الى أنه لم تجر أي اتصالات بينه و بين الإمام في ذلك الوقت.

و ليس هناك أدنى مجال للشك فى أن عبيد اللّه كان يؤمن في قرارة نفسه بكذب هذا الادعاء لأن الإمام لو كان قد راسله في الصلح فلأي شيء يمنيه معاوية بهذه الأموال الطائلة، و ما قيمته إن أجابه الإمام إلى ذلك.

غدر و خيانة

و غزى معاوية برسالته مشاعر عبيد اللّه فقد أخذ يطيل التفكير فى ارتكاب الجريمة و الخيانة، و تمثلت أمامه النقاط المغريات التي عرضها عليه معاوية و هي:

1- مراسلة الحسن له في الصلح حسب الادعاء المزعوم.

2- الدخول فى معسكر معاوية و هو متبوع خير له من أن يكون تابعا.

3- الحصول على مائة ألف درهم.

و انفق ليله ساهرا يفكر في الأمر، قد ملأت الحيرة اهابه، و تمثلت أمامه (المادة) التي منّاه بها معاوية و هو لم يظفر ببعضها فى ظل الحكومة الهاشمية التي بنيت على بسط العدل و المساواة، و أخيرا سولت له نفسه الأثيمة بالغدر و نكث العهد، فاستجاب لدنيا معاوية، و مال عن الحق، و انحرف عن الطريق القويم، و خان اللّه و رسوله، و ترك سبط النبي (ص) و ريحانته، و التحق بمعسكر الظلم و الجور، و قد تسربل بثياب العار و الخزي.

لقد تسلل عبيد اللّه الى معاوية فى غلس الليل البهيم و معه ثمانية آلاف من الجيش من ذوي الأطماع و الأهواء الذين لم ينطبع الدين في قلوبهم ففي عنق عبيد اللّه الخائن الأثيم تقع المسئولية الكبرى، فقد أدت خيانته الى زعزعة الجيش و تفلل وحداته و اضطرابه.

إن هذه الخطة التي سلكها معاوية كانت من أهم الأسباب التي مهدت نجاحه، و فوزه بالموقف و تغلبه على الأحداث، فقد سببت اندحار جيش الإمام، و قضت على عزائمه، و فتحت باب الخيانة، و الغدر على مصراعيهما.

اضطراب الجيش

و أصبحت البقية الباقية من الجيش تفتش عن قائدها ليصلي بها صلاة الصبح فلم تجده، و لما علمت خيانته و غدره و التحاقه بالعدو اضطربت أشد الاضطراب، و ماجت فى الفتن، و ارتطمت بالنزاع و الخلاف، و لما رأى قيس بن سعد الرجات العنيفة، و الفتن السود قد ضربت أطنابها على الجيش قام فصلى بهم صلاة الصبح، و بعد الفراغ منها قام خطيبا فهدأ روعهم و أثابهم الى الصواب و الرشاد، و هذا نص خطابه.

«إن هذا و أباه و أخاه لم يأتوا بيوم خيرا قط، إن أباه عمّ رسول اللّه (ص) خرج يقاتله ببدر، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري فأتى به رسول اللّه (ص) فأخذ فداءه، فقسمه بين المسلمين و إن أخاه ولّاه علي على البصرة فسرق ماله و مال المسلمين فاشترى به الجواري، و زعم أن ذلك له حلال، و إن هذا ولّاه علي على اليمن فهرب من بسر بن أبي أرطاة، و ترك ولده حتى قتلوا، و صنع الآن هذا الذي صنع» .

و ملك قيس أحاسيس الجيش و شعورهم بخطابه المؤثر الرصين، فقد رأوا في كلامه منطق الحق، و في شخصيته صلابة الإيمان، و تبين لهم أن عبيد اللّه خليق بالخيانة، و مظنة لكل سوء، و انه لو كان عنده شعور نبيل أو عاطفة انسانية لما هرب من اليمن و ترك ولديه بيد الجزار بسر بن أبي أرطاة فقتلهما.

و انبرى الجيش بجميع كتائبه فأعلن التأييد و الخضوع لمقالته و هم يهتفون «الحمد للّه الذي أخرجه من بيننا.»

و تسلم قيس القيادة- بعد غدر عبيد اللّه- بنص الإمام و بالترشيح من جميع القوات المسلحة، و حينما تسلم منصبه الجديد رفع للإمام مذكرة أخبره فيها بوقوع الحادث المؤسف و بتسلمه مهام القيادة، و هذا نصها:

«إنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها (الجنوبية) بإزاء (مسكن) و ان معاوية أرسل الى عبيد اللّه بن العباس يرغبه فى المصير إليه، و ضمن له ألف ألف درهم، يعجل له منها النصف، و يعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفة، فانسل عبيد اللّه في الليل الى معسكر معاوية في خاصته، و أصبح الناس قد فقدوا أميرهم، فصلى بهم قيس بن سعد و نظر في امورهم ...

و ساعد اللّه قلب الإمام الحسن حينما انتهى إليه هذا النبأ المؤسف، فقد أترعت نفسه الشريفة بالآلام و الهواجس، و يئس من الظفر و النصر، و علم أن أكثر من معه لا واقعية لهم، و انهم يسلمونه عند الوثبة و يغدرون به عند اندلاع نار الحرب. و أما جيشه الرابض معه فى «المدائن» فانه لما علم بخيانة عبيد اللّه، و التحاقه بمعسكر العدو ارتطم في الفتن، و ماج في الشر، و استولى عليه الذعر و الخوف، و أخذ أكثر قادته يلتمسون الطرق للاتّصال بمعاوية و الظفر بأمواله.

اكاذيب و اضاليل:

و بعد ما طعن معاوية الجيش العراقي في صميمه بعمليات الرشوة، سلك طرقا أخرى في إفساده و اماتة نشاطه، فقد أرسل عيونه و خواصه ينشرون الأكاذيب، و يبثون الإرهاب في جميع كتائب الجيش سواء المقيمة في المدائن، أو فى مسكن، و كانت تلكم الإشاعات ذات صور و هي:

أ- إذاعتهم في «المدائن» أن قيس بن سعد قد صالح معاوية، و صار معه ، و لم يشك الجيش في صدق هذه الدعاية، فان عبيد اللّه بن العباس الذي هو أمس الناس رحما بالإمام قد غدر به و خانه فكيف بغيره.

ب- إشاعتهم في «مسكن» ان الإمام قد صالح معاوية و أجابه .

ج- افتراؤهم على من في «المدائن» ان قيس بن سعد قد قتل فانفروا .

و مزقت هذه الدعايات الكاذبة أعصاب الجيش، و أماتت نشاطه العسكري، و أصبح متفككا تسوده الفتن و الأهواء.

خلاصة الأحداث:

و مجمل ما تقدم من الفتن السود، و الخيانة المفضوحة التي منيت بها المقدمة التي هي أقوى فصائل الجيش أمور:

1- تسلل ذوي الوجاهة و النفوذ من ذوي البيوتات الشريفة و الأسر البارزة الى معاوية.

2- غدر القائد العام عبيد اللّه بن العباس و خيانته لسبط النبي و ريحانته.

3- خيانة ثمانية آلاف من الجيش، و التحاقهم بمعسكر معاوية، و ناهيك بالضعف و الاختلال الذي منيت به المقدمة بعد انسحاب هذا العدد الخطير منها.

4- اضطراب الجيش على الإطلاق سواء أ كان في مسكن أو فى المدائن بسبب الإشاعات الكاذبة التي أذاعها أتباع معاوية من أن الحسن قد صالح معاوية، و أن قيسا قد قتل.

هذه خلاصة الأخطار الفظيعة التي اصيبت بها «المقدمة» و قد أوجبت انهيارها و أماتت نشاطها، و أصبحت لا لياقة لها على مواجهة الأحداث، و لا قابلية لها على الدفاع ورد العدوان الأموي الذي يتمتع بأتم القابليات و أضخم الطاقات. و بعد هذه الزعازع التي فتكت بالمقدمة هل يصح أن يقال إنها جبهة قوية لها القدرة على مناجزة معاوية؟!!

حوادث المدائن:

و نزح الإمام الحسن عن عاصمته، و قد نفر معه أخلاط من الناس، و أخذ في مسيره على حمام عمر حتى أتى دير كعب في «مظلم ساباط» فاستقوا فيه، و أخذ معاوية يعيث فسادا فى جيش الإمام حقى ارتطم بالفتن و الخطوب، و نقدم عرضا من النكبات التي مني بها، و الى الأحداث الهائلة التي واجهها الإمام الحسن.

اذاعة الذعر:

و كانت أول بادرة فعلها معاوية لإفساد جيش الإمام أنه بعث عبد اللّه ابن عامر ليبثّ الخوف و الجزع فى نفوس العراقيين فانطلق عبد اللّه فنادى بأعلى صوته بين صفوف الجيش العراقى:

«يا أهل العراق، إني لم أر القتال، و إنما أنا مقدمة معاوية و قد وافى الأنبار في جموع أهل الشام، فأقرءوا أبا محمد «يعني الحسن» عني السلام و قولوا له: أنشدك اللّه في نفسك و أنفس هذه الجماعة التي معك».

و حينما سمعوا ذلك داخلهم من الخوف و الرهبة الى حد لا سبيل الى تصويره، و أخذ بعضهم يخذل بعضا، و سئموا القتال، و كرهوا الحرب.

رشوة الزعماء:

لا تزال الرشوة قديما و حديثا هي الثغرة الوحيدة التي يسلك فيها المستعمرون للاستيلاء على الشعوب، و سلب سيادتها، و القضاء على أصالتها و قد أمعن معاوية في استعمال الرشوة بنطاقها الواسع في شراء الضمائر و الذمم و الأديان لأجل تدعيم ملكه، و القضاء على حكومة الإمام، استعمل في سبيل هذه الغاية كل وسيلة، و سلك كل طريق لأن «الغاية تبرر الواسطة» و الرشوة التي استعملها كانت ذات طوابع مختلفة و هي:

أ- منح الوظائف المهمة، و المناصب الخطيرة في الدولة كالولاية على قطر من الأقطار أو القيادة العامة على جيش من جيوشه لمن غدر بالإمام الحسن، و استجاب له.

ب- بذل الأموال الضخمة من المائة ألف فما فوق.

ج- الوعد بتزويج إحدى بناته، و من الغريب ان تتوصل خساسة الرشوة الى مثل هذا اللون الذي ينم عن انحطاط النفس و تماديها في الرذائل و الموبقات.

و دلت هذه الأساليب على دراسة معاوية لنفوس العراقيين، فقد عرف الأشخاص الذي تشترى ضمائرهم بالمادة فبذلها لهم بسخاء، و الأشخاص الذين لا يقيمون وزنا للمادة منّاهم بالوظائف و النفوذ، و الأشخاص الذين يحبون الاتصال و القرب منه منّاهم بزواج إحدى بناته، و قد نص على هذه الجهات الصدوق رحمه اللّه فى كلامه قال:

«و بعث معاوية لكل من عمرو بن حريث ، و الأشعث بن قيس و حجار بن أبجر عينا من عيونه يمنى كل واحد منهم بقيادة جند من جنوده، أو بتزويج إحدى بناته، أو بمائة ألف درهم إن هم قتلوا الحسن و قد بلغه ذلك فاستلأم و لبس درعا، فكان لا يتقدم للصلاة إلا و عليه وقاية» .

تأثير الرشوة:

و استجابت النفوس المريضة التي لم يهذبها الدين الى دعوى معاوية، و انجرفت بدنياه الحلوة و انخدعت بوعوده المعسولة، فأخذت تتهاوى على أعتابه ملبية طلباته، و ممتثلة لأمره، فراسله جمع من الأشراف و الوجوه و البارزين برسائل متعددة أعربوا فيها عن استعدادهم الى الفتك بالإمام متى طلب و أراد و هي ذات مضمونين:

1- تسليم الحسن له سرا أو جهرا.

2- اغتياله و قتله متى أراد ذلك.

و قد بعث معاوية بتلكم الرسائل الى الإمام ليطلع فيها على خيانة جيشه، و عند ما عرضت عليه تلك الرسائل أيقن بفسادهم و تخاذلهم و سوء نياتهم .

و من تأثير الرشوة على تلك النفوس المريضة التي انمحت عنها جميع النواميس الإنسانية، ان الإمام (ع) وجه قائدا من كندة فى أربعة آلاف و أمره أن يعسكر بالأنبار و أن لا يحدث شيئا حتى يأتيه أمره، فلما نزل بها عرف معاوية فوجّه إليه رسولا و كتب معه «إنك إن أقبلت إليّ أو لك بعض كور الشام و الجزيرة غير منفس عليك» و أرسل إليه بخمسمائة ألف درهم، فقبض الكندي المال و انحاز الى معاوية في مائتي رجل من خاصته و أهل بيته، فبلغ الحسن (ع) ذلك فتأثر و قام خطيبا و هو متذمر و متألم أشد الألم من ذلك المجتمع الذي جرفته الخيانة، و صار فريسة للباطل و الضلال فقال عليه السلام:

«هذا الكندي توجه الى معاوية، و غدر بي و بكم و قد أخبرتكم مرة بعد مرة انه لا وفاء لكم، أنتم عبيد الدنيا، و أنا موجّه رجلا آخر مكانه و إني أعلم أنه سيفعل بي و بكم ما فعل صاحبكم، و لا يراقب اللّه فيّ و لا فيكم».

و بعث عليه السلام رجلا آخر من مراد في أربعة آلاف، و تقدم إليه بمشهد من الناس و تأكد عليه، و لكنه أخبره انه سيغدر كما غدر الكندي فحلف له بالأيمان الموثقة أنه لا يفعل ذلك، فلم يطمئن منه الحسن و قال متنبئا: «إنه سيغدر».

و سار حتى انتهى الى الأنبار، فلما علم معاوية به أرسل إليه رسلا و كتب إليه بمثل ما كتب الى صاحبه، و بعث إليه بخمسة آلاف و لعلها خمسمائة ألف درهم، و منّاه أي ولاية أحب من كور الشام و الجزيرة، فقلب على الحسن و أخذ طريقه الى معاوية و لم يحفظ ما أخذ عليه من العهود .

و ارتكب هذه الخيانة جمع غفير من الأشراف و الوجوه. و قد أدّى ذلك الى زعزعة كيان الجيش و اضطرابه، و تفلل جميع وحداته.

4- نهب أمتعة الامام:

و انحطت نفوس ذلك الجيش انحطاطا فظيعا، و استولت على ضمائره

سحب قاتمة لا بصيص فيها من نور الكرامة و الشرف، فارتكبوا كل جريمة و موبقة. و من انحطاط نفوسهم ان بعضهم جعل ينهب بعضا، و لم يكتفوا بذلك حتى عدوا الى أمتعة الإمام و أجهزته فنهبوها، و أكبر الظن أن للخوارج ضلعا كبيرا في هذا الإجرام، فانهم لا يرون حرمة للإمام، و لا حرمة لأموال غيرهم، فقد أباحت خططهم الملتوية أموال من لا يدين بفكرتهم و لا يخضع لدينهم، و قد وقعت جريمة نهب الإمام فى موردين هما:

1- حينما دس معاوية عيونه في جيش الإمام ليذيعون أن الزعيم قيس بن سعد قد قتل فانهم حينما سمعوا ذلك نهب بعضهم بعضا حتى انتهبوا سرادق الحسن و تنص بعض المصادر انهم نزعوا بساطا كان الإمام جالسا عليه و استلبوا منه رداءه .

2- لما أرسل معاوية المغيرة بن شعبة، و عبد اللّه بن عامر، و عبد الرحمن بن الحكم الى الإمام ليفاوضونه في أمر الصلح، فلما خرجوا من عنده أخذوا يبثون بين صفوف الجيش لإيقاع الفتنة فيه قائلين: «إن اللّه حقن الدماء بابن بنت رسول اللّه (ص) و قد أجابنا الى الصلح» و لما سمعوا بمقالتهم اضطربوا اضطرابا شديدا و وثبوا على الإمام فانتهبوا مضاربه و أمتعته .

5- تكفيره:

وخيم الجهل على قلوب ذلك الجيش المصاب بأخلاقه و عقيدته، فراح يسرح في ميادين الشقاء و الغواية متماديا في الإثم و الضلال، و بلغ من طيشه و جهله أن بعضهم حكم بتكفير حفيد نبيهم، فلقد انبرى له الجراح بن سنان الذي أراد قتله قائلا:

«أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل!!».

إن مجتمعا يرى هذا الاعتداء الصارخ على حفيد نبيهم و لا يقومون بنجدته لجدير بأن ينبذ و يترك لأنه لا ينفعه النصح، و لا يثوب الى الحق و الرشاد، و أغلب الظن أن الذين حكموا بكفر الإمام كانوا من الخوارج إذ لا يصدر هذا الاعتداء إلا من هؤلاء الأشرار.

6- اغتياله:

و لم تقف محنة الحسن و بلاؤه في جيشه الى هذا الحد فلقد عظم بلاؤه الى أكثر من ذلك فقد قدم المرتشون و الخوارج على قتله، و قد اغتيل (ع) ثلاث مرات و سلم منها و هي:

1- انه كان يصلي فرماه شخص بسهم فلم يؤثر شيئا فيه.

2- طعنه الجراح بن سنان في فخذه، و تفصيل ذلك ما رواه الشيخ المفيد رحمه اللّه قال: «إن الحسن أراد أن يمتحن أصحابه ليرى طاعتهم له و ليكون على بصيرة من أمره، فأمر (ع) أن ينادى (بالصلاة جامعة) فلما اجتمع الناس قام عليه السلام خطيبا فقال:

«الحمد للّه كلما حمده حامد، و أشهد أن لا إله إلا اللّه كلما شهد له شاهد و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالحق و ائتمنه على وحيه.

أما بعد: فإني و اللّه لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد اللّه و منّه و أنا أنصح خلق اللّه لخلقه، و ما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة، و لا مريد له بسوء، و لا غائلة و إن ما تكرهون فى الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة ألا و إني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم فلا تخالفون أمري، و لا تردوا عليّ رأيي، غفر اللّه لي و لكم، و أرشدني و إياكم لما فيه المحبة و الرضا».

و نظر الناس بعضهم الى بعض و هم يقولون ما ترونه يريد؟

و اندفع بعضهم يقول:

«و اللّه يريد أن يصالح معاوية و يسلم الأمر إليه!!!» و ما سمعوا بذلك إلا و هتفوا:

«كفر الرجل!!!»

و شدوا على فسطاطه فانتهبوه، حتى أخذوا مصلاه من تحته، و شدّ عليه الأثيم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن جعال الأزدي، فنزع مطرفه من عاتقه، فبقى الإمام جالسا متقلدا سيفه بغير رداء، و دعا (ع) بفرسه فركبه، و أحدقت به طوائف من خاصته و شيعته محافظين عليه، و طلب عليه السلام أن تدعى له ربيعة و همدان فدعيتا له، فطافوا به و دفعوا الناس عنه، و سار موكبه و لكن فيه خليطا من غير شيعته، فلما انتهى (ع) الى مظلم ساباط بدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان فأخذ بلجام بغلته، و بيده مغول فقال له:

«اللّه أكبر، اشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل!».

ثم طعن الإمام في فخذه فاعتنقه الإمام و خرّا جميعا الى الأرض، فوثب إليه رجل من شيعة الحسن يقال له عبد اللّه بن حنظل الطائي، فانتزع المغول من يده فخضض به جوفه، و أكب عليه شخص آخر يدعى بظبيان بن عمارة فقطع أنفه، ثم حمل الإمام (ع) جريحا على سرير الى المدائن في المقصورة البيضاء لمعالجة جرحه .

3- طعنه بخنجر فى أثناء الصلاة .

و اتضحت للإمام (ع) بعد هذه الأحداث الخطيرة نوايا هؤلاء الأجلاف و انه سيبلغ بهم الاجرام و الشر الى ما هو أعظم من ذلك و هو تسليمه الى معاوية أسيرا فتهدر بذلك كرامته أو يغتال و يضاع دمه الشريف من دون أن تستفيد الأمّة بتضحيته شيئا.

الموقف الرهيب:

و كان موقف الإمام الحسن عليه السلام من هذه الزعازع، و الفتن السود التي تدع الحليم حيرانا، موقف الحازم اليقظ، فقد كان من حنكته و حسن تدبيره، و براعة حزمه فى مثل الانقلاب الذي مني به جيشه أن جمع الزعماء و الوجوه، فأخذ يبين لهم النتائج المرة و الأضرار الجسيمة التي تترتب على مسالمة معاوية قائلا:

«ويلكم، و اللّه إن معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، و إني أظن أني إن وضعت يدي فى يده فأسالمه لم يتركني أدين بدين جدي، و إني أقدر أن أعبد اللّه عز و جل وحدي، و لكن كأني أنظر الى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم و يطعمونهم بما جعل اللّه لهم فلا يسقون و لا يطعمون، فبعدا و سحقا لما كسبته أيديهم و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».

و لم تنفع جميع المحاولات التي بذلها الإمام من أجل استقامتهم و صلاحهم فقد أخذ الموقف تزداد حراجته، و يعظم بلاؤه، و تشتد فيه الفتن و الخطوب و قد وجد زعماء الجيش انشغال الإمام بمعالجة جرحه فرصة إلى الاتصال المفضوح بمعاوية، و التزلف إليه بكل وسيلة، و قد علم الإمام (ع) جميع ما صدر منهم من الخذلان و الاتصال بالعدو.

حقا لقد كان موقف الإمام موقفا تمثلت فيه الحيرة و الذهول، ينظر الى معاوية فيرى حربه ضروريا يقضي به الدين و يلزم به الشرع و ينظر الى الانقلاب و التفكك الذي أصيب به جيشه، و الى المؤمرات المفضوحة على اغتياله فينفض يده منهم و ييأس من صلاحهم، و مع ذلك أراد عليه السلام أن يمتحنهم ليرى موقفهم من الحرب لو اندلعت نارها، فأمر (ع) بعض أصحابه أن ينادى في الناس (الصلاة جامعة) فاجتمع الجمهور فقام فيهم خطيبا فقال بعد حمد اللّه و الثناء عليه:

«و اللّه ما يثنينا عن أهل الشام شك و لا ندم، و إنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة و الصبر، فشيبت السلامة بالعداوة و الصبر بالجزع، و كنتم فى مسيركم الى صفين و دينكم أمام دنياكم، و أصبحتم اليوم و دنياكم أمام دينكم، ألا و قد أصبحتم بين قتيلين، قتيل بصفين تبكون عليه، و قتيل بالنهروان تطلبون بثاره، و أما الباقي فخاذل و ثائر».

و أعرب (ع) بهذا الخطاب البليغ عن بعض العوامل التي أدت الى تفككهم و انحلالهم، و عرض عليهم بعد هذا دعوة معاوية في الصلح قائلا:

«ألا و ان معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز، و لا نصفة فان أردتم الموت رددناه عليه و حاكمناه بظبات السيوف، و إن أردتم الحياة قبلناه و أخذناه بالرضا».

و ما انتهى (ع) من هذه الكلمات إلا و ارتفعت الأصوات من جميع جنبات الجمع و هي ذات مضمون واحد:

البقية، البقية .

و رأى (ع) بعد هذا الموقف أنه إن حارب معاوية حاربه بيد جذاء إذ لا ناصر له و لا معين، و لم يكن هناك ركن شديد حتى يأوي إليه، و استبانت له الخطط المفضوحة التي سلكها زعماء الجيش من تسليمه الى معاوية أسيرا أو اغتياله، رأى بعد هذا كله ان الموقف يقضي بالسلم و استعجال الصلح.

و حدث يزيد بن وهب الجهني عن مدى استياء الامام و تذمره من أجلاف الكوفة و أوباشهم، قال: دخلت عليه لما طعن فقلت له:

«يا ابن رسول اللّه، ان الناس متحيرون».

فاندفع الامام يقول بأسى بالغ و حزن عميق:

«و اللّه أرى معاوية خيرا لي، هؤلاء يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي و انتهبوا ثقلي، و أخذوا مالي، و اللّه لئن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمى و آمن به أهلي و شيعتي خير لي من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتى، لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما، و اللّه لئن اسالمه و أنا عزيز أحب من أن يقتلني و أنا أسير، أو يمن عليّ فتكون سبة على بني هاشم الى آخر الدهر، و لمعاوية لا يزال يمن بها و عقبه على الحي منّا و الميت».

و أعرب الإمام فى حديثه عن مدى ما لاقاه من الاعتداء الغادر على حياته و كرامته من هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم شيعة له، و انه سيبلغ بهم التفسخ الى أقصى حد فسيقتلونه أو يسلمونه أسيرا الى معاوية فيقتله أو يمن عليه فيسجل له بذلك يدا على الإمام و تكون سبة و عارا على بني هاشم الى آخر الدهر.

و أخذ (ع) بعد هذه الأحداث الخطيرة يجيل النظر و يقلب الرأي على وجوهه، فى حرب معاوية و تصور المستقبل الملبد بالزعازع و الاضطرابات التي تقرر المصير المخوف و النهاية المحتومة لدولته و حياته معا بل و على حياة الإسلام أيضا لأن القلة المؤمنة التي يحويها جيشه كانت بين ذرية النبي الأعظم (ص) و بين حملة الدين الإسلامى المقدس، من بقايا الصحابة و تلامذة أمير المؤمنين (ع) و هؤلاء إن طحنتهم الحرب تفنى معنويات الإسلام، و يقضى على كيانه و تحطم عروشه، لأنهم هم القائمون بنشر طاقاته، و مضافا الى ذلك ان الإسلام لا يستفيد بتضحيتهم شيثا لأن معاوية بمكره سوف يلبسهم لباس الاعتداء، و يوصمهم بالخروج عن الطاعة و الإخلال بالأمن العام و القضاء عليهم أمر ضروري حفظا لحياة المسلمين من القلق و الاضطراب.

حقا لقد تمثلت الحيرة و الذهول في ذلك الموقف الرهيب و الخروج من مأزقه يحتاج الى فكر ثاقب و الى مزيد من التضحية و الإقدام، رأى الامام عليه السلام أن المصلحة التامة تقضي أن يصالح معاوية و يعمل بعد ذلك على تحطيم عروش دولته، و يعرب للناس عاره و عياره، و يظهر لهم الصور الإجرامية التي تتمثل فيه! لقد سالم (ع) و كانت المسالمة أمرا ضروريا يلزم بها العقل و يوجبها الشرع المقدس، و تقتضيها حراجة الموقف، و اضافة لهذه الأحداث سوف نقدم أسبابا أخرى توضح المقام و ترفع أثر الشك و ترد شبهات الناقدين

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved