۱۳۹۶ سه شنبه ۴ مهر | اِثَّلاثا ٥ محرم ١٤٣٩
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
الحرب الباردة 

و ما أذيع مصير الخلافة الاسلامية إلى حفيد الرسول (ص) إلا و موجات من الهموم و الأحزان قد طافت بابن هند، فملكته الحيرة و استولى عليه الجزع و الذهول، و ذلك لعلمه أن للامام مركزا عظيما في نفوس المسلمين، و مكانة مرموقة في جميع الأوساط، لأنه سبط النبي العظيم و أعز الناس عنده و أقربهم إليه، و قد شاعت بين المسلمين الأحاديث المتواترة عنه (ص) في رفع كيانه و تعظيم شأنه و تقديمه بالفضل على غيره فكيف يعدل الناس عنه إلى ابن هند و كيف يقاس معاوية به و هو من الاسرة الملعونة في القرآن و قد عرف الجميع عداء أبيه و أسرته للاسلام و المسلمين من يوم بزغ نوره

 

اضطرب معاوية و طارت نفسه شعاعا، و أقضّ التفكير مضجعه لما ازدانت الخلافة الاسلامية بالامام الحسن، و ذلك لعلمه ان الامام لا يتحول عن شريعة جده و سيرة أبيه التي تقضي بلزوم محاربة الباغين و القضاء عليهم و معاوية هو رافع لوائهم و عميدهم، فالحسن لا بد و أن يعمل كل جهوده و يبذل جميع مساعيه لمناجزة معاوية و القضاء عليه، مضافا إلى ذلك كله انه لم يجد منفذا و ثغرا يسلك فيه للطعن بشخصية الامام أو اتهامه بشيء ما فدم عثمان بريء منه، بل قد قيل إنه من الذابين و المدافعين عنه، فبما ذا يتهم الامام اذا و قد نزه من كل نقص و رذيلة كما تجرد هو من كل مكرمة و فضيلة.

المؤتمر الاموي: 

و عقد معاوية على أثر ذلك اجتماعا مفاجئا في بلاطه دعا فيه خلص أتباعه و أشياعه فاخبرهم بالموقف الرهيب، و الخطر المفاجئ الذي حل في مملكته، و أعلمهم ان الأمر إذا لم تتخذ فيه القرارات الحاسمة، و لم تبذل الجهود الجبارة لانتشاله فسوف يحدق بهم الخطر المنذر بالفناء، و بعد مداولة الآراء و الأفكار اجمعت كلمتهم على ما يلي:

1- نشر الجواسيس، و بث العيون في الأقطار الإسلامية الخاضعة لحكم الامام، خصوصا البصرة و الكوفة، ليعرفونه الأنباء بالتفصيل و يخبرونه باتجاه المجتمع و نياته و مدى اخلاصه لآل البيت (ع) كما و يقومون بعمليات الذعر و الخوف و الإرهاب بين المسلمين بقوة معاوية و ضعف الحسن

2- مراسلة الزعماء و الوجوه و الشخصيات البارزة و ارشائهم بالأموال الطائلة و الوظائف المهمة في مناصب الدولة إن اتبعوه و انقادوا له و خذلوا الإمام الحسن، أما هذا الأمر فقد أرجئ تنفيذه- بالاجماع- إلى وقت آخر قريب، و اما الأمر (الأول) فقد نفذ فورا فقد استدعى معاوية رجلين خبيرين يثق بكفاءتهما و يطمئن بدرايتهما و حذاقتهما في عالم التجسس، أما الرجلان (فاحدهما) من حمير و قد ارسله إلى الكوفة، و أما (الآخر) فمن بني القين و قد بعثه إلى البصرة.

و لما وصل الحميري إلى الكوفة، و القيني إلى البصرة، اخذا بتنفيذ الخطط المقررة لهما، و بعد ما انتشر أمرهما قبضت عليهما الشرطة المحلية، اما الحميري فجيء به إلى الامام فأمر بقتله، و اما القيني فجيء به مخفورا إلى عامل الامام على البصرة عبد اللّه بن عباس فأمر باعدامه أيضا.

مذكرة الامام:

و على أثر وقوع هذا الاعتداء الصارخ من معاوية رفع الامام إليه مذكرة تهدده فيها و توعده باعلان الحرب عليه و هذا نصها:

(أما بعد: فانك دسست إلي الرجال، كأنك تحب اللقاء، لا شك في ذلك فتوقعه إن شاء اللّه، و بلغني أنك شمتّ بما لم يشمت به ذوو الحجى و إنما مثلك في ذلك كما قال الأول:

فانا و من قد مات منا لكالذي

يروح فيمسي في المبيت ليغتدي

فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى

تجهز لأخرى مثلها فكأن قد

و يلمس في هذه الرسالة مدى روح العزم و الحزم و التصميم على الحرب إن اصر معاوية على البغي، و التمرد و التمادي في الاثم، كما احتوت على الاستنكار لما أظهره من السرور و الغبطة بمقتل الامام أمير المؤمنين.

جواب معاوية:

و لما وردت رسالة الامام إلى معاوية فزع منها، فانبرى يفتش في حقيبة مكره عذرا يدفع به عن نفسه القبيح الذي ارتكبه، و المنكر الذي فعله، فلم بجد عذرا إلا انكار ما أظهره من السرور بمقتل الامام و لا بأس عليه في الكذب، فقد استساغه و استحله و هو كل ما يملك في خزانة نفسه و أما بعثه العيون و الجواسيس فرأى أن يتغاضى عن ذكره و يعرض عن جوابه و يهمل الاعتذار منه و هذا نصه:

(أما بعد: فقد وصل كتابك و فهمت ما ذكرت فيه، و لقد علمت بما حدث، فلم أفرح، و لم أحزن، و لم أشمت، و لم آس و إن عليا أباك لكما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :

فأنت الجواد و أنت الذي

إذا ما القلوب ملأن الصدورا

جدير بطعنة يوم اللقا

يضرب منها النساء النحورا

و ما مزبد من خليج البحا

ر يعلو الاكام و يعلو الجسورا

بأجود منه بما عنده

فيعطي الالوف و يعطي البدورا

و يلمس في هذه الرسالة دهاء معاوية و خداعه، كما يلمس خوره و ضعف عزيمته و فزعه من الامام الحسن و ذلك لمدحه و ثنائه على الامام علي (ع) و انكاره لما اظهره من الفرح و السرور و الغبطة بموته و لو لا ذلك لما سجل لخصمه هذا الثناء العاطر.

مذكرة ابن عباس:

و رفع عامل الامام على البصرة عبد اللّه بن عباس مذكرة إلى معاوية يستنكر فيها بعثه العيون و الجواسيس إلى البصرة و يهدده على هذا الاعتداء السافر، و هذا نصها:

(أما بعد: فانك و دسك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش بمثل ما ظفرت به من يمانيتك لكما قال أمية بن أبي الصلت

لعمرك إني و الخزاعي طارقا

كنعجة غادت حتفها تتحفر

اثارت عليها شفرة بكراعها

فظلت بها من آخر الليل تنحر

شمت بقوم هم صديقك أهلكوا

أصابهم يوم من الدهر أعسر

جواب معاوية:

و لما وردت رسالة ابن عباس على معاوية انبرى إليها مجيبا بجواب تمثلت فيه المواربة و الخداع، و هذه صورته:

(أما بعد: فان الحسن كتب إلينا بنحو الذي كتبت به، انبنى بما لم يحقّق سوء ظن و رأي فيّ، و انك لم تصب مثلي و مثلكم، و إنما مثلنا كما قال طارق الخزاعي يجيب أمية على هذا الشعر:

فو اللّه ما أدري (و إني لصادق)

إلى أي من يتظنني اتعذر

أعنف إن كانت زبينة أهلكت

و نال بني لحيان شر فأنفروا

و هذا الجواب يضارع الجواب الذي بعثه إلى الامام فى انكاره لما أبداه من السرور و الفرح بموت الامام، كما احتوى جوابه على الدهاء و المؤاربة، فاما قوله لابن عباس إن الحسن قد انبنى، فالامام الحسن و إن أنبه و لامه على إظهاره للمسرات بمقتل الإمام إلا أنه تهدده و توعده باعلانه للحرب لما هو أهم من ذلك و أعظم و هو بعثه للعيون و الجواسيس الى مملكته فان هذه الجهة قد أعرض عنها لئلا يذاع نشاط الإمام و عزمه على إعلان الحرب فتخور عزائم جنده و تقوى نفوس أصحاب الإمام.

رسالة ابن عباس للامام:

و على أثر ذلك بعث الحازم اليقظ عبد اللّه بن عباس رسالة الى الإمام ينشطه فيها على إثارة الحرب و مقاومة معاوية و مناجزته، حتى النفس الأخير و قد دلت رسالته على درايته الواسعة و اطلاعه الوافر بفنون السياسة و معرفته التامة بنفوس المجتمع و وقوفه التام على نفسيات الأمويين و اتجاههم السيئ نحو الإسلام و المسلمين و هذا نصها:

«أما بعد: فان المسلمين ولّوك أمرهم بعد علي عليه السلام فشمر للحرب و جاهد عدوّك و قارب أصحابك، و اشتر من الظنين دينه بما لا يثلم لك دنياه و ولّ أهل البيوت و الشرف تستصلح به عشائرهم حتى يكون الناس جماعة فان بعض ما يكره الناس ما لم يتعد الحق، و كانت عواقبه تؤدي إلى ظهور العدل و عز الدين خير من كثير مما يحبه الناس إذا كانت عواقبه تدعوا الى ظهور الجور و ذل المؤمنين و عز الفاجرين. و اقتد بما جاء عن أئمة العدل فقد جاء عنهم أنه لا يصلح الكذب إلا في حرب، أو اصلاح بين الناس فان الحرب خدعة و لك فى ذلك سعة إذ كنت محاربا ما لم تبطل حقا.

و اعلم أن عليا أباك إنما رغب الناس عنه الى معاوية أنه آسى بينهم فى الفيء و سوّى بينهم في العطاء، فثقل عليهم، و اعلم أنك تحارب من حارب اللّه و رسوله فى ابتداء الإسلام حتى ظهر أمر اللّه. فلما وحد الرب، و محق الشرك و عز الدين أظهروا الإيمان و قرءوا القرآن مستهزئين بآياته، و قاموا الى الصلاة و هم كسالى و أدّوا الفرائض و هم لها كارهون، فلما رأوا أنه لا يعز في الدين إلا الأتقياء الأبرار توسموا بسيما الصالحين ليظن المسلمون بهم خيرا فما زالوا بذلك حتى شركوهم فى أماناتهم و قالوا حسابهم على اللّه فان كانوا صادقين فاخواننا في الدين و إن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين، و قد منيت بأولئك و بأبنائهم و أشباههم، و اللّه ما زادهم طول العمر إلا غيا، و لا زادهم ذلك لأهل الدين إلا مقتا فجاهدهم و لا ترض دنية و لا تقبل خسفا فان عليا أباك لم يجب الى الحكومة حتى غلب على أمره فأجاب و إنهم يعلمون أنه أولى بالأمر إن حكموا بالعدل فلما حكموا بالهوى رجع الى ما كان عليه حتى أتى عليه أجله و لا تخرجن من حق أنت أولى به حتى يحول الموت دون ذلك و السلام و احتوت هذه الرسالة على أمور بالغة الأهمية هي:

1- أن ابن عباس عرض على الإمام أن يولي الأشراف و ذوي النفوذ، و يشرى من الظنين دينه ليقضي بذلك على روح التفرقة، و يكون الناس جماعة واحدة، حتى يتمكن من مناجزة معاوية و مقاومته، و غفل ابن عباس ان ذلك يتنافى مع السياسية الرشيدة التي انتهجها أهل البيت فانها بنيت على الحق الخالص، و على شجب كافة الوسائل التي لا تتفق مع المبادئ الإسلامية و إن توقف عليها الظفر و النصر، و سنذكر ذلك بمزيد من التوضيح عند عرض أسباب الصلح.

2- و اشتملت هذه الرسالة على أهم الأسباب الوثيقة التي أدت الى خذلان الإمام فى دور خلافته و نجاح معاوية فى عهد حكومته، فان الإمام قد انتهج سياسة العدل و المساواة فسوى بين المسلمين فى العطاء فلم يقدم أحدا على أحد فى العطاء عملا بما أمر به الإسلام و نصت عليه مبادئه العادلة التي محت التفاوت بين الأبيض و الأسود و هدمت الحواجز بين الغني و الفقير و جعلت (الناس سواسية كأسنان المشط كلهم من آدم و آدم من تراب) لا ميزة لأحد على أحد إلا بالتقوى، و لا فضل لأحد على أحد إلا بالعمل و الكفاءة، سار الإمام علي (ع) على هذه السياسة العادلة و مشى على هذه الخطة الواضحة حتى ضرب الرقم القياسي للمساواة و العدل فمن بوادر عدله انه ساوى بين سيدة قرشية، و بين أمة في العطاء فغاظ القرشية ذلك و أقبلت إليه و هي محنقة مغيظة تقول بحرارة:

«أ تساوي فى العطاء بيني و بين هذه الأمة؟»

فرمقها الإمام بطرفه و أخذ بيده قبضة من التراب و جعل يقلبه بيده و هو يقول:

«لم يكن بعض هذا التراب أفضل من بعض».

لقد ثقل على الناس هذه المساواة و شق عليهم هذا العدل لأنهم لا يتطلبون إلا مصالحهم الخاصة، فلذا زهدوا في حكومته و خضعوا لحكومة الظلم حكومة معاوية الذي لا هدف له إلا إشباع شهواته، و تحقيق رغباته.

3- و أعرب ابن عباس في رسالته عن دراسته الوثيقة لنفسيات الأمويين و معرفته بما انطوت عليه قلوبهم، فلقد بيّن أنهم مجموعة من الملحدين و المشركين «كما هم كذلك» فاذا حاربهم الإمام فانما يحارب من حارب اللّه و رسوله حينما بزغ نور الاسلام فانه لما كتب اللّه النصر لدينه و قهر سلطان الإسلام العرب دخلت أمية فيه لكن لا إيمانا منهم بقضيته بل خوفا من حر السيف، و رهبة الموت، فكانوا يتظاهرون باعتناق الإسلام فيقرءون آيات الذكر الحكيم و لكن قراءة استهزاء و سخرية لا إيمانا و اعتقادا به و كانوا يقيمون الصلاة و لكنهم يؤدونها و هم كسالى، و يقيمون فرائض الإسلام و لكن عن كره و نفاق، و لما رأوا أن خطتهم مغلوطة و لا تضمن لهم النجاح، و لا تكفل لهم السعادة إذ لا يعز في هذا الدين إلا الأبرار الصلحاء لقوله تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» . أظهروا- تدليسا و رياء- الصلاح و التقى و الإيمان و أضمروا في دخائل نفوسهم الشرك و النفاق و الحقد على الإسلام، و ظلوا على هذا الحال يظاهرون الطاعة للّه و الانقياد لأوامره و أحكامه حتى أشركهم المسلمون في امورهم و شئونهم و لكن المسلمين مع ذلك كانوا مرتابين منهم شاكين في أمرهم على ريب من صدقهم.

4- و احتوت هذه الرسالة على حث الإمام و تحريضه لمحاربة هؤلاء المنافقين و المارقين من الدين، و مواصلة حربهم حتى النفس الأخير لتستريح الأمّة من شرهم، و تسلم من مكرهم و غوائلهم. و لا شك ان هذه الرسالة التي دبجتها يراعة هذا الحبر الجليل كان لها موقع حسن في نفس الإمام فقد حفزته الى مناجزة معاوية و مقاومته، و إعلان الحرب عليه.

رسالة الامام الى معاوية:

و أرسل الإمام رسالة أخرى الى معاوية يدعوه الى مبايعته، و طاعته و الدخول فيما دخل فيه المسلمون. و قد أرسل هذه الرسالة بيد شخصين من عيون المؤمنين و ثقات الإسلام و هما الحارث بن سويد التميمي و جندب الأزدي و إليك نص رسالته:

«من عبد اللّه الحسن أمير المؤمنين، الى معاوية بن أبي سفيان.

أما بعد: فان اللّه بعث محمدا (ص) رحمة للعالمين فأظهر به الحق، و قمع به الشرك، و أعزّ به العرب عامة، و شرّف به قريشا خاصة، فقال: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ» ، فلما توفاه اللّه تنازعت العرب في الأمر بعد، فقالت قريش: نحن عشيرته و أولياؤه فلا تنازعونا سلطانه فعرفت العرب لقريش ذلك و جاحدتنا قريش ما عرفت لها العرب، فهيهات ما انصفتنا قريش، و قد كانوا ذوي فضيلة في الدين، و سابقة في الإسلام، و لا غرو إلا منازعتك إيانا الأمر بغير حق في الدنيا معروف، و لا أثر في الإسلام محمود، فاللّه الموعد، نسأل اللّه معروفه أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينقصنا عنده في الآخرة.

إن عليا لما توفاه اللّه و لاني المسلمون الأمر بعده، فاتق اللّه يا معاوية و انظر لأمة محمد (ص) ما تحقن به دماءها و تصلح به أمرها و السلام»

و تروى هذه الرسالة بصورة أخرى أبسط من هذه الصورة و أوفى نذكرها لما فيها من مزيد الفائدة:

«من الحسن بن علي أمير المؤمنين، الى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك فاني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو. أما بعد فان اللّه جل جلاله بعث محمدا رحمة للعالمين، و منة للمؤمنين، و كافة للناس أجمعين «لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ» فبلغ رسالات اللّه و قام بأمر اللّه حتى توفاه اللّه غير مقصر و لا و ان، و بعد أن أظهر اللّه به الحق، و محق به الشرك، و خصّ به قريشا خاصة. فقال له: «و إنه لذكر لك و لقومك»، فلما توفى تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش:

نحن قبيلته و أسرته و أولياؤه و لا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد و حقه، فرأت العرب أن القول ما قالت قريش و ان الحجة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم و سلمت إليهم ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاججت به العرب فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف و الاحتجاج فلما صرنا أهل بيت محمد و أولياءه الى محاججتهم و طلب النصف منهم باعدونا، و استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا و العنت منهم لنا، فالموعد اللّه و هو الولي النصير.

و لقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا فى حقنا و سلطان بيتنا، و إن كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الإسلام و أمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون و الأحزاب في ذلك مغمزا يثلمونه به، أو يكون لهم بذلك سبب الى ما أرادوا من إفساده، فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله. لا بفضل فى الدين معروف، و لا أثر في الإسلام محمود، و أنت ابن حزب من الأحزاب، و ابن أعدى قريش لرسول اللّه (ص) و لكتابه، و اللّه حسيبك، فسترد و تعلم لمن عقبى الدار، و باللّه لتلقينّ عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدّمت يداك، و ما اللّه بظلّام للعبيد.

إن عليا لما مضى لسبيله- رحمة اللّه عليه يوم قبض، و يوم منّ اللّه عليه بالإسلام و يوم يبعث حيا- و لاني المسلمون بعده، فأسأل اللّه أن لا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة، و إنما حملني على الكتاب إليك الاعذار فيما بيني و بين اللّه عز و جل فى أمرك و لك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم، و الصلاح للمسلمين فدع التمادي في الباطل و ادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فانك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند اللّه و عند كل أوّاب حفيظ و من له قلب منيب، و اتق اللّه و دع البغي، و احقن دماء المسلمين، فو اللّه ما لك خير فى أن تلقى اللّه من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به و ادخل فى السلم و الطاعة و لا تنازع الأمر أهله و من هو أحق به منك ليطفئ اللّه النائرة بذلك، و يجمع الكلمة، و يصلح ذات البين، و إن أنت أبيت إلا التمادي في غيك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين»

و حفلت هذه الرسالة- على كلتا الروايتين- بأمور مهمة:

1- إن الإمام أعرب فيها عن شعوره تجاه الخلافة الإسلامية فهو فهو يرى أنها من حقوق أهل البيت (ع) لا يشاركهم فيها أحد، و ان من ابتزها منهم فقد اعتدى عليهم و سلب تراثهم، و قد سلك الإمام في الاستدلال على رأيه الوثيق بعين ما استدلت به قريش على العرب في أحقيتهم بالخلافة من أنهم أقرب الناس الى النبي (ص) و أمس الناس رحما به، فان هذا الشعار الذي هتفوا به موجود في أهل البيت على النحو الأكمل فانهم فرع دوحته و الصق الناس به و أقربهم إليه، و من الغريب ان العرب قنعت بحجة قريش، و لكن القرشيين لم يخضعوا لمقالة أهل البيت، نعم يعود السبب فى ذلك الى الأضغان و الأحقاد التي أترعت نفوسهم بها فناصبوا عترة نبيهم، و بالغوا في ارهاقهم، و التنكيل بهم، فواجهت العترة الطاهرة ألوانا قاسية من المحن و الخطوب.

2- و ذكر الإمام الحسن السر في إمساكهم و إحجامهم عن المطالبة بحقهم و ذلك خوفا منهم على بيضة الإسلام و كلمة التوحيد من الأحزاب و المنافقين الذين مردوا على النفاق، فقد قويت شوكتهم بموت النبي (ص) و أخذوا ينتهزون الفرصة لمحق الإسلام و استئصال شأفته، فاثروا مصلحة الإسلام على ضياع حقهم، و قد صرح الإمام أمير المؤمنين (ع) بذلك في كتابه الذي بعثه الى أهل مصر و قد جاء فيه:

«فلما مضى عليه السلام، تنازع المسلمون الأمر من بعده، فو اللّه ما كان يلقى فى روعي، و لا يخطر ببالي، ان العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى اللّه عليه و آله عن أهل بيته، و لا انهم منحوه عني من بعده، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس عن الإسلام يدعون الى محق دين محمد (ص) فخشيت إن لم انصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوات ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب ...»

فلأجل الحفاظ على الإسلام و الاحتياط على مصلحة المسلمين أمسكوا عن المطالبة بحقوقهم، و لم يناجزوا القوم بالسيف، و سلموا الأمر الى اللّه.

3- و أعرب الإمام الحسن في رسالته عن استغرابه من نزاع معاوية

و تطاوله عليه و هو من الحزب الذي سعر الدنيا حربا على رسول اللّه (ص) و أثاروا عليه حفائظ الجاهلية و أحقادها، فكيف ينازع حفيد النبي و وريثه على منصبه و مقامه!! و هناك باعث آخر من بواعث استغراب الإمام على منازعة معاوية له، و هو أن معاوية ليس له فضل فى الدين معروف، و لا أثر في الإسلام محمود، و ليست أي موهبة أو فضيلة حتى يستحق هذا المنصب العظيم في الإسلام.

4- و ذكر (ع) لمعاوية عموم البيعة له بعد وفاة أبيه و ان الأمّة قد أجمعت على مبايعته و على الانقياد إليه و هي حجة بالغة لو وعاها معاوية و رجع الى منطق الحق و الصواب.

جواب معاوية:

و لما وصلت رسالة الإمام الى معاوية أجاب عنها بجواب يلمس فيه المكر و الخداع، و هذه صورته:

«أما بعد: فقد فهمت ما ذكرت به رسول اللّه (ص) و هو أحق الأولين و الآخرين بالفضل كله، و ذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده، فصرّحت بتهمة أبي بكر الصديق و عمر و أبي عبيدة الأمين و صالحاء المهاجرين فكرهت لك ذلك إن الأمّة لما تنازعت الأمر بينها رأت قريشا أخلقها به، فرأت قريش و الأنصار و ذوو الفضل و الدين من المسلمين أن يولوا من قريش أعلمها باللّه و أخشاها له و أقواها على الأمر فاختاروا أبا بكر و لم يألوا و لو علموا مكان رجل غير أبي بكر يقوم مقامه، و يذب عن حرم الإسلام ذبه، ما عدلوا بالأمر الى أبي بكر، و الحال اليوم بيني و بينك على ما كانوا عليه فلو علمت أنك أضبط لأمر الرعية، و أحوط على هذه الأمّة، و أحسن سياسة، و أكيد للعدو، و أقوى على جمع الفيء، لسلمت لك الأمر بعد أبيك، فان أباك سعى على عثمان حتى قتل مظلوما فطالب اللّه بدمه، و من يطلبه اللّه فلن يفوته، ثم ابتز الأمّة أمرها، و فرّق جماعتها فخالفه نظراؤه من أهل السابقة و الجهاد و القدم فى الإسلام، و ادعى أنهم نكثوا بيعته فقاتلهم فسفكت الدماء، و استحلت الحرم، ثم أقبل إلينا يدعي علينا بيعة و لكنه يريد أن يملكنا اغترارا فحاربناه و حاربنا، ثم صارت الحرب الى أن اختار رجلا و اخترنا رجلا ليحكما بما تصلح عليه الأمّة، و تعود به الجماعة و الألفة، و أخذنا بذلك عليهما ميثاقا، و عليه مثله، و علينا مثله على الرضا بما حكما، فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت و خلعاه فو اللّه ما رضى بالحكم، و لا صبر لأمر اللّه، فكيف تدعوني الى أمر إنما تطلبه بحق أبيك، و قد خرج منه فانظر لنفسك و لدينك و السلام» .

و روى هذا الجواب بصورة أخرى أوسع و أبسط من الأولى و هذا نصه:

«من عبد اللّه معاوية أمير المؤمنين الى الحسن بن علي: سلام عليك فاني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فقد بلغني كتابك و فهمت ما ذكرت به محمدا رسول اللّه (ص) من الفضل و هو أحق الأولين و الآخرين بالفضل كله قديمه و حديثه و صغيره و كبيره و قد و اللّه بلغ و أدى و نصح و هدى حتى أنقذ اللّه به من الهلكة، و أنار به من العمى، و هدى به من الجهالة و الضلالة، فجزاه اللّه أفضل ما جزى نبيا عن أمته و صلوات اللّه عليه يوم ولد و يوم بعث و يوم قبض و يوم يبعث حيا، و ذكرت وفاة النبي (ص) و تنازع المسلمين بعده و تغلبهم على أبيك فصرحت بتهمة أبي بكر الصديق و عمر الفاروق و أبي عبيدة الأمين و حواري رسول اللّه (ص) و صالحاء المهاجرين و الأنصار فكرهت ذلك لك، إنك امرؤ عندنا و عند الناس غير الظنين، و لا المسيء، و لا اللئيم، و أنا أحب لك القول السديد و الذكر الجميل.

إن هذه الأمّة لما اختلفت بينها لم تجهل فضلكم، و لا سابقتكم، و لا قرابتكم من نبيكم، و لا مكانكم في الإسلام و أهله، فرأت الأمّة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانتها من نبيها، و رأى صالحاء الناس من قريش و الأنصار، و غيرهم من سائر الناس و عوامهم، أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما، و أعلمها باللّه، و أحبها له، و أقواها على أمر اللّه فاختاروا أبا بكر. و كان ذلك رأي ذوي الدين و الفضل، و الناظرين للأمة فأوقع ذلك فى صدوركم لهم التهمة، و لم يكونوا متهمين و لا فيما أتوا بالمخطئين و لو رأى المسلمون أن فيكم من يغني غناءه ، و يقوم مقامه، و يذب عن حريم الإسلام ذبه ما عدلوا بالأمر الى غيره رغبة عنه، و لكنهم علموا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام و أهله، و اللّه يجزيهم عن الإسلام و أهله خيرا و قد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، و الحال فيما بيني و بينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم و أبو بكر بعد وفاة النبي (ص)، فلو علمت أنك أضبط مني للرعية، و أحوط على هذه الأمّة، و أحسن سياسة، و أقوى على جمع الأموال، و أكيد للعدو لأجبتك الى ما دعوتني إليه، و رأيتك لذلك أهلا، و لكن قد علمت اني أطول منك ولاية، و أقدم منك بهذه الأمّة تجربة، و أكبر منك سنا، فأنت أحق أن تجيبني الى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي، و لك الأمر من بعدي، و لك ما في بيت مال العراق من مال بالغا ما بلغ، تحمله الى حيث أحببت، و لك خراج أي كور العراق شئت معونة لك على نفقتك يجبيها أمينك و يحملها لك في كل سنة، و لك أن لا يستولى عليك بالإساءة، و لا تقضى دونك الأمور، و لا تعصى في أمر أردت به طاعة اللّه، أعاننا اللّه و إياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء و السلام» .

و اشتملت هذه الرسالة- بكلتا الروايتين- على دجل معاوية و مراوغته، و أغاليطه كما يقول الدكتور «أحمد رفاعي» و لا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر فى محتوياتها و هي:

1- جاء فيها «أن هذه الأمّة لما اختلفت بينها لم تجهل فضلكم، و لا سابقتكم للإسلام، و لا قرابتكم من نبيكم. الخ» إن من تتبع الأحداث التي وقعت بعد وفاة النبي (ص) عرف زيف هذا الكلام و مجافته للواقع، فان العترة الطاهرة واجهت بعد النبي (ص) أشق المحن و الخطوب، فان الجرح لما يندمل و الرسول لما يقبر استبد القوم بالأمر، و عقدوا سقيفتهم متهالكين على الحكم، و تغافلوا عترة نبيهم فلم يأخذوا رأيهم و لم يعتنوا بهم و لما تم انتخاب أبي بكر خفوا مسرعين الى بيت بضعته و ريحانته و هم يحملون مشاعل النار لإحراقه، و سحبوا أخا النبي و وصيه أمير المؤمنين مقادا بحمائل سيفه ليبايع قسرا، و هو يستجير فلا يجار، و خلد بعد ذلك الى العزلة يسامر همومه و شجونه، و تتابعت عليهم منذ ذلك اليوم المصائب و الخطوب فلم يمض على انتقال النبي (ص) الى دار الخلد خمسون عاما و إذا بالمسلمين في موكب جهير يجوب البيداء من بلد الى بلد و هم يحملون رءوس أبنائه على أطراف الرماح، و بناته سبايا «يتصفح وجوههن القريب و البعيد، و يستشرفهن أهل المناهل و المناقل». و بعد هذه المحن التي ألمّت بهم هل أدت الأمّة حقهم و عرفت مكانتهم و لم تجهل فضلهم.

2- و من محتوياتها: «و رأى صالحاء الناس من قريش و الأنصار و غيرهم أن يولوا الأمر من قريش الخ». إن صالحاء المسلمين و خيارهم كانوا مع أمير المؤمنين و لم يرتضوا بيعة أبي بكر، و أقاموا على ذلك سيلا من الاحتجاج و الإنكار ذكرناه بالتفصيل فى الجزء الأول من هذا الكتاب.

لقد كانت مغبة اختيار قريش أن يحكم رقاب المسلمين معاوية و يزيد و مروان و الوليد و أمثالهم من أئمة الظلم و الجور الذين أغرقوا البلاد في الماسي و الشجون و أمعنوا فى إذلال المسلمين و إرهاقهم حتى بايعوا في عهد يزيد انهم خول و عبيد له هذا ما رآه صالحاء الناس من قريش في صرف الأمر عن عترة نبيهم كما قال معاوية و قد وفقت فى اختيارها- كما يقولون- فانا للّه و إنا إليه راجعون.

3- و من غريب هذه الرسالة قوله: «فلو علمت أنك أضبط للرعية مني و أحوط على هذه الأمّة، و أحسن سياسة. الخ» نعم تجلت حيطته على الإسلام و حسن سياسته حينما تم له الأمر، و صفا له الملك، فانه أخذ يتتبع صالحاء المسلمين و أبرارهم فيمعن في قتلهم و مطاردتهم و زجهم في السجون. و من حيطته على الإسلام استلحاقه لزياد بن أبيه، و سبه لأمير المؤمنين على المنابر، و في قنوت الصلاة، و نصبه ليزيد حاكما على المسلمين و أمثال هذه الموبقات و الجرائم التي سودت وجه التاريخ.

مذكرة معاوية:

و أرسل معاوية الى الإمام مذكرة يحذره فيها من الخلاف عليه، و يمنيه بالخلافة من بعده إن تنازل له عن الأمر و هذا نصها:

«أما بعد: فان اللّه يفعل في عباده ما يشاء لا معقب لحكمه، و هو سريع الحساب، فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس و أيس من أن تجد فينا غميزة، و إن أنت أعرضت عما أنت فيه، و بايعتني وفيت لك بما وعدت، و أجريت لك ما شرطت و أكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:

و إن أحد أسدى إليك أمانة

فأوف بها تدعى إذا مت وافيا

و لا تحسد المولى إذا كان ذا غنى

و لا تجفه إن كان في المال فانيا

ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها و السلام».

و أكبر الظن ان هذه الرسالة المشتملة على مثل هذا اللون من التهديد و التوعيد إنما بعثها معاوية الى الإمام بعد ما اتصل اتصالا وثيقا بزعماء الجيش العراقي و قادته فضمنوا له تنفيذ مخططاته، فانه لم يكتب ذلك إلا بعد الاتصال بزعماء العراق و انقطاع أمله من إجابة الحسن له.

جواب الامام:

و لم يعتن الإمام بتهديد معاوية، و أجابه بجواب يلمس فيه الحزم و الإصرار منه على الحرب و هذا نصه:

«أما بعد: فقد وصل إليّ كتابك، تذكر فيه ما ذكرت، و تركت جوابك خشية البغي عليك، و باللّه أعوذ من ذلك، فاتبع الحق تعلم أني من أهله، و عليّ أثم أن أقول فأكذب و السلام».

و كانت هذه الرسالة هي آخر الرسائل التي دارت بين الإمام و معاوية و على أثرها علم معاوية أنه لا يجديه خداعه و أباطيله، و لا تنفع مغالطاته السياسية، و عرف أن الإمام مصمم على حربه فاتجه بعد ذلك الى الحرب و تهيئة أسبابه و مقتضياته.

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved