۱۳۹۶ يکشنبه ۲۸ آبان | اِلأَحَّد ٢٩ صفر ١٤٣٩
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
مصرع الحق 

 

بقي الامام أمير المؤمنين بعد حادثة صفين في أرباض الكوفة و هو محزون النفس مكلوم القلب يتلقى في كل فترة من زمانه الوانا مريعة من الرزايا و الخطوب، ينظر الى العدل و هو مضام، و إلى الخير مضيع، و الى البغي قد كثر و الى الجور قد طغى، و يرى باطل معاوية قد استحكم، و أمره قد تم، و هو لا يتمكن على مناجزته لأن جيشه اصبح متمردا عليه بأمره فلا يطيع، و يدعوه فلا يستجيب قد خلد الى الراحة، و سئم التعب و كره الجهاد فى سبيل اللّه.

 

و تركت هذه الكوارث أسى مريرا فى نفسه فكان يتمنى الرحيل عن الدنيا في كل آونة من الزمن ليستريح من مشاكلها و شرورها، و قد انطلق يدعو اللّه ليعجل انتقاله إليه قائلا: «اللهم عجل للمرادى شقاءه» و يقول مخاطبا لأهل الكوفة:

«أما و اللّه لوددت أن اللّه أخرجني من أظهركم، و قبضني الى رحمته منكم ..»

لقد قرر «ماكس نورداو» بقاء الأحيل دون الأصلح لأن الأصلح لا يدوم طويلا فى دنيا الاباطيل. و قد كان الامام أمير المؤمنين (ع) من المع المصلحين في الدنيا فقد اجهد نفسه على اقامة العدل و بسط المساواة في الأرض، فكيف يبقى فى عالم المنافع و الاضاليل فقد حاربه النفعيون و قاومه طلاب الجاه و السلطان، و تنكر له ذلك المجتمع الذي لعبت به الاهواء، و افسدته الاطماع فكيف يدوم حكمه في ذلك المجتمع الهزيل؟!!

و زاد في أسى الامام و أحزانه فقده للبقية الصالحة من صحابة الرسول صلى اللّه عليه و آله من الذين عرفوا اتجاهه و درسوا في مدرسته امثال عمار ابن ياسر، و هاشم المرقال و ذى الشهادتين و امثالهم من عيون المؤمنين الذين يعتمد عليهم في إقامة الحق و دحض الباطل و احياء معالم الدين، و بعد فقده لهم اصبح غريبا في ذلك المجتمع لا ناصر له و لا صديق و أخذ يبتهل الى اللّه و يتضرع إليه أن ينقله الى جواره ليستريح من آلام هذه الحياة التي ما وجد فيها غير الارهاق و العناء.

المؤامرة الدنيئة: 

و شهد موسم الحج جمع من الخوارج فتذاكروا من قتل من رفاقهم و من قتل من سائر المسلمين و قد جعلوا تبعة ذلك على ثلاث من الكفار- في زعمهم- و هم: الامام أمير المؤمنين، و معاوية، و عمرو بن العاص فقال ابن ملجم: انا أكفيكم على بن أبي طالب، و قال عمرو بن بكير التميمي: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، و قال الحجاج بن عبد اللّه الصريمي أنا اكفيكم معاوية، و اتفقوا على يوم معين يقومون فيه بعملية الاغتيال و هو اليوم الثامن عشر من شهر رمضان سنة اربعين من الهجرة، كما عينوا ساعة الاغتيال و هي ساعة الخروج الى صلاة الصبح، ثم تفرقوا و قصد كل واحد منهم الجهة التي عينها، و وصل الأثيم ابن ملجم الى الكوفة، و هو يحمل معه الشر و الشقاء لجميع سكان الأرض، فقد جاء ليخمد ذلك النور الذي اضاء الدنيا، و قد قصد الماكرة الخبيثة ابنة عمه قطام، و كان هائما بحبها، و كانت تدين بفكرة الخوارج و قد قتل أبوها و أخوها فى واقعة النهروان فكانت مثكولة بهم، و قد خطبها ابن ملجم فلم ترض به زوجا إلا أن يشفى غليلها، و يحقق اربها، فقال لها: «ما تريدين شيئا الا أنفذته و حققه ..»

فعرضت عليه المهر الذي تريده و هو ثلاثة آلاف درهم، و عبد و قينة و قتل علي، فقال لها الأثيم:

«ما سألت هو لك مهر الا قتل على فلا أراك تدركينه» و قد قصد إخفاء الأمر عليها، و لكن الاثيمة اندفعت تحبذ له قتل الامام و تشجعه على ارتكاب الجريمة قائلة:

«إن أصبته شفيت نفسي و نفعك العيش، و إن هلكت فما عند اللّه خير لك من الدنيا» و لما عرف الأثيم الجد فى قولها عرفها بنيته، و أنه ما جاء لهذا المصر إلا لهذه الغاية، و فى هذا المهر المشوم يقول الفرزدق:

و لم أر مهرا ساقه ذو سماحة

كمهر قطام من فصيح و اعجم

ثلاثة آلاف و عبد و قينة

و ضرب على بالحسام المسمم

فلا مهر أغلى من علي و إن غلى

و لا فتك إلا دون فتك ابن ملجم

و قد أوجس أصحاب الامام الخوف عليه من اغتيال الخوارج فتكلموا معه في أن يجعل له رصدا يحرسونه إن خرج لعبادة اللّه او في بعض مهامه، فامتنع (ع) من ذلك و قال لهم:

«إن علي من اللّه جنة حصينة فاذا جاء يومي انفرجت عنى

و اسلمتني، فحينئذ لا يطيش السهم و لا يبرأ الكلم»

الفاجعة الكبرى: 

و لما أطل على الوجود شهر رمضان، أفضل الشهور، و اعظمها حرمة و قدرا عند اللّه حتى نسب إليه فقيل شهر اللّه، كان الامام على علم بانتقاله إلى حضيرة القدس في ظرف هذا الشهر العظيم، فكان يتناول طعام الافطار الليلة عند الحسن، و أخرى عند الحسين، و مرة عند عبد اللّه بن جعفر و هو لا يزيد فى طعامه على ثلاث لقم، و يحدث عن السبب فى قلة اكله قائلا: «أحب أن يأتيني أمر اللّه، و أنا خميص البطن»

و لما أقبلت الليلة الثامنة عشرة من شهر رمضان اضطرب الامام أشد الاضطراب، فجعل يمشي في صحن الدار و هو محزون النفس خائر القوى ينظر إلى الكواكب و يتأمل فيها فيزداد همه و حزنه، و هو يقول متنبّئا عن وقوع الحادث الخطير في تلك الليلة:

«ما كذبت، و لا كذبت، إنها الليلة التي وعدت فيها»

و بقي «ع» طيلة تلك الليلة، قلقا حزينا يناجي ربه و يطلب منه المغفرة و الرضوان، و يتلو آى الذكر الحكيم، و قبل أن تشرق أنوار الفجر و ينسلخ ظلام الليل القاتم، أقبل فسبغ الوضوء، و لما عزم على الخروج من بيته الى مناجاة اللّه و عبادته في بيته الكريم صاحت في وجهه وز

كانت قد أهديت الى الحسن، فتنبأ «ع» من صياحهن وقوع الحادث العظيم و الرزء القاصم قائلا:

«لا حول و لا قوة إلا باللّه، صوائح تتبعها نوائح»

و أقبل الحسن و هو مضطرب من خروج أبيه في هذا الوقت الباكر فقال له:

- ما أخرجك في هذا الوقت؟

- رؤيا رأيتها فى هذه الليلة أهالتني.

- خيرا رأيت، و خيرا يكون قصها على.

- رأيت جبرئيل قد نزل من السماء على جبل أبي قبيس، فتناول منه حجرين، و مضى بهما الى الكعبة، فضرب احدهما بالآخر فصارا كالرميم، فما بقى بمكة و لا بالمدينة بيت إلا و دخله من ذلك الرماد شيء- ما تأويل هذه الرؤيا؟

- إن صدقت رؤياي، فان أباك مقتول، و لا يبقى بمكة و لا بالمدينة بيت إلا و دخله الهم و الحزن من أجلى.

فالتاع الحسن و ذهل و انبرى قائلا بصوت خافت حزين النبرات:

- متى يكون ذلك؟

- إن اللّه تعالى يقول (وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) و لكن عهد الي حبيبي رسول اللّه (ص) أنه يكون في العشر الأواخر من شهر رمضان، يقتلني عبد الرحمن بن ملجم.

- إذا علمت ذلك فاقتله.

- لا يجوز القصاص قبل الجناية و الجناية لم تحصل منه.

و أقسم الامام على ولده الحسن أن يرجع الى فراشه، فلم يجد الحسن بدا من الامتثال و خرج الامام الى بيت اللّه في السحر، و قد جاء فى الأخبار أن السحر وقت تجلى اللّه فينفح فيه الرحمات و يهب به البر و الخير و يستجيب فيه الدعاء.

و لما انتهى الامام الى بيت اللّه، جعل على عادته يوقض الناس لعبادة اللّه و مناجاته، و حينما فرغ من ذلك شرع في صلاته، و بينما هو ماثل بين يدي الخالق الحكيم و الصلاة بين شفتيه و قلبه مشغول بذكر اللّه إذ هوى عليه الوغد الأثيم ابن ملجم و هو يهتف بشعار الخوارج (الحكم للّه لا لك) و ضرب الامام على رأسه فقد جبهته الشريفة التي طالما عفرها بالخضوع للّه بكل ما للخضوع من معنى، و انتهت الضربة القاسية إلى دماغه المقدس الذي ما فكر إلا فى نفع الناس و سعادتهم و رفع الشقاء عنهم، و لما احس عليه السلام بلذع السيف في رأسه صاح:

«فزت و رب الكعبة»

لقد فاز الامام، و أى فوز اعظم من فوزه؟ فقد جاءته النهاية المحتومة و هو بين يدي اللّه و ذكره بين شفتيه، فى أقدس بيت، و اعظم شهر.

لقد فاز إمام الحق لأنه أرضى ضميره الحي فلم يوارب و لم يخادع منذ بداية حياته حتى النهاية، و لقد قتل على غير مال احتجبه و لا على دنيا أصابها و لا سنة في الاسلام غيرها.

لقد فاز الامام، و أى فوز أعظم من فوزه؟ فقد أفاض عليه الخلود لباس البقاء ليكون مظهرا للعدالة و عنوانا للحق. و مثالا للانسانية الكاملة التي ارتقت سلم الكمال حتى بلغت نهايته.

لقد فاز الامام، و أى فوز اعظم؟ من أن يذكر قرينا للحق و العدل و تذكر مبادئه المقدسة اعجوبة لقادة الفكر الانساني يسيرون على ضوئها للعمل في حقل الاصلاح، و لما وقع الامام صريعا في محرابه هتف معرفا بقاتله:

«قتلني ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم، فلا يفوتنكم.»

فهرع الناس الى المسجد بجميع طبقاتهم و هم معولون نادبون قد اذهلهم الخطب و روعهم المصاب و بلغ بهم الحزن الى قرار سحيق و فى مقدمتهم أولاد أمير المؤمنين، فوجدوا الامام طريحا في محرابه و جعدة ابن هبيرة و جماعة حافون به يعالجونه للصلاة و هو لا يستطيع و لما وقع نظره على ولده الحسن أمره أن يصلى بالناس و صلى الامام و هو جالس و الدم ينزف منه، و لما فرغ الحسن من صلاته أخذ رأس أبيه فوضعه في حجره و دموعه تتبلور على وجهه الشريف، فقال له:

- من فعل بك هذا؟

- ابن اليهودية عبد الرحمن بن ملجم.

- من أي طريق مضى؟

- لا يمض أحد فى طلبه، إنه سيطلع عليكم من هذا الباب، و أشار الى باب كندة، فاشتغل الناس بالنظر إليها و ما هي إلا فترات و إذا الصيحة قد ارتفعت فقد ظفر بالأثيم المجرم ابن ملجم فجيء به مكتوفا مكشوف الرأس، فأوقف بين يدى الحسن فقال له»:

«يا ملعون، قتلت أمير المؤمنين، و إمام المسلمين، هذا جزاؤه حين آواك و قربك حتى تجازيه بهذا الجزاء».

و التفت الى أبيه قائلا: يا أبة هذا عدو اللّه و عدوك ابن ملجم قد أمكننا اللّه منه. ففتح الامام عينيه و قال له بصوت خافت:

«لقد جئت شيئا إدا و أمرا عظيما، أ لم أشفق عليك و اقدمك على غيرك في العطاء؟ فلما ذا تجازيني بهذا الجزاء؟» و قال للحسن يوصيه ببره و الاحسان إليه.

«يا بني ارفق بأسيرك و ارحمه، و اشفق عليه.»

فقال له الحسن:

«يا أبتاه، قتلك هذا اللعين، و فجعنا بك، و أنت تأمرنا بالرفق به!!»

فاجابه أمير المؤمنين:

يا بني نحن أهل بيت الرحمة و المغفرة، أطعمه مما تأكل، و اسقه مما تشرب، فان أنامت فاقتص منه بأن تقتله، و لا تمثل بالرجل فانى سمعت جدك رسول اللّه (ص) يقول: إياكم و المثلة و لو بالكلب العقور و إن أنا عشت فأنا أعلم ما افعل به، و أنا أولى بالعفو، فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلا عفوا و كرما.»

و أمر (ع) بحمله الى الدار فحمل و الناس تهرول خلفه قد اشرفت على الهلاك من البكاء و العويل قد أخذتهم المائقة و هم يهتفون بذوب الروح:

قتل إمام الحق، قتل إمام الحق.

و استقبلته بناته و عياله بالبكاء و العويل و لما استقر في ثويه، التفت إليه الحسن و قد حرق الهم و الجزع قلبه قائلا:

«يا أبة، من لنا بعدك؟ إن مصابنا بك مثل مصابنا برسول اللّه» فضمه الامام و قال مهدا روعه:

يا بني، اسكن اللّه قلبك بالصبر، و عظم أجرك، و اجر اخوتك بقدر مصابكم بي.

و جمع الحسن لجنة من الاطباء لمعالجته و كان ابصرهم بالطب أثير بن

عمرو السكوني فاستدعى برئة شاة حارة فتتبع عرقا منها فاستخرجه فأدخله في جرح الامام ثم نفخ العرق فاستخرجه فاذا هو مكلل ببياض الدماغ، لأن الضربة قد وصلت الى دماغ الامام فارتبك أثير و التفت إلى الامام- و اليأس في صوته- قائلا:

«يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك، فانك ميت»

فالتفت الحسن الى ابيه و دموعه تتبلور على وجهه، و شظايا قلبه يلفظها بنبرات صوته قائلا:

«أبة. كسرت ظهري، كيف استطيع أن أراك بهذه الحالة؟» و بصر الامام فرأى الأسى قد استوعب نفسه فقال له برفق:

«يا بنى لا غم على أبيك بعد هذا اليوم و لا جزع، اليوم القى جدك محمد المصطفى، وجدتك خديجة الكبرى، و امك الزهراء، و إن الحور العين ينتظرن أباك و يترقبن قدومه ساعة بعد ساعة، فلا بأس عليك، يا بني لا تبك.»

و تسمم دم الامام، و مال وجهه الشريف الى الصفرة، و كان في تلك الحالة هادئ النفس قرير العين لا يفتر عن ذكر اللّه و تسبيحه و هو ينظر الى آفاق السماء، و يبتهل الى اللّه بالدعاء قائلا:

«إلهي. أسألك مرافقة الأنبياء، و الأوصياء و أعلى درجات الجنة» و غشى عليه فذاب قلب الحسن و جعل يبكى مهما ساعدته الجفون، فسقطت قطرات من دموعه على وجه الامام فأفاق، فلما رأه قال له:

مهدأ روعه:

«يا بني ما هذا البكاء؟ لا خوف و لا جزع على أبيك بعد اليوم، يا بني لا تبك، فأنت تقتل بالسم، و يقتل أخوك الحسين بالسيف.»

وصاياه: 

و أخذ الامام يوصى أولاده بمكارم الاخلاق، و يضع بين أيديهم المثل الرفيعة و يلقي عليهم الدروس القيمة، و قد وجه «ع» نصائحه الرفيعة أولا لولديه الحسن و الحسين، و ثانيا لبقية اولاده و لعموم المسلمين.

قائلا:

«أوصيكما بتقوى اللّه، و ان لا تبغيا الدنيا و ان بغتكما و لا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، و قولا للحق و اعملا للاجر، و كونا للظالم خصما و للمظلوم عونا.

أوصيكما، و جميع ولدى و أهلي و من بلغه كتابي، بتقوى اللّه، و نظم أمركم و صلاح ذات بينكم، فاني سمعت جدكما صلى اللّه عليه و آله و سلم يقول: صلاح ذات البين افضل من عامة الصلاة و الصيام. اللّه اللّه في الأيتام، فلا تغبوا أفواههم و لا يضيعوا بحضرتكم، و اللّه اللّه في جيرانكم، فانهم وصية نبيكم، ما زال يوصى بهم حتى ظننا أنه سيورثهم و اللّه اللّه في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم، و اللّه اللّه في الصلاة، فانها عمود دينكم، و اللّه اللّه في بيت ربكم، لا تخلوه ما بقيتم فانه إن ترك لم تناظروا و اللّه اللّه في الجهاد بأموالكم و أنفسكم و السنتكم فى سبيل اللّه، و عليكم بالتواصل و التباذل و إياكم و التدابر و التقاطع، لا تتركوا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فيتولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم.

ثم قال عليه السلام مخاطبا لآله و ذويه:

يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون قتل أمير المؤمنين، قتل امير المؤمنين، ألا لا تقتلن بي إلا قاتلى انظروا إذا أنامت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، و لا يمثل بالرجل، فاني سمعت رسول اللّه (ص) يقول: إياكم و المثلة و لو بالكلب العقور»

و أخذ (ع) يوصى ولده الحسن خاصة بمعالم الدين و إقامة شعائره قائلا:

«أوصيك، اى بني، بتقوى اللّه، و إقام الصلاة لوقتها، و إيتاء الزكاة عند محلها و حسن الوضوء، فانه لا صلاة إلا بطهور، و اوصيك بغفر الذنب و كظم الغيظ، و صلة الرحم، و الحلم عن الجاهل و التفقه فى الدين، و التثبت في الامر، و التعاهد للقرآن، و حسن الجوار و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و اجتناب الفواحش»

و في اليوم العشرين من شهر رمضان ازدحمت الجماهير من الناس على بيت الامام طالبين الاذن لعيادته، فاذن لهم اذنا عاما، فلما استقر بهم المجلس التفت لهم قائلا:

«سلوني قبل أن تفقدوني، و خففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم»

فاشفق الناس أن يسألوه، نظرا لما ألم به من شدة الألم و الجرح.

اقامة الحسن من بعده:

و لما علم أمير المؤمنين أنه مفارق لهذه الدنيا، و ان لقاءه بربه لقريب عهد بالخلافة و الامامة لولده الحسن فاقامه من بعده لترجع إليه الأمة في شئونها كافة، و لم تختلف كلمة الشيعة في ذلك فقد ذكر ثقة الاسلام الكليني ان أمير المؤمنين اوصى إلى الحسن، و اشهد على وصيته الحسين و محمدا و جميع ولده، و رؤساء شيعته و أهل بيته، ثم دفع إليه الكتب و السلاح، و قال له: يا بني. أمرني رسول اللّه (ص) أن أوصى إليك، و أن ادفع إليك كتبي و سلاحي كما اوصى الى رسول اللّه، و دفع إلي كتبه و سلاحه و أمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها الى أخيك الحسين.»

و روى أيضا انه قال له: «يا بني أنت ولي الدم فان عفوت فلك و إن قتلت فضربة مكان ضربة»

و ذهب جماعة من اهل السنة و الجماعة الى أن أمير المؤمنين لم يعهد بالامر الى ولده الحسن مستدلين على ذلك بما رواه شعيب بن ميمون الواسطي ان عليا قيل له أ لا تستخلف؟ فقال: إن يرد اللّه بالأمة خيرا يجمعهم على خيرهم. و هذه الرواية من موضوعات شعيب و من مناكيره كما نص على ذلك ابن حجر

ان الامام الحسن ريحانة رسول اللّه، و سيد شباب أهل الجنة، و هو امام إن قام أو قعد- على حد تعبير رسول اللّه- و قد هذبه اللّه عن كل نقص و رجس- كما دلت على ذلك آية التطهير- بالاضافة الى توفر جميع ما تتطلبه الخلافة من الصفات الرفيعة في شخصيته كالعلم و التقوى و الحزم و الجدارة فكيف لا يرشد الامام أمير المؤمنين الى مبايعته و لا يجعله علما من بعده؟!!

ان أمير المؤمنين من احرص المسلمين على جمع كلمتهم و توحيد أمرهم فكيف يترك الأمر فوضى من بعده و لا يجعل لهم مفزعا و ملجأ يلجئون إليه لا سيما في تلك الفترة الرهيبة التي احاطت بهم الاخطار و المشاكل؟!!

الى الرفيق الاعلى:

و لما فرغ الامام امير المؤمنين من وصاياه اخذ يعاني آلام الموت و شدته، و هو يتلو آى الذكر الحكيم و يكثر من الدعاء و الاستغفار، و لما دنا منه الأجل المحتوم كان آخر ما نطق به قوله تعالى «لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ» ثم فاضت روحه الزكية الى جنة المأوى و سمت الى الرفيق الاعلى و ارتفع ذلك اللطف الإلهي الى مصدره فهو النور الذي خلقه اللّه ليبدد به غياهب الظلمات.

لقد مادت اركان العدل و انطمست معالم الدين، و مات عون الضعفاء و أخو الغرباء و أبو الايتام.

سيدى: أبا الحسن لقد مضيت الى عالم الخلود و أنت مكدود مجهود مجهول حقك و قدرك، فقد قضيت حياتك في ذلك الجيل القاتم الذي لا يقيم وزنا للعلم و لا للعدل، و لا يعي ما تنشده من الأهداف الرامية الى بناء مجتمع تسوده العدالة و الرفاهية و الخير، و لو كان للانسانية حظ لثنيت لك الوسادة و تسلمت قيادة الامة لتفيض على العالم بمعارفك و علومك فانا للّه و إنا إليه راجعون.

تجهيزه و دفنه:

و أخذ الحسن (ع) في تجهيز أبيه فغسل الجسد الطاهر و طيبه بالحنوط، و أدرجه في اكفانه، و لما حل الهزيع الأخير من الليل خرج و معه حفنة من آله و أصحابه يحملون الجثمان المقدس الى مقره الأخير فدفنه في النجف الأشرف حيث مقره الآن كعبة للوافدين و مقرا للمؤمنين و المتقين و مدرسة للمتعلمين، و رجع الامام الحسن بعد أن وارى أباه الى بيته و قد استولى عليه الاسى و الذهول و أحاط به الحزن.

القصاص من ابن ملجم:

و في صبيحة ذلك اليوم الخالد فى دنيا الأحزان طلب الامام الحسن احضار المجرم الأثيم عبد الرحمن بن ملجم فلما مثل بين يديه قال له ابن ملجم:

- ما الذي أمرك به أبوك؟

- أمرني أن لا أقتل غير قاتله، و أن أشبع بطنك و انعم وطأك، فان عاش اقتص أو عفا و إن مات ألحقتك به.

فقال الأثيم متبهرا:

«إن كان أبوك ليقول الحق، و يقضي به في حال الغضب و الرضا!!» ثم ان الامام الحسن ضربه بالسيف فاتقى اللعين الضربة بيده فبدرت ثم جهز عليه فقتله و لم يمثل به «و حلت على ابن ملجم لعنة اللّه و لعنة اللاعنين و من ولدوا و من ماتوا و من قال اللّه لهم: كونوا فكانوا!! لعنة تجفف النبع و تخضم الزرع، و تحرق النبت في الارض و هو وسيم، و جعل اللّه زفير جهنم و شهيقها في أصول تكوينه! و أهلكه الف شيطان كبوه على وجهه في سواء الجحيم و فيها لفح و فيها أفواه من اللهب ذات أجيج و ذات صفير»

و أما التمثيل به فقد ذهب إليه فريق من المؤرخين و لا شك انه من الموضوعات و ذلك لنهي أمير المؤمنين عنه، مكررا لقول النبي (ص):

«المثلة حرام و لو بالكلب العقور» فكيف يسوغ لريحانة الرسول (ص) و سبطه أن يعرض عن وصية أبيه، و يرتكب ما خالف الشريعة الاسلامية؟

و قد اختلف القائلون بذلك في الشخص الذي مثل بابن ملجم: فالمحب الطبري ذكر ان الذي مثل به الامام الحسين و محمد بن الحنفية، و قد نهاهما الحسن عن ذلك فلم يذعنا له و ذكر أبو الفداء ان الذي قام بذلك عبد اللّه بن جعفر و ذكر ابن أبي الحديد ان الحسن هو الذي قام به

ان هذا الاختلاف يزيدنا وثوقا بافتعال ذلك و عدم صحته، و جزم الدكتور طه حسين بصدور التمثيل من اولياء الدم قال:

«و الشيء المحقق هو ان ولاة الدم لم ينفذوا وصية علي في أمر قاتله فهو قد امرهم أن يلحقوه به، و لا يعتدوا، و لكنهم مثلوا به أشنع التمثيل فلما مات حرقوه بالنار»

ان الشيء المحقق على خلاف ما ذكره الدكتور و ذلك لما ذكرناه من عدم اتفاق المؤرخين على التمثيل به، و الذين اتفقوا عليه قد اختلفوا في ذلك كما ذكرنا، بالاضافة الى أن أولياء الدم بعيدون كل البعد عن ارتكاب ما خالف الشريعة الاسلامية.

و على أي حال فان الامام الحسن بعد ما فرغ من قتل ابن ملجم، انثال الناس على مبايعته- كما سنذكر ذلك بالتفصيل- و قد استقبل الحسن الخلافة بما لم يستقبلها احد من الذين سبقوه فقد اصبحت الحاظرة الاسلامية الخاضعة لنفوذه مهددة بخطر معاوية فقد قوى أمره، و استحكم سلطانه، و عظم شره، و انضم إليه كل من لم يع الاسلام من ذوي الاطماع و الأهواء فعملوا جاهدين على إفساد امر الامام و تقويض خلافته، و مضافا لهذا الخطر الخارجي الفتن الداخلية التي نشبت أظفارها في المجتمع العراقي و أهمها خطرا و اعظمها محنة و بلاء هي فتنة الخوارج التي كانت سوسة تنخر في المعسكر العراقي، و خطرا مسلحا من أهم الاخطار الفتاكة في الدولة الجديدة، فقد انجرف بفكرتهم السذج و المغرر بهم من البسطاء.

هذان الخطران معظم ما استقبله الامام الحسن في دور خلافته، و لقد ابتلى بهما أشد البلاء، و لم يبتل وحده بهما، فقد ابتلى بهما النظام الاسلامي و الخلافة الرشيدة فقد كان يرجى في دوره ان تنتشر مفاهيم الاسلام و تسود العدالة الاجتماعية في الارض و يقضى على الغبن الاجتماعي و الظلم الاجتماعي و هنا ينتهي بنا المطاف عن الحلقة الأولى من هذا الكتاب و نستقبل الامام الحسن في عهد خلافته لنقف على انبائها بالتفصيل.

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved