۱۳۹۶ يکشنبه ۲۸ آبان | اِلأَحَّد ٢٩ صفر ١٤٣٩
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
فى صفّين 

 

تمر بعض الحوادث في دنيا الوجود و تذهب من دون أن تترك أثرا مهما يذكره التأريخ و إن كان لها في وقتها من الخطورة شأن كبير، و تمر بعض الحوادث الأخرى في ميدان الحياة فتبقى خالدة خلود الدهر لأنها تركت أثرا اجتماعيا عاد بالخير العميم على الانسان، و تجتاز بعض الحوادث على مسرح الحياة فتملأ الدنيا بالمآسي و الخطوب و تعود بشقاء الانسان و استعباده، من هذه الحوادث المفجعة و الرزايا المؤلمة حادثة صفين التي تجسم فيها الصراع بين الحق و الباطل، و بين العدل و الجور و الظلام و النور و بين الخلافة الدينية التي تنشد صالح الانسان و اسعاده. و بين الحكم الفوضوي الذي لا يهدف إلا إلى الإثرة و الاستغلال و المتاجرة بمصالح الشعوب.

 

إن الشعوب الاسلامية لم تقرر مصيرها الحاسم في وقعة صفين فقادها ذلك الى الاستعباد و الاذلال و الخضوع للظلم و الجور، و قد المع الى ذلك الاستاذ مالك الجزائري في ايضاحه للاسس القويمة التي تبناها مؤتمر (باندونج) اذ يقول:

و لقد عرف التأريخ الاسلامي لحظة كهذه- اي فى تقرير حق المصير- في معركة صفين تلك الحادثة الموسفة المؤثرة التي نتج عنها التذبذب في الاختيار، الاختيار الحتم بين علي و معاوية، بين المدينة و دمشق، بين الحكم الديمقراطي الخليفي و الحكم الاسري، و لقد اختار المجتمع الاسلامي في هذه النقطة الفاصلة في تأريخه الطريق الذي قاده اخيرا الى القابلية للاستعمار و الى الاستعمار»

لقد انخذل المجتمع الاسلامى في حادثة صفين فلم يقرر مصيره الحاسم فانتج ذلك خذلان الامام أمير المؤمنين و ارغام الامام الحسن من بعده على الصلح، و تسلم الامويين لقيادة الحكم في البلاد فامعنوا في قتل الاخيار و مطاردة المصلحين و اشاعة الظلم و الجور في الأرض، و علينا أن نتبين فصول هذه المأساة- بايجاز- و ننظر الى متاركها الفظيعة و هي:

تمرد معاوية: 

و اعلن معاوية التمرد على حكومة الامام، و رفض البيعة و الدخول فيما دخل فيه المسلمون اما بواعث عصيانه فهي ما يلي:

1- لقد علم معاوية أن الامام لا يقره في منصبه، و لا بد أن يجرده من جميع امواله التي اختلسها من بيت مال المسلمين، و لو كان يحتمل أنه يبقيه على حاله و يقره على بذخه و اسرافه لما اعلن العصيان و الخروج عليه إن الامام لا يداهن في دينه، و لا يطلب النصر بالجور، و لا يقر الظلم، و هو حتف الظالمين و المعتدين فكيف يبقى معاوية في جهاز الحكم، و هو يعلم أنه لا واقعية له و لا حريجة له في الدين، و قد اصدر في اليوم الأول من خلافته عزله عن مقره، و قد كتب إليه معاوية يسأله أن يبقيه على حاله أو يجعله واليا على مصر فامتنع من اجابته، و قد لام عقبة بن أبي معيط معاوية على ذلك و كتب له رسالة جاء فيها.

معاوية إن الشام شامك فاعتصم

بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا

فان عليا ناظر ما تجيبه

فأهد له حربا تشيب النواصيا

و حام عليها بالصوارم و القنا

ولاتك مخشوش الذراعين واصيا

و الا فسلم ان فى الأمن راحة

لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا

و ان كتابا يا ابن حرب كتبته

على طمع جان عليك الدواهيا

سألت عليا فيه ما لا تناله

و لو نلته لم تبق إلا لياليا

الى أن ترى منه الذي ليس بعدها

بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا

و مثل علي تغترره بخدعة

و قد كان ما خربت من قبل بانيا

و لو نشبت أظفاره فيك مرة

فراك ابن هند بعد ما كنت فاريا

إن معاوية و من يمت به يعلمون اتجاه الامام و أهدافه الرامية الى تحقيق العدل في البلاد و القضاء على الغبن الاجتماعي و اقصاء الظالمين عن مراكزهم، و انهم سيعودون في ظل حكومته نكرات لا امتياز لهم كما كانوا فى عهد الرسول فلذا اعلنوا عليه البغي حفظا على مصالحهم الضيقة.

2- و رأى معاوية أن له قوة على مقاومة الامام و مناجزته و ذلك لما له من النفوذ و المكانة في بلاده فانه لم يعمل فيها عمل وال يظل واليا طول حياته و يقنع بهذا المنصب ثم لا يتطاول إلى ما وراءه و لكنه عمل فيها عمل صاحب الدولة التي يؤسسها و يدعمها له و لا بنائه من بعده فجمع الأقطاب، و اشترى الانصار بكل ثمن في يديه و أحاط نفسه بالقوة و الثروة و استعد للبقاء الطويل و قد حفزته هذه القوى التي يتمتع بها الى مناجزة الامام و مقاومته.

3- و مما دفعه الى التمرد خروج عائشة و طلحة و الزبير فقد فتحوا له الطريق، و مهدوا له السبيل فان واقعة صفين انما هي امتداد لحرب الجمل، و نتيجة من نتائجها فلو لا خروجهم و اعلانهم للعصيان و تطبيلهم بدم عثمان لما استطاع معاوية أن يشق الكلمة و يخرج على الامام و يناجزه الحرب.

4- و شيء آخر جدير بالاهتمام علل به معاوية عصيانه و خروجه على النظام القائم و ذلك في رسالته التي بعثها لمحمد بن أبي بكر و قد جاء فيها «كان ابوك و فاروقه أول من ابتزه- يعني عليا- حقه و خالفاه على امره، على ذلك اتفقا و اتسقا ثم دعواه الى بيعتهما فابطأ عنهما و تلكأ عليهما فهما به الهموم واردا به العظيم، ثم انه بايع لهما و سلم لهما، و أقاما لا يشاركانه في أمرهما، و لا يطلعانه على سرهما حتى قبضهما اللّه ... و اضاف يقول: فان يك ما نحن فيه صوابا فابوك استبد به و نحن شركاؤه و لو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب و لسلمنا إليه و لكن رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا و اخذنا بمثله ..»

و هو تعليل وثيق للغاية فانه لو لا منازعة الشيخين للامام و ابتزازهما لحقه لما استطاع معاوية ان يخالفه و يخرج عليه و لكنه احتذى حذوهما و سار على طريقتهما فبغى على الامام و أفسد عليه جيشه و تركه في أرباض الكوفة يتمنى الموت ليستريح مما ألم به من الشؤون و الشجون.

5- و من الامور التي حفزته على العصيان و التمرد على الامام هو المطالبة بدم عثمان فقد اتخذ قتله وسيلة الى نيل أهدافه و بلوغ أمانيه، و قد ارصد جميع أبواق دعايته لتهويل أمره و الاشادة بذكره و تنزيهه عن كل ذنب حتى انقادت له قلوب اهل الشام و أترعت نفوسهم بالحقد و الكراهية للامام فاذا بهم يظهرون الحزن و الاسى اكثر مما يظهر و إذا بهم يحثونه و يستعجلونه على الحرب و المطالبة بدمه اكثر مما يستعجل.

و لم يكن هناك ادنى مجال للشك في أن معاوية لا يهمه أمر عثمان و لا يقيم لمقتله وزنا فقد استنجد به لما حوصر و ضويق، و طلب منه المعونة فلم يخف لنصرته، و لم يستجب له و لم يسعفه بشيء، و لو كان يروم المطالبة بدمه لكان اولى الناس بالعقوبة و التنكيل مستشاره و وزيره عمرو بن العاص فهو الذي سعر الدنيا نارا على عثمان و كان يقول: «و اللّه لالفى الراعى فاحرضه على عثمان فضلا عن الرؤساء و الوجوه» فمطالبته بدم عثمان ليست الا وسيلة لتحقيق غايته و الظفر بالملك الذي يحلم به.

هذه بعض الاسباب و البواعث التي دعت معاوية لمناجزة الامام و اعلانه للحرب عليه.

ايفاد جرير: 

و لما اعلن معاوية تمرده على حكومة الامام طلب أصحاب الامام أن ينهض بهم لحربه بعد فراغهم من حرب الجمل و كأنهم أرادوا أن يحوزوا لنصرهم نصرا فابى الامام لأن خطته كانت المسالمة و ايثار العافية فرأى أن يبعث إليه السفراء يدعونه الى الطاعة و الدخول فيما دخل فيه الناس فاوفد للقياه جرير بن عيد اللّه البجلى

و زوده بهذه الرسالة:

«أما بعد فان بيعتي بالمدينة لزمتك و أنت بالشام، لانه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، و لا للغائب أن يرد. و انما الشورى للمهاجرين و الانصار فاذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك للّه رضا، فان خرج من امرهم خارج بطعن او رغبة ردوه الى ما خرج منه، فان أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، و ولاه اللّه ما تولى و يصليه جهنم و ساءت مصيرا، و إن طلحة و الزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي، و كان نقضهما كردهما، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق و ظهر أمر اللّه و هم كارهون فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فان أحب الامور إلى فيك العافية، إلا أن تتعرض للبلاء، فان تعرضت له قاتلتك و استعنت اللّه عليك. و قد اكثرت فى قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إلىّ أحملك و إياهم على كتاب اللّه. فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن، و لعمرى لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان. و اعلم أنك من الطلقاء اللذين لا تحل لهم الخلافة، و لا تعرض فيهم الشورى. و قد أرسلت إليك و إلى من قبلك جرير بن عبد اللّه، و هو من أهل الايمان و الهجرة. فبايع و لا قوة إلا باللّه

و كانت هذه الرسالة رسالة حق داعية واعية. دعت الى الحق من أقصر سبله، و بأوضح أساليبه. و وعت قصة الاستخلاف التي أثارت كل هذا الخلاف، بما سبقها و ما لحقها من المقدمات و الخواتيم.

و كانت فوق هذا و ذاك عظة جارية، و حكمة هادية لمن أراد الهداية و شرح اللّه صدره و فجر في فؤاده ينبوع النور، فلم يغفل الامام فيها أمرا جرت ألسن الناس بذكره إلا بينه. و لم يدع ثغرة ينفذ منها خصمه إلا سدها دونه و ما من شيء كان معاوية يستطيع أن يحتال به، أو يدعيه حجة تؤيد خلافه و تسند انحرافه الا مد له الامام معولا من سطورها- حديدا شديدا- يدمر باطله و يقوض معاقله، كما قال الاستاذ السيد عبد الفتاح مقصود :

و طوى جرير البيداء حتى وصل الى بلاط معاوية، فانطلق يتكلم معه قائلا:

أما بعد يا معاوية فانه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين و أهل المصرين و أهل الحجاز و أهل اليمن، و أهل العروض و عمان و أهل البحرين و اليمامة، فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها، لو سال عليها سيل من اوديته غرقها و قد أتيتك أدعوك الى ما يرشدك و يهديك الى مبايعة الرجل

و لما سمع معاوية ذلك خارت قواه و بقي مبهور النفس لم يفه بشيء و لكنه بقي يطاوله، و يسرف في مطاولته لا يجد لنفسه مهربا سوى الامهال و التسويف، و قد جمع في خلال تلك المدة وجوه أهل الشام وقادة الجيش فجعل يستشيرهم في الخضوع لحكومة الامام و الاستجابة لسفيره أو اعلان التمرد و المطالبة بدم عثمان فاظهروا له رغبتهم الملحة في الطلب بدم عثمان، و اعلان العصيان على حكومة الامام.

مراسلة معاوية لعمرو: 

و علم معاوية أن الامر لا يتم له إلا إذا انضم إليه داهية العرب عمرو ابن العاص ليقوم بتسديده و يستعين به في مهامه، فبعث إليه رسالة يطلب فيها قدومه إليه و هذا نصها:

«أما بعد: فانه قد كان من أمر علي و طلحة و الزبير ما قد بلغك و قد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة، و قدم علينا جرير بن عبد اللّه في بيعة علي، و قد حبست نفسي عليك حتى تأتيني أقبل أذاكرك أمرا ...»

و لما قرأ الرسالة تحير في أمره فاستشار ولديه عبد اللّه و محمدا فقال له عبد اللّه و كان رجل صدق و صلاح.

«أرى أن نبي اللّه قبض و هو عنك راض و الخليفتان من بعده، و قتل عثمان و أنت عنه غائب، فقر في منزلك فلست مجعولا خليفة، و لا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أو شك أن تهلك فتشقى فيها ..»

و أشار عليه عبد اللّه بالنصيحة و الورع و التقوى و عدم الاستجابة لدواعي الفتن و الغرور، و أما ابنه محمد فقد فتنته الدنيا و طمع بالملك فقد قال له:

«أرى أنك شيخ قريش و صاحب أمرها، و ان تصرم هذا الامر و أنت فيه خامل تصاغر أمرك فالحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من ايديها و أطلب بدم عثمان، فانك قد استلمت فيه الى بني أمية ..»

و قد دفعه محمد الى هلاك آخرته و اصلاح دنياه، و التفت عمرو الى ولده عبد اللّه فقال له: أما أنت فأمرتني بما هو خير في ديني؟ و قال لولده محمد: أما أنت أمرتني بما هو خير لي فى دنياى؟

حيرة و ذهول:

و اعتركت الدنيا و الآخرة في نفس عمرو و ملأت الحيرة اهابه و احاطت به الهواجس، و قد انفق ليلا ساهرا يفكر فى الامر فهل يلتحق بمعسكر معاوية فيناجز أخا رسول اللّه و وصيه و باب مدينة علمه فيكون قد فرط في أمر دينه أو يلتحق بعلي فيكون رجلا كسائر الناس له ما لهم و عليه ما عليهم و لكنه يضمن بذلك آخرته و دينه، و أطال التفكير فى الأمر و سمعه أهله يقول:

تطاول ليلى للهموم الطوارق

و خوف التي تجلو وجوه العوائق

و إن ابن هند سائلي أن أزوره

و تلك التي فيها بنات البوائق

أتاه جرير من على بخطة

أمرّت عليه العيش ذات مضائق

فان نال منى ما يؤمل رده

و إن لم ينله ذل ذل المطابق

فو اللّه ما ادري و ما كنت هكذا

اكون و مهما قادني فهو سائقي

أخادعه إن الخداع دنية

أم اعطيه من نفسي نصيحة و امق

أم أقعد في بيتي و في ذاك راحة

لشيخ يخاف الموت في كل شارق

و قد قال عبد اللّه قولا تعلقت

به النفس إن لم تقتطعني عوائقي

و خالفه فيه أخوه محمد

و انى لصلب العود عند الحقائق

و دل هذا الشعر على تردده و حيرته إلا ان ابنه عبد اللّه فهم منه الاستجابة لدعوة معاوية فقال:

«بال الشيخ على عقبيه، و باع دينه بدنياه!!»

و لما اندلع لسان الصبح دعا غلامه وردان و كان ذكيا يقرأ ما فى النفوس فقال له: «حط يا وردان، ثم قال له: ارحل، ثم قال له حط يا وردان».

فعرف غلامه حيرته و ذهوله فقال له:

- خلطت أبا عبد اللّه؟! أما إن شئت أنبأتك بما فى نفسك؟

- هات ويحك!!

- اعتركت الدنيا و الآخرة على قلبك، فقلت: على معه الآخرة فى غير دنيا، و فى الآخرة عوض من الدنيا. و معاوية معه الدنيا بغير آخرة و ليس في الدنيا عوض الآخرة فانت واقف بينهما.

- إنك و اللّه ما أخطأت!! ما ترى؟

- أرى أن تقيم في بيتك فان ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم و إن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك.

و لم يستجب لنصحه و صمم على الالتحاق بمعاوية و هو يقول:

يا قاتل اللّه وردانا و فطنته

أبدى لعمرك ما فى النفس وردان

لما تعرضت الدنيا عرضت لها

بحرص نفسى و في الاطباع ادهان

نفس تعف و اخرى الحرص يغلبها

و المرء يأكل تبنا و هو غرثان

أما علي فدين ليس يشركه

دنيا و ذاك له دنيا و سلطان

فاخترت من طمعي دنيا علي بصر

و ما معي بالذي اختار برهان

اني لاعرف ما فيها و أبصره

و في أيضا لما أهواه الوان

لكن نفسي تحب العيش في شرف

و ليس يرضى بذل العيش انسان

عمرو لعمر أبيه غير مشتبه

و المرء يعطس و الوسنان و سنان

لقد استجاب لعاطفته فآثر الدنيا على الآخرة، و عزم على الالتحاق بمعسكر معاوية ليحارب امير المؤمنين الذي هو نفس رسول اللّه و من هو منه بمنزلة هارون من موسى.

قدومه الى الشام:

و ارتحل ابن العاص و معه ابناه الى دمشق فلما بلغها جعل يبكي كما تبكي المرأة و هو يقول:

«وا عثماناه انعى الحياء و الدين!!»

لقد اصطنع البكاء ليغري السذج و يظهر الاخلاص و الطاعة لمعاوية و لما التقى به تذاكر معه معاوية في الوسائل و الطرق التي يسلكها في حربه مع الامام، فقال له ابن العاص:

«أما علي فو اللّه لا تساوي العرب بينك و بينه في شيء من الاشياء و إن له في الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش الا أن تظلمه ..»

و انطلق معاوية يبين له الدوافع في حربه و عصيانه قائلا:

«صدقت. و لكنا نقاتله على ما في أيدينا، و نلزمه قتلة عثمان!!»

إنه إنما يقاتل الامام من أجل السلطة و الامرة و الثراء العريض الذي اختلسه من بيت المال، و اندفع ابن العاص يبين له وهن المطالبة بدم عثمان قائلا:

- وا سوأتاه إن احق الناس أن لا يذكر عثمان!!

- و لم ويحك؟!!

- أما أنت فخذلته و معك أهل الشام حتى استغاث بيزيد بن اسد

البجلي فسار إليه، و أما أنا فتركته عيانا و هربت الى فلسطين!!

فلم يلتفت معاوية الى قوله لأنه لم يجد وسيلة يتمسك بها في عصيانه سوى المطالبة بدم عثمان.

المساومة الرخيصة:

و كان ابن العاص يحن الى مصر حنينا متصلا و قد باع دينه و ضميره على معاويه من اجلها فقد قال له معاوية:

- أ تحبني يا عمرو؟

- لما ذا؟ للآخرة فو اللّه ما معك آخرة، أم للدنيا. فو اللّه لا كان حتى أكون شريك فيها!!

- أنت شريكي فيها

- فاكتب لي مصر و كورها

- لك ما تريد

فكتب له ولاية مصر و كتب في آخر الوثيقة و على عمرو السمع و الطاعة فقال له عمرو:

- إن السمع و الطاعة لا ينقصان من الشرط شيئا.

- نعم، و لا ينظر الناس الى هذا.

و نفذ له ما أراد و بذلك فقد باع دينه على معاوية، و سمع و هو يقول:

معاوي لا اعطيك ديني و لم أنل

به منك دنيا فانظرن كيف تصنع

فان تعطنى مصر فاربح بصفقة

أخذت بها شيخا يضر. و ينفع

و ما الدين و الدنيا سواء و إنني

لآخذ ما أعطي و رأسي مقنع

و لكنني أعطيك هذا و إنني

لأخدع نفسي و المخادع يخدع

أ أعطيك أمرا فيه للملك قوة

و أبقى له إن زلت النعل اضرع

و تمنعني مصر و ليست برغبة

و ان ثرى القنوع يوما لمولع

لقد ظفر معاوية بأهم سياسي ماكر مخادع يجيد اللعب على الحبل و يتغلب على الأحداث و هو القائل عن دهائه أنا أبو عبد اللّه ما حككت قرحة إلا أدميتها.

رد جدير:

و لما اجتمع لمعاوية امره و احكم وضعه رد سفير الامام (جرير) الى الكوفة و لم يجبه الى شيء، و أرسل معه رسالة الى الامام جاء فيها:

«اما بعد. لو بايعك الذين ذكرت و أنت برىء من دم عثمان لكنت كأبي بكر و عمر و عثمان، و لكنك اغريت بدم عثمان، و خذلت الانصار فأطاعك الجاهل، و قوى بك الضعيف، و قد أبى اهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان فان فعلت كانت شورى بين المسلمين و انما كان الحجازيون هم الحكام على الناس و الحق فيهم، فلما فارقوه كان الحكام على الناس اهل الشام، و لعمري ما حجتك على اهل الشام كحجتك على طلحة و الزبير إن كانا بايعاك فلم ابايعك انا، فأما فضلك في الاسلام و قرابتك من رسول اللّه فلست ادفعه ...»

و كانت هذه الرسالة حاملة للبهتان و الاباطيل ففيها اتهام الامام بدم عثمان، و هو يعلم أن الامام برىء منه، و لكنه لم يجد حجة يتعلق بها سوى هذه الاكاذيب.

و هبط جرير على الامام و هو خافق فى سفارته، و معه رسالة معاوية فاطلع عليها الامام و عرف ما يرومه معاوية من البغي و الخروج عليه، و قد رأى أن يقيم عليه الحجة مرة اخرى فبعث إليه السفراء يدعونه الى الطاعة و الدخول فيما دخل فيه المسلمون فلم يجد ذلك شيئا و أصر على عناده.

زحف معاوية لصفين:

و أخذ معاوية البيعة من أهل الشام على المطالبة بدم عثمان و الأخذ بثأره، و توفرت لديه الامكانيات و القوى العسكرية، و انضم إليه كل من لم تنطبع في نفسه العقيدة الدينية من ذوى الاطماع و المنحرفين عن الحق و الباغين على الاسلام، و لما تم أمره زحف بجيوشه الى صفين لمحاربة السلطة الشرعية و الاطاحة بالحكم الاسلامي و اعادة المثل الجاهلية، و لما انتهى في مسيره الى صفين نزل بها و احتل الفرات وعد هذا أول الفتح لانه حبس الماء على عدوه، و بقيت جيوشه رابضة هناك تصلح امرها، و تنضم قواها لتستعد للحرب.

تهيؤ الامام للحرب:

و لما اخفقت جميع الوسائل التي اتخذها الامام من أجل السلم تهيأ للحرب بعد ما علم أن خصمه قد زحف الى صفين لمناجزته، و قد استدعى المهاجرين و الانصار الذين خفوا لنجدته فقال لهم:

«إنكم ميامين الرأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحق، مباركو الفعل و الامر، و قد أردنا المسير الى عدونا فاشيروا علينا برأيكم؟»

فانطلق هاشم بن عتبة فقال له:

«يا أمير المؤمنين فأنا بالقوم جد خبير، هم لك و لأشياعك أعداء و هم لمن يطلب حرث الدنيا اولياء، و هم مقاتلوك و مجاهدوك لا يبقون جهدا، مشاحة على الدنيا، و ضنا بما في أيديهم منها و ليس لهم إربة غيرها إلا ما يخدعون به الجهال من الطلب بدم عثمان بن عفان، كذبوا ليسوا بدمه يثأرون، و لكن الدنيا يطلبون فسر بنا إليهم، فان اجابوا الى الحق فليس بعد الحق إلا الضلال. و إن أبوا الا الشقاق فذلك الظن بهم و اللّه ما أراهم يبايعون و فيهم أحد ممن يطاع إذا نهى و يسمع إذا أمر ..»

إن هاشما كان خبيرا بنفوس القوم، و عالما باتجاههم و ميولهم فانهم يطلبون حرث الدنيا، و هم يقاتلون الامام من اجل مطامعهم، و قد تذرعوا بدم عثمان و اتخذوه وسيلة لعصيانهم، و لا يتركون نفاقهم و غيهم ما دام لهم شاخص يتمتع بالنفوذ و القوة، فلا بد من مناجزتهم و الزحف إليهم للقضاء على غيهم و تمردهم و انبرى غير واحد من اعلام المهاجرين و الانصار فاعلنوا تأييدهم لمقالة هاشم، و أظهروا الطاعة و الانقياد للامام، و قد اتجه بعد ذلك الى الاستعداد للحرب فراسل الوجوه و امراء القبائل و قادة الجنود يستحثهم على نصرته و الخروج معه لحرب البغاة، و استجاب الجميع لنداء الحق و اعربوا عن استعدادهم الشامل لنصرته.

خطبة الحسن:

و أخذ الامام الحسن يوقظ الهمم، و يبعث الحزم و النشاط في النفوس و يحثها على الخروج لحرب معاوية كما فعل ذلك من قبل في معركة الجمل و قد قام خطيبا بين الجماهير يدعوهم الى الجهاد و هذا نص خطابه.

«الحمد للّه لا إله غيره، وحده لا شريك له، و اثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:

إن مما عظم اللّه عليكم من حقه، و أسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره، و لا يؤدى شكره، و لا يبلغه صفة و لا قول و نحن إنما غضبنا للّه و لكم، فانه منّ علينا بما هو أهله ان نشكر فيه آلاءه و بلاءه و نعماءه، قولا يصعد الى اللّه فيه الرضا، و تنتشر فيه عارفة الصدق يصدق اللّه فيه قولنا، و نستوجب فيه المزيد من ربنا، قولا يزيد و لا يبيد، فانه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد امرهم، و استحكمت عقدتهم. فاحتشدوا فى قتال عدوكم معاوية و جنوده، فانه قد حضر. و لا تخاذلوا فان الخذلان يقطع نياط القلوب، و إن الاقدام على الاسنة نجدة و عصمة لأنه لم يمتنع قوم قط الا رفع اللّه عنهم العلة، و كفاهم جوائح الذلة، و هداهم الى معالم الملة، ثم انشد.

و الصلح تأخذ منه ما رضيت به

و الحرب يكفيك من انفاسها جرع

و حفل خطابه البليغ بالدعوة الى الوحدة و التعاون، و بذل الجهود لمحاربة القوى الباغية، و قد استجاب الناس لدعوته فخفوا سراعا لنصرة الحق و الدفاع عن الاسلام.

الحسن مع سليمان:

و كان بعض زعماء العراق قد اعتزل معركة الجمل، و لم يقم بنجدة الامام و من بينهم سليمان بن صرد الخزاعي و قد وجه الامام امير المؤمنين إليه- بعد انقضاء الحرب- أعنف اللوم و التقريع فقد قال له:

«أرتبت و تربصت و راوغت، و قد كنت من أوثق الناس في نفسي و أسرعهم- فيما أظن- الى نصرتي فما قعد بك عن أهل بيت نبيك، و ما زهدك في نصرهم؟؟» و ضاق سليمان ذرعا بتأنيب الامام له فقال له:

«يا أمير المؤمنين .. لا تردن الأمور على أعقابها، و لا تؤنبني بما مضى منها، و استبق مودتي تخلص لك نصيحتي، و قد بقيت امور تعرف فيها وليك من عدوك ..»

ثم قام مسرعا إلى الامام الحسن ليعرض عليه حديث أبيه فقال له:

«أ لا أعجبك من أمير المؤمنين و ما لقيت منه من التبكيت و التوبيخ!!» و انطلق الحسن فتكلم معه برفق و لين ليزيل ما في نفسه من وجد قائلا:

«إنما يعاتب من ترجى مودته و نصيحته ..»

و لكن سليمان بقي على ثورته فقد لذعته مرارة العتب و التقريع فقال للامام الحسن:

«إنه بقيت أمور سيستوسق فيها القنا و ينتضى فيها السيوف، و يحتاج فيها الى اشباهي، فلا تستغشوا عتبى، و لا تهموا نصيحتي ..»

فهدأ الحسن روعه، و اعرب له عن ثقته به فقال له:

«رحمك اللّه: ما أنت عندنا بالظنين ..»

و هدأت ثورة سليمان، و سكن روعه لما قابله الامام الحسن بالرفق و سجاحة الطبع، و قد استطاع الحسن أن يزيل ما في نفسه من الم الوجد و يرجعه الى صفوف المجاهدين.

المسير الى صفين:

و لما توفرت القوى العسكرية للامام تهيأ للخروج الى صفين، و أمر الحارث بن الأعور أن ينادي في الناس بالخروج إلى معسكرهم في النخيلة فنادى فيهم بذلك فعجت الكوفة بالنفار، و خرج الامام تحف به صحابة النبي و قد زحفت معه الكتائب كأنها السيل و هي ما بين راكب و راجل، و هم يعرفون القصد في خروجهم فانهم خرجوا لنصرة الحق و محاربة اعداء الاسلام و خصومه.

و لزمت جيوش الامام الفرات فى زحفها السريع فلما انتهت الى الانبار استقبلها أهلها ثم جاءوا يهرعون إلى الامام فتنكر منهم و قال لهم:

«ما هذه الدواب التي معكم؟ و ما أردتم بهذا الذي صنعتم؟ ..»

فقالوا و هم يبدون عظيم الولاء و مزيد التكريم.

«يا أمير المؤمنين. أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الامراء و أما هذه البراذين فهدية لك، و قد صنعنا لك و للمسلمين طعاما و هيأنا لدوابكم علفا كثيرا ..»

فزجرهم الامام و نهاهم عن ذلك فقال:

«أما هذا الذي زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به الامراء، فو اللّه ما ينفع هذا الامراء، و إنكم لتشقون به على أنفسكم و أبدانكم، فلا تعودوا له. و أما دوابكم هذه فان أحببتم أن نأخذها منكم فنحسبها من خراجكم أخذناها منكم. و أما طعامكم الذي صنعتم لنا فانا نكره أن نأكل من أموالكم شيئا الا بثمن ..»

هذا هو منطق العدل الذي سار عليه ابن أبي طالب فلم يسمح للمهرجانات و لا لسائر المظاهر التي اعتادها الملوك و الأمراء لأن فيها جهدا للرعية و تعظيما للامراء و هم في نظر الاسلام لا ميزة لهم على بقية أفراد الشعب و اندفع الانباريون فقالوا له:

«يا أمير المؤمنين نقومه- اي الطعام- ثم نقبل ثمنه»

«لا تقومونه قيمته»

ثم تركهم و انصرف عنهم و سارت جيوشه تطوى البيداء حتى انتهت الى صفين فانزلها الامام بإزاء اصحاب معاوية.

القتال على الماء:

و لم يجد أصحاب الامام على الفرات شريعة يستقون منها الماء إلا و عليها الحرس الكثير و هم يمانعونهم أشد الممانعة من الوصول إليه فاقبلوا الى الامام يخبرونه بذلك فدعا صعصعة بن صوحان و قال له:

«ائت معاوية فقل: إنا سرنا مسيرنا هذا و أنا أكره قتالكم قبل الاعذار إليكم، و إنك قدمت بخيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، و بدأتنا بالقتال و نحن من رأينا الكف حتى ندعوك، و نحتج عليك. و هذه اخرى قد فعلتموها، حتى حلتم بين الناس و بين الماء. فخل بينهم و بينه حتى ننظر فيما بيننا و بينكم، و فيما قدمنا له و قدمتم. و ان كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له و ندع الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا ..»

و انطلق صعصعة الى معاوية فعرض عليه كلام الامام فاستشار اصحابه فقال له الوليد بن عقبة:

«امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان: حصروه اربعين يوما يمنعونه برد الماء، و لين الطعام، اقتلهم عطشا قتلهم اللّه ...»

و أشار عليه ابن العاص بالسماح لهم و لكن الوليد اعاد مقالته،

و انبرى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح فقال له:

«امنعهم الماء الى الليل، فانهم إن لم يقدروا عليه رجعوا، و كان رجوعهم هزيمتهم. امنعهم الماء منعهم اللّه يوم القيامة ..»

فثار صعصعة و لم يسعه السكوت فقال له:

«إنما يمنعه اللّه يوم القيامة الكفرة الفجرة شربة الخمر، ضربك و ضرب هذا الفاسق- و اشار الى الوليد- ..» و تواثبوا عليه يشتمونه و يتهددونه، فأمرهم معاوية بالكف عنه، و رجع صعصعة و لم تنتج سفارته شيئا، فخف الى الامام الأشعث بن قيس فقال له:

«يا أمير المؤمنين. أ يمنعنا القوم ماء الفرات و أنت فينا و معنا السيوف

خل عنا و عن القوم فو اللّه لا نرجع حتى نرده أو نموت. و مر الاشتر فليعل بخيله فيقف حيث تأمره ..»

فمنحه الامام الأذن، و لما ظفر الاشعث بذلك رجع الى قومه و هو يهتف بهم:

«من كان يريد الماء او الموت فميعاده الصبح، فانى ناهض الى الماء ..».

فأجابه اثنا عشر الفا، فلما رآهم قام مزهوا يشد عليه لامة حربه و هو يقول:

ميعادنا اليوم بياض الصبح

هل يصلح الزاد بغير ملح

لا لا، و لا أمر بغير نصح

دبوا الى القوم بطعن سمح

مثل العزالى بطعان نفح

لا صلح للقوم و اين صلحى

حسبي من الاقحام قاب رمح

و لما اندلع لسان الصبح دبت جماهير العراقيين الى الاشعث فحمل بهم على أهل الشام و هو يقول لقومه:

«بأبي أنتم و أمي تقدموا قاب رمحي ..»

و لم يزل يهتف بقومه، و يبعث في نفوسهم روح العزم و النشاط حتى خالطوا أهل الشام، و صاح بهم الاشعث:

«خلوا عن الماء ..»

فأجابه أبو الأعور السلمي : بعدم السماح لهم، و هجم الاشعث و من معه على صفوف أهل الشام فار الوهم عن الفرات و الحقوا بهم خسائر فادحة في الاموال و النفوس، و لما ملك العراقيون الفرات سمح الامام لأهل الشام أن يردوا منه، و لم يكل لهم صاعا بصاع و لم يعمل معهم الا عمل المحسن الكريم.

ايفاد السفراء الى معاوية:

و قبل أن يدق جرس الحرب أوفد الامام رسل السلام الى معاوية كما اوفدهم من قبل في معركة الجمل رجاء في الصلح و حقن الدماء، و الذين بعثهم للقياهم: عدى بن حاتم، و شبث بن ربعي، و يزيد بن قيس، و زياد بن حفصة، فتكلم معه عدى بن حاتم فقال له:

«أما بعد: فانا أتيناك لندعوك الى أمر يجمع اللّه به كلمتنا و أمتنا و يحقن به دماء المسلمين، و ندعوك الى افضلها سابقة و احسنها في الاسلام آثارا و قد اجتمع له الناس، و قد ارشدهم اللّه بالذي رأوا، فلم يبق احد غيرك و غير من معك، فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك اللّه و اصحابك بمثل يوم الجمل ..»

و هي دعوة حق لو وعاها ابن هند و استجاب لها لحقن دماء المسلمين و جمع كلمتهم و لكنه آثر مصالحه على ذلك فقال لعدى:

«كأنك إنما جئت متهددا و لم تأت مصلحا. هيهات يا عدي. كلا و اللّه لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان أما و اللّه إنك لمن المجلبين على ابن عفان، و انك لممن قتلته، و إني لارجو أن تكون ممن يقتله اللّه. هيهات يا عدى قد حلبت بالساعد الاشد ..»

لقد اظهر له الغي و التمرد و الإيثار للحرب و ذلك لما يتمتع به من القوى العسكرية و القدرة على مناجزة الامام و تكلم معه يزيد بن قيس فقال له:

«إنا لم نأتك الا لنبلغك ما بعثنا به إليك، و لنؤدى عنك ما سمعنا منك، لن ندع أن ننصح لك، و أن نذكر ما ظننا أن لنا به عليك حجة او أنه راجع بك الى الالفة و الجماعة. إن صاحبنا لمن قد عرفت و عرف المسلمون فضله، و لا أظنه يخفى عليك: إن أهل الدين و الفضل لن يعدلوك بعلي و لن يميلوا بينك و بينه فاتق اللّه يا معاوية، و لا تخالف عليا، فانا و اللّه ما رأينا رجلا قط اعمل بالتقوى، و لا ازهد في الدنيا، و لا أجمع لخصال الخير كلها منه ..»

إن معاوية يعلم فضل أمير المؤمنين و لكن احقاده و اطماعه يحولان بينه و بين الحق فآثر حربه و مناجزته فاجاب القوم قائلا:

«أما بعد: فانكم دعوتم الى الطاعة و الجماعة. فأما الجماعة التي دعوتم إليها فنعما هي. و أما الطاعة لصاحبكم فانا لا نراها. إن صاحبكم قتل خليفتنا، و فرق جماعتنا، و آوى ثأرنا، و قتلتنا، و صاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد ذلك عليه، أ رأيتم قتلة صاحبنا؟ أ لستم تعلمون انهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به و نحن نجيبكم الى الطاعة و الجماعة ..»

و حفل كلام ابن هند بالاكاذيب و الاغاليط فقد أتهم الامام بقتل عثمان و هو يعلم ببراءته منه، فقد قتله خيار المسلمين لما انحرف عن الحق و غيّر كتاب اللّه- كما ذكرنا ذلك عند عرض احداثه- و قد انبرى إليه شبث بن ربعي

فقال له:

«أ يسرك باللّه يا معاوية إن أمكنت من عمار بن ياسر فقتلته؟»

و قد عرض شبث لمعاوية اعظم شخصية اسلامية ثارت على عثمان و هو عمار بن ياسر فهل يقتص منه إن ظفر به، فقال له معاوية.

«و ما يمنعني من ذلك؟ و اللّه لو امكنني صاحبكم من ابن سمية ما قتلته بعثمان، و لكن كنت اقتله بنائل مولى عثمان بن عفان ..»

و ما الذي يمنع معاوية من قتل عمار لو ظفر به في سبيل الملك و البغي على الاسلام، و ثار شبث حينما سمع مقالته فقال له:

«لا و اللّه الذي لا إله إلا هو لا تصل الى قتل ابن ياسر حتى تنذر الهام عن كواهل الرجال، و تضيق الأرض الفضاء عليك برحبها ..»

و رجع القوم و هم خافقون في سفارتهم لم يستجب لهم معاوية فقد رأوا أنه مصمم على الحرب و ممعن في البغي و التمرد فجعلوا يدعون الناس للحرب، و يحرضونهم على مناجزة معاوية.

اعلان الحرب:

و لما اخفقت جميع الوسائل التي اتخذها الامام من أجل السلم تهيأ للحرب، و قد اصدر تعاليمه الى عموم جيشه و قد جاء فيها:

«لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم، فانتم بحمد اللّه على حجة، و ترككم قتالهم حجة اخرى، فاذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا، و لا تجهزوا على جريح، و لا تكشفوا عورة، و لا تمثلوا بقتيل، فاذا وصلتم الى رجال القوم فلا تهتكوا سترا، و لا تدخلوا دارا إلا بأذني، و لا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في معسكرهم، و لا تهيجوا امرأة و إن شتمن أعراضكم، و تناولن امراءكم و صلحاءكم فانهن ضعاف القوى و الانفس و العقول ..»

هذه خطته التي رسمها لجيشه و هي تمثل ما يكنه في نفسه من الرحمة و الرأفة و حب الخير حتى لاعدائه و مناوئيه.

و عقد الامام الالوية، و أمرّ الأمراء فاستعمل على الخيل عمار بن ياسر، و على الرجالة عبد اللّه بن بديل، و دفع اللواء الى هاشم المرقال، و جعل على الميمنة الاشعث بن قيس و على الميسرة عبد اللّه بن عباس، و عقد ألوية القبائل فاعطاها لأعيانهم، و كذلك عبأ معاوية أصحابه على راياتهم فاستعمل عبيد اللّه بن عمر على الخيل، و على الرجالة مسلم بن عقبة المري و على الميمنة عبيد اللّه بن عمرو بن العاص و على الميسرة حبيب بن مسلم الفهرى، و اعطى اللواء عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و جعل على اهل دمشق الضحاك بن قيس الفهرى.

و جعلت كتائب من جيش الامام نخرج الى فرق أهل الشام فيقتتل الفريقان نهارا كاملا أو طرفا منه، و لم يرغب الامام في أن تقع حرب عامة بين الفريقين رجاء أن يجيب خصمه الى الصلح، و يثوب الى الرشاد، و دام على هذا الحال حفنة من الايام حتى أطل شهر المحرم و هو من الاشهر التي يحرم القتال فيها في الجاهلية و الاسلام فتركوا القتال فيه، و توادعوا شهرهم كله و أتيح للقوم أن يلتقوا فيه آمنين من دون أن تقع بينهم أي حرب و لكن كان بينهم أعنف الجدال و اشد الخصام يدعو العراقيون أهل الشام الى جمع الكلمة و إلى العمل بكتاب اللّه و مبايعة وصي رسول اللّه (ص) و يدعوهم أهل الشام الى الطلب بدم عثمان و رفض بيعة الامام، و لما انقضى شهر المحرم مضى القوم على حربهم كما كانوا قبله، و جعل مالك الاشتر ينظر الى رايات أهل الشام و يتأملها فاذا هي رايات المشركين التي خرجت لحرب رسول اللّه (ص) فاندفع يخاطب قومه قائلا:

«أكثر ما معكم رايات كانت مع رسول اللّه، و مع معاوية رايات كانت مع المشركين على عهد رسول اللّه فما يشك فى قتال هؤلاء الا ميت القلب ..»

و اندفع عمار بن ياسر فجعل يبين للمسلمين واقع معاوية و يحرضهم على قتاله قائلا:

«يا أهل الاسلام أ تريدون أن تنظروا الى من عادى اللّه و رسوله و جاهدهما و بغى على المسلمين و ظاهر المشركين، فلما أراد اللّه أن يظهر دينه، و ينصر رسوله أتى النبي فأسلم و هو و اللّه فيما يرى راهب غير راغب و قبض اللّه رسوله و إنا و اللّه لنعرفه بعداوة المسلم و مودة المجرم، الا و انه معاوية فالعنوه لعنه اللّه، و قاتلوه فانه ممن يطفئ نور اللّه و يظاهر اعداء اللّه ..»

إن معاوية قبل أن يسلم قد عادى اللّه و رسوله، و بغى على المسلمين و ما اسلم الا خوفا من حد السيوف التي أخذت اسرته، و قد اضمر الشرك و النفاق و البغي على الاسلام و المسلمين فلما وجد أعوانا نهض بهم لمحاربة أخي رسول اللّه و باب مدينة علمه.

الحسن مع عبيد اللّه

و حاول معاوية أن يلعب دورا مع الامام الحسن فبعث إليه عبيد اللّه ابن عمر يمنيه بالخلافة و يخدعه حتى يترك أباه فانطلق عبيد اللّه فقال له:

- لي إليك حاجة

- نعم .. ما تريد؟

- إن أباك قد وتر قريشا أولا و آخرا، و قد شنئوه فهل لك ان تخلعه و نوليك هذا الامر؟ نعم ان الامام قد وترهم و لكن فى سبيل الاسلام فقد حاولوا لف لوائه، فناجزهم الامام فقتل جبابرتهم، و أباد طغاتهم

و هزم جموعهم، و هم من أجل ذلك يحملون له حقدا و عداء، و لما سمع الامام مقالته صاح به و قد لذعته عقرب الخيانة فقال له:

«كلا و اللّه لا يكون ذلك!!»

و القى الامام الحسن عليه نظرة غضب و استياء، و أخبره انه سيلاقي حتفه عما قليل فقال له:

«لكأنّي انظر إليك مقتولا فى يومك أو غدك. أما ان الشيطان قد زين لك، و خدعك حتى اخرجك مخلقا بالخلوق ترى نساء أهل الشام موقفك، و سيصرعك اللّه و يبطحك لوجهك قتيلا ..»

و رجع عبيد اللّه الى معاوية و هو خائب حسير و قد اخفق في مهمته و أخبره بحديث الامام فقال معاوية متبهرا:

«انه ابن أبيه!!»

و خرج عبيد اللّه في ذلك اليوم الى ساحة الحرب يقاتل مع الجبهة المعادية للاسلام فلاقى حتفه سريعا على يد فذ نبيل من همدان، و اجتاز الامام الحسن فى ساحة المعركة فرأى رجلا قد توسد رجلا قتيلا و قد ركز رمحه في عينه و ربط فرسه في رجله، فقال الحسن لمن حوله: انظروا من هذا؟ فأخبروه أن الرجل من همدان، و ان القتيل عبيد اللّه بن عمر، فسر بذلك و قال مبتهجا: الحمد للّه على ذلك و قد قضى عبيد اللّه نهايته الأخيرة و هو معاد للّه و رسوله، و باغ على الاسلام، و خارج على امام المسلمين.

الحرب العامة:

و استمرت المناوشات بين الفريقين أمدا غير يسير من دون أن تقع بينهما حرب عامة، و قد سئم كل منهما هذه المطاولة التي لم تكن تجدي شيئا فانه لم يكن هناك أي أمل في الاصلاح و الوئام و جمع الكلمة، و إنما كانت هذه المطاولة تزيد الفتنة امتداد و الشر انتشارا، فلما رأى الامام ذلك عبأ أصحابه و تهيأ للحرب العامة، و لما رأى معاوية ذلك فعل مثل فعله، و التقى كل منهما بالآخر، و بادر الحسن ليحمل على صفوف أهل الشام فلما بصر به الامام ذهل و أريع و قال لمن حوله:

«املكوا عنى هذا الغلام لا يهدنى فانني أنفس بهذين- يعنى الحسن و الحسين- لئلا ينقطع بهما نسل رسول اللّه ..

و استعرت نار الحرب، و اشتد أوارها حتى جفل الناس و خيم عليهم الذعر و الموت، و قد انكشفت ميمنة الامام، و تضعضع قلب الجيش و بدت الهزيمة فيه فدعا سهل بن حنيف فلما مثل بين يديه أمره أن يلتحق بمن معه في الميمنة، فامتثل ما أمر به فحملت عليهم جيوش أهل الشام فكشفتهم و رجعوا منهزمين الى الميسرة، و انكشفت عن الميسرة مضر و ثبتت ربيعة فيها، و إن قائلهم ليقول: «يا معشر ربيعة، لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن أصيب أمير المؤمنين و هو فيكم.»

تحالفت ربيعة على الموت و ثبتت فى الميدان و هي رابطة الجاش لا تبالى بالحمام قد أخذت على عاتقها أن تقوم بنصرة الحق و تفدى ارواحها للامام و كان الامام معهم يحمل على اعدائه و قد مطرت عليه سهام القوم، و كان ابناؤه يقونه بأنفسهم و لم يفارقه أحد منهم، و بصر به حين اشتباك الأسنة مولى لبني أميّة يدعى بأحمر بن كيسان فجاء كالكلب نحو الامام و هو يقسم على قتل الامام قائلا:

«و رب الكعبة قتلني اللّه ان لم أقتلك أو تقتلنى»

فانبرى إليه مولى للامام يدعى بكيسان فبدر إليه الكلب المهاجم فأرداه صريعا على الارض يتخبط بدمه، و جعل الخبيث يشتد نحو الامام فتناوله الامام بيده و حمله على عاتقه ثم ضرب به الارض فكسر منكبه و عضديه و شد عليه الحسين و محمد فقتلاه.

و دنا الامام من جموع اهل الشام فخاف الحسن أن يغتال العدو أباه فقال له:

«لو سعيت حتى تنتهى الى هؤلاء الذين قد صبروا لعدوك (يعني بهم ربيعة) من اصحابك.»

و عرف الامام مغزى كلام الحسن فقال له برفق و لين:

«يا بني .. إن لأبيك يوما لن يعدوه و لا يبطئ به عنه السعي و لا يعجل به إليه المشي، ان اباك و اللّه ما يبالى أوقع على الموت أو وقع الموت عليه.»

و اقبل الأشتر يركض و هو مذهول اللب مندهش الفكر لما انهزمت الكتائب و ولت على اعقابها خوفا من الموت، فلما بصر الامام به قال له:

- يا مالك.

- لبيك.

- ائت هؤلاء القوم فقل لهم: اين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه الى الحياة التي لا تبقى لكم.

مضى الاشتر الى المنهزمين فالقى عليهم رسالة الامام فهدأ روعهم ثم قال معرفا لهم بشخصيته.

- أنا مالك بن الحارث. أنا مالك بن الحارث.

و خطر له أن هذا الاسم غير كاف لهم فى تعريفه فقال معرفا نفسه بما اشتهر به.

- أنا الأشتر.

فبادرت فصيلة من الناس إليه فهتف فيهم بنبرات تقطر حماسا و عزما قائلا:

«أيها الناس. عضضتم بهن آبائكم، ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم.»

ثم هتف ثانيا قائلا:

«أخلصوا لى مذحجا.»

فأنبرت إليه مذحج. فقال لها:

«عضضتم بصم الجندل، ما ارضيتم ربكم و لا نصحتم له في عدوكم و كيف بذلك و انتم ابناء الحروب، و اصحاب الغارات، و فتيان الصباح، و فرسان الطراد، و حتوف الأقران، و مذحج الطعان الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم و لا تطل دماؤهم، و لا يعرفون في موطن بخسف، و أنتم حد أهل مصركم و اعد حي في قومكم، و ما تفعلون فى هذا اليوم فانه مأثور بعد اليوم، فاتقوا ماثور الاحاديث في غد، و اصدقوا عدوكم اللقاء فان اللّه مع الصادقين، و الذي نفس مالك بيده ما من هؤلاء (و أشار لأهل الشام) رجل على مثال جناح بعوضة من محمد (ص) أنتم ما احسنتم

القراع، اجلوا سواد وجهي دمى، عليكم بهذا السواد الأعظم، فان اللّه عز و جل، لو قد فضه تبعه من بجانبيه كما يتبع مؤخر السيل مقدمه!» لقد هيمن الزعيم مالك على النفوس و استولى عليها بخطابه الحماسي الرائع فقد بعث روح العزم و النشاط في نفوس الجيش. و تعالت الاصوات من كل جانب تعرب له الطاعة و الانقياد.

- خذ- حيث احببت.

و سارعوا إليه يتسابقون نحو الموت صامدين امام العدو، و كانت كتائب من همدان قد أبيد فريق من زعمائها و قوادها الباسلين فى المعركة و كان آخر من أخذ اللواء بيده وهب بن كريب فبادر إليه جمع من احبائه قائلين له:

«رحمك اللّه قد قتل أشراف قومك حولها- اي حول الراية- فلا تقتل نفسك و لا من بقى من قومك.»

انصرف وهب و من معه عن ساحة الحرب و هم يطلبون فئة قوية ينضمون إليها و هتفوا امام الجموع بما يرومونه قائلين:

«ليت لنا عدتنا من العرب يحالفوننا على الموت ثم نستقدم نحن و هم فلا ننصرف حتى نقتل أو نظفر.»

و اجتازوا على الاشتر فسمع نداءهم، فرحب بفكرتهم و قال لهم.

«أنا أحالفكم و اعاقدكم على ان لا نرجع ابدا حتى نظفر أو نهلك» و ابتهجوا بكلام الاشتر و انضمونا تحت لوائه، و في فعلهم هذا يقول كعب بن جعيل: «و همدان زرق تبتغي من تحالف»

و هجم الأشتر بمن معه من البهاليل على جموع أهل الشام فكانوا أمام بواترهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، و ظهر الضعف في جيش معاوية و كاد اصحاب معاوية يبلغون فسطاطه و همّ معاوية بالفرار لو لا أن ذكر قول ابن الاطنابة:

أبت لى عفتي و حياء نفسي

و إقدامي على البطل المشيح

و إعطائي على المكروه مالي

و اخذى الحمد بالثمن الربيح

و قولى كلما جشأت و جاشت

مكانك تحمدى أو تستريحي

فرده ذلك الشعر الى الصبر و الثبات كما كان يتحدث بذلك ايام العافية.

مصرع عمار:

و لما رأى الصحابي العظيم عمار بن ياسر الرءوس تتساقط، و الارض قد صبغت بالدماء أخذ يناجى نفسه قائلا:

«صدق رسول اللّه (ص) هؤلاء القاسطون، إنه اليوم الذي وعدني فيه رسول اللّه، إني قد أربيت على التسعين فما ذا انتظر؟! رحماك ربي قد اشتقت الى إخواني الذين سبقوني بالايمان إليك .. سأمشي الى لقاء ربي مجاهدا أعداءه بين يدي وليه و وصيي رسوله و خليفته من بعده، فاني أراه اليوم الذي وعدني به رسول اللّه (ص) ...»

و أطال النظر في رايات معاوية فانطلق يقول: «إن مراكزنا على مراكز رايات رسول اللّه يوم بدر و يوم أحد و يوم حنين، و إن هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الاحزاب ..»

و تمثلت أمامه في ذلك اليوم صفحات من تأريخه البعيد و القريب، فعرضت له صورة أبويه ياسر و سمية و هما يعذبان أعنف التعذيب و أمره و هو شاب معهما يلاقى ما لاقياه من الارهاق على يد جبابرة قريش ففاضت روح أبويه، و أفلت هو من التعذيب، و تذكر ما عناه فى شيخوخته من عثمان من التنكيل و التعذيب كل ذلك في سبيل مبدئه و عقيدته، و قد اودعت هذه الذكريات في نفسه شوقا عارما الى ملاقاة اللّه فانفجر في البكاء و أخذ يناجي اللّه قائلا:

«اللهم انك تعلم. أنى لو أعلم أن رضاك ان اضع ظبة سيفى في صدري ثم انحنى عليها حتى تخرج من ظهري لفعلت، و لو اعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلت، و لو اعلم أن رضاك أن أرمى بنفسي من هذا الجبل فاتردى و اسقط فعلت، و إني لا اعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، و لو أعلم من الاعمال هو أرضى لك منه لفعلته.»

ثم انعطف الى أمير المؤمنين و دموعه تتبلور على كريمته الشريفة فلما رأه الامام قام إليه و عانقه و احتفى به فالتفت الى الامام.

- يا أخا رسول اللّه أ تأذن لي في القتال؟

فقد قلب الامام و أريع من كلامه لانه ساعده الذي به يصول فقال له بصوت راعش النبرات.

مهلا يرحمك اللّه!

انصرف عمار فلم يلبث الا قليلا حتى عرضت له تلك الذكريات فحفزته الى لقاء اللّه فرجع الى الامام قائلا:

- ا تأذن لي فى القتال؟

- مهلا يرحمك اللّه

و مضى فلم يمكث الا برهة حتى عاوده الشوق الى لقاء احبائه الذين سبقوه الى الايمان فكر راجعا الى الامام فقال له:

«أ تأذن لي بالقتال؟ فانى أراه اليوم الذي وصفه رسول اللّه (ص) و قد اشتقت الى لقاء ربي و الى اخواني الذين سبقوني.»

فلم يجد الامام بدا من اجابته فقام إليه و عانقه و قد ذابت نفسه اسى و حسرات و قال له:

«يا أبا اليقظان. جزاك اللّه عنى و عن نبيك خيرا فنعم الاخ كنت و نعم الصاحب.»

و اجهش الامام بالبكاء و بكى عمار لبكائه و قال له:

«و اللّه يا أمير المؤمنين ما تبعتك الا ببصيرة فانى سمعت رسول اللّه يقول يوم حنين: «يا عمار ستكون بعدي فتنة فاذا كان كذلك فاتبع عليا و حزبه، فانه مع الحق و الحق معه، و سيقاتل بعدي الناكثين و القاسطين» فجزاك اللّه يا أمير المؤمنين عن الاسلام أفضل الجزاء فلقد أديت، و بلغت و نصحت ..»

ثم تقدم عمار الى ساحة الشرف و ميدان القتال و هو جذلان مسرور بملاقاة اللّه و قد استرد قوته و نشاطه، و ارتفع صوته عاليا و هو يقول:

«الجنة تحت ظلال العوالي، اليوم القى الأحبة محمدا و حزبه ..»

و تبعه المهاجرون و الانصار و الشباب المؤمن فانعطف بهم الى القائد العام هاشم بن عتبة المرقال فطلب منه أن يتولى القيادة فاجابه إلى ذلك و حمل هاشم فجعل عمار يحثه على الهجوم و هو يقول له:

«احمل فداك أبي و أمي ..»

و جعل هاشم يزحف باللواء زحفا فضاق على عمار ذلك لأنه في شوق عارم لملاقاة اللّه و الوفود على حبيبه محمد فوجه لهاشم اعنف التقريع قائلا له:

«يا هاشم. أعور و جبان؟»

و ثقل على هاشم هذا العتاب المر فقال له:

«رحمك اللّه يا عمار. إنك رجل تأخذك خفة في الحرب، و إني إنما أزحف باللواء زحفا أرجو أن أنال بذلك حاجتي، و إني إن خففت لم آمن الهلكة.»

و ما زال عمار بهاشم يحرضه، و يحثه على الهجوم حتى حمل و هو يرتجز:

قد أكثروا لومي و ما أقلا

إني شريت النفس لن اعتلا

أعور يبغى نفسه محلا

لا بد أن يفل أو يفلا

قد عالج الحياة حتى ملا

أشدهم بذى الكعوب شلا

فجال هاشم فى ميد القتال، و عمار يقاتل معه فنظر الى راية ابن العاص فجعل يقول:

«و اللّه إن هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات و ما هذه بأرشدهن.»

و جعل يقاتل أشد القاتل و هو موفور النشاط خفيف الحركة و هو يرتجز و يقول:

نحن ضربناكم على تنزيله

و اليوم نضربكم على تأويله

ضربا يزيل الهام عن مقيله

و يذهل الخليل عن خليله

أو يرجع الحق الى سبيله

لقد قاتل عمار قريشا مع النبي على الاقرار بكلمة التوحيد و اليوم يقاتلهم على الايمان بما في القرآن و على التصديق بما جاء به الاسلام.

و بعد كفاح رهيب سقط عمار الى الارض صريعا قد قتلته الفئة الباغية التي طبع على قلوبها بالزيغ، و نسيت ذكر اللّه فسبحت في ظلام قاتم، و لما أذيع خبر مقتله انهد ركن الامام، و احاطت به موجات و موجات من الهموم و الأحزان لأنه فقد بمقتله كوكبة من الاعوان و الانصار و مشى لمصرعه حزينا باكيا تحف به قواد الجيش و أمراء القبائل و البقية الصالحة من المهاجرين و الانصار، و هم يهرقون الدموع و علا منهم النحيب و البكاء، و وقف الامام عليه فلما رأه صريعا متخبطا بدمه انهارت قواه و جعل يؤبنه بكلمات تنم عن قلب موجع قائلا:

«إن امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل ابن ياسر، و تدخل عليه المصيبة الموجعة لغير رشيد. رحم اللّه عمارا يوم اسلم، و رحم اللّه عمارا يوم قتل، و رحم اللّه عمارا يوم يبعث حيا. لقد رأيت عمارا و ما يذكر من أصحاب رسول اللّه أربعة الا كان رابعا، و لا خمسة إلا كان خامسا. و ما كان أحد من قدماء أصحاب رسول اللّه يشك أن عمارا قد وجبت له الجنة في غير موطن و لا اثنين. فهنيئا لعمار بالجنة ..»

و أخذ الامام رأس عمار و وضعه في حجره و جعل ينظم ذوب الحشا و هو يقول:

ألا أيها الموت الذي ليس تاركي

أرحنى فقد أفنيت كل خليل

أراك بصيرا بالذين أحبهم

كأنك تسعى نحوهم بدليل

و وقف الامام الحسن واجما مستعبرا عند مصرع الشهيد العظيم الذي ساهم في بناء الاسلام فأخذ يتلو على المسلمين ما سمعه من جده النبي (ص) في فضله و الاشادة بعظيم منزلته فقال (ع): ان رسول اللّه (ص) قال لاصحابه: «ابنوا لى عريشا كعريش موسى» و جعل يتناول اللبن من قومه، و هو يقول: اللهم لا خير الا خير الآخرة، فاغفر للانصار و المهاجرة، و جعل يتناول اللبن من عمار، و هو يقول: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية.

و قال: إن جدى قال إن الجنة لتشتاق الى ثلاثة علي و عمار و سلمان» و لما اذيع خبر مقتله حدثت الفتنة و الانشقاق في صفوف أهل الشام فقد سمعوا ممن سمع من رسول اللّه أنه قال: في عمار تقتله الفئة الباغية و قد حدثهم بذلك عمرو بن العاص، و قد اتضح لهم بعد مقتله انهم هم الفئة الباغية التي عناها الرسول، و لكن ابن العاص قد استطاع بمكره و أكاذيبه أن يزيل ذلك، و يرجع الحياة الى مجراها الطبيعي، فقد القى المسئولية على الامام زاعما انه هو الذي أخرجه و قتله، و اذعن جهال أهل الشام، و صدقوا مقالته و راحوا يهتفون.

«انما قتل عمارا من جاء به.»

و ثقل على أمير المؤمنين مقتل عمار، و أحاطت به المآسي و الشجون، فهتف بربيعة و همدان، فاستجابوا له فقال لهم:

«انتم درعي و رمحي»

فأجابه اثنا عشر الفا منهم فحمل بهم و هو هائج غصبان، فلم يبق صف لأهل الشام الا انتقض، و أبادوا كل فصيلة انتهوا إليها حتى قربوا من فسطاط معاوية، و كان الامام يرتجز و يقول في رجزه:

أضربهم و لا أرى معاوية

الجاحظ العين العظيم الحاوية

و وجه خطابه الى معاوية فقال له:

علام يقتتل الناس بيننا؟ هلم احاكمك الى اللّه فأينا قتل صاحبه استقامت له الامور.»

فانبرى ابن العاص الى معاوية مستهزءا به قائلا:

- انصفك الرجل

- ما انصفت، و انك لتعلم أنه لم يبارزه أحد إلا قتله

- و ما يجمل بك الا مبارزته

- طمعت فيها بعدى

و استمر القتال عنيفا بين الفريقين و هم ماضون فى الحرب لا يريحون و لا يستريحون، و قد بان الضعف في جيش معاوية، و تحطمت جميع كتائبه و تفللت جميع قواه حتى همّ بالفرار و الانهزام.

رفع المصاحف:

و لما رأى معاوية بسالة جيش الامام و خور جيشه، و عجزه عن المقاومة و نهاية أمره دعا وزيره الماكر عمرو بن العاص و قد مشت الرعدة باوصاله و خيم عليه الخوف فقال له:

«إنما هي الليلة حتى يغدو علينا بالفيصل، فما ترى؟.»

و قد اعرب عن قرب نهايته و عدم قدرته على مقاومة جيش الامام فقال له ابن العاص:

«أرى رجالك لا يقومون برجاله، و لست مثله فهو يقاتلك على امر و أنت تقاتله على أمر آخر، إن أهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، و أهل الشام لا يخافون من على إن ظفر بهم ..»

لقد حدد ابن العاص النزاع القائم بين الامام و معاوية فالامام يقاتله من اجل الاسلام و الذب عن مثله و معاوية يقاتله من اجل الملك و السلطان فكل واحد منهما يقاتل على امر لا ينشده الآخر، و قد اعرب له عن السر في بسالة جيش الامام و خور جيشه فجيش الامام يدافع عن كرامته و حياته لأنه على علم بنفسية معاوية و اتجاهه ان تغلب عليهم فانه ينكل بهم و يصب عليهم وابلا من العذاب الأليم فلذلك كان جادا في حربه و أما جيشه فانه يعرف اتجاه الامام إن ظفر بهم فانه يقابلهم بالمعروف و الاحسان و قد سمعوا عن عفوه و احسانه حينما ظفر بخصومه في واقعة الجمل. فجيش الامام لا بد أن يحوز النصر و الظفر، و قد ادلى له ابن العاص بفكرة كانت هي السبب فى تغلبه على الأحداث و السبب في تدمير جيش الامام فقال له:

«الق إليهم أمرا إن قبلوه اختلفوا، و إن ردوه اختلفوا، ادعهم إلى كتاب اللّه حكما فيما بينك و بينهم، فانك بالغ حاجتك في القوم فاني لم أزل أؤخر هذا الأمر لحاجتك إليه ..»

و رأى معاوية الصواب في رأي ابن العاص فبادره بالتصديق و الاجابة و أمر بالوقت أن ترفع المصاحف فرفعت زهاء خمس مائة مصحف على الرماح، و ارتفعت الصيحة من أهل الشام و هم يهتفون بلهجة واحدة قائلين:

«هذا كتاب اللّه بيننا و بينكم من فاتحته الى خاتمته، من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام؟ و من لثغور أهل العراق بعد أهل العراق؟ و من لجهاد الروم؟ و من للترك؟ و من للكفار؟ ..»

لقد رفعوا المصاحف حيلة و مكرا، و تذرعوا بها لحقن دمائهم فانهم من دون شك لا يؤمنون بما فيها و لا يحزنون على مصير الاسلام و المسلمين و لا يرجون للّه وقارا، و لا يهمهم سوى الحكم و السلطان، و لو كان في نفوسهم بصيص من نور الاسلام لما فتحوا باب الحرب على وصيي رسول اللّه و أراقوا دماء المسلمين بغير حق.

الفتنة الكبرى:

إن من أبشع المهازل و أسوئها في التأريخ الانساني هي حيلة رفع المصاحف فقد افتتن بها الجيش العراقي، و انقلب رأسا على عقب.

فاذا بهم يخلعون الطاعة و يعلنون العصيان و التمرد من دون تفكير و لا تدبر و هم قد أشرفوا على الفتح و الظفر بعدوهم الذي أراق سيلا عارما من دمائهم.

يا للمصيبة و الأسف لقد استعلى الباطل على الحق باسم الحق، فقد عملت مكيدة ابن العاص عملها الفظيع في قلب حكومة العدل و المساواة فقد اندفعت كتائب منهم كالسيل فأحاطوا بالامام مرغميه على الاذعان و الخضوع لدعوة معاوية و هم يهتفون بلسان واحد.

«لقد اعطاك معاوية الحق، دعاك الى كتاب اللّه فاقبل منه!!»

و كان في طليعة الهاتفين بدعوة التحكيم الأشعث بن قيس الذي كان سوسة تنخر في المعسكر العراقي، و أداة للشغب و التمرد، أما بواعث ذلك فانه كانت له رئاسة كندة و ربيعة و قد عزله الامام عنها و جعلها لحسان ابن مخدوج، و تكلم جماعة مع الامام فى ارجاعه و عدم عزله فابى و قد أثار ذلك كوامن الحقد في نفسه على الامام و جعلته يتطلب الفرصة المواتية للانتقام و قد وجدها في تلك الفترة الرهيبة، و من الخطأ أن يقال إنه انخدع بدعوة معاوية فانه ليس من السذج و البسطاء حتى يخفى عليه الامر و على أي حال فقد جاء يشتد كأنه الكلب نحو الامام و هو يقول:

«ما أرى الناس إلا قد رضوا، و سرهم أن يجيبوا القوم الى ما دعوهم إليه من حكم القرآن فان شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد؟ فنظرت ما يسأل.»

و أخذ يلح على الامام بان يوفده الى معاوية فامتنع من اجابته و لكنه اصر عليه اصرارا شديدا فلم يجد «ع» بدا من إجابته، فمضى و هو يحمل شارات الشر و الشقاء، فقال لمعاوية:

«لأي شيء رفعتم هذه المصاحف؟»

فأجابه معاوية بالخداع و الأباطيل قائلا:

«لنرجع نحن و أنتم إلى أمر اللّه عز و جل في كتابه، تبعثون منكم رجلا ترضون به و نبعث منا رجلا، ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب اللّه لا يعدوانه، ثم نتبع ما اتفقا عليه.»

و انبرى مصدقا لمقالة معاوية:

«هذا هو الحق.»

و أغلب الظن ان معاوية مناه و ارشاه لأنه كان يعلم بانحرافه عن أمير المؤمنين، و قد استجاب لدعوته و قفل راجعا الى الامام و هو ينادي بالتحكيم، فقال الامام (ع) له و لغيره من المعاندين الذين لا يجدون لذة سوى العناد و التمرد:

«عباد اللّه، إني أحق من أجاب إلى كتاب اللّه، و لكن معاوية و عمرو بن العاص و ابن أبي معيط و حبيب بن مسلمة و ابن أبي سرح ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، إني أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا و صحبتهم رجالا فكانوا شر أطفال و شر رجال، إنها كلمة حق يراد بها باطل.

إنهم يعرفونها و لا يعملون بها، و ما رفعوها لكم إلا خديعة و مكيدة، اعيروني سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحق مقطعه، و لم يبق إلا أن يقطع دابر الذين ظلموا.».

لقد اعرب (ع) في كلامه كذب ما يدعيه معاويه من الانقياد إلى كتاب اللّه، و أبان لهم عن غيهم و تمردهم عن الدين فهو أدرى بهم من غيره، و لكن ذلك المجتمع الهزيل لم يذعن لكلام الامام و اعار حديثه أذنا صماء، فقد انبرى إليه زهاء أثنى عشر الفا من الذين يظهرون القداسة و الدين و هم لا يفهمون منهما شيئا فخاطبوه باسمه الصريح منذرين و متوعدين إن لم يخضع لما يرومونه قائلين:

«يا علي .. أجب القوم إلى كتاب اللّه إذ دعيت إليه، و إلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فو اللّه لنفعلنها إن لم تجبهم.»

فأجابهم عليه السلام

«ويحكم، أنا أول من دعا الى كتاب اللّه، و أول من أجاب إليه و ليس يحل لى و لا يسعني في ديني أن أدعى إلى كتاب اللّه فلا أقبله، إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن، فانهم قد عصوا اللّه فيما أمرهم، و نقضوا عهده و نبذوا كتابه، و لكن قد اعلمتكم أنهم قد كادوكم، و أنهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون.»

و كلما حاول الامام إقناعهم و إفهامهم بشتى الاساليب بأنها خديعة بعد فشلهم و عجزهم عن المقاومة فلم يتمكن، و أخذوا يصرون عليه بأن يأمر قائده الأشتر بالانسحاب عن ساحة الحرب.

و رأى الامام الشرفي وجوههم و قد اجمعوا على مناجزته و احاطوا به مهددين و منذرين فلم يجد (ع) بدا من إجابتهم فانفذ بالوقت الى الأشتر يزيد بن هانئ يأمره بالانسحاب عن الحرب، فلما انتهى الرسول الى الاشتر و بلغه رسالة الامام، انبرى الأشتر قائلا مقالة رجل تهمه مصلحة الأمة و النفع العام.

«قل لسيدى: ليست هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي، إني قد رجوت اللّه أن يفتح لي فلا تعجلني.»

رجع الرسول الى الامام فأخبره بمقالة الحازم اليقظ، و كانت إمارة الفتح و الظفر قد بدت على يده و أوشك أن ينتهى الأمر، و ارتفعت الأصوات من كتائب جيشه معلنة بالفتح المبين، فلما سمع هؤلاء المتمردون ذلك أحاطوا بالامام قائلين له:

و اللّه ما نراك إلا امرته أن يقاتل.

- أ رأيتموني ساررت رسولى (إليه)؟ أ ليس إنما كلمته على رءوسكم علانية و انتم تسمعون.

فانطلقوا يهتفون بلسان واحد:

فابعث إليه فليأتيك، و إلا فو اللّه اعتزلناك.

فأريع الامام منهم و قد أوشكوا أن يفتكوا به فقال (ع):

«ويحك يا يزيد، قل له: اقبل إلى، فان الفتنة قد وقعت!!» فانطلق يزيد مسرعا إلى الأشتر فقال له:

«أقبل إلى أمير المؤمنين، فان الفتنة قد وقعت.»

فقد قلب الأشتر فقال ليزيد و الذهول باد عليه مستفهما عن مدرك هذه الفتنة و الانقلاب الذي وقع في الجيش:

- الرفع هذه المصاحف؟

- نعم.

و قال الأشتر مصدقا تنبؤ نفسه و حدسها في وقوع هذا الانقلاب:

«أما و اللّه لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافا و فرقة، إنها مشورة ابن العاهرة، ثم التفت الى الرسول و الألم يحز في نفسه.

«أ لا ترى إلى الفتح، أ لا ترى الى ما يلقون، أ لا ترى الى الذي يصنع اللّه لنا، ا ينبغى أن ندع هذا و ننصرف عنه؟.»

فانطلق يزيد يخبره بحراجة الموقف و الاخطار التي تحف بالامام قائلا:

- أ تحب أنك ظفرت هاهنا، و أن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يفرج عنه و يسلم الى عدوه؟

- سبحان اللّه. لا و اللّه ما احب ذلك.

- فانهم قالوا: لترسلن الى الأشتر فليأتينك أو لنقتلنك بأسيافنا كما قتلنا ابن عفان، أو لنسلمنك الى عدوك.

فقفل الأشتر راجعا إلى الامام و الحزن قد استولى عليه لضياع أمله المنشود، فقد ظفر بالفتح و اهريقت دماء جيشه حتى اشرف على النهاية و إذا بتلك المتاعب و الجهود تذهب سدى لمكر ابن العاص، و خاطب اولئك الاراذل بشدة و صرامه منددا بهم قائلا:

«يا أهل الذل و الوهن، أ حين علوتم القوم فظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟! و قد و اللّه تركوا ما أمر اللّه به فيها و سنة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم، أمهلوني فواقا، فاني قد أحسست بالفتح.»

فانطلق هؤلاء المتمردون مظهرين له الغي و العناد قائلين بلسان واحد «لا. لا.»

- امهلوني عدوة الفرس، فاني قد طمعت في النصر.

- إذن ندخل معك في خطيئتك.

و انبرى الأشتر يحاججهم و يقيم لهم الأدلة على خطل رأيهم و بعدهم عن الصواب حدثوني عنكم- و قد قتل أماثلكم و بقى أراذلكم- متى كنتم محقين، أ حين كنتم تقتلون أهل الشام، فانتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون، أم انتم الآن فى إمساككم عن القتال محقون؟ فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم و كانوا خيرا منكم، في النار.»

و لم يجد هذا الكلام المشفوع بالأدلة معهم شيئا فأجابوه:

«دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في اللّه و ندع قتالهم في اللّه، إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا»

فقال لهم الاشتر:

«خدعتم و اللّه فانخدعتم، و دعيتم الى وضع الحرب فأجبتم، يا اصحاب الجباه السود، كنا نظن أن صلاتكم زهادة في الدنيا و شوق إلى لقاء اللّه فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت، ألا فقبحا يا اشباه النيب الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمون.»

و ما انهى الأشتر كلامه حتى اقبلوا عليه يكيلون له أصواعا من السب و الشتم، فقابلهم بالمثل و التفت الى الامام بحماس قائلا:

«يا أمير المؤمنين. احمل الصف على الصف يصرع القوم.»

و لم يجبه الامام و أطرق برأسه و هو يفكر فى العاقبة المرة التي جرها هؤلاء المتمردون على الأمة، و قد اتخذ هؤلاء سكوته رضى منه بالأمر فهتفوا:

«إن عليا أمير المؤمنين. قد رضى الحكومة، و رضى بحكم القرآن» و لم يسع الامام الا الرضا كما لم يسع الأشتر إلا الاذعان و القبول فقال:

«إن كان أمير المؤمنين قد قبل و رضى بحكم القرآن فقد رضيت بما رضى به أمير المؤمنين.»

فانبروا يهتفون:

«رضى أمير المؤمنين. رضى أمير المؤمنين.»

و الامام (ع) ساكت لا يجيبهم بشيء قد استولى عليه الهم و الحزن لأنه ينظر الى جيشه قد فتكت به و مزقته حيلة ابن العاص، و ليس بوسعه اصلاحهم و ارجاعهم إلى طريق الحق و الصواب، فانه لم يكن له نفوذ و سلطان عليهم كما أعرب (ع) عن ذلك بقوله:

«لقد كنت أمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا. و كنت أمس

ناهيا فأصبحت اليوم منهيا»

انتخاب الاشعرى:

و لم تقف محنة الامام و بلاؤه في جيشه على هذا التمرد، و إنما أخذوا يسعون جاهدين للاطاحة بحكومته فقد اصروا عليه في ترشيح عدوه الخبيث أبي موسى الأشعرى، و انتخابه للتحكيم، و عدم الرضا بغيره ممن رشحه الامام كابن عباس و مالك الأشتر و غيرهما من ذوي البصيرة و الرأي، و السبب في ذلك انهم يعلمون بانحراف الاشعرى عن أمير المؤمنين فاذا تولى مهمة التحكيم فانه لابه أن يختار للخلافة غير الامام، و يذهب الدكتور طه حسين إلى ان اصرارهم لم يأت مصادفة و انما كان عن مؤامرة و تدبير بين طلاب الدنيا من أصحاب على و أصحاب معاوية جميعا و على أي حال فقد أحاطوا بالامام يهتفون:

«إنا رضينا بأبى موسى الاشعرى.»

فزجرهم الامام و نهاهم عن انتخابه قائلا:

«إنكم قد عصيتموني في أول الامر. فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولى أبا موسى!!»

و لم يجد معهم نصح الامام شيئا و انما أخذوا يلحون عليه قائلين:

«لا نرضى إلا به، فما كان يحذرنا وقعنا فيه»

و أخذ الامام يبين لهم الوجه في كراهيته له قائلا لهم:

«إنه ليس لي بثقة، قد فارقني و خذل الناس عني، ثم هرب مني

حتى آمنته بعد أشهر، و لكن هذا ابن عباس نوليه ذلك ..»

فلم يقنعوا و اصروا على غيهم و جهلهم قائلين:

«ما نبالي أنت كنت أم ابن عباس، لا نريد إلا رجلا هو منك، و من معاوية سواء ليس الى واحد منكما بادنى منه الى الآخر ..»

فدلهم الامام على الاشتر فانه ليس رحما له فردوا عليه قائلين:

«و هل سعر الأرض غير الأشتر!!»

و لم يجد الامام بعد هذه المحاورة وسيلة يسلكها في اقناعهم فاطلق سراحهم و خلى بينهم و بين جهلهم و أصبحت الأمور بيد هؤلاء العصاة المتمردين.

وثيقة التحكيم:

و تسابق القوم الى تسجيل ما يرومونه في وثيقة التحكيم و هذا نصها كما رواها الطبرى:

بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب، و معاوية بن أبي سفيان، قاضي علي على أهل الكوفة و من معهم من شيعتهم من المؤمنين و المسلمين، و قاضي معاوية على أهل الشام و من كان معهم من المؤمنين و المسلمين إنا ننزل عند حكم اللّه عز و جل و كتابه و لا يجمع بيننا غيره، و ان كتاب اللّه عز و جل بيننا من فاتحته الى خاتمته نحيي ما احيا و نميت ما امات فما وجد الحكمان في كتاب اللّه عز و جل. و هما أبو موسى الاشعرى عبد اللّه بن قيس و عمرو بن العاص القرشي، عملا به و ما لم يجدا في كتاب اللّه عز و جل فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة، و أخذ الحكمان من علي و معاوية و من الجندين من العهود و الميثاق و الثقة

من الناس انهما آمنان على انفسهما و أهلهما، و الامة لهما انصار على الذي يتقاضيان عليه و على المؤمنين و المسلمين من الطائفتين كلتيهما عهد اللّه و ميثاقه، إنا على ما في هذه الصحيفة و ان قد وجبت قضيتهما على المؤمنين فان الامن و الاستقامة و وضع السلاح بينهم أينما ساروا على أنفسهم و أهليهم و أموالهم و شاهدهم و غائبهم، و على عبد اللّه بن قيس و عمرو بن العاص عهد اللّه و ميثاقه أن يحكما بين هذه الأمة و لا يرداها في حرب و لا فرقة حتى يعصيا، و أجل القضاء الى رمضان، و إن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه على تراض منهما و إن توفي أحد الحكمين فان أمير الشيعة يختار مكانه و لا يألو من أهل المعدلة و القسط، و إن مكان قضيتهما الذي يقضيان فيه مكان عدل بين أهل الكوفة و أهل الشام و إن رضيا و أحبا فلا يحضرهما فيه إلا من أرادا و يأخذ الحكمان من ارادا من الشهود ثم يكتبان شهادتهما على ما في هذه الصحيفة و هم انصار على من ترك ما في هذه الصحيفة و أراد فيه إلحادا و ظلما، اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة» و سجل فريق من زعماء العراق و الشام شهادتهم في هذه الوثيقة، و تدل بنصها الصريح على عدم اهتمام معاوية و حزبه بدم عثمان و لو كان لهم إرب في ذلك لجاء ذكر قتله فيها صريحا أو ضمنا.

لقد أقاموا الدنيا و أقعدوها من أجل عثمان فنشروا ثيابه على منبر دمشق، و هم يبكون على مصابه و أثاروا هذه الحرب من أجل المطالبة بدمه، فما بالهم لم يتعرضوا له في وثيقة التحكيم، و لم يذكروه بقليل و لا كثير.

و على أي حال فقد حفلت هذه الصحيفة بتحقيق رغبات الاشعث و سائر ذوي الاطماع و المنحرفين من قومه لأنه قد تم لهم ما أرادوا من تفلل الجيش العراقي و انقلابه و تغلب القوى الباغية على قوى الحق و الاسلام

انبثاق الفكرة الحرورية:

و اعقبت مهزلة رفع المصاحف انبثاق الفكرة الثورية الهدامة و هي فكرة الخوارج التي لم يكن الباعث لها الا التماس المصالح الدنيوية، و السعي وراء النفوذ و السلطان، و تحقيق المطامع الشخصية الرخيصة، و قد اتخذوا «الحكم للّه» شعارا لهم، و لكنهم سرعان ما جعلوا الحكم للسيف و ذلك بما أراقوه من دماء الابرياء و نشر الذعر و الخوف بين المسلمين، و كان سمتهم الذي اتصفوا به هو اعلان البغي و التمرد، و الحكم بالكفر على من لا يدين بفكرتهم و اباحة دماء المسلمين، و قد تظافرت الاخبار الواردة عن النبي (ص) بكفرهم و مروقهم من الاسلام قال (ص): «سيكون بعدي من أمتي قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه هم شر الخلق و الخليقة» و روى أبو سعيد الخدري ان رسول اللّه (ص) أتاه مال فجعل يضرب بيده فيه فيعطي يمينا و شمالا و فيهم رجل مقلص الثياب ذو سيماء بين عينيه أثر السجود فجعل رسول اللّه يضرب يده يمينا و شمالا حتى نفد المال، فلما نفد المال ولى مدبرا، و قال و اللّه ما عدلت منذ اليوم، قال فجعل رسول اللّه (ص) يقلب كفه و يقول: إذا لم أعدل فمن يعدل بعدي؟ أما إنه ستمرق مارقة يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه حتى يرجع السهم على فوقه يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحسنون القول و يسيئون الفعل، فمن لقيهم فليقاتلهم فمن قتلهم فله أفضل الأجر، و من قتلوه فله أفضل الشهادة، برىء اللّه منهم تقتلهم أولى الطائفتين بالحق إلى غير ذلك من الاخبار التي رواها الفريقان عن النبي (ص) فى خروجهم من الدين و مروقهم عن الاسلام و هي تعد من معاجزه (ص) و من آيات نبوته و ذلك لما فيها من انباء الغيب التي تحققت بعده و على أي حال فقد تكتل هؤلاء المارقون و انحازوا إلى جانب آخر و هم ينادون بفكرتهم، و يعلنون تمردهم، و لما نزح الامام من صفين الى الكوفة، لم يدخلوا معه إليها و انحازوا الى (حروراء) فنسبوا إليها و كان عددهم اثني عشر الفا و قد اذن مؤذنهم ان أمير القتال شبث بن ربعي التميمي و على الصلاة عبد اللّه بن الكواء اليشكري و الأمر شورى بعد الفتح، و البيعة للّه عز و جل و الامر بالمعروف و النهى عن المنكر

احتجاج و مناظرات:

و اضطرب الامام من هؤلاء المارقين عن الدين فأرسل إليهم عبد اللّه ابن عباس و أمره أن لا يخوض معهم في ميدان البحث و الخصومة حتى يأتيه و لما اجتمع بهم ابن عباس لم يجد بدا من الدخول معهم في مسرح البحث فقال لهم:

«ما نقمتم من الحكمين؟ و قد قال اللّه عز و جل: «إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما» فكيف بأمة محمد (ص)».

فأجابه الخوارج:

«أما ما جعل حكمه الى الناس و أمر بالنظر فيه و الاصلاح له فهو إليهم كما أمر به، و ما حكم فأمضاه فليس للعباد أن ينظروا فيه، حكم في الزاني مائة جلدة، و في السارق بقطع يده فليس للعباد أن ينظروا فيه» و اندفع ابن عباس يجيبهم:

- إن اللّه عز و جل يقول: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) - أو تجعل الحكم في الصيد، و الحدث يكون بين المرأة و زوجها كالحكم في دماء المسلمين؟ و هذه الآية بيننا و بينك، أعدل عندك ابن العاص؟ و هو بالأمس يقاتلنا و يسفك دماءنا، فان كان عدلا فلسنا بعدول و نحن اهل حربه و قد حكمتم في أمر اللّه الرجال و قد امضى اللّه عز و جل حكمه في معاوية و حزبه أن يقتلوا أو يرجعوا و قبل ذلك دعوناهم الى كتاب اللّه عز و جل فأبوه ثم كتبتم بينكم و بينه كتابا و جعلتم بينكم و بينه الموادعة و الاستفاضة و قد قطع اللّه الاستفاضة و الموادعة بين المسلمين و أهل الحرب منذ نزلت (براءة) إلا من أقر بالجزية.

و بقى ابن عباس يحاججهم و يحاججونه، لم تغن معهم شيئا الأدلة القطعية و البراهين الحاسمة التي أقامها على خطل رأيهم.

و رحل الامام إليهم تصحبه زمرة من اصحابه ليناظر هؤلاء المارقين فانتهى (ع) الى فسطاط يزيد بن قيس فدخل فيه و توضأ و صلى ركعتين ثم اقبل نحو القوم فرأى ابن عباس يناظرهم فزجره قائلا:: انته عن كلامهم، أ لم انهك رحمك اللّه؟ ثم التفت الى القوم قائلا:

«اللهم. إن هذا مقام من افلج فيه كان اولى بالفلج يوم القيامة، و من نطق فيه و أوعث فهو في الآخرة اعمى و اضل سبيلا ثم قال لهم:

- من زعيمكم؟

- ابن الكواء

فوجه (ع) خطابه إليه و إليهم:

- ما اخرجكم علينا؟

- حكومتكم يوم صفين

- انشدكم باللّه أ تعلمون انهم حيث رفعوا المصاحف، فقلتم نجيبهم الى كتاب اللّه، قلت لكم إني اعلم بالقوم منكم إنهم ليسوا باصحاب دين و لا قرآن، اني صحبتهم و عرفتهم اطفالا و رجالا فكانوا شر اطفال و شر رجال، امضوا على حقكم و صدقكم فانما رفع القوم هذه المصاحف خديعة و دهنا و مكيدة فرددتم علىّ رأيي و قلتم لا. بل نقبل منهم، فقلت لكم اذكروا قولى لكم و معصيتكم اياى، فلما ابيتم الا الكتاب اشترطت على الحكمين ان يحييا ما أحيا القرآن، و أن يميتا ما أمات القرآن فان حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكما يحكم بما في القرآن، و إن أبيا فنحن من حكمهما برآء

فدحضت هذه الحجة النيرة جميع ما تمسكوا به لاثبات فكرتهم الواهنة و اندفعوا بلين لا عسف فيه نحو الامام قائلين له:

- ا تراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء؟

- لسنا حكمنا الرجال إنما حكمنا القرآن، و هذا القرآن انما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق انما يتكلم به الرجال.

- فخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك و بينهم؟

- ليعلم الجاهل، و يثبت العالم، و لعل اللّه عز و جل يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة.

و رأى الامام (ع) منهم اذعانا لكلامه و مقاربة شديدة له، فقال لهم:

«ادخلوا مصركم رحمكم اللّه»

فاجابوا الى ذلك و رحلوا عن آخرهم معه الى الكوفة، و لكنهم بقوا على فكرتهم يذيعونها بين الكوفيين و ينشرون الشغب و يدعون الى البغي و قد شاع أمرهم و قويت شوكتهم و اندفع بعضهم الى الامام و هو يخطب فقطع عليه خطابه تاليا قوله تعالى «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» فأجابه الامام بآية اخرى «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ»

و جعل الأمر يمعن في الفساد بين الامام و بين هؤلاء المارقين، فقد أخذوا يتعرضون للآمنين، و ينشرون الرعب و الفزع فى البلاد الأمر الذي أوجب اضطراب الامن العام و شيوع الخوف بين جميع المواطنين.

اجتماع الحكمين:

و استرد معاوية قواه و احكم أمره بعد الانهيار الذي أصابه، و قد أوفد الى الامام رسله يستنجزه الوفاء بالتحكيم، و يطلب منه المبادرة باجتماع الحكمين، و انما بادر لذلك لعلمه بالفتن و الخطوب التي منى بها الجيش العراقي حتى تفرق الى طوائف و أحزاب يضاف الى ذلك علمه بانحراف ابي موسى الاشعرى عن الامام، و قد أراد أن يحوز بذلك الى نصره نصرا، و قد اجابه الامام (ع) الى ذلك و انفذ اربع مائة رجل عليهم شريح بن هانى الحارثي و معهم عبد اللّه بن عباس يصلى بهم و يلي أمورهم: و من بينهم ابو موسى الأشعرى المنتخب للتحكيم، و كذلك فعل معاوية فأشخص عمرو بن العاص و معه اربع مائة شخص، و زوده بدراسة وافية عن نفسية الخامل أبي موسى قائلا:

«إنك قد رميت برجل طويل اللسان قصير الرأى فلا ترمه بعقلك كله»

و سارت الكتائب فانتهت الى أذرح أو دومة الجندل

فكان هناك الاجتماع و التحكيم، و اجتمع الماكر المخادع عمرو بن العاص بضعيف العقل الخامل ابي موسى، فأمهله ثلاثة ايام و افرد له مكانا خاصا به و جعل يقدم له ما لذّ من الطعام و الشراب و لم يفتح معه الحديث حتى استبطنه و ارشاه، و لما علم بأنه قد هيمن عليه و صار زمامه بيده أخذ يحدثه بانخفاض و لين مبديا له الاكبار و التقديس و التعظيم قائلا له:

«يا أبا موسى .. انك شيخ اصحاب محمد (ص) و ذو فضلها،

و ذو سابقتها، و قد ترى ما وقعت فيه هذه الامة من الفتنة العمياء التي لا بقاء معها، فهل لك ان تكون ميمون هذه الأمة فيحقن اللّه بك دماءها، فانه يقول: في نفس واحدة. و من احياها فكأنما احيا الناس جميعا، فكيف بمن احيا انفس هذا الخلق كله.»

و متى كان ابو موسى شيخ صحابة النبي و من ذوي الفضائل و السوابق في الاسلام،؟!! و قد لعبت هذه الكلمات في نفسه فطفق يسأل عن الكيفية التي يحسم بها النزاع قائلا: كيف ذلك؟

«تخلع أنت على بن ابي طالب، و اخلع انا معاوية بن ابي سفيان و نختار لهذه الامة رجلا لم يحضر في شيء من الفتنة و لم يغمس يده فيها» فبادره ابو موسى عن الشخص الذي يرشح لكرسى الخلافة قائلا:

«و من يكون ذلك؟»

و كان عمرو قد فهم ميول ابي موسى و اتجاهه نحو عبد اللّه بن عمر فقال له:

«انه عبد اللّه بن عمر.»

و استرّ الاشعري بذلك اى سرور و اندفع إليه يطلب منه المواثيق على وفائه بما قال، قائلا له:

- كيف لى بالوثيقة منك؟

- يا أبا موسى .. الا بذكر اللّه تطمئن القلوب، خذ من العهود و المواثيق حتى ترضى.

ثم انبرى يكيل له العهود و المواثيق و الايمان المغلظة، حتى لم يبق يمين او شيء مقدس إلا و اقسم به على الوفاء و الالتزام بما قال، و بقى الشيخ الكبير السن الصغير العقل مبهورا بهذه اللباقة التي ابداها ابن العاص فأجابه بالرضا و القبول، و اذيع بين المجتمع اتّفاقهما، و الوقت الذي يكون فيه الاجتماع.

و أقبلت الساعة الرهيبة التي تغير فيها مجرى التأريخ، فاجتمعت الجماهير لتأخذ النتيجة الحاسمة من هذا التحكيم المنتظر بفارغ الصبر، فأقبل الخاتل ابن العاص مع أبي موسى المخدوع الى منصة الخطابة ليعلنا للجماهير الصورة التي اتّفقا عليها، فالتفت ابن العاص الى أبي موسى قائلا:

- قم فاخطب الناس، يا أبا موسى.

- قم. أنت فاخطبهم.

- سبحان اللّه أنا اتقدمك، و أنت شيخ أصحاب رسول اللّه و اللّه لا فعلت ذلك أبدا.

- أ في نفسك شيء؟

فزاده أيمانا مغلظة على الالتزام بالعهد الذي أعطاه له و عرف ابن عباس هذه المخادعة من ابن العاص و تجلت له الحيلة التي يرومها هذا الماكر فالتفت الى الأشعري قائلا:

«ويحك و اللّه، إني لأظنه قد خدعك، إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم بذلك الأمر قبلك، ثم تكلم أنت بعده، فان عمرو رجل غادر و لا آمن من أن يكون قد اعطاك الرضا فيما بينك و بينه فاذا قمت فى الناس خالفك» .

فلم يلتفت الصعلوك الى كلام ابن عباس و راح يشتد كأنه الحمار نحو منصة الخطابة فلما استوى عليها، حمد اللّه و اثنى عليه و صلى على النبي الكريم، ثم قال:

«أيها الناس، إنا قد نظرنا في أمرنا فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن و الصلاح و لم الشعث و حقن الدماء و جمع الالفة، خلعنا عليا و معاوية و قد خلعت عليا كما خلعت عمامتى هذه (و أهوى الى عمامته فخلعها) و استخلفنا رجلا قد صحب رسول اللّه (ص) بنفسه و صحب أبوه النبي صلى اللّه عليه و آله فبرز في سابقته و هو عبد اللّه بن عمر».

و أخذ يثنى عليه بالثناء العاطر و يخلع عليه النعوت الحسنة و الأوصاف الشريفة.

و قد عدل الاشعري عن انتخاب الامام أمير المؤمنين و هو نفس النبيّ و باب مدينة علمه فرشح عبد اللّه بن عمر و هو لا يحسن طلاق زوجته- على حد تعبير أبيه- أف للزمان و تعسا للدهر أن يتحكم فى المسلمين و يفرض رأيه عليهم مثل هذا الصعلوك النذل، و على اى حال فقد انبرى ابن العاص فحمد اللّه و اثنى عليه و صلى على النبي (ص) ثم قال:

«أيها الناس، إن أبا موسى عبد اللّه بن قيس خلع عليا و اخرجه من هذا الأمر الذي يطلب، و هو اعلم به، ألا و إنى خلعت عليا معه و أثبت معاوية علىّ و عليكم، و إن أبا موسى قد كتب فى الصحيفة إن عثمان قد قتل مظلوما شهيدا و إن لوليه أن يطلب بدمه حيث كان، و قد صحب معاوية رسول اللّه (ص) بنفسه، و صحب أبوه النبي و أخذ يفيض عليه بالثناء و المديح، ثم قال: هو الخليفة علينا، و له طاعتنا و بيعتنا على الطلب بدم عثمان.

و انطلق الخامل المخدوع أبو موسى الى ابن العاص قائلا:

«ما لك؟ عليك لعنة اللّه! ما أنت إلا كمثل الكلب تلهث.»

فزجره ابن العاص بعد أن جعله جسرا فعبر عليه، قائلا له:

«لكنك مثل الحمار يحمل اسفارا»

نعم هما كلب و حمار و قد احسن كل منهما فى وصف صاحبه، و انطلق أبو موسى الى مكة يصحب معه الخزي و العار بعد ما أحدث هذه الفتنة العمياء و الفتق الذي لا يرتق و ترك إمام الحق يئن من جراء حكمه المهزول، و قد سجل للعراقيين بتحكيمه عارا و خزيا لا ينساه التأريخ، و قد اكثر الشعراء فى الهجاء المقذع لهم فمن ذلك ما قاله أيمن بن خريم الأسدي :

لو كان للقوم رأي يعصمون به

من الضلال رموكم بابن عباس

للّه در أبيه أيما رجل

ما مثله لفصال الخطب فى الناس

لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن

لم يدر ما ضرب اخماس لأسداس

إن يخل عمرو به يقذفه في لجج

يهوى به النجم تيسا بين أتياس

ابلغ لديك عليا غير عاتبه

قول امرئ لا يرى بالحق من باس

ما الأشعري بمامون، أبا حسن

فاعلم هديت و ليس العجز كالراس

فاصدم بصاحبك الادنى زعيمهم

إن ابن عمك عباس هو الآسى

لقد سجل العراقيون فى تأريخهم صفحات من الخزي بانتخابهم لأبي موسى الخامل الرأي، الضعيف العقل الذي لم يمتع به النظر، و لا باصالة في التفكير، فكيف ينتخبونه ليقرر مصيرهم و مصير الاجيال اللاحقة؟

خطاب الامام الحسن:

و لما أذيع الخبر المؤلم بين العراقيين في خلع أبي موسى للامام زادت الفتنة، و كثر الاختلاف و الانشقاق بينهم، و جعل بعضهم يتبرأ من بعض و يشتم بعضهم بعضا، و رأى الامام أن خطورة الموقف تقضي بأن يقوم تفر من أهل بيته فيخطب بين الناس ليوقفهم على حقيقة الحال و يبين لهم فساد التحكيم، فقال للحسن: قم يا بني. فقل في هذين الرجلين عبد اللّه ابن قيس، و عمرو بن العاص فقام الحسن فاعتلى أعواد المنبر فقال:

«أيها الناس. قد أكثرتم في هذين الرجلين، و إنما بعثا ليحكما بالكتاب على الهوى، فحكما بالهوى على الكتاب، و من كان هكذا لم يسم حكما و لكنه محكوم عليه، و قد أخطأ عبد اللّه بن قيس إذ جعلها لعبد اللّه ابن عمر فأخطأ في ثلاث خصال، واحدة انه خالف (يعني ابا موسى) أباه (يعني عمر) إذ لم يرضه لها و لا جعله من اهل الشورى و اخرى إنه لم يستأمره في نفسه و ثالثها: إنه لم يجتمع عليه المهاجرون و الأنصار الذين يعقدون الامارة و يحكمون بها على الناس. و أما الحكومة فقد حكم النبي (ص) سعد بن معاذ في بني قريضة فحكم بما يرضى اللّه به،

و لا شك لو خالف لم يرضه رسول اللّه «ص» ثم نزل عن منصة الخطابة.

لقد ذكر الحسن في خطابه الرائع أهم النقاط الحساسة التي هي محور النزاع و مصدر الفتنة فأشبعها بالتفصيل و بين جلية الحال للجموع الحاشدة حتى لم يترك ثغرة ينفذ منها المتمردون إلا وسدها في وجوههم فأبان (ع) أن المختار للتحكيم إنما يتبع قوله و يكون رأيه فيصلا للخصومة فيما إذا حكم بالحق و لم يخضع للنزعات و الأهواء الفاسدة، و أبو موسى لم يكن في تحكيمه هذا خاضعا للحق بل اتبع هواه و ميوله فرشح عبد اللّه ابن عمر للخلافة مع أن أباه كان لا يراه أهلها و لو كان يراه اهلا للخلافة لرشحه لها او جعله من اعضاء الشورى مضا الى أن الشرط الأساسي في الانتخاب هو أن يجتمع على المنتخب المهاجرون و الأنصار و لم يحصل ذلك له، و أعرب (ع) في خطابه عن مشروعية التحكيم الامر الذي أنكرته الخوارج مستدلا على ذلك بتحكيم النبيّ (ص) لسعد بن معاذ في بني قريظة، و لو كان التحكيم غير مشروع لما ارتكبه الرسول الأعظم (ص).

و قام بعد الحسن عبد اللّه بن عباس فحمد اللّه و اثنى عليه و قال:

«أيها الناس. إن للحق أناسا أصابوه بالتوفيق و الرضا، و الناس بين راض به، و راغب عنه و إنما سار أبو موسى يهدى الى ضلال، و سار عمرو بضلال إلى هدى، فلما التقيا رجع أبو موسى عن هداه، و مضى عمر على ضلاله، فو اللّه لو كانا حكما عليه بالقرآن لقد حكما عليه، و لئن كانا حكما بهواهما على القرآن، و لئن مسكا بما سارا به، لقد سار أبو موسى و على إمامه و سار عمرو و معاوية إمامه».

و لما انهى خطابه أمر الامام عبد اللّه بن جعفر أن يخطب فتقدم عبد اللّه فصعد المنبر فقال:

«أيها الناس. هذا أمر كان النظر فيه لعلى. و الرضا فيه الى غيره

جئتم بأبي موسى، فقلتم قد رضينا هذا فارض به، و أيم اللّه ما أصلحا بما فعلا الشام، و لا أفسدا العراق، و لا اماتا حق علي، و لا أحييا باطل معاوية، و لا يذهب الحق قلة رأى، و لا نفخة شيطان، و انا لعلى اليوم كما كنا أمس عليه» ثم نزل عن المنبر و قد استجاب الناس لندائهم و ارتدع الكثيرون منهم عن الغي و التمرد.

تمرد الخوارج:

و لما فشل أمر التحكيم و رجع الوفد الكوفي و هو يجر رداء الخيبة و الفشل أخذ الامام يبذل قصارى جهوده على إخراج الناس لمحاربة القوى الباغية عليه فأجابه الناس الى ذلك، و لكن الخوارج أخذوا يعيثون في الارض فسادا فقد رحلوا عن الكوفة و عسكروا في النهروان فاجتاز عليهم الصحابي الجليل عبد اللّه بن خباب بن الأرت فأقبلوا إليه قائلين له:

- من أنت؟

- رجل مؤمن.

- ما تقول في على بن أبي طالب؟

- إنه أمير المؤمنين، و أول المسلمين إيمانا باللّه و رسوله.

- ما اسمك؟

- عبد اللّه بن خباب بن الارت صاحب رسول اللّه.

- أفزعناك؟

- نعم.

- لا روع عليك.

- حدثنا عن أبيك بحديث سمعه من رسول اللّه، لعل اللّه أن ينفعنا به.

- نعم حدثني عن رسول اللّه (ص) أنه قال: ستكون فتنة بعدى يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسي مؤمنا و يصبح كافرا.

- لهذا الحديث سألناك؟ و اللّه لنقتلنك قتلة ما قتلنا بمثلها احدا.

ثم أوثقوه كتافا، و اقبلوا به و بامرأته و كانت حبلى قد اشرفت على الولادة، فنزلوا بهما تحت نخل، فسقطت رطبة منها فبادر بعضهم إليها فوضعها في فيه، فأقبل إليه بعضهم منكرا عليه قائلا:

«بغير حل أكلتها!!»

فالقاها بالوقت من فيه، و اخترط بعضهم سيفه فضرب به خنزيرا لأهل الذمة فقتله، فصاح بعضهم فيه:

«إن هذا من الفساد في الأرض.»

فبادر الرجل الى صاحب الخنزير فأرضاه، فلما نظر الى ذلك عبد اللّه ابن خباب قال لهم:

«لئن كنتم صادقين فيما أرى، ما علي منكم بأس، و و اللّه ما احدثت حدثا في الاسلام، و إني لمؤمن، و قد آمنتموني، و قلتم لا روع عليك» فلم يلتفتوا الى قوله، فجاءوا به و بامرأته، فأضجعوه على شفير النهر و وضعوه على ذلك الخنزير الذي قتلوه، ثم ذبحوه، و أقبلوا الى امرأته و هي ترتعد من الخوف ترى شبح الموت قد خيم عليها و تنظر الى زوجها و هو جثة هامدة فقالت لهم مسترحمة و متضرعة:

«إنما أنا امرأة، أ ما تتقون اللّه؟»

فلم يعتنوا باسترحامها و تضرعها، و أقبلوا عليها كالكلاب فقتلوها و بقروا بطنها، و انعطفوا على ثلاث نسوة فقتلوهن و فيهن أمّ سنان الصيداوية و كانت قد صحبت النبي (ص)، و لم يقف شرهم عند هذا الحد بل أخذوا

يستعرضون الناس، و يذيعون الذعر بين المسلمين و ينشرون الفساد في الارض

واقعة النهروان:

و أرسل الامام الى الخوارج الحارث بن مرة العبدى يسألهم عن ترويعهم للآمنين و نشرهم للخوف و عن الفساد الذي أحدثوه فى الأرض، فحينما انتهى إليهم قتلوه، و لما جاء خبر قتله الى الامام قام إليه فريق من اصحابه فقالوا له:

«يا أمير المؤمنين، علام تدع هؤلاء وراءنا يخلفوننا في اموالنا و عيالنا، سربنا الى القوم فاذا فرغنا مما بيننا و بينهم سرنا الى عدونا من أهل الشام».

فاستصوب الامام رأيهم و رأى ان الخطر الناجم من هؤلاء أشد و أعظم من خطر معاوية و ذلك لقربهم من عاصمته و هم لا شك سيحدثون الاضطراب و القلق فيما لو نزح لجرب معاوية فأزمع الامام على الرحيل إليهم و نادى مناديه في الجيش:

«الرحيل، عباد اللّه، الرحيل.»

و تحركت قوات الامام تحدوها العقيدة الى محاربة هؤلاء المارقين عن الدين و العابثين بالأمن فلما انتهوا إليهم بعث الامام لهم رسولا يطلب منهم قتلة عبد اللّه بن خباب و من كان معه و قتلة رسوله الحارث بن مرة، فاندفعوا مجيبين بجواب واحد.

«إنا كلنا قتلناهم، و كلنا مستحل لدمائكم و دمائهم.»

فأقبل (ع) بنفسه إليهم فوجه لهم خطابا مشفوعا بالنصح و الارشاد و حب الخير قائلا:

«أيتها العصابة، إني نذير لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غدا، و انتم صرعى بازاء هذا النهر بغير برهان و لا سنة، أ لم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، و اخبرتكم أن طلب القوم لها مكيدة، و انبأتكم ان القوم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، و أني أعرف بهم منكم، قد عرفتهم اطفالا، و عرفتهم رجالا، فهم شر رجال، و شر أطفال، و هم أهل المكر و الغدر، و انكم إن فارقتموني و رأيى جانبتم الخير و الحزم، فعصيتموني و أكرهتموني، حتى حكمت، فلما أن فعلت شرطت و استوثقت، و اخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، و أن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا، و خالفا حكم الكتاب و السنة، و عملا بالهوى، فنبذنا أمرهم، و نحن على أمرنا الاول، فما نبؤكم و من أين أتيتم؟»

لقد بين (ع) فى خطابه اجبارهم و إكراههم له في بادئ الامر على التحكيم، و إنه ما قبله إلا و هو مكره مخاطر على حياته منهم، و انه قد شرط على الحكمين أن يحكما بما وافق كتاب اللّه و سنة نبيه و لما لم يحكما بذلك و لم يتبعا الحق كان حكمهما مردودا و لكن هؤلاء العتاة الذين لم يفهموا من المنطق شيئا اجابوا الامام بجواب دل على تماديهم في الجهل قائلين:

«.. إنا حيث حكمنا الرجلين أخطأنا بذلك، و كنا كافرين، و قد تبنا من ذلك، فان شهدت على نفسك بالكفر، و تبت كما تبنا و اشهدنا فنحن معك و منك، و إلا فاعتزلنا، و إن أبيت فنحن منابذوك على سواء» فأجابهم الامام منكرا عليهم ذلك قائلا:

«أبعد إيماني باللّه و هجرتي و جهادى مع رسول اللّه (ص)، أبوء و أشهد على نفسي بالكفر، لقد ضللت إذن و ما أنا من المهتدين، ويحكم بم استحللتم قتالنا و الخروج من جماعتنا إن اختار الناس رجلين، فقالوا لهما: انظرا بالحق فيما يصلح العامة ليعزل رجل، و يوضع آخر مكان آخر. أحل لكم أن تضعوا سيوفكم على عواتقكم تضربون بها هامات الناس و تسفكون دماءهم، إن هذا لهو الخسران المبين»

و لما علموا أنهم لا يستطيعون أن يناقشوا الامام في كلامه نادى بعضهم بعضا:

«لا تخاطبوهم و لا تكلموهم، تهيئوا للقاء الحرب، الرواح الرواح إلى الجنة.»

و لما يئس الامام من ارشادهم و إرجاعهم الى طريق الحق عبأ جيشه و أمر بان لا يبدءوهم بقتال حتى يقاتلوهم، و لما نظر الخوارج الى هذا التهيؤ استعدوا و تهيئوا، و كانت نفوسهم مترعة بالشوق الى الحرب و قلوبهم تتحرق الى القتال تحرق الظمآن الى الماء، و هتف بعضهم فيهم:

«هل من رائح الى الجنة؟»

فأجابوه جميعا الرواح الى الجنة، ثم حملوا حملة منكرة و هم يهتفون بشعارهم (لا حكم إلا للّه) فانفرجت لهم خيل الامام فرقين، فرق تمضي الى الميمنة و فرق تمضي الى الميسرة، و الخوارج يندفعون بين الفريقين، فتلقاهم أصحاب الامام بالنبل و ما هي إلّا ساعة حتى قتلوا عن آخرهم و لم يفلت منهم الا تسعة و لما وضعت الحرب أوزارها طلب الامام من اصحابه أن يلتمسوا له ذا الثدية في القتلى فبحثوا عنه بحثا دقيقا فلم يظفروا به فعادوا إليه يخبرونه بعدم ظفرهم به، فأمرهم أن يلتمسوه له مرة اخرى قائلا: «ما كذبت، و لا كذبت، ويحكم!! التمسوا الرجل فانه في القتلى ..»

فانطلقوا يفتشون عنه، فظفر به رجل من اصحابه بين القتلى، فمضى يهرول فأخبر الامام به فقال: «اللّه اكبر!! ما كذبت على محمد، و إنه لناقص اليد ليس فيها عظم في طرفها حلمة مثل ثدي المرأة عليها خمس شعرات أو سبع رءوسها معقفة ..»

و أمر باحضار جثته، فاحضرت له فتبين عضده فاذا على منكبه ثدى كثدي المرأة و عليه شعرات سود تمتد حتى تحاذي بطن يده الأخرى فاذا تركت عادت الى منكبه، فلما رأى ذلك خرّ للّه ساجدا، ثم قسم بين اصحابه سلاح الخوارج و دوابهم، ورد الأمتعة و العبيد الى أهليهم و بذلك انتهت حادثة النهروان.

المتارك البغيضة:

و اعقبت حادثة صفين و النهروان أعظم المحن و المشاكل و اغرقت البلاد في الاحداث و الخطوب، و قد اوجبت خذلان الامام و ولده الحسن في دوره، و نشير الى بعضها:

1- تمرد الجيش

لقد منى الجيش العراقي عقيب الحادثتين بالانشقاق و التمرد، و الضعف و السئم من الحرب و سبب ذلك يرجع الى كثرة من قتل منه، و ان القتلى كانوا ينتمون الى تلك الكتائب العسكرية فشاع فيها الحزن و انتشر الجزع و التذمر، و اصبح الجيش على أثر ذلك يسأم من الحرب، و يحب السلم و يؤثر العافية، و قد ظهر ذلك بوضوح حينما أراد الامام أن يزحف الىحرب معاوية عقيب حادثة النهروان فانهم لم يجيبوه الى ذلك، و قد تصدى الاشعث بن قيس الى جوابه فقال له:

«يا أمير المؤمنين .. نفذت نبالنا، و كلت سيوفنا، و نصلت أسنة رماحنا، فارجع بنا الى مقرنا لنستعد بأحسن عدتنا، و لعل أمير المؤمنين يزيد فى عددنا عدد من هلك منا، فانه أوفى لنا على عدونا ..»

و على أثر كلام هذا الماكر الخبيث تسلل الجنود من معسكراتهم، منهزمين و لاذ من لاذ منهم بالمدن القريبة، و أيقن الامام أنهم مارقون من يده، و لا طاعة له عليهم، فاضطر الى الرجوع إلى عاصمته و بهذا نقف على مدى رغبة الجيش في الاستسلام و سئمه من الحرب، و كلما حاول الامام بعد ذلك بشتى الوسائل و الاساليب أن يقضى على هذا الانحلال و التمرد فلم يتمكن.

2- فقده لأعلام أصحابه

و فقد الامام في صفين أهم أصحابه الذين يعتمد على اخلاصهم و ايمانهم بقضيته، و هم البقية الصالحة من المهاجرين و الانصار الذين ناضلوا عن كرامة الاسلام و شيدوا صروحه، و لو كانوا في قيد الحياة لما حدث التفكك في جيشه، و قد حزن عليهم حزنا مرهقا، و بكى عليهم أمر البكاء و قد تذكرهم و هو يخطب على منبر الكوفة فصعد آهاته و بث زفراته و انطلق يقول: «ما ضرّ إخواننا الذين سفكت دماؤهم بصفين أن لا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص و يشربون الرنق ،!- قد و اللّه- لقوا اللّه فوفاهم اجورهم، و احلهم دار الأمن بعد خوفهم، اين اخواني الذين ركبوا الطريق و مضوا على الحق، اين عمار، و اين ابن التيهان و اين ذو الشهادتين و اين نظراؤهم من اخوانهم الذين تعاقدوا على النية، و أبرد برءوسهم الى الفجرة؟!»

ثم وضع يده على كريمته الشريفة فأطال البكاء ثم قال:

«أوه على إخواني الذين قرءوا القرآن فأحكموه، و تدبروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنة، و أماتوا البدعة، دعوا للجهاد فأجابوا و وثقوا بالقائد فأتبعوه

لقد ذابت نفسه أسى على فقده لهذه الصفوة التي عرفت مكانته و وعت أهدافه، و سارت على ضوء إرشاداته القيمة و تعاليمه الرفيعة حتى صارت أمثلة للكمال و التهذيب و السمو، و لما طحنت هؤلاء المثاليين حرب صفين صار الامام أعزلا لا يجد أحدا في ذلك المجتمع الهزيل يسانده و يساعده على تحقيق ما يصبو إليه فى هذه الحياة من إصلاح المجتمع و نشر ألوية العدالة و المساواة بين الناس، .. و أما خصمه معاوية فانه لم يخسر فى حرب صفين أحدا من بطانته و الدهاة الذين عنده بل انضم إليه جمع كثير من الذين باعوا ضمائرهم عليه حتى قوي أمره.

3- الاحتلال و الغزو

لقد درس معاوية نفسية الجيش العراقي و وقف على تخاذله و عدم انقياده للامام فجعل يحتل الاقطار الاسلامية قطرا بعد قطر فبعث جيشا جرارا لاحتلال مصر التي هي أمل ابن العاص و بغيته، فاحتلها و قتل حاكمها الطيب محمد بن أبي بكر قتلة مروعة، و العراقيون متقاعسون عن إجابة الامام و النهوض معه الى رد هذا العدوان.

و بعث جيشا آخر بقيادة الوغد الأثيم بسر بن أبي أرطاة لاحتلال الحجاز و اليمن، فتوجه القائد القاسي الى المدينة و كان حاكمها أبا أيوب الأنصاري فهرب و قد استولى عليه الخوف، و دخل بسر الى المدينة فأدخل الرعب و الخوف في القلوب، و خطب الناس فكان خطابه حافلا بالجفاء و الغلظة و القسوة فمن جملة خطابه.

«يا أهل المدينة، و اللّه لو لا ما عهد الي معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته.»

و لما انهى هذا الأثيم أمر المدينة توجه إلى مكة فاحتلها، و أخذ البيعة من أهلها قسرا، ثم انعطف بعد ذلك الى اليمن و كان واليها عبيد اللّه ابن العباس فانهزم بنفسه ناجيا من شره قاصدا نحو الكوفة ليعرف الامام بذلك و لما دخل بسر الى اليمن أخذ البيعة من أهلها، و فتش عن طفلين لعبيد اللّه فلما ظفر بهما قتلهما و لما انتهى خبرهما الى امهما ضاقت بها الدنيا و أكلها الحزن و برى البكاء عينيها، فكان الحزن و الجزع لها غذاء و شرابا حتى فقدت شعورها و قد رثتهما بذوب روحها قائلة:

يا من احس بابنيّ اللذين هما

كالدرتين تشطى عنهما الصدف

يا من أحس بابنيّ اللذين هما

قلبي و سمعي، فقلبي اليوم مختطف

من ذل والهة حيرى مدلهة

على صبيين ذلا: إذ غدا السلف

خبرت بسرا و ما صدقت ما زعموا

من افكهم و من القول الذي اقترفوا

أنحى على و دجى ابني مرهفة

مشحوذة و كذاك الأثم يقترف

و لما انتهت الأنباء المريعة الى الامام أقبل الى اصحابه و انمسه المقدسة ملؤها اللوعة و الاستياء على هذا التمرد الناشب فى جيشه فخطب فيهم فمن جملة خطابه قوله:

«أنبئت بسرا قد اطلع اليمن و انى و اللّه لأظن ان هؤلاء القوم سيدالون منكم، باجتماعهم على باطلهم، و تفرقكم عن حقكم، و بمعصيتكم امامكم في الحق، و طاعتهم امامهم في الباطل، و بأدائهم الامانة الى صاحبهم و خيانتكم، و بصلاحهم فى بلادهم و فسادكم. فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته ! اللهم اني قد مللتهم و سئمتهم و سئموني فابدلني بهم خيرا منهم و ابدلهم بي شرا مني، اللهم مث في قلوبهم كما يماث الملح في الماء أما و اللّه لوددت ان لي الف فارس من بني فرس ابن غنم :

هنالك، لو دعوت، أتاك منهم

فوارس مثل أرمية الحميم

ثم نزل (ع) عن المنبر و بهذا الخطاب نقف على مدى فساد جيشه و خيانته، و لا عجب في رفض الامام الحسن له و التخلية بينه و بين معاوية فان شعبا لا يساند الحق و لا يدافع عن كرامته لجدير بأن يكون لقمة سائغة لذوي الأطماع و الأهواء.

و لم يكتف معاوية بذلك فأرسل جيشا جرارا بقيادة سفيان بن عوف للاغارة على أهل العراق في عقر دارهم فغزى جيشه هيت و الانبار و قد أوقع بنفوس اهليهما قتلا فظيعا، و بأموالهم أضرارا جسيمة، و لما انتهت الانباء الى الامام بلغ منه الحزن أقصاه لأنه يرى الباطل قد قويت شوكته و لا يمكنه تحطيمه و القضاء عليه، و ينظر الى اصحابه و قد امتلأت قلوبهم خوفا و ذلا و جبنا، فصعد عليه السلام على المنبر فخطبهم بخطاب رائع مثل ما في نفسه من هم مقيم و أسى شديد، و صور ما في نفوس اصحابه من خنوع و خور و تخاذل قائلا:

«ألا و إني قد دعوتكم الى قتال هؤلاء القوم ليلا و نهارا، و سرا و اعلانا، و قلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم فو اللّه ما غزى قوم في عقر دارهم الا ذلوا فتواكلتم، و تخاذلتم حتى شنت الغارات عليكم، و ملكت عليكم الاوطان. و هذا أخو غامد و قد وردت خيله الانبار و قد قتل حسان بن حسان البكري، و أزال خيلكم عن مسالحها و لقد بلغني ان الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، و الاخرى المعاهدة فينتزع حجلها و قلبها و قلائدها و رعاثها ما تمنع منه الا بالاسترجاع و الاسترحام ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم و لا أريق لهم دم، فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا اسفا ما كان به ملوما، بل كان به عندى جديرا، فيا عجبا- و اللّه- يميت القلب و يجلب الهم اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم و تفرقكم عن حقكم فقبحا لكم و ترحا، حين صرتم غرضا يرمى يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون فاذا امرتكم بالسير إليهم في ايام الصيف قلتم هذه حمارة القيظ امهلنا يسلخ عنا الحر و اذا امرتكم بالسير إليهم فى الشتاء قلتم: هذه صبارة القر امهلنا ينسلخ عنا البرد، كل هذا فرارا من الحر و القر، فأنتم و اللّه من السيف افر، يا أشباه الرجال و لا رجال! حلوم الأطفال، و عقول ربات الحجال لوددت اني لم اركم و لم اعرفكم معرفة و اللّه جرت ندما، و اعقبت سدما قاتلكم اللّه!! لقد ملأتم قلبي قيحا، و شحنتم صدرى غيظا، و جرعتموني نغب التهمام انفاسا و افسدتم علي رأيى بالعصيان و الخذلان».

و لم يثر هذا الخطاب الحماسي الرائع حفائظ نفوسهم و لم يقلع روح الخور و التمرد منهم، قد اسلموا انفسهم للعداء المسلح، يصيب معاوية من اموالهم و انفسهم ما شاء و متى اراد.

4- فتنة الخريت

و لم يقف بلاء الامام و محنته فى أصحابه، و خصمه معاوية الى هذا الحد فقد تجاوز البلاء و الشر الى ما هو اعظم و اشد، تلك هي فكرة الخوارج التي لم يقض عليها يوم النهروان و انما قضى على بعض معتنقيها و قد اخذت تتسع و يكثر انصارها، و قد خلقوا افظع المشاكل في الحقل الاسلامي فدعوا الى التمرد على حكومة الامام و كان من اهمهم هو الخريت ، فقد خرج هو و فريق من اصحابه و قد اعلنوا الحرب و العصيان، فأرسل الامام إليهم جيشا لردهم الى الطاعة و حربهم ان أبوا ذلك، فلحق بهم الجيش فكانت بينهم- أولا- مناظرة و جدال، و لما امتنع الخريت من الرجوع الى الطاعة وقع بين الفريقين قتال عنيف، و لكن لم يتغلب أحدهما على الآخر و هرب الخريت بأصحابه نحو البصرة، فرجع جيش الامام و لم يظفر بشيء فأرسل الامام له جيشا آخر اكثر منه عدة و أعظم قوة و أمره بأن يتعقبهم و كتب الى عبد اللّه بن عباس عامله على البصرة أن يمد الجيش و يزوده بما يحتاج إليه فامتثل عبد اللّه بن عباس ذلك، و التقى الفريقان فكان بينهما أشد القتال و أعنفه، و بدت امارة الانحلال و الخور في جيش الخريت الا أنه استطاع أن ينهزم بأصحابه فى غلس الليل البهيم، فولى هاربا نحو الأهواز فأخذ يبذر الفتنة و يبشر بفكرته بين اولئك البسطاء الذين لم يعوا المفاهيم الاسلامية و لم يتعقلوا أهدافها و واقعها فاستجابوا له، و قد أخذ يزهد الاسلام في نفوسهم، فمنع العرب من اعطاء الصدقة، و النصارى من اعطاء الجزية، حتى ارتد كثير من النصارى ممن كان قد اسلم و قد التف حوله جمع كثير من اولئك الاغبياء حتى ظهر امره و قويت شوكته، و لكن جيش الامام قد تتبعهم الى ان ظفر بهم فكانت بينهما موقعة ادت اخيرا الى قتل الخريت و فريق من حزبه، و اخذ قائد جيش الامام ما بقى من اصحاب الخريت اسرى فمن اسلم منهم منّ عليه، و من ارتد استتابه، فان اسلم منّ عليه، و ان لم يسلم اخذه أسيرا معه.

و هكذا أخذت الفتن تتسع و تتزايد فى الحاضرة الاسلامية التي هي تحت سيطرة حكم الامام حتى اوجبت خذلان الامام و قتله و خذلان ولده الحسن في دوره و الحقت اضرارا كثيرة في المجتمع الاسلامي جعلته غارقا فى المآسي و الشجون.

ان حادثة صفين بما اعقبته من المتارك الفظيعة قد اوجبت تدهور المسلمين و انحطاطهم، و تغلب قوى البغي على قوى الحق و الاسلام، و مهدت الطريق للامويين أن يتحكموا في رقاب المسلمين، و ان يستأثروا باموالهم و سائر امكانياتهم، و ان يسعوا جاهدين في محاربة الاصلاح و سائر النزعات الخيرة حتى ضج المسلمون من جورهم و استبدادهم و ظلمهم.

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved