۱۳۹۶ جمعه ۶ مرداد | اِجُّمعَة ٤ ذو القعده ١٤٣٨
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
فى البصرة 

تمت البيعة للامام من جميع الحواظر الاسلامية سوى الشام، و آمن المسلمون بالأهداف الاصيلة التي ينشدها الحكم الجديد، و ايقنوا أن الامام سيعيد لهم رحمة الاسلام و عدله، و ان حكمه امتداد لحكم النبي و سيرته، و قد قام الامام في اليوم الاول من خلافته بتطبيق العدالة الاسلامية الكبرى، و تحقيق المساواة الشاملة بين المسلمين سواء فى العطاء أو فى غيره من المجالات العامة، و حطم الفوارق و الامتيازات التي اوجدها عثمان على مسرح الحياة الاسلامية، و قام بمصادرة الأموال المنهوبة التي منحها عثمان لأسرته و أقاربه و قد قضى بذلك على الغبن الاجتماعي، و الظلم الاجتماعي، كما قام بحماية المسلمين من الاستغلال و الاستبداد، و صيانتهم من التدهور و الانحطاط، و قد أثارت هذه المبادئ و الأهداف سخط النفعيين و المنحرفين فلم تمض أيام قليلة حتى اظهروا بوادر البغي و الشقاق، و اعلنوا التمرد و العصيان و قاموا بعد و انهم المسلح لاجل الاطاحة بالحكم القائم و اعادة سياسة النهب و التجويع، و أبطال هذه المؤامرة عائشة و طلحة و الزبير فقد أثاروها حربا شعواء من اجل مطامعهم الرخيصة، فكانت موقعة البصرة التي صدعت شمل المسلمين، و أشاعت الحزن و الحداد فى ربوعهم، و علينا أن ننظر إلى فصول هذه المأساة الكبرى التي نشرت الفتن و الكوارث في أجواء العالم الاسلامي لنتبين بواعثها و دوافعها.

 

تمرد طلحة و الزبير 

و تعرض كثير من المسلمين لأسباب الفتن و دواعي الغرور و طرأت عليهم من الأحداث ما باعدت بينهم و بين دينهم و بين عهدهم الأول، و السبب فى ذلك انهم امتحنوا بالسلطة و بالثراء الواسع العريض، و من

هؤلاء طلحة و الزبير فقد انطلقا إلى الامام أمير المؤمنين فقالا له:

«هل تدرى على م بايعناك يا أمير المؤمنين؟؟»

فرمقهما الامام بطرفه و قال لهما:

- نعم على السمع و الطاعة، و على ما بايعتم عليه أبا بكر و عمر و عثمان- لا- و لكن بايعناك على أنا شريكاك فى الأمر

- لا- و لكنكما شريكان فى القول و الاستقامة و العون على العجز و الأود إن بيعتهما للامام فى قرارة أنفسهما كانت مدفوعة بالدوافع المادية البحتة، فهما يريدان الحكم، و المساومة على السلطة، و همها فى نظر الامام شريكان له فى الاستقامة و فى تحقيق العدالة بين المسلمين، و لما استبان لهما أنه لا يوليهما شيئا اظهرا الشكاة و اعلنا التمرد فقال الزبير فى ملأ من قريش:

«هذا جزاؤنا من علي، قمنا له فى أمر عثمان حتى أثبتنا عليه الذنب و سببنا له القتل، و هو جالس فى بيته و كفى الأمر فلما نال بنا ما أراد جعل دوننا غيرنا ..»

و قال طلحة:

«ما اللوم الا انا كنا ثلاثة من أهل الشورى كرهه أحدنا ، و بايعناه، و اعطيناه ما فى أيدينا، و منعنا ما فى يده فأصبحنا قد اخطأنا ما رجونا ..»

و انتهى حديثهما إلى الامام أمير المؤمنين فاستدعى عبد اللّه بن عباس فقال له:

- بلغك قول الرجلين؟

- نعم

- أرى أنهما أحبا الولاية فول البصرة الزبير، و ول طلحة الكوفة و أنبرى الامام يفند رأى ابن عباس، و يبين له أن فى ولايتهما خطرا على الأمة قائلا:

«ويحك!! إن العراقين بهما الرجال و الأموال، و متى تملكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع، و يضربا الضعيف بالبلاء، و يقويا على القوى بالسلطان، و لو كنت مستعملا أحدا لضره و نفعه لاستعملت معاوية على الشام، و لو لا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي» و دلت هذه البادرة على مدى حرص طلحة و الزبير على الامارة و السلطان، و انهما إنما أثارا سخط الناس على عثمان طمعا بالخلافة و الولاية و لم يكونا مدفوعين بدافع المصلحة العامة، و حب النصح للمسلمين، و قد خسرا الصفقة، و ذهبت مساعيهما أدراج الرياح حينما آل الأمر إلى أمير المؤمنين لأن المحور الذي تدور عليه رحى سياسته مسايرة الدين و العمل على وفق المبادئ الاسلامية و هي لا تقر بأي حال من الأحوال أن تمنح الوظائف أثرة أو محاباة لأن ذلك خيانة للامة، و قد اعرب الامام عن الاسباب التي دعته أن لا يوليهما العراقين و هي:

1- إنهما يستميلان السفهاء بالمنافع و الاطماع.

2- إنهما يصبان على الضعفاء وابلا من العذاب و البلاء.

3- يستغلان النفوذ و السلطان و يقويان به على القوى.

و مع علمه بهذه الاتجاهات كيف يجعلهما ولاة و حكاما على المسلمين يتصرفان في أموالهم و دمائهم .. و قد انتقد شفيق جبرى الامام في ذلك و اعتبر أن حرمانهما من الولاية كان غلطة منه- على حد تعبيره الرخيص- ان شفيق جبري قد آمن بالسياسة الغربية التي تبيح جميع الوسائل فى سبيل الوصول الى الحكم و ان كانت غير مشروعة و هذه السياسة لا يقرها الاسلام بحال فقد بنى سياسته الخلاقة على الايمان بحقوق الانسان و تجنب المكر و الخداع و ان توقف عليهما النصر و الظفر و على ضوء هذه السياسة العادلة سار ابن ابي طالب رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الأرض.

ان السياسة التي سار عليها الملوك و لا يزال يسيرون عليها عشاق الملك و السلطان لا يلتقى معها الامام بصلة، و لا تتفق مع أهدافه العليا، و قد اوضح عليه السلام اسباب ذلك بقوله:

«لو لا التقى و الورع لكنت ادهى العرب»

ان التقى و الورع و الخوف من اللّه تقف امامه و تصده عن ارتكاب اى وسيلة لا يقرها الشرع، و مضافا لذلك فان المصلحة كانت تقضي ان لا يوليهما الكوفة و البصرة لان لهما حزبين و شيعة بهما و لا يؤمن أن يتسرب نفوذهما يوما ما إلى الدولة الاسلامية كافة

و على أي حال فلما استبان لطلحة و الزبير ضياع املهما و عدم فوزهما بمقعد الحكم انطلقا إلى الامام طالبين منه الاذن بالخروج قائلين:

- ائذن لنا يا أمير المؤمنين.

- إلى اين؟!!

- نريد العمرة.

فرمقهما الامام هينهة و قد عرف حفايا نفوسهما فقال لهما برنة المستريب و اللّه ما العمرة تريدان!! بل الغدرة و نكث البيعة!!

و اقسما له بالايمان المغلظة انهما لا يخلعان البيعة، و انهما يخرجان ليعتمرا بالبيت الحرام، و انهما يعلمان أنها قسم حانث، و لكن لم يجدا وسيلة يصلان بها إلى الغاية سوى اليمين الكاذب، و التفت الامام لهما و نفسه مترعة بالشك و الريبة منهما قائلا:

«أعيدا البيعة لي ثانية».

ففعلا دون تردد، و مضيا منهزمين إلى مكة، و كأنه قد اتيح لهما الخلاص من سجن أو عقاب، و لحقا بعائشة يستفزانها على الثورة فانهما على علم بما تكنه من الحقد و العداء للامام.

خروج عائشة: 

كانت عائشة في طليعة من أشعل نار الثورة على عثمان، و قالت فيه أمر القول و أقساه، و ما كان اسمه عندها الا نعثلا، و تعزو بعض المصادر السبب في ذلك إلى أنه نقصها مما كان يعطيها عمرو صيرها كغيرها من أزواج النبي (ص) و قد بالغت في التشهير به و التحريض على قتله و لما احاط الثوار به خرجت إلى مكة و بعد ادائها لمناسك الحج قفلت راجعة إلى يثرب و هي تجد في السير لتنظر ما آل إليه أمر عثمان فلما انتهت إلى سرف لقيها رجل من أخوالها يقال له عبيد بن أبي سلمة و كان قادما من المدينة فاستعجلت قائلة له:

- مهيم؟ .

- قتلوا عثمان.

- ثم صنعوا ما ذا؟

- اجتمعوا على بيعة علي فجازت بهم الأمور الى خير مجاز!!

فانهارت أعصابها، و تحطمت قواها، و بلغ بها الحزن إلى قرار سحيق، و هتفت و هي حانقة مغيظة و بصرها يشير إلى السماء، ثم ينخفض فيشير إلى الأرض قائلة:

«و اللّه ليت هذه انطبقت على هذه، إن تم الأمر لابن أبي طالب قتل عثمان مظلوما و اللّه لأطلبن بدمه».

فاجابها عبيد باستنكار و سخرية:

«و لمّ؟ فو اللّه إن أول من أمال حرفه لأنت!!! و لقد كنت تقولين اقتلوا نعثلا فقد كفر!» لما ذا هذا الحزن و الجزع من عائشة؟

و قد عادت للاسلام نضارته بحكومة الامام، و ظفر المسلمون بما يصبون إليه؟؟

و أجابت عائشة ابن خالها فقالت له:

«إنهم استتابوه ثم قتلوه، و قد قلت و قالوا؟ و قولي الأخير خير من قولي الأول ..»

و هل كانت حاضرة حينما استتابوه؟ و هل لها دراية بكيفية توبته، و لكنها افتعلت دلك لتبرير موقفها وفد رد عليها عبيد فقال لها:

منك البداء و منك الغير

و منك الرياح و منك المطر

و أنت أمرت بقتل الامام

و قلت لنا إنه قد كفر

فهبنا اطعناك فى قتله

و قاتله عندنا من أمر

و لم يسقط السقف من فوقنا

و لم تنكسف شمسنا و القمر

و قد بايع الناس ذا تدرإ

يزيل الشبا و يقيم الصعر

و يلبس للحرب أثوابها

و ما من و فى مثل من قد غدر

فاعرضت عنه و انصرفت راجعة الى مكة و قد علاها الحزن و الاكتئاب، و احاط بها الاسى و الذهول.

دوافع تمردها:

و ليس شيء أو هى من القول بأن السبب في خروج عائشة هو المطالبة بدم عثمان فانها هي التي حفزت المسلمين إلى الاجهاز عليه و دعتهم إلى الاطاحة بحكمه يقول شوقي:

أثار عثمان الذي شجاها

أم غصة لم ينتزع شجاها

ذلك فتق لم يكن بالبال

كيد النساء موهن الجبال

نعم تذرعت بدم عثمان و اتخذته وسيلة إلى اعلان العصيان و التمرد و إلى اغراء السذج و البسطاء فزجت بهم فى الحرب التي أثارتها ضد أمير المؤمنين و أخي رسول اللّه (ص) و باب مدينة علمه.

إن دم عثمان لا يصلح باي حال ان يكون من بواعث ثورتها على النظام القائم و انما بواعث ذلك ما يلي:

1- إن نفسها كانت مترعة بالبغض و الكراهية للامام و لزوجته سيدة

النساء و أولادهما و سبب ذلك انها رأت اتجاه النبي و اقباله عليهم و انه قد خصهم بمزيد الحب و العطف على نحو لم يشاركهم فيه أحد و لم تحض عائشة بقليل و لا بكثير من تلك الرعاية و ذلك الحنان بل كان يعاملها معاملة عادية بل و يزدري بها فى كثير من الاحيان فقد وقف خطيبا على منبره فأشار إلى مسكنها قائلا: «هاهنا الفتنة، هاهنا الفتنة هاهنا الفتنة حيث يطلع قرن الشيطان و قد هددها غير مرة بالطلاق نظرا لما كان يعانيه منها فقد قالت له مرة فى كلام غضبت عنده أنت الذي تزعم أنك نبي و كان اذا صلى تمد رجلها في قبلته ثم لا ترفعها عن سجوده حتى يغمزها فاذا غمزها رفعتها، حتى يقوم فتمدها ثانية لقد رأت عائشة اقبال النبي على فاطمة و على زوجها و اعراضه عنها الأمر الذي اثار كوامن الحقد في نفسها، و قد جابهت رسول اللّه (ص) بذلك فقد استأذن أبو بكر على رسول اللّه فسمع صوت عائشة عاليا و هي تقول له: «و اللّه لقد عرفت أن عليا أحب إليك من أبي و منى مرتين أو ثلاثا» و ليس شيء يثير عواطف المرأة و يترك العقد النفسية فيها مثل ما ترى أحدا أثيرا عند زوجها، و مقدما عليها في الحنان و الحب، و زاد في تأثرها و انفعالها انها حرمت الولد من النبي كما حرم من غيرها، و قد تبنى ابناء ابنته الوحيدة فاقام لهم في نفسه اعمق الحب و الاخلاص، و قد ترك ذلك كوامن الحسد فى نفسها من الامام و زوجته، و قد بذلت جميع طاقاتها في مقابلة أمير المؤمنين و صرف الخلافة عنه فقد رشحت أباها للصلاة فى مرض رسول اللّه لئلا يصلي بالمسلمين الامام، و بعد وفاة النبي كان لها ضلع كبير في ترشيح ابيها للخلافة و حرمان الامام منها، و بلغ من عظيم حقدها ان بضعة النبي لما توفيت جئن نساؤه الى بني هاشم في العزاء الا هي و نقل عنها كلام يدل على سرورها و فرحها

و لما آل الأمر إلى الامام انهارت جميع قواها و اندفعت إلى مقاومته و إلى اعلان الثورة على حكومته، و قد وصف عليه السلام مدى ضغنها و حقدها عليه بقوله:

«أما فلانة فقد أدركها ضعف رأي النساء، و ضعن غلا في صدرها كمرجل القين و لو دعيت لتنال من غيرى ما أتت إلى ما تفعل» ان من أقوى العوامل التي دفعتها إلى مقاومة الامام هي الاحقاد و الضغائن التي تكنها في نفسها حتى انها لم تستطع إلى كبتها و اخفائها، و قد ابدت بالغ المسرات و الأفراح حينما بلغها مقتله، و قد تناسب أنه أخو النبي و وليه و انه منه بمنزلة هارون من موسى، و اعرضت عما قال فيه: «اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله ..» لقد سمعت ذلك و وعته، و لم يخف عليها شيء مما أثر عن النبي فيه و في أبنائه.

2- و من بواعث ثورتها انها كانت تتوقع أن ترجع الخلافة إلى تيم و يتقلدها ابن عمها طلحة- كما يرى ذلك العقاد- و كانت تدعو له و تشيد به و لما بلغها مقتل عثمان و هي في مكة بادرت قائلة: إن أحق الناس بهذا الأمر ذو الأصبع- يعنى طلحة- ثم اقبلت مسرعة إلى المدينة و هي لا تشك أنه هو صاحب الأمر، و كانت تقول: بعدا لنعثل و سحقا، إيه ذا الأصبع، إيه أبا شبل، إيه ابن عم للّه أبوك، أما انهم وجدوا طلحة لها كفؤا، لكأني أنظر إلى إصبعه حثو الابل» و هي بذلك كانت مدفوعة بدافع العصبية القبلية فلم تنظر لصالح الأمة فقد أرادت أن تعيد المجد ثانيا لأسرتها، و أن تبسط نفوذها و تستأثر بالأموال و ذلك لا يتحقق الا بأن ترجع الخلافة إلى تيم.

3- و يرى الاستاذ العلائلى ان السبب في خروجها من اجل الحزبية السائدة فى ذلك العصر يقول:

«و التاريخ لا يحدثنا لما ذا خرجت على علي و لم تر بعد من سياسته شيئا ما، و دعوى انها خرجت طلبا بدم عثمان توهيم لأنها لم تكن جاهلة بالشريعة التي تقضي بترك الأمر إلى الحاكم المركزي فان لم يكن فلولي القتيل و ليست من اوليائه

إذن فلم نخرج عائشة طلبا بدم عثمان بل لشيء آخر و هو ما لم يذكره التأريخ بصراحة، و الذي يستقيم عندي في هذا الأمر ان الحزبية بلغ من نفوذها مبلغا عظيما حتى عدت إلى زوجات النبي فكانت أم سلمة من حزب المحافظين «أي حزب علي» و عائشة من حزب طلحة و الزبير كما ذكرت فى «مقدمة الحلقة الاولى» و كانتا كذلك في عهد النبي فقد كانت أم سلمة زعيمة طائفة من نسائه، و عائشة زعيمة طائفة أخرى، و لا ريب في أن هذه الحزبية ولدت في نفسيهما حزازة تأريخية اتصلت بمسلكيهما العام ..»

هذه بعض البواعث التي حفزتها على الخروج على حكومة الامام و قد فتحت بذلك باب التمرد و العصيان، و مهدت السيل للقوى المنحرفة عن الحق أن تتكتل و تجتمع على حرب ابن أبي طالب فتغرق البلاد في المآسي و الدموع، و تجر للأمة الويلات و الخطوب.

اعلان العصيان:

و اعلنت عائشة العصيان و الخروج على الحكم القائم في خطابها الذي القته بمكة فقد جاء فيه:

«أيها الناس .. إن الغوغاء من أهل الأمصار، و أهل المياه، و عبيد أهل المدينة اجتمعوا إن عاب الغوغاء على هذا المقتول بالأمس الأرب و استعمال من حدث سنه، و قد استعمل أسنانهم قبله و مواضع من الحمى حماها لهم، و هي أمور قد سبق بها لا يصلح غيرها، فتابعهم و نزع لهم عنها استصلاحا لهم فلما لم يجدوا حجة و لا عذرا خلجوا و بادروا بالعدوان، و نبا فعلهم عن قولهم، فسفكوا الدم الحرام، و استحلوا البلد الحرام، و استحلوا الشهر الحرام، و اللّه لأصبع عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم! .. فنجاة من اجتماعكم عليهم حتى ينكل بهم غيرهم و يشرد من بعدهم و و اللّه لو ان الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه او الثوب من درنه إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء»

و حفل خطابها بالمغالطات و التنكر للحقائق فقد جاء فيه ان الغوغاء عابوا على عثمان و هو مجاف للواقع فان الذي عاب عليه، و شهر به إنما هم كبار المهاجرين و الانصار، و كانت هي بالذات اول من قدح زناد الثورة عليه فقد قالت فيه كلمتها الشهيرة: اقتلوا نعثلا فقد كفر، انها و غيرها من الاعلام و الرءوس هم الذين اجهزوا عليه و لا علاقة لغيرهم بدمه و جاء فى خطابها أنه رجع عن احداثه، و تابع الثوار استصلاحا لهم فلما لم يجدوا حجة عليه استحلوا دمه و قتلوه، و هذا أيضا لا يلتقى بالواقع فان عثمان قد اعلن التوبة و أظهر الندم على الأحداث التي ارتكبها الا انه اعلن للناس اخيرا انه إنما قال ذلك من أجل ضغط الثوار عليه و هو ماض على سياسته التي رسمها لنفسه، و لما قفل الثوار راجعين بعد المكيدة التي دبرها ضدهم طالبوه بالاستقالة من منصبه فابى و امتنع من اجابتهم فلم يجدوا بدا من قتله، كما ذكرنا ذلك بالتفصيل و هو لا يتفق مع ما ذكرته عائشة في خطابها من انهم لم يجدوا حجة لقتله.

و على أي حال فان خطاب عائشة كان أول اعلان للعصيان و التمرد و الاختلاف يقول الاستاذ عبد الفتاح مقصود: «و تفرق الناس بعد حديثها هذا شيعا، و كان اولى بهم أن تتوحد كلمتهم في هذه المحنة الحازبة التي اصابت الاسلام، ففيم تدعوهم اليوم أم المؤمنين؟ و إلى أية غاية تريد أن تسير بهم!. لحرب الغوغاء؟. للزحف على المدينة و فيها الأمير الشرعي للبلاد؟.»

لقد احدثت عائشة في خروجها الشقاق و الاختلاف بين المسلمين، و غرست بذور العداء و الفتن فى جميع أنحاء البلاد.

مع أمّ سلمة:

و استنجدت عائشة بازواج النبي و دعتهن أن يخرجن معها لحرب وصي رسول اللّه و باب مدينة علمه و أبي سبطيه و اجتمعت بأم سلمة فجعلت تخادعها و تقول لها:

«يا بنت أبي أمية، أنت أول مهاجرة من أزواج رسول اللّه (ص) و أنت كبيرة أمهات المؤمنين، و كان رسول اللّه يقسم لنا من بيتك و كان جبرئيل أكثر ما يكون في منزلك ..»

فتريبت أم سلمة من كلامها و قالت لها:

«لأمر ما قلت هذه المقالة؟.»

فاجابتها عائشة بما تروم قائلة:

«إن القوم استتابوا عثمان، فلما تاب قتلوه صائما فى الشهر الحرام و قد عزمت على الخروج إلى البصرة، و معي الزبير و طلحة، فاخرجى معنا لعل اللّه يصلح هذا الأمر على أيدينا ..»

و انبرت أم سلمة إلى تفنيد مقالتها و إلى تسديدها و نصحها قائلة:

«إنك كنت بالأمس تحرضين على عثمان، و تقولين فيه أخبث القول و ما كان اسمه عندك الا نعثلا، و انك لتعرفين منزلة علي عند رسول اللّه أ ما أذكرك؟ ..»

- نعم

- أ تذكرين يوم أقبل و نحن معه حتى إذا هبط من قديد ذات الشمال فخلا بعلي يناجيه فأطال، فاردت أن تهجمي عليهما فنهيتك فعصيتني و هجمت عليهما، فما لبثت أن رجعت باكية فقلت: ما شأنك؟ فقلت: أتيتهما و هما يتناجيان، فقلت لعلي: ليس لي من رسول اللّه الا يوم من تسعة أيام، أ فما تدعني يا ابن أبي طالب و يومي؟ فاقبل رسول اللّه علي و هو محمر الوجه غضبا، فقال ارجعي وراءك و اللّه لا يبغضه أحد الا و هو خارج من الايمان. فرجعت نادمة ساخطة.

- نعم اذكر ذلك.

- أو أذكرك.

- نعم

- كنت أنا و أنت مع رسول اللّه فقال لنا: أيتكن صاحبة الجمل الادب تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط؟ فقلنا نعوذ باللّه و برسوله من ذلك، فضرب على ظهرك فقال: إياك أن تكونيها يا حميراء.

- نعم اذكر ذلك

- أو أذكرك؟

- نعم

- كنت أنا و أنت مع رسول اللّه فى سفر له، و كان علي يتعاهد نعل رسول اللّه فيخصفها، و ثيابه، فيغسلها، فنقب نعله، فأخذها يومئذ يخصفها، و قعد في ظل سمرة، و جاء أبوك و معه عمر فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب، و دخلا يحدثانه فيما أرادا، ثم قالا يا رسول اللّه: إنا لا ندري قدر ما تصحبنا، فلو أعلمتنا من يستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعا؟ فقال لهما: أما إني قد أرى مكانه، و لو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرق بنو إسرائيل عن هارون بن عمران، فسكتا ثم خرجا فلما خرجا خرجنا إلى رسول اللّه فقلت له أنت و كنت أجرأ عليه منا: يا رسول اللّه من كنت مستخلفا عليهم؟ فقال: خاصف النعل. فنزلنا فرأيناه عليا فقلت يا رسول اللّه، ما أرى الا عليا، فقال: هو ذاك.

- نعم اذكر ذلك

- فاي خروج تخرجين بعد هذا؟

- إنما أخرج للاصلاح بين الناس و أرجو فيه الأجر

- أنت و رأيك

و انصرفت أم سلمة و كتبت بالأمر الى الامام أمير المؤمنين و قد أبدت لها تمام النصح و ذكرتها بما تناسته من فضائل أمير المؤمنين و مآثره و لكن عائشة استسلمت لاحقادها و عواطفها فلم تستجب لذلك.

الزعف الى البصرة:

و استجاب لدعوة عائشة جميع رجال الحكم المباد من ولاة عثمان و اقربائه و ذوى الاطماع الذين اعتقدوا أن حكومة الامام تبدد أحلامهم فى النفوذ السياسي، و المغرر بهم و السذج من الناس الذين تلونهم الدعاية كيف شاءت، كل هؤلاء جرفتهم دعوة عائشة و دعايتها و خضعوا لأوامرها و قد تداول زعماء الفتنة الآراء في غزو أي بلد، و عرضوا المدينة الا انهم عدلوا عنها لأن فيها الخليفة الشرعي و هو يتمتع بالقوى العسكرية و لا قبل لهم بها، و عرضوا ثانيا الشام و فيها الرجال و الأموال و عليها ابن عثمان واليا فهي اولى بلد و اجدره بالاجابة و لكن الأمويين لم يستجيبوا لذلك لأنهم جعلوا الشام في حوزتهم و خافوا عليها من التصدع، فاجمع الرأي على غزو البصرة لأن فيها أعوانا و انصارا لهم و نادى المنادي فى مكة:

«أيها الناس، إن أم المؤمنين و طلحة و الزبير شاخصون إلى البصرة فمن كان يريد اعزاز الاسلام، و قتال المحلين، و الطلب بثار عثمان، و لم يكن عنده مركب و لا جهاز فهذا جهازه و هذه نفقته ..»

و زودوا الجند بالسلاح و العتاد فاعان يعلى بن أمية بأربعمائة الف و حمل سبعين رجلا، و اعتلت عائشة جملها المسمى (بعسكر) قد احتف بها بنو أمية و هي تتقدم أمام الحشد الزاخر، تقودهم إلى تمزيق الوحدة الاسلامية و الى محاربة الحكومة الشرعية، و لما انتهت إلى ذى قار التقى بها سعيد ابن العاص فقال لها:

- أين تريدين يا أم المؤمنين؟

- البصرة

- و ما تصنعين بها؟

- أطلب بدم عثمان

فضحك ساخرا و قال متبهرا:

- هؤلاء قتلة عثمان يا أم المؤمنين

فازاحت بوجهها عنه إذ لا حجة لها تدافع بها عن نفسها، و تركها و انصرف إلى مروان فقال له:

- و أنت أيضا تريد البصرة

- نعم

- ما تريد؟

- أطلب بدم عثمان

- فهؤلاء قتلة عثمان معك- و أشار الى طلحة و الزبير- فقال: إن هذين الرجلين قتلة عثمان، و هما يريدان الأمر لأنفسهما، فلما غلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم و الحوبة بالتوبة و لم تجد معهم هذه المحاورة شيئا، و انطلقوا مصممين على الغي و العدوان.

ماء الحوأب:

و انطلقت قافلة عائشة تطوى البيداء فاجتازت على مكان يقال له «الحوأب» فتلقت الركب كلاب الحي الساهرة بهرير و عواء فذعرت عائشة من ذلك النباح الذي اطلقته الكلاب على القافلة، فقالت لمحمد بن طلحة: .

- أي ماء هذا؟

- ماء الحوأب.

فذعرت، و ذاب قلبها أسى و حسرات على ما فرطت في أمرها و قالت:

- ما أراني إلا راجعة!!

- لمّ- يا أم المؤمنين؟

- سمعت رسول اللّه يقول لنسائه: كأني بإحداكنّ قد نبحتها كلاب الحوأب، و إياك أن تكوني أنت يا حميراء.

- تقدمي رحمك اللّه و دعى هذا القول و لم تقتنع عائشة و اصرت على الانسحاب فعلم ذلك طلحة و الزبير فاقبلا يلهثان لأنها متى انفصلت عن الجيش ذهبت آمالهما أدراج الرياح فتكلما معها في الامر فاصرت على الانسحاب فجاءوا لها بشهود اشتروا ضمائرهم فشهدوا أنه ليس بماء الحوأب و هي اول شهادة زور تقام في الاسلام و بهذه الشهادة الكاذبة استطاعوا أن يقلعوا رأيها و كان الواجب عليها بعد ما ذكرت قول الرسول أن ترجع إلى بيتها فلا تقود الجيوش لمحاربة أخي رسول اللّه

في ربوع البصرة:

و سارت قافلة عائشة تطوي البيداء حتى اشرفت على البصرة فلما علم ذلك عامل البصرة عثمان بن حنيف أرسل إليها أبا الأسود الدئلى ليسألها عن قدومها، و لما التقى بها قال لها:

- ما أقدمك يا أم المؤمنين؟

- أطلب بدم عثمان

- ليس في البصرة من قتلة عثمان أحد!!

- صدقت، و لكنهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة، و جئت أستنهض أهل البصرة لقتاله، انغضب لكم من سوط عثمان، و لا نغضب لعثمان من سيوفكم؟

فرد عليها بمنطقه الفياض قائلا:

- ما أنت من السوط و السيف؟ إنما أنت حبيسة رسول اللّه (ص) أمرك أن تقري في بيتك، و تتلي كتاب ربك، و ليس على النساء قتال، و لا لهن الطلب بالدماء، و إن عليا لأولى منك و أمس رحما، فانهما ابنا عبد مناف!!

- لست بمنصرفة حتى امضي لما قدمت إليه، ا فتظن أبا الأسود أن أحدا يقدم على قتالي؟!

- أما و اللّه لتقاتلن قتالا أهونه الشديد.

ثم تركها و انصرف عنها و اقبل الى الزبير فذكره بماضي ولائه للامام أمير المؤمنين قائلا:

- يا أبا عبد اللّه، عهد الناس بك، و أنت يوم بويع أبو بكر آخذ بقائم سيفك، تقول: لا أحد أولى بهذا الامر من ابن أبي طالب، و اين هذا المقام من ذاك.؟؟

- نطلب بدم عثام

- أنت و صاحبك وليتماه فيما بلغنا

و انصاع الزبير لمقالة أبي الاسود و رأى فيها النصح و الرشاد إلا انه طلب منه مواجهة طلحة و مذاكرته في الأمر، فمضى أبو الاسود مسرعا و عرض عليه الامر فلم يستجب له و أصر على الغي و العدوان

و أنطلق أبو الأسود الى ابن حنيف فأخبره بنية القوم، و اصرارهم على الحرب فجمع أصحابه فخطب فيهم فقال في خطابه:

«أيها الناس، إنما بايعتم اللّه، يد اللّه فوق أيديهم، فمن نكث فانما ينكث على نفسه، و من أو فى بما عاهد عليه اللّه فسيؤتيه اللّه أجرا عظيما، و اللّه لو علم علي أحدا احق بهذا الامر منه ما قبله، و لو بايع الناس غيره لبايع و أطاع و ما به الى أحد من صحابة رسول اللّه حاجة، و ما باحد عنه غنى و لقد شاركهم في محاسنهم و ما شاركوه في محاسنه و لقد بايع هذان الرجلان و ما يريدان اللّه، فاستعجلا الفطام قبل الرضاع. و الرضاع قبل الولادة و الولادة قبل الحمل، و طلبا ثواب اللّه من العباد، و قد زعما أنهما بايعا مستكرهين فان كانا استكرها قبل بيعتها و كانا رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا و لا يأمرا، إلا و ان الهدى ما كانت عليه العامة، و العامة على بيعة على. فما ترون أيها الناس؟»

و انبرى إليه حكيم بن جبلة فخاطبه بمنطق الايمان قائلا.

«نرى إن دخلا علينا قاتلناهما، و إن وقفا تلقيناهما، و اللّه ما أبالي أن أقاتلهما وحدي، و إن كنت أحب الحياة، و ما أخشى في طريق الحق وحشة، و لا غيرة و لا غشا و لا سوء منقلب الى بعث و انها لدعوة قتيلها شهيد وحيها فائز، و التعجيل الى اللّه قبل الأجر خير من التأخير في الدنيا، و هذه ربيعة معك ..»

و صمم القوم بذلك على رد العدوان، و مقابلتهم بالمثل إن اعتدوا عليهم، و عدم التعرض لهم إن لم يبدؤهم بقتال.

عقد الهدنة:

و جرت بين الفريقين مصادمات عنيفة ادت الى قتل البعض و جرح الآخر منهما، و كان ابن حنيف يروم السلم و لا يحب مناجزة القوم قبل أن يأتيه أمر بذلك من أمير المؤمنين، فاوقف القتال و عقد هدنة موقتة حتى يستبين له رأى الامام و هذا نصها.

«هذا ما اصطلح عليه عثمان بن حنيف الانصاري و من معه من المؤمنين من شيعة أمير المؤمنين على بن أبي طالب. و طلحة و الزبير و من معهما من المؤمنين و المسلمين من شيعتهما. إن لعثمان بن حنيف دار الامارة و الرحبة و المسجد و بيت المال و المنبر، و ان لطلحة و الزبير و من معهما أن ينزلوا حيث شأوا من البصرة و لا يضار بعضهم بعضا فى طريق و لا فرضة و لا سوق و لا شريعة، و لا مرفق حتى يقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فان أحبوا دخلوا في ما دخلت فيه الامة، و ان أحبوا لحق كل قوم بهواهم، و ما أحبوا من قتال او سلم أو خروج أو إقامة و على الفريقين بما كتبوا عهد اللّه و ميثاقه. و اشد ما أخذه على نبي من أنبيائه من عهد و ذمة.»

و وقعها الفريقان، و مضى ابن حنيف إلى دار الامارة، و أمر اصحابه بالقاء السلاح و الالتحاق بمنازلهم.

غدر و خيانة:

و قام طلحة و الزبير بمراسلة الوجوه و الاشراف يدعونهم الى الطلب بدم عثمان و خلع أمير المؤمنين و اخراج ابن حنيف، فاستجابت لهم قبائل الأزد و ضبة و قيس عيلان، و تابعهم كثير من البسطاء و ذوى الاطماع، و لما استوثق لهم الأمر غدروا و خانوا و نقضوا ما اتفقوا عليه من الهدنة، فقد هجموا على ابن حنيف في غلس الليل و هو في دار الإمارة فاعتقلوه و نكلوا به فأمروا بنتف شعر رأسه و لحيته و حاجبيه و نهبوا ما في بيت المال، و لما حضر وقت الصلاة تنازع طلحة و الزبير على الصلاة بالناس فجعل كل واحد منهما يمنع صاحبه من التقدم عليه حتى فات وقت الصلاة فصاح الناس بهما، فقطعت عائشة النزاع فيما بينهما و قالت يصلي بالناس يوما محمد بن طلحة، و يوما عبد اللّه بن الزبير فذهب ابن الزبير ليصلي بالناس فجذبه محمد بن طلحة و تقدم محمد ليصلي بالناس فمنعه ابن الزبير، و رأى الجميع أن خير وسيلة لفصل الخصومة و قطع النزاع هي القرعة فاقترعا فخرج محمد بن طلحة فتقدم و صلى بالناس و قرأ سأل سائل بعذاب واقع» و في ذلك يقول الشاعر:

تبارى الغلامان إذ صليا

وشح على الملك شيخاهما

و مالي و طلحة و ابن الزبير

و هذا بذي الجذع مولاهما

فأمهما اليوم عزتهما

و يعلى بن منية دلاهما

ان القوم مدفوعون بدافع الملك و السلطان، و لو تم الأمر لهما لأجهز كل واحد منهما على صاحبه، فانهما بعد في بداية الطريق و قد ظهرت منهما بوادر الانشقاق و الاختلاف.

إنهما لم يخرجا على حكم الامام الا من أجل المنافع المادية الضيقة و قد اعترف بذلك الزبير فقد جاء إليهما رجل و هما في جامع البصرة فقال لهما:

«نشدتكما باللّه في مسيركما أعهد إليكما فيه رسول اللّه شيئا؟ ...»

فسكت طلحة و لم يجبه بشيء فاجابه الزبير:

«- لا- و لكن بلغنا أن عندكم دراهم فجئنا نشارككم فيها ...»

لقد حدد الزبير خروجهم على وصي رسول اللّه فهو انما كان من أجل الاطماع و المنافع و ليس فيه أى عهد من الرسول (ص).

و على أى حال فقد سقطت البصرة بايديهم و احتلت قواتهم جميع مواقعها و أمرت عائشة بقتل عثمان بن حنيف الا ان احدى السيدات استعظمت هذا الأمر و قالت لعائشة:

«نشدتك اللّه يا أم المؤمنين في عثمان و صحبته لرسول اللّه» فعدلت عن رأيها و أمرت بحبسه و أمرت بقتل الشرطة و حراس بيت المال و عددهم سبعون شخصا و هم من خيار المسلمين و صلحائهم فقتلوا صبرا و لم تتحرج أم المؤمنين فى إراقة دمائهم، و لم تتأثم فى اشاعة الثكل و الحزن و الحداد بين أهليهم، قد أعرضت عما أمر اللّه به من الحريجة في الدماء و حرمة سفكها بغير الحق.

مقتل حكيم بن جبلة:

و لما بلغ حكيم بن جبلة ما ارتكبه القوم بعثمان بن حنيف من التنكيل و ما قاموا به من قتل الشرطة و خزان بيت المال خرج في ثلاثمائة رجل من عبد القيس فخرج القوم و حملوا عائشة على جمل، فسمى ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر و يومها مع امير المؤمنين يوم الجمل الأكبر، و تجالد الفريقان بالسيوف، و أبلى حكيم مع أصحابه المؤمنين بلاء حسنا، و شد عليه رجل من الأزد من عسكر عائشة فضرب رجله فقطعها، و جثا حكيم فأخذ رجله المقطوعة فضرب بها الأزدي الذي قطعها فقتله و لم يزل يقاتل و رجله مقطوعة و هو يقول:

يا ساق لن تراعى

ان معى ذراعي

أحمي بها كراعي

و ما زال على مثل هذه الحالة التي ضرب بها الرقم القياسي في البطولة و الشجاعة و نكران الذات و الدفاع عن المبدأ و العقيدة حتى نزف دمه، فانطلق إلى الرجل الذي قطع رجله فاتكأ عليه و هو قتيل فاجتاز عليه شخص فقال له: من فعل بك هذا؟ فقال: و سادتي ثم قتله سحيم الحداني و قتل معه اخوة له ثلاثة كما قتل جميع أصحابه ففى ذمة اللّه تلك الدماء الزكية التي أريقت، و النفوس الكريمة التي أزهقت فى سبيل الذب عن دين اللّه، و الدفاع عن وصي رسول اللّه.

استنجاد الامام بالكوفة:

كان الامام أمير المؤمنين متهيأ لغزو الشام حيث اعلن معاوية التمرد على حكومته و رفض بيعته و بينما هو جاد في تدبير الأمر إذ فاجأه الخبر عن هياج أهل مكة للطلب بدم عثمان بتحريض طلحة و الزبير و عائشة و اتباعهم من الامويين، فاشفق من انشقاق العصا و اختلاف شمل المسلمين، و رأى أن خطرهم أقوى من خطر معاوية، و شرهم أقوى من شره، و إذا لم يبادر لاخماد هذه الفتنة فانها يوشك أن تتسع، و يكثر التمرد و الاختلاف فتجهز للشخوص إليهم، و خفت لنصرته البقية الصالحة من المهاجرين و الانصار و خرجوا مسرعين ليلحقوا بهم قبل أن يدخلوا مصرا من الامصار فيفسدوه فلما بلغوا الربذة علموا بسبقهم إلى البصرة و بالحوادث التي جرت فيها فاقام الامام بالربذة أياما يحكم أمره، و ارسل إلى جماهير أهل الكوفة يستنجد بهم و يدعوهم الى نصرته و القيام معه لاخماد نار الفتنة، و أوفد للقياهم محمد بن أبي بكر و محمد بن جعفر و زودهما برسالة جاء فيها «إني اخترتكم على الامصار، و فزعت إليكم لما حدث فكونوا لدين اللّه أعوانا و انصارا، و أيدونا و انهضوا إلينا، فالاصلاح ما نريد لتعود الأمة إخوانا، و من أحب ذلك و آثره فقد أحب الحق، و من ابغض ذلك فقد أبغض الحق و أغمضه» .

و طوى الرسولان البيداء حتى وصلا الكوفة فعرضا رسالة الامام على أبي موسى والي المصر إلا انهما لم يجدا منه أي اجابة أو انطلاق فى الامر و انما وجدا منه موقفا غير طبيعي فقد كان يثبط العزائم، و يوهن القوى و يمنع الناس من الاستجابة لنداء الامام، و تكلم معه الرسولان بشدة فاجابهما أبو موسى مبررا لعناده قائلا:

«و اللّه إن بيعة عثمان لفى عنقي و عنق صاحبكما، فان لم يكن بد من القتال، لا نقاتل أحدا حتى يفرغ من قتلة عثمان ..» .

و بعث المحمدان الأنباء بالتفصيل إلى الامام، و عرفاه بتمرد أبي موسى و تثبيطه عزائم الناس، فأوفد الامام للقياه هاشم المرقال و زوده برسالة جاء فيها:

«إني وجهت هاشما لينهض بمن قبلك من المسلمين إلي، فاشخص الناس، فاني لم أولك إلا لتكون من أعواني على الحق ..».

و سار هاشم حتى انتهى إلى الكوفة فرأى أبا موسى مصرا على تمرده و ممعنا في غلوائه و عدائه، و كلما حاول اقناعه و ارجاعه إلى طريق الحق لم يتمكن، و استدعى أبو موسى سائب بن مالك الأشقري ليستشيره فى الأمر فاشار عليه بالنصيحة و ملازمة الامام، و تنفيذ أوامره الا انه لم يسترشد و بقي مصمما على عصيانه و عناده، فارسل هاشم إلى الامام رسالة يخبره فيها بفشله في مهمته، و اخفاقه في سفارته.

ايفاد الحسن:

و بعث الامام ولده الحسن و معه عمار بن ياسر و ارسل معه رسالة فيها عزل أبي موسى عن منصبه و تعيين قرضة بن كعب في وظيفته، و هذا نص رسالته:

«أما بعد: فقد كنت أرى أن تعزب عن هذا الأمر الذي لم يجعل اللّه لك نصيبا منه، بمنعك عن رد أمري، و قد بعثت الحسن بن علي و عمار بن ياسر يستفزان الناس، و بعثت قرضة بن كعب واليا على المصر فاعتزل عملنا مذموما مدحورا، فان لم تفعل فاني قد أمرته أن ينابذك ..»

و وصل الامام الحسن إلى الكوفة فالتأم حوله الناس زمرا، و هم يعربون له الانقياد و الطاعة، و يظهرون له الولاء و الاخلاص، و اعلن الامام الحسن بالوقت عزل الوالي المتمرد عن منصبه، و تعيين قرضة في محله، و لكن أبا موسى بقي مصمما على مكره و غيه، فقد اقبل على عمار ابن ياسر يحدثه فى أمر عثمان عله أن يجد في حديثه فرجة فيتهمه بدم عثمان ليتخذ من ذلك وسيلة إلى خذلان الناس عن الامام فقال له:

«يا أبا اليقظان، أ عدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين فأحللت نفسك مع الفجار.؟»

فاجابه عمار:

«لم أفعل و لم تسؤني؟.»

و عرف الحسن غايته فقطع حبل الجدال و قال له:

«يا أبا موسى، لم تثبط عنا الناس؟»

و أقبل الامام الحسن يحدثه برفق و لين ليقلع روح الشر و العناد من نفسه قائلا:

«يا أبا موسى .. و اللّه ما أردنا الا الاصلاح، و ليس مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء ..»

فبهت أبو موسى، و ضاقت به مكابرته، و طغيانه فقال للامام:

«صدقت بأبي أنت و أمي! ... و لكن المستشار مؤتمن ..»

- نعم

- سمعت رسول اللّه يقول: إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم و القائم خير من الماشي، و الماشي خير من الراكب!. و قد جعلنا اللّه عز و جل اخوانا و حرم علينا أموالنا و دماءنا، فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً» و قال عز و جل: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ» ...»

فانبرى إليه عمار فرد عليه أباطيله و خداعه قائلا:

«أنت سمعت هذا من رسول اللّه؟ ...»

«نعم و هذه يدى بما قلت.»

فالتفت عمار الى الناس قائلا:

«إنما عنى رسول اللّه بذلك أبا موسى، فهو قاعد خير منه قائم؟ ..»

و لم يجد كلام عمار و لا ترفق الحسن، و طول صبره و عظيم حلمه مع هذا الجلف المتمرد الذي لا يخضع لغير الشدة و القسر، فقد بقي شديد الاصرار على ما هو عليه من تثبيط عزائم الناس و خذلانهم من الخروج مع الامام.

و اخذ سبط النبي يوقظ الهمم، و يبعث النشاط في النفوس و يحفزها للجهاد، و خطب فيهم قائلا:

«أيها الناس .. قد كان في مسير أمير المؤمنين علي بن أبى طالب ما قد بلغكم، و قد أتيناكم مستنصرين لأنكم جبهة الانصار، و رءوس العرب و قد كان من طلحة و الزبير بعد بيعتهما و خروجهما بعائشة ما قد بلغكم.

و تعلمون أن وهن النساء و ضعف رأيهن الى التلاشي، و من أجل ذلك جعل اللّه الرجال قوامين على النساء، و أيم اللّه لو لم ينصره منكم أحد لرجوت أن يكون فيمن أقبل معه من المهاجرين و الانصار كفاية، فانصروا اللّه ينصركم ..»

و قام عمار فاخذ يحفز الناس للجهاد و يبين لهم حقيقة الحال في شأن عثمان قائلا:

«يا أهل الكوفة .. إن غابت عنكم انباؤنا فقد انتهت إليكم امورنا إن قتلة عثمان لا يعتذرون من قتله الى الناس و لا ينكرون ذلك، و قد جعلوا كتاب اللّه بينهم و بين محاججتهم فيه أحيا اللّه من أحيى، و أمات

حياة الإمام الحسن بن على(ع)، القرشي ،ج1،ص:390

من أمات، و ان طلحة و الزبير كانا أول من طعن و آخر من أمر، و كانا أول من بايع، فلما اخطأهما ما أملا نكثا بيعتهما من غير حدث! .. و هذا ابن بنت رسول اللّه قد عرفتموه و قد جاء يستنصركم، و قد دلكم علي في المهاجرين و البدريين و الانصار الذين تبؤوا الدار و الايمان ..»

و قام على أثرهما قيس بن سعد فجعل يدعوهم الى القيام بالواجب و نصرة أمير المؤمنين قائلا:

«.. إن الأمر لو استقبلنا به أهل الشورى لكان علي أحق الناس به، و كان قتال من أبى حلالا فكيف و الحجة على طلحة و الزبير، و قد بايعاه طوعا، و خالفاه حسدا و قد جاءكم علي في المهاجرين و الانصار. ثم أنشأ يقول:

رضينا بقسم اللّه إذ كان قسمنا

عليا و أبناء الرسول محمد

و قلنا لهم أهلا و سهلا و مرحبا

نمد يدينا من هوى و تودد

فما للزبير الناقض العهد حرمة

و لا لأخيه طلحة اليوم من يد

أتاكم سليل المصطفى و وصيه

و أنتم بحمد اللّه عار من الهد

فمن قائم يرجى بخيل الى الوغا

وصم العوالي و الصفيح المهند

يسود من أدناه غير مدافع

و إن كان ما نقضيه غير مسود

فان يأتى ما نهوى فذاك نريده

و إن نخط ما نهوى فغير تعمد

و قد بقى أبو موسى مصرا على طغيانه يثبط عزائم الناس، و يدعوهم إلى التخاذل و عدم الاجابة لنصرة الامام، و قد جعل كلما سمعه من الحسن و من الخطباء دبر أذنيه حتى اعيى الامام الحسن حلمه فاندفع يصيح به في ثورة و عنف قائلا له:

«اعتزل عملنا أيها الرجل، و تنح عن منبرنا لا أم لك!.»

و أخذ الحسن يجد في تحفيز الناس للجهاد و يحثهم على الخروج لنصرة أبيه، و قد قام فيهم خطيبا فقال لهم:

«أيها الناس .. أجيبوا دعوة أميركم، و سيروا إلى إخوانكم، فانه سيوجد الى هذا الامر من ينفر إليه، و اللّه لئن يليه أولو النهي أمثل في العاجل و الآجل و خير في العاقبة، فاجيبوا دعوتنا و اعينونا على ما ابتلينا به و ابتليتم، و ان أمير المؤمنين يقول: قد خرجت مخرجي هذا ظالما او مظلوما و اني اذكر اللّه رجلا رعى حق اللّه إلا نفر، فان كنت مظلوما اعانني، و ان كنت ظالما أخذ. و اللّه ان طلحة و الزبير لاول من بايعني، و أول من غدر فهل استأثرت بمال او بدلت حكما، فانفروا و أمروا بالمعروف و انهوا عن المنكر ..»

فاجابه الناس بالسمع و الطاعة، و الامتثال و الانقياد لأمره، و الاجابة لدعوته، و لكن الزعيم مالك الاشتر رأى ان الامر لا يتم الا بإخراج أبي موسى مهان الجانب محطم الكيان، فاقبل مع جماعة من قومه فاحاطوا بالقصر فلما نظر إليهم غلمانه اقبلوا يشتدون الى أبي موسى و قد خيم عليهم الخوف و الذعر فقالوا له:

«يا أبا موسى. هذا الاشتر قد دخل القصر فضربنا و اخرجنا.»

فنزل الوغد من القصر و قد استولى عليه الذهول فصاح به الاشتر:

«أخرج من قصرنا لا أم لك ..»

و تردد الاشعرى برهة فصاح به مالك ثانيا:

«اخرج ... اخرج اللّه نفسك!. فو اللّه إنك لمن المنافقين!.»

و نطق الاشعرى بصوت واهن ضعيف

- أجلني هذه العشية.

- هي لك، و لا تبيتن فى القصر الليلة ..

و دخلت الجماهير تنهب امتعته و أمواله، و لكن الاشتر لم يتنكر لعدوه المهزوم فقد وقف معه موقف الكريم النبيل فحال و بين الجماهير و بين ما ابتغوه من نهبه و التنكيل به، فقال لهم:

«إني أجلته الليلة و قد أخرجته فكفوا عنه.»

فكف الناس عنه، و فى الصباح خرج الباغي الأثيم و هو يجر سرابيل الخزي و الخيانة، و قد صفا الجو للامام الحسن، و اقبل يتحدث الى الناس بالخروج قائلا:

«أيها الناس. إني غاد، فمن شاء منكم أن يخرج معي على الظهر و من شاء فليخرج في الماء ..»

و استجابت الجماهير لدعوة الامام فلما رأى ذلك قيس بن سعد غمرته الافراح و المسرات و أنشأ يقول:

جزى اللّه اهل الكوفة اليوم نصرة

أجابوا و لم يأبوا بخذلان من خذل

و قالوا! علي خير حاف و ناعل

رضينا من ناقضي العهد من بدل

هما أبرزا زوج النبي تعمدا

يسوق بها الحادى المنيخ على جمل

فما هكذا كانت وصاة نبيكم

و ما هكذا الإنصاف اعظم بذا المثل

فهل بعد هذا من مقال لقائل

ألا قبح اللّه الاماني و العلل

و عجت الكوفة بالنفار فقد نزحت منها آلاف كثيرة، فريق منها ركب السفن، و فريق آخر ركب المطي، و قد بدا عليهم الرضا و القبول و قد ساروا و هم تحت قيادة الحسن فانتهوا الى ذي قار و قد التقوا بالامام أمير المؤمنين حيث كان مقيما هناك فسر بنجاح ولده، و شكر له جهوده و مساعيه النبيلة.

الافتراء على الحسن:

و روى الطبرى في تأريخه حديثا موضوعا فيه افتراء على الامام الحسن نسوقه الى القراء ثم نبين ما يثبت وضعه، فقد ذكر أنه أقبل على أبيه بعد خروج طلحة و الزبير فقال له:

- أمرتك فعصيتنى، فانت اليوم تقتل بمضيعة لا ناصر لك! ..

- لا تزال تحن حنين الجارية، ما الذي أمرتني فعصيتك؟؟

- أمرتك يوم أحيط بعثمان أن تخرج من المدينة، فيقتل و لست بها، ثم أمرتك يوم قتل أ لا تبايع حتى تأتيك وفود أهل الامصار و العرب و بيعة كل مصر.

ثم أمرتك حين فعل هذان الرجلان ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فان كان الفساد كان على يد غيرك، فعصيتني في ذلك كله.

فرد أمير المؤمنين عليه قائلا:

«أي بني، أما قولك: «لو خرجت من المدينة حين احيط بعثمان» لقد احيط بنا كما أحيط بعثمان، و أما قولك: «لا تبايع حتى تأتي بيعة الامصار» فان الامر أمر أهل المدينة، و كرهنا أن يضيع هذا الامر، و أما قولك: «حين خرج طلحة و الزبير» فان ذلك كان و هنا على أهل الاسلام، و و اللّه ما زلت مقهورا منذ وليت، منقوصا لا أصل الى شيء مما ينبغي.

و أما قولك: «اجلس في بيتك» فكيف لي بما قد لزمنى!! أو من تريدني؟ أ تريدني أن اكون مثل الضبع التي يحاط بها، و يقال: دباب دباب ليست هاهنا حتى يحل عرقوباها ثم تخرج، و إذا لم انظر فيما لزمني من هذا الامر و يعنيني فيمن ينظر فيه فكف عنك اي بنى» و هذا الحديث رواه الطبرى عن سيف بن عمر الاسدى التميمي و هو من موضوعاته و مختلقاته، و قد اجمع الثقات على ضعفه و عدم الاعتماد على احاديثه لانه عرف بالكذب و الوضع، و اختلاق الحديث، و قد اتهمه بعضهم في دينه و قد بين حاله و واقعه، و عرض موضوعاته و مفترياته العلامة المحقق السيد مرتضى العسكري في كتابه «عبد اللّه بن سبأ»

و مما يزيد وضوحا في وضع الرواية و افتعالها أنه جاء فيها أن الامام الحسن قال لأبيه: «أمرتك فعصيتني» و هذا من اسمج الكلام و أمره فكيف يستقبل الحسن أباه بذلك و هو العارف بحقيقته و العالم بعظيم شأنه و قد قال فيه: إنه لم يسبقه الأولون بعمل و لم يدركه الآخرون بعمل» و مما لا ريب فيه ان ذلك يتنافى مع هدى الامام الحسن الذي تجنب الاساءة و هجر الكلام و مره حتى مع أعدائه و مناوئيه فكيف يخاطب أباه بذلك؟!! و علق عبد الوهاب النجار على هذا الحديث الموضوع فقال: «و كأني به- يعنى أمير المؤمنين- في هذا الامر الاخير يقول بمقالة عثمان: «لا اخلع لباسا البسنيه اللّه عز و جل» و هو اعتذار لا يقبله من يريد له و للمسلمين السلامة، أو هو مثل اعتذار دول الاستعمار بأنه لا مناص لهم من تحمل التبعة الملقاة على عاتقهم بإزاء الامم التي يحتلون بلادها و يهيمنون عليها و على مرافقها و مقومات حياتها»

و عبد الوهاب النجار قد عرف بالتعصب لبني أميّة و التنكر لاهل البيت، و لم يوفق في كثير من بحوثه فقد اعتمد على الموضوعات و المختلقات و لم يمعن النظر فيها، و قد تجرأ بهذه الكلمات القاسية على الامام امير المؤمنين فقد شبهه بالدول الاستعمارية الظالمة التي نشرت الجور و الظلم في الارض و الامام أمير المؤمنين هو الذي بسط العدالة و المساواة و نشر جميع القيم الانسانية فى دور حكمه، و لم يعهد في تأريخ الانسانية حاكم مثله في عدله و تحرجه و عدم انخداعه بمظاهر الملك و السلطان، فقد دخل عليه ابن عباس و هو يخصف نعله بيده فقال له:

- يا ابن عباس، ما قيمة هذا النعل؟

- لا قيمة له يا أمير المؤمنين

- و اللّه لهى أحب إلي من أمرتكم، إلا أن أقيم حقا أو ادفع باطلا هذا هو نظر الامام الى الحكم فهو عنده وسيلة لاقامة الحق و دحض الباطل، و لو كان يروم الحكم لما فاز بالخلافة عثمان كما ذكرنا ذلك في بحث الشورى، فكيف يصح أن يشبه بالدول الاستعمارية الكافرة، و هو نفس النبي و وصيه و باب مدينة علمه؟!!

التقاء الفريقين:

و تحركت كتائب الامام من ذي قار تجد السير حتى انتهت الى الزاوية فنزل الامام فصلى فيها اربع ركعات و لما فرغ من صلاته جعل يعفر خده الشريف على التربة و هو يبكي، ثم رفع يديه بالدعاء الى اللّه قائلا:

«اللهم، رب السموات و ما أظلت، و الارضين و ما أقلت، و رب العرش العظيم، هذه البصرة أسألك من خيرها، و أعوذ بك من شرها، اللهم انزلنا فيها خير منزل، اللهم هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي و بغوا علي، و نكثوا بيعتي، اللهم احقن دماء المسلمين ..»

و لما استقر الامام بعث بالوقت عبيد اللّه بن عباس، و زيد بن صوحان الى عائشة يدعوها إلى حقن الدماء و جمع كلمة المسلمين، و قال لهما:

قولا لها:

«إن اللّه أمرك ان تقري في بيتك و أن لا تحرجي منه، و انك لتعلمين ذلك غير أن جماعة قد أغروك، فخرجت من بيتك، فوقع الناس لاتفاقك معهم في البلاء و العناء، و خير لك أن تعودي الى بيتك و لا تحومي حول الخصام و القتال، و إن لم تعودي و لم تطفئ هذه النائرة فانها سوف تعقب القتال، و يقتل فيها خلق كثير فاتقي اللّه يا عائشة و توبي الى اللّه فان اللّه يقبل التوبة من عباده و يعفو. و إياك أن يدفعك حب عبد اللّه بن الزبير و قرابة طلحة الى أمر يعقبه النار ..».

و لو وعت عائشة هذه النصيحة و ارتدعت عما هي عليه لعادت بخير عميم على الأمة، و لكنها جعلت ذلك دبر أذنيها، و قالت للرسولين:

إني لا ارد على ابن ابي طالب بالكلام لأني لا أبلغه فى الحجاج» إنها لا ترده بالكلام لأنها ليست لها حجة تدلى بها في الدفاع عن نفسها، و بعث الامام برسالة الى طلحة و الزبير يدعوهما فيها الى الوئام و نبذ الشقاق و هذا نصها:

«أما بعد فقد علمتما و إن كتمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني، و لم أبايعهم حتى بايعوني و إنكما ممن أرادنى و بايعني، و إن العامة لم تبايعني لسلطان غالب و لا لعرض حاضر، و ان كنتما بايعتماني طائعين فارجعا و توبا الى اللّه من قريب، و إن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما السبيل بإظهاركما الطاعة، و إسراركما المعصية، و لعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية و الكتمان، و ان دفعكما هذا الامر من قبل أن تدخلا فيه كان اوسع عليكما من خروجكما منه بعد اقراركما به، و قد زعمتما اني قتلت عثمان فبيني و بينكما من تخلف عني و عنكما من أهل المدينة، ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل، فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما، فان الآن اعظم امركما العار من قبل أن يجتمع العار و النار ..»

و لم يستجيبا لنداء الحق و اصرا على الفساد و التمرد و البغي، و اعلنا مقاومة الامام و مناجزته.

خطاب ابن الزبير:

و كان عبد اللّه بن الزبير من اشد المحرضين الى اثارة الفتنة، و اراقة الدماء، و قد افسد جميع الوسائل التي صنعها امير المؤمنين لتحقيق السلم، و قد خطب في جموع البصريين و دعاهم الى الحرب و مناجزة الامام و هذا نص خطابه:

«أيها الناس، ان علي بن أبي طالب قتل الخليفة بالحق عثمان، ثم جهز الجيوش إليكم ليستولي عليكم، و يأخذ مدينتكم، فكونوا رجالا تطلبون بثأر خليفتكم، و احفظوا حريمكم، و قاتلوا عن نسائكم و ذراريكم و أحسابكم و انسابكم، أ ترضون لأهل الكوفة ان يردوا بلادكم، اغضبوا فقد غوضبتم، و قاتلوا فقد قوتلتم، ألا و إن عليا لا يرى معه في هذا الأمر أحدا سواه و اللّه لئن ظفر بكم ليهلكن دينكم و دنياكم ..»

و حفل خطابه بالمغالطات و الاكاذيب، و اثارة النعرات و العصبيات ضد امير المؤمنين، و هو يعلم- من دون شك- كذب ما قاله و لكن نفسه سولت له ذلك طمعا بالامرة و السلطان.

خطاب الحسن:

و بلغ الامام أمير المؤمنين خطاب ابن الزبير فاوعز الى ولده الحسن بالرد عليه فقام الحسن خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:

«قد بلغتنا مقالة ابن الزبير في أبي و قوله فيه: إنه قتل، عثمان، و انتم يا معشر المهاجرين و الانصار و غيرهم من المسلمين علمتم بقول الزبير في عثمان، و ما كان اسمه عنده، و ما كان يتجنى عليه، و ان طلحة يومذاك ركز رايته على بيت ماله و هو حي، فانى لهم أن يرموا أبى بقتله و ينطقون بذمه، و لو شئنا القول فيهم لقلنا.

و أما قوله: إن عليا ابتز الناس أمرهم، فان أعظم حجة لأبيه زعم أنه بايعه بيده و لم يبايعه بقلبه، فقد أقر بالبيعة و ادعى الوليجة فليأت على ما ادعاه ببرهان و انى له ذلك؟

و أما تعجبه من تورد أهل الكوفة على أهل البصرة، فما عجبه من أهل حق توردوا على أهل باطل.

أما انصار عثمان فليس لنا معهم حرب و لا قتال، و لكننا نحارب راكبة الجمل و اتباعها ..»

و اندفع عمرو بن أحيحة فابدى اعجابه البالغ بخطاب الامام فقال:

حسن الخير يا شبيه أبيه

قمت فينا مقام خير خطيب

قمت بالخطبة التي صدع الل

ه بها عن أبيك أهل العيوب

و كشفت القناع فاتضح الامر

و أصلحت فاسدات القلوب

لست كابن الزبير لجلج في القو

ل و طأطأ عنان فسل مريب

و أبى اللّه أن يقوم بما قا

م به ابن الوصي و ابن النجيب

ان شخصا بين النبي- لك الخير- و بين الوصي غير مشوب

لقد فند الامام ابو محمد مزاعم ابن الزبير، ورد عليه اكاذيبه فان الذي اشعل نار الفتنة على عثمان انما هو الزبير و طلحة و عائشة، و ليس للامام امير المؤمنين ضلع في ذلك، كما اوضحناه في البحوث المتقدمة

الدعوة الى كتاب اللّه

و بذل الامام قصارى جهوده فى تدعيم السلم و عدم ايقاع الحرب و الدعوة الى العمل بما في كتاب اللّه فقد رفع المصحف بيمينه و جعل يطوف به بين أصحابه و في نفسه بقية امل في الصلح قائلا:

«أيكم يعرض عليهم هذا المصحف و ما فيه؟ .. فان قطعت يده أخذه بيده الأخرى، و إن قطعت أخذه باسنانه، و هو مقتول ..»

فنهض إليه فتى كوفي و نفسه تفيض حماسا و نبلا فقال له:

«أنا له يا أمير المؤمنين»

فأشاح الامام بوجهه عنه برهة، و طاف في أصحابه ينتدبهم لمهمته فلم يجبه أحد سوى ذلك الفتى النبيل فدفع له المصحف و قال له:

«اعرض عليهم هذا، و قل هو بيننا و بينكم ... و اللّه في دمائنا و دمائكم.»

و انطلق الفتى مزهوا لم يختلج في قلبه خوف و لا رعب و هو يلوح بالمصحف أمام عسكر عائشة يدعوهم الى العمل بما فيه، و يدعوهم الى الأخوة و الوئام، فتنكروا له، فقد دفعتهم الانانية و كراهية الحق الى الفتك به فقطعوا يمناه، فأخذ المصحف بيساره و هو يدعوهم الى العمل بكتاب اللّه فعدوا عليه ثانيا فقطعوا يساره فأخذ المصحف باسنانه و قد اغرق في الدماء، و هو يدعوهم فى آخر مراحل حياته الى السلم و الصلح و حقن الدماء قائلا:

«اللّه في دمائنا و دمائكم»

فانثالوا عليه و هم مصرون على الغي و العناد فرشقوه بنبالهم فوقع على الارض جثة هامدة و انطلقت أمه ترثيه.

يا رب إن مسلما أتاهم

يتلو كتاب اللّه لا يخشاهم

فخضبوا من دمه لحاهم

و أمه قائمة تراهم

و لم يجد الامام بعد هذا الاعذار وسيلة سوى الحرب فقال لاصحابه «الآن حل قتالهم و طاب لكم الضراب.»

اعلان الحرب:

و دعا الامام بعد مقتل سفيره قادة جيشه فأقامهم على أماكنهم، و عبأ الجنود للحرب و قد رسم لهم خطة تمثلت فيها الفضيلة و الرحمة و العدل فقد قال لهم:

«أيها الناس .. إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح، و لا تقتلوا أسيرا، و لا تتبعوا موليا، و لا تطلبوا مدبرا، و لا تكشفوا عورة، و لا تمثلوا بقتيل و لا تهتكوا سترا و لا تقربوا من أموالهم إلا ما تجدونه في معسكرهم من سلاح أو كراع أو عبد او امة، و ما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب اللّه ..»

و اعتلت عائشة جملها المسمى بعسكر، و قد البسوه المسوح، و جلود البقر، و جعلوا دونه اللبود

و لها القيادة العامة فهي التي تنظم العساكر و تصدر الأوامر، و وجه جيشها النبل الى معسكر الامام فقتل بعض اصحابه، فلم يجد بعد ذلك بدا من الحرب فتقلد الامام سيفه، و دفع الراية الى ولده محمد و قال للحسن و الحسين: انما دفعت الراية الى أخيكما و تركتكما لمكانكما من رسول اللّه و انطلق محمد الى ساحة الوغى بعزم ثابت و نفس جياشة و هو يطلب الظفر و النصر، و لكن سهام القوم قد مطرت عليه من كل جانب فتريث عن المسير برهة فلم يشعر الا و يد أبيه تدفعه من الخلف و هو يقول له بنبرات تقطر حماسا:

«أدركك عرق من امك!»

ثم خطف الراية من يده و هزها في وجهه و هو يقول له:

اطعن بها طعن أبيك تحمد

لا خير في الحرب إذا لم توقد

بالمشرفي و القنا المسدد

لم يكن موقف محمد خورا و جبنا و انما هو من دهاء القائد المحنك الذي أراد أن يبلغ الغاية بعد أن تنكشف عنه سهام القوم، و لم يرد أمير المؤمنين بفعله الا ليرى أهل البصرة فى بداية الحرب الحزم و العزم و البسالة لعلهم عن غيهم يرتدعون.

و حمل الامام على القوم و قد رفع العلم بيسراه، و شهر فى يمينه ذا الفقار الذي حارب به الملحدين و المشركين على عهد رسول اللّه و اليوم يحارب به المارقين من الدين و المنحرفين عن الاسلام، و احتف به اعلام المهاجرين و الانصار فكان العدو أمام بواترهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف

مصرع الزبير:

و خرج أمير المؤمنين حاسرا بين الصفوف فنادى باعلا صوته:

«أين الزبير.؟»

فخرج إليه الزبير و هو شاك في سلاحه فلما رآه اعتنقه و قال له:

- يا أبا عبد اللّه ما جاء بك هاهنا؟؟

- جئت أطلب دم عثمان

فرمقه بطرفه و قال له بنبرة المستريب.

- تطلب دم عثمان؟!!

- نعم

- قتل اللّه من قتل عثمان

و اقبل عليه يحدثه برفق، و يذكره بما نساه قائلا:

«أنشدك اللّه يا زبير، هل تعلم أنك مررت بي و أنت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و هو متّكئ على يدك، فسلم علي رسول اللّه و ضحك إلي، ثم التفت إليك فقال لك: يا زبير إنك تقاتل عليا و أنت له ظالم.»

فاطرق الزبير، و قد غاض لونه، و ذاب قلبه أسى و حسرات، و ندم على ما فرط من أمره و قال للامام:

- اللهم نعم

- فعلام تقاتلني؟

- نسيتها و اللّه، و لو ذكرتها ما خرجت إليك، و لا قاتلتك

- ارجع

- و كيف ارجع و قد التقت حلقتا البطان، هذا و اللّه العار الذي لا يغسل؟؟

- ارجع قبل أن تجمع العار و النار

فانصرف و هو يقول:

اخترت عارا على نار مؤججة

ما إن يقوم لها خلق من الطين

نادى على بأمر لست أجهله

عار لعمرك في الدنيا و في الدين

فقلت حسبك من عدل أبا حسن

فبعض هذا الذي قد قلت: يكفيني

و عزم على الانسحاب من هذه الفتنة الا انه أراد أن يخرج منها بسلام فقال لعائشة:

«يا أم المؤمنين ... إني و اللّه ما وقفت موقفا قط إلا عرفت اين أضع قدمي فيه إلا هذا الموقف؟ فاني لا أدري أ مقبل أنا فيه أم مدبر ..؟»

عرفت عائشة خبيئته، و ما يرومه في حديثه من الانسحاب، فالتفتت إليه و كانت عارفة بما يثيره و ينقض عزيمته فقالت له باستهزاء.

«يا أبا عبد اللّه .. خفت سيوف بنى عبد المطلب؟!»

و عاثت هذه السخرية في نفسه، و زاد في اضطرابه و قلقه و ارجاعه الى ساحة التمرد ابنه المشوم عبد اللّه فقد قال له:

«إنك خرجت على بصيرة، و لكنك رأيت رايات ابن أبي طالب و عرفت أن تحتها الموت فجبنت؟!»

لقد اتهمه ابنه بالحور و الجبن و هو عار و ذل و منقصة عليه فالتفت إليه و قد مشت الرعدة باوصاله فقال له:

- ويحك إني قد حلفت له أن لا أقاتله؟

- كفر عن يمينك بعتق غلامك سرجس.

فاعتق غلامه ثم انعطف يجول فى الميدان ليرى عائشة و ابنه شجاعته و بسالته و عدم مبالاته بحتفه، فشد في الميسرة، ثم رجع فشد في القلب، و رجع الى ابنه و قال له:

«ا يفعل هذا جبان؟؟»

و مضى منصرفا حتى أتى (وادي السباع) و كان الاحنف بن قيس مع قومه مقيمين فيه، فقالوا له: هذا الزبير قد اجتاز فقال: ما اصنع بالزبير؟ و قد جمع بين فئتين عظيمتين من الناس يقتل بعضهم بعضا؟

و لحقه نفر من بنى تميم فسبقهم إليه عمرو بن جرموز، و قد نزل الزبير الى الصلاة فقال: أ تؤمنى أو أؤمك؟ فأمه الزبير، فقتله عمرو بن جرموز و هو فى حال صلاته

لقد كانت النهاية الأخيرة من حياة الزبير مشفوعة بالغدر و الخيانة و التمرد على الحق و هو مما يؤسف له، فله ماضيه الزاهر الحافل بالمكرمات و الفضائل فهو صاحب حلف الفضول الذي كان شعاره مناصرة المظلوم فما باله في هذه المرحلة قد تنكر لأمير المؤمنين و نسيى ظلامته، فقد ابتزت حقه تيم تارة و عدى أخرى و أمية ثالثة، و قد جاء هو لينتزع منه حقه.

انه مما يؤسف على الزبير أن تكون له هذه النهاية المؤلمة و هو صاحب المواقف الكريمة الذي جلى بسيفه الكرب عن وجه رسول اللّه (ص) و وقف من بعده، مع أمير المؤمنين يحمي جانبه و يهتف بفضله و يقدمه على غيره فما الذي حداه على الخروج عليه فهل استأثر ابن أبى طالب باموال المسلمين و هل ادخر وفرا لنفسه و لعياله حتى يناجزه و يخرج عليه؟

الاحتفاف بعائشة:

و استطابت الموت و استلذته بعض القبائل العربية في سبيل عائشة فقدموا لها الضحايا و القرابين، و بالغوا في حمايتها و الدفاع عنها و هم:

أ- الأزد

و هامت الازد بحب عائشة، و تفانت في ولائها، فكانوا يأخذون بعر جملها يشمونه و يقولون: بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك و قد هبوا للدفاع عنها مستميتين، و قد انطلق شيخ في المعركة يستنجد بهم لما رأى من عظيم ولائهم و اخلاصهم لها فقد خاطبهم قائلا:

يا معشر الأزد عليكم امكم

فانها صلاتكم و صومكم

و الحرمة العظمى التي تعمكم

فاحضروها جدكم و حزمكم

لا يغلبن سم العدو سمكم

إن العدو إن علاكم زمكم

و خصكم بجوره و عمكم

لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم

و احتفوا بهودجها، و امسكوا بخطام «عسكرها» فبهرت عائشة و قالت!

- من انتم؟

فاخذت تلهب في نفوسهم روح الحماس و تدفعهم الى الموت قائلة:

«إنما يصبر الأحرار .. ما زلت أرى النصر مع بني ضبة!»

و اشعلت هذه الكلمات نار الثورة فى نفوسهم فاندفعوا إلى الموت، و قاتلوا أشد القتال في سبيلها

ب- بنو ضبة

و بنو ضبة من أرذال العرب و أوباشهم، و كانوا غلاظ القلوب و الطباع، قد أترعت نفوسهم بروح الجاهلية و مساوئها، و قد وهبوا أرواحهم بسخاء لعائشة، و أحاطوا بجملها مستميتين و هم يقولون:

يا أمنا يا زوجة النبي

يا زوجة المبارك المهدي

نحن بنو ضبة لا نفر

حتى نرى جماجما تخر

يخر منها العلق المحمر

و وقفوا صامدين حتى قطعت أيديهم و بدرت رءوسهم، و اتخذوا في ذلك اليوم دم عثمان شعارا لهم فكانوا يقاتلون اعنف القتال و أشده و شاعرهم يرتجز و يقول:

نحن بنو ضبة أصحاب الجمل

ننازل القرن اذا القرن نزل

و القتل اشهى عندنا من العسل

نبغي ابن عفان بأطراف الأسل

ردوا علينا شيخنا ثم بجل

و قتل حول خطامها اربعون رجلا منهم، و كانت عائشة تقول:

ما زال جملي معتدلا حتى فقدت اصوات بني ضبة.

ج- بنو ناجية

و من القبائل التي فتنت بحب عائشة بنو ناجية، فقد انطلقوا الى ساحة الموت في سبيلها فأخذوا بخطام جملها فسألت عنهم؟ فقيل لها بنو ناجية فأخذت تستفز حميتهم، و تقذف بهم فى لظى الحرب قائلة:

«صبرا يا بنى ناجية. فاني اعرف فيكم شمائل قريش ..»

هذه بعض القبائل التي قدمت المزيد من الضحايا في سبيل عائشة، قد غرتهم امهم و فتنتهم في سبيل أطماعها و احقادها.

عقر الجمل:

و استمر اعنف القتال بين الفريقين يريد أصحاب أمير المؤمنين أن يحموا امام المسلمين و وصيي نبيهم و يريد أصحاب عائشة أن يحموا أمهم و يموتوا دونها حتى شاعت المقتلة بينهما، و رأى امير المؤمنين ان الحرب لا تنتهي ما دام الجمل موجودا، فدعا بعمار و بالاشتر فلما مثلا بين يديه قال لهما.

«اذهبا فاعقرا هذا الجمل فان الحرب لا يخمد ضرامها ما دام حيا!!! فانهم قد اتخذوه قبلة لهم.»

انطلق الأشتر و عمار و معهما فتية من مراد فوثب فتى يعرف بمعمر ابن عبد اللّه الى الجمل فضربه على عرقوبه فهوى الى الارض و له عجيج منكر لم يسمع مثله، و تفرق اصحاب عائشة فقد تحطم الصنم الذي قدموا له القرابين، و أمر الامام بحرقه و تذرية رماده في الهواء لئلا تبقى منه بقية يفتتن بها السذج و البسطاء و بعد ما فرغ من ذلك قال:

«لعنه اللّه من دابة. فما اشبهه بعجل بني اسرائيل!!»

و مد بصره الى الرماد الذي اخذه الريح فتلا قوله تعالى: «و انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في أليم نسفا»

الصفح عن عائشة:

و قابل الامام عائشة بالاحسان و الصفح الجميل فبعث إليها أخاها محمدا يسألها عن حالها فانطلق إليها محمد فادخل يده في هودجها فجفلت مرعوبة منه و صاحت به:

- من أنت؟

- ابغض أهلك إليك

عرفته في الوقت فقالت له و نفسها مترعة بالكراهية له و الحقد عليه:

- ابن الخثعمية؟

- نعم أخوك البر

- عقوق

و أزاحت بوجهها عنه، و التفت إليها يسألها برفق ولين:

- هل أصابك مكروه؟

- سهم لم يضرني

فانتزعه منها، و أخذ بخطام هودجها، و ادخلها في الربع الأخير من الليل الى دار عبد اللّه بن خلف الخزاعي على صفية بنت الحارث فاقامت هناك اياما.

العفو العام:

و اصدر الامام اوامره بالعفو عن جميع اعدائه، و المعارضين له، و طلبت عائشة ان يؤمن ابن اختها عبد اللّه بن الزبير و هو من ألد اعدائه فاجابها إلى ذلك، و تكلم معه الحسن و الحسين فى شأن مروان فآمنه و عفا عنه و نادى مناديه:

«ألا لا يجهز على جريح، و لا يتبع مول، و لا يطعن في وجه مدبر و من القى سلاحه فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن ..»

ثم آمن الاسود و الأحمر- على حد تعبير اليعقوبي- و لم ينكل بأحد من خصومه، و بذلك فقد انتشر السلام و عم الهدوء في جميع ربوع البصرة

تسريح عائشة:

و بعث أمير المؤمنين عبد اللّه بن عباس الى عائشة لتخرج من البصرة الى يثرب فتقر فى بيتها كما أمرها اللّه فانطلق إليها ابن عباس و استأذن منها فأبت أن تأذن له فدخل بغير أذن و هوى الى متاعها فأخرج منه و سادة فجلس عليها، فتأثرت منه و قالت له:

«تاللّه يا ابن عباس .. ما رأيت مثلك تدخل بيتنا و تجلس على و سادتنا بغير أمرنا!!»

فانبرى إليها ابن عباس و هو فياض المنطق قائلا:

«و اللّه ما هو بيتك، و لا بيتك الا الذي أمرك اللّه أن تقرى فيه فلم تفعلي، إن أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي الى بلدك الذي خرجت منه.»

فاظهرت كوامن غيظها و بغضها للامام فقالت:

- رحم اللّه أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب.

- نعم. و هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

- أبيت، أبيت

- ما كان إباؤك إلا فواق ناقة بكيئة ثم صرت ما تحلين و لا تمرين و لا تأمرين و لا تنهين.

فالتاعت من كلامه و أرسلت ما في عينيها من دموع، ثم قالت له:

«نعم ارجع فان ابغض البلدان الي بلد انتم فيه.»

فثار ابن عباس من كلامها ورد عليها:

«أما و اللّه ما كان ذلك جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أما، و جعلنا أباك لهم صديقا.»

فاجابته باسخف القول

«أ تمن علي برسول اللّه؟!!»

و ما ابعد هذا القول عن منطق الايمان فمن تكون هي لو لا رسول اللّه فبسببه علا لها نجم و صار لها ذكر، و قد انبرى ابن عباس فرد عليها منطقها الرخيص قائلا:

«نمن عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننت به علينا!!»

و تركها و انصرف فاخبر الامام بحديثه معها، و باستجابتها لقوله فشكره الامام على ذلك و لما عزمت على الخروج جهزها الامام باحسن جهاز و اعد لها قافلة كاملة لا ينقصها شيء، و في اليوم المقرر لسفرها دخل عليها و معه الحسن و الحسين فلما رأينه النسوة بكين و صحن في وجهه، و التفتت إليه صفية ربه الدار فقالت له:

يا قاتل الأحبة. يا مفرق الجماعات. أيتم اللّه بنيك منك كما ايتمت بنى عبد اللّه ..»

اجابها الامام: لو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذا البيت، و أشار الى بيت فى دارها قد اختفى فيه فريق من أعدائه و خصومه، و أراد من كان معه الهجوم عليهم فمنعهم من ذلك، و جرى بعد ذلك حديث بين الامام و عائشة فقالت له: إني احب أن أقيم معك فاسير إلى قتال عدوك، فابى الامام و أمرها أن تقر في البيت الذي تركها فيه رسول اللّه و لو أراد السياسة الوقتية لأجابها إلى ذلك و لكنه منبع التقوى و الايمان أراد أن يسير معها على وفق الشريعة الاسلامية التي تلزم المرأة بالحجاب و بالعمل لتهذيب نفسها و اصلاح منزلها، و ليس لها باي حال أن تدخل في المعمعات الحزبية و المعتركات السياسية، و رحلت عائشة من البصرة و قد اسكنت بيوتها الثكل و الحزن و الحداد، و روعت المسلمين و أشاعت القتل فيما بينهم فقد كان عدد الضحايا بسببها عشرة آلاف نصفهم من اصحابها و النصف الآخر من أصحاب الامام و قد دمرت بخروجها على الامام و شائج الصلات بين المسلمين، و نسفت أواصر الأخوة الاسلامية التي عقدها الرسول الكريم، و فتحت باب الفتن و الشر بين أمة محمد (ص) كما مهدت العصيان لمعاوية و بني أميّة، و عبدت لهم الطريق ليتخذوا من دم عثمان وسيلة الى الظفر بالحكم و إلى استعباد المسلمين و اذلالهم.

لقد اجمع أئمة المسلمين على تأثيم القائمين بهذا التمرد و انه لا مبرر له بحال من الاحوال كما نعتوهم بالبغاة و ان الواجب الديني يقضي بمناجزتهم عملا بقوله تعالى: «فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ» يقول أبو حنيفة:

«و ما قاتل أحد عليا الا و علي أولى بالحق منه، و لو لا ما سار علي فيهم ما علم أحد كيف السيرة فى المسلمين. و لا شك ان عليا إنما قاتل طلحة و الزبير بعد أن بايعاه و خالفاه، و فى يوم الجمل سار على فيهم بالعدل، و هو علم المسلمين فكانت السنة في قتال أهل البغي»

و قال ابن حجر:

«ان أهل الجمل و صفين رموا عليا بالمواطاة مع قتلة عثمان و هو برىء من ذلك و حاشاه و اضاف يقول: و يجب على الامام قتال البغاة لاجماع الصحابة عليه و لا يقاتلهم حتى يبعث إليهم أمينا عدلا فطنا ناصحا يسألهم عما ينقمونه على الامام تأسيا بعلي (ع) فى بعثه ابن عباس الى الخوارج بالنهروان»

و قال امام الحرمين الحويني: «كان على بن أبي طالب امام حق في توليته و مقاتلوه بغاة»

ان الشريعة الاسلامية تلزم بمناجزة الخارجين على السلطة الشرعية لان في خروجهم تصديعا لوحدة المسلمين، و تدميرا لاخوتهم.

لقد مرت هذه الحادثة الرهيبة على الامام الحسن و قد عرفته باضغان القوم و أحقادهم على أبيه، و قد كان فى تلك الموقعة البطل الوحيد و القائد المحنك الذي استطاع أن يحفز الجماهير و يجهزهم لقتال القوى الباغية على أبيه، و بهذا ينتهى بنا المطاف عن مشكلة البصرة لنلتقى به في موقعة صفين

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved