۱۳۹۶ يکشنبه ۲۸ آبان | اِلأَحَّد ٢٩ صفر ١٤٣٩
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
فى عهد عثمان 

 

نستقبل الحسن عليه السلام في عهد عثمان و هو في شرخ الشباب و عنفوانه فقد كان عمره ينيف على عشرين عاما و هو دور يسمح لصاحبه أن يخوض معترك الحياة، و أن يعطي رأيا في الناحية الاجتماعية فدخل الامام عليه السلام في دوره هذا- على ما قيل- ميدان الجهاد «و الجهاد باب من أبواب الجنة» فانضم الى المجاهدين حيث اتجهت ألويتهم الفاتحة الى احتلال افريقية، سنة ست و عشرين من الهجرة و تذكر المجاهدون في حفيد الرسول صلى اللّه عليه و آله شخصية جده، فأبلوا بلاء حسنا حتى فتح اللّه على أيديهم و بعد ما وضعت الحرب أوزارها اتجه الحسن عليه السلام الى عاصمة جده صلى اللّه عليه و آله و النصر حليفه و قلبه مفعم بالسرور و الارتياح لتوسع النفوذ الاسلامى و انتشار دين جده، و لما كانت سنة ثلاثين من الهجرة اتجهت الجيوش الاسلامية الفاتحة و التي يرف النصر عليها الى احتلال طبرستان فانضم الحسن عليه السلام إليها و ببركته فتح اللّه على أيديهم و رف لواء الاسلام عليها، ففي سبيل المصلحة العامة و خدمة الدين اللذين هما فوق سائر الاعتبارات دخل الامام الحسن عليه السلام في ميدان الجهاد و الكفاح، و القى الستار على ما يكنه في نفسه من الاستياء على ضياع حق أبيه، و هو درس رائع يجب أن تستفيد منه الاحزاب السياسية القائمة في البلاد من ان عنعنات الحزبية يجب ان تلغى أمام صالح البلاد و المجتمع.

 

و ساس عثمان الامة حفنة من السنين فكانت سياسته بعيدة كل البعد عن سنة الرسول صلى اللّه عليه و آله و سيرة الشيخين و بعيدة كل البعد عن روح ذلك العصر لأنها لم تتفق مع الناحية الدينية و الاجتماعية لذلك كتب لها الفشل و الخذلان، و سبب ذلك يرجع الى عدم قدرة الخليفة على ادارة شئون الامة و عجزه من الناحية الادارية، و ضعف ارادته ضعفا يلمس في كافة أعماله، و صدق «امرسن» في قوله:

«إن قوة الارادة سر النجاح، و النجاح غاية الوجود، فان قوة إرادة نابليون، و كرنت، و الاسكندر و غيرهم من رجال التأريخ هي التي

خلدت اسماءهم، و إنا لنرى عددا كبيرا من رجال التأريخ لم ينتج انخذالهم على ما اشتهروا به من الشجاعة و الحنكة و الذكاء إلا عن ترددهم، و ضعف إرادتهم، و ان من المحال أن ندخل معترك الحياة، و نرجو الفوز فيها دون أن تكون لدينا إرادة قوية»

إن قوة الارادة لها الاثر التام في تكوين الشخص و في خلوده فى هذه الحياة، و ان الشخص الضعيف المغلوب على امره يستحيل أن يحقق أي هدف للامة أو يبني لها كيانا، و قد حرص الاسلام كل الحرص على ابعاد ضعيف الارادة عن قيادة الامة، و منعه من مزاولة الحكم لأنه يعرض البلاد للاخطار، و يجر لها الويلات و الخطوب، و يذهب بهيبة الحكم و معنويته و يغري ذوي القوة بالتمرد و الخروج من الطاعة.

إن عثمان كان فاقد الارادة الى حد بعيد، فلم تكن له قدرة لمواجهة الاحداث، و لا قابلية له للتغلب عليها فقد او كل شئون الدولة الى مروان يتصرف بها حسب ما يشاء، و نقل ابن ابي الحديد عن بعض مشايخه ان الخليفة فى الحقيقة و الواقع مروان، و عثمان له اسم الخلافة لا غير.

و على أي حال فلا بد لنا أن نتبين قصة عثمان، و نقف على حقيقتها و واقعها فان لها ارتباطا وثيقا بما نحن فيه، فقد زعم غير واحد من المؤرخين أن الامام الحسن عليه السلام كان عثمانى الهوى، و انه وقف يوم الدار مدافعا عن عثمان، و حزن عليه بعد مقتله حزنا بالغا، و انه كان يندد بأبيه لأنه لم يقم بنجدته و حمايته، و قد مال لذلك الدكتور طه حسين و أرسلها الى القراء ارسال المسلمات من دون ان يتبين فيها، و لا يعرف مدى واقعية ذلك إلا بعد التعرف على سياسة عثمان و سيرته فانها هي التي تكشف عن زيف هذه الامور و عدم التقائها بواقع الامام عليه السلام الذي كان يحمل هدي جده الرسول صلى اللّه عليه و آله و سيرة أبيه.

و قبل التحدث عن سياسة عثمان نود أن نبين أنا نلتقي في كثير من بحوثنا الآتية مع الدكتور طه حسين فقد حاول تبرير عثمان، و تنزيهه عن التهم التي الصقت به بوجوه بعيدة خالية من التحقيق العلمي، و قد تنصل في طليعة بحوثه عن عثمان عن كل هوى و تعصب طائفى، فليس هو شيعة لعثمان و ليس شيعة لعلي، و انما يريد أن يخلص في بحوثه للحق ما وسعه اخلاصه للحق وحده و لكنه لم يلتزم بوعده فانطلق يتمسك بالاسباب الواهية لتصحيح أخطاء السياسة العثمانية التي لم تساير فى اي مرحلة من مراحلها كتاب اللّه و سنة نبيه، و سيرة الشيخين، حتى نقم عليها خيار المسلمين و صلحاؤهم، و ثارت عليه الاقاليم الاسلامية، و احاطت به جماهير المسلمين يطالبونه أن يعتدل في سياسته و أن يسير على الطريق الواضح و المحجة البيضاء فلم يستجب لذلك فاردوه صريعا، قد شقيت الامة بحكمه، و امتحنت بعد مقتله.

إن الواجب يقضى بأن ننظر الى هذه الاحداث بدقة و أمانة، و نتعمق فيها، و نبين معطياتها فانها ترتبط بواقعنا الدينى، و ليس لنا ان نلتمس المعاذير لأي شخص كان فيما اذا جافت سيرته تعاليم الاسلام، و تنافت مع مبادئه و احكامه، و الى القراء بعض تلك المؤاخذات التي تواجه سياسة عثمان:

عفوه عن عبيد اللّه 

و استقبل عثمان خلافته بالعفو عن عبيد اللّه بن عمر الذي ثار لمقتل أبيه فقتل بغير حق الهرمزان، و جفينة، و بنت أبي لؤلؤة، و أراد قتل كل سبي بالمدينة فانتهى إليه سعد بن أبي وقاص فساوره و قابله بناعم القول حتى أخذ منه السيف، و أودع في السجن حتى ينظر عثمان في امره، و لما تمت البيعة لعثمان اعتلى أعواد المنبر، و عرض على المسلمين قصة عبيد اللّه فقال:

«و قد كان من قضاء اللّه ان عبيد اللّه بن عمر أصاب الهرمزان، و كان الهرمزان من المسلمين، و لا وارث له إلا المسلمون عامة، و أنا إمامكم و قد عفوت أ فتعفون؟ ..»

فانبرى جمع من الناس فاعلنوا الرضا، و الاقرار للعفو سوى الامام أمير المؤمنين عليه السلام فقد انكر على عثمان و لم يرض بقضائه و قال له:

«أقد الفاسق فانه أتى عظيما، قتل مسلما بلا ذنب ..»

و صاح الامام بعبيد اللّه «يا فاسق .. لئن ظفرت بك لأقتلنك بالهرمزان.»

و اندفع المقداد بن عمر فرد على عثمان قائلا:

«إن الهرمزان مولى للّه و لرسوله، و ليس لك أن تهب ما كان للّه و لرسوله ..»

و لم يرض ثقات المسلمين و صلحاؤهم بهذا العفو و اعتبروه تعديا على الاسلام و خرقا لحدوده فكان زياد بن لبيد إذا لقى عبيد اللّه يقول له:

ألا يا عبيد اللّه مالك مهرب

و لا ملجأ من ابن أروى و لا خفر

أصبت دما و اللّه في غير حله

حراما و قتل الهرمزان له خطر

على غير شيء غير أن قال قائل

أ تتهمون الهرمزان على عمر

فقال سفيه و الحوادث جمة

نعم أتهمه قد أشار و قد أمر

و كان سلاح العبد في جوف بيته

يقلبه و الامر بالامر يعتبر

و شكا عبيد اللّه الى عثمان فدعا زيادا فنهاه عن ذلك، و لكنه لم ينته و قد تناول بالنقد عثمان فقال فيه:

أبا عمرو عبيد اللّه رهن

- فلا تشكك- بقتل الهرمزان

فانك ان غفرت الجرم عنه

و أسباب الخطا فرسا رهان

لتعفو إذ عفوت بغير حق

فما لك بالذي تخلي يدان

و غضب عثمان على زياد فنهاه و زجره حتى انتهى و اخرج عبيد اللّه من يثرب الى الكوفة، و أنزله دارا فنسب الموضع إليه فقيل «كويفة ابن عمر» و روى الطبري ان عثمان استشار الصحابة في شأن عبيد اللّه، فاشار عليه قوم بالعفو، و قالوا: يقتل عمر امس و يقتل ابنه اليوم، و أشار عليه جماعة منهم الامام أمير المؤمنين بالقود، فقال له عمرو بن العاص يا أمير المؤمنين، ان اللّه قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان و لك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث، و لا سلطان لك، فاستجاب عثمان لرأيه و قال: أنا وليهم و قد جعلتها دية، و احتملها في مالى

و قد حفلت هذه البادرة بما يلي من المؤاخذات:

1- ان الاسلام قد ألزم ولاة الامور باقامة الحدود و عدم التسامح

و التساهل فيها للحفاظ على النظام العام، و صيانة النفوس، و حمايتها من الاعتداء و ليس للحاكم ان يقف موقف اللين و التسامح مع المعتدى مهما كانت له من مكانة مرموقة في المجتمع، و قد أعلن ذلك الرسول صلى اللّه عليه و آله و طبقه على واقع الحياة فقد سئل أن يعفو عن سارقة لشرف أسرتها فأجاب:

«انما هلك من كان قبلكم لأنهم كانوا إذا أذنب الضعيف فيهم عاقبوه، و اذا أذنب الشريف تركوه، و اللّه لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ..»

و جلد صلى اللّه عليه و آله أصحاب الإفك، و فيهم سطح بن اثاثة و كان من أهل بدر، هذا ما يقتضيه العدل الاسلامى الذي لا يفرق بين الابيض و الاسود، و الضعيف و القوي، و الرئيس و المرءوس فهم سواسية أمام القانون، و قد جافى عثمان ذلك، و خالف ما يقتضيه العدل فلم يفد عبيد اللّه لأنه ابن عمر، و فتى من فتيان قريش فآثر رضا آل الخطاب و رضا قريش فعفا عنه، و ابعده الى الكوفة، و منحه دارا يسكن فيها، و قد فتح بذلك باب الفوضى و الفساد، و مكن ذوي النفوذ أن ينالوا من الضعفاء، الذين ليس لهم ركن يأوون إليه.

2- ان عثمان قد الغى رأى أمير المؤمنين الذي الزم بالقود، و هو من دون شك أعلم بحدود اللّه و احكامه، و استجاب لرأي ابن العاص الذي عرف ببغيه و حقده على الاسلام.

3- ان المصلحة العامة كانت تقضى بالقود و عدم العفو عنه لأنه لو قتله لكان اقطع للفساد، و أنفى للقتل، و لم يقدم أحد من ذوى النفوذ على ارتكاب هذه الجريمة، فان ابن الخليفة قد اقتص منه و لكن عثمان لم يرع المصلحة العامة، و استجاب الى الاغراض الخاصة التي تتنافى مع مصلحة الامة.

4- إن الولاية للامام إنما تثبت فيما اذا علم ان المقتول لا وارث له و الهرمزان من فارس فكان اللازم على عثمان أن يفحص عن وارثه و يتبين واقعيته، و مع عدمه تثبت له الولاية، و لكنه لم يفعل ذلك، و لم يتحقق في أمره فاضفى على نفسه أنه وارثه و وليه.

5- و ليس للحاكم ان يعفو عن الدية، و إنما له ان يصالح عليها كما يرى ذلك ملك العلماء الحنفى يقول:

«ان الامام له ان يصالح على الدية إلا أنه لا يملك العفو، لأن القصاص حق المسلمين بدليل أن ميراثه لهم، و إنما الامام نائب عنهم في الاقامة، و في العفو إسقاط حقهم أصلا و رأسا و هذا لا يجوز، و لهذا لا يملكه الاب و الجد و إن كانا يملكان استيفاء القصاص، و له ان يصالح على الدية» . و على ضوء هذه الفتيا الحنفية فليس لعثمان صلاحية العفو عن الدية، و هذا الاشكال يسجل على عثمان على ما رواه بعضهم من انه عفا عن الدية. هذه بعض المؤاخذات التي تواجه عثمان في عفوه عن عبيد اللّه و عدم قوده.

دفاع طه حسين

و حاول الدكتور طه حسين تبرير عثمان، و نفي المسئولية عنه، و كان اعتذاره لا يحمل طابعا علميا، و نسوق الى القراء مواضع دفاعه:

1- فما كان عثمان ليستفتح خلافته بقتل فتى من فتيان قريش، و ابن من أبناء عمر. و ما كان عثمان ليهدر دم مسلم و ذميين. و هو من أجل ذلك آثر العافية، فأدى دية القتلى من ماله الخاص الى بيت مال المسلمين و حقن دم عبيد اللّه بن عمر، و في امضائه الحكم على هذا النحو سياسة رشيدة لو نظر الناس الى القضية نظرة سياسية خالصة .

ان عثمان لو استفتح خلافته بقتل عبيد اللّه لوفى للمسلمين ما عاهدهم عليه من السير على ضوء كتاب اللّه و سنة نبيه، و تطبيق أحكام الشرع على واقع الحياة و لكنه انطلق في ميدان السياسة فآثر العافية و أهمل أحكام الدين و قد علق سماحة الامام كاشف الغطاء رحمه اللّه على هذا الاعتذار بقوله:

«هذا من الاغلاط الواضحة فان دم عبيد اللّه قد هدره الشرع و لم يحقنه- هذا أولا- و ثانيا ان القتل كان عن عمد و حكمه القصاص لا الدية و قد غلط الاولون و جاء الآخرون يوجهون غلطهم بغلط آخر ..»

2- و نعود فنقول إن عثمان كان ولي أمر المسلمين و له بحكم هذه الولاية أن يعفو، و نزيد على ذلك أنه حين عفا لم يعطل حدا من حدود اللّه، و لم يهدر دم الهرمزان و صاحبيه، و إنما ادى ديتهم من ماله لبيت مال المسلمين الذي كان يرثهم وحده ..»

و قد علق عليه سماحة المغفور له كاشف الغطاء قال ما نصه:

«و هذا أيضا غلط ادهى و أمر فان واجب ولي أمر المسلمين اقامة حدود اللّه لا تعطيلها، و اعطاء الدية في مورد القصاص من دون رضاء أولياء الدم تحكم في احكام الشرع و تلاعب بالدين.»

3- و قد أمر النبي ان تدرأ الحدود بالشبهات، فلعل عثمان قد درأ هذا الحد عن عبيد اللّه بالشبهة التي تأتي من غضبه لأبيه و اندفاعه مع شهوته الجامحة. و اللّه قد حبب الى المسلمين العفو حين يقدرون و جزاهم عليه خيرا ...»

و هذا من الاغلاط الفظيعة فان الغضب لا يصلح أن تدرأ به الحدود و إلا لوجب أن يدرأ الحد عن كل قاتل على نحو القتل على الاكثر إنما يصدر عن الغضب و الثورة الجامحة، و قاعدة الحدود تدرأ بالشبهات لا تنطبق على ما نحن فيه فلها مواردها الخاصة و المورد ليس من مصاديقها، و لو كان الغضب موجبا لسقوط القود لاعتذر به عثمان، و دافع به عن نفسه حينما أنكر عليه أمير المؤمنين و غيره، فهل الدكتور اعرف بمواقع السنة من عثمان؟!

إن دفاع الدكتور خال من التحقيق، و ليست له أي صبغة تشريعية و لا يمكن ان يبرر عثمان و يقصى عنه المسئولية.

و مهما يكن من أمر فان عفو عثمان عن عبيد اللّه لم يكن المقصود منه إلا تطييب قلوب آل الخطاب، و ارضاء القرشيين، و ليس فيه أي مصلحة للامة.

سياسته المالية 

و احتاط الاسلام احتياطا شديدا في أموال الدولة، و ألزم الولاة و الحكام ان ينفقوها على المرافق العامة و على اصلاح الحياة، و مكافحة الفقر، و اعالة الضعيف، و الانفاق على العاجزين كالارامل و الايتام، و ليس لهم ان يدخروا منها لأنفسهم، و لا أن يصطفوا منها لذراريهم، فليست طعمة لهم، و لا ملكا يتصرفون فيها حيثما شاءوا، يقول الامام أمير المؤمنين لعبد اللّه بن زمعة لما قدم عليه في خلافته يطلب منه مالا:

«إن هذا المال ليس لي و لا لك، و إنما هو فيء للمسلمين و جلب أسيافهم، فان شركتهم في حرب كان لك مثل حظهم، و إلا فجناة ايديهم لا تكون لغير أفواههم ..»

و كتب عليه السلام الى قثم بن العباس عامله على مكة:

«و انظر الى ما اجتمع عندك من مال اللّه فاصرفه الى من قبلك من ذوي العيال و المجاعة، مصيبا به مواضع الفاقة و الخلات، و ما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا»

و يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «ان رجالا يتخوضون في مال اللّه بغير حق فلهم النار يوم القيامة»

هذا هو نظر الاسلام بايجاز في الناحية المالية فهو يلزم المسئولين بصرف أموال الدولة على انعاش المواطنين، و انقاذهم من البؤس و الحاجة، و ليس لهم بأي حال أن يتاجروا بها في شراء الضمائر، و صلة غير المحتاج، و لكن عثمان لم يطبق ذلك لا بكثير و لا بقليل، فقد تسلط على الخزينة المركزية، و وهب الاموال الطائلة بسخاء الى الامويين و الى آل أبي معيط لتقوية نفوذهم و تركيزهم في البلاد، فقاموا بدورهم باستغلال المسلمين، و التلاعب بمقدراتهم و التحكم في مصيرهم، كما منح الاموال الطائلة الى الوجوه و الاعيان الذين يخاف جانبهم، و يحذر سطوتهم نظرا لنفوذهم السياسي فى البلاد، و قد أدى ذلك الى تضخم الثراء و تكدس الاموال عند طائفة من الناس حاروا في صرفها و في انفاقها، و من الطبيعي أن ذلك يؤدي الى نشر الفاقة و ذيوع الفقر و البؤس بين الناس الامر الذي يتنافى مع اتجاه الاسلام الذي يحرص كل الحرص على اسعاد المجتمع، و نشر الرفاهية، و بسط السعة بين الناس و نسوق بعض البوادر للاستدلال بها على ما ذكرناه:

1- هباته للأمويين

و منح عثمان أموال المسلمين الى اسرته، و ذوي قرباه الذين تنكروا للإسلام، و قابلوه، و ناجزوه الحرب، فأوصلهم و برّ بهم، و حملهم على رقاب الناس، و وهبهم الثراء العريض يتمتعون فيه، و يبالغون في البذخ و الاسراف، و الى القراء بعض اولئك الذين أغدق عليهم بهباته:

أ- أبو سفيان

و وهب عثمان الى أبي سفيان مائتى الف من بيت المال أعطاه هذه المنحة و هو رأس المشركين يوم أحد، و يوم الاحزاب، و في طليعة الحاقدين على الاسلام، و الناقمين منه، و ما دخل الدين في قلبه، و لا انتزعت روح الجاهلية من نفسه، و هو الذي انطلق الى قبر حمزة فركله برجله، و قال:

«يا أبا عمارة! .. إن الامر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمسى في يد غلماننا يتلعبون به.» ثم مضى مثلوج القلب، و دخل على عثمان بعد أن فقد بصره فقال:

«اللهم، اجعل الامر أمر جاهلية، و الملك ملك غاصبية، و اجعل أوتاد الارض لبني أمية ..»

فهل من العدل و الانصاف أن تمنح أموال المسلمين الى هذا المنافق الذي اترعت روحه بالعداء و البغض للإسلام؟!! و هل تبيح الشريعة الاسلامية إعطاء هذه الاموال الى شخص ما آمن باللّه طرفة عين؟!

ب- الحارث بن الحكم

و أجزل عثمان بالعطاء الى الحارث بن الحكم لأنه صهره من عائشة فقد أعطاه ثلاثمائة الف درهم و وردت ابل الصدقة الى المدينة فوهبها له و أقطعه سوقا في يثرب يعرف بتهروز بعد أن تصدق به رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله على جميع المسلمين و بما ذا استحق الحارث أن يمنح هذه الاموال الطائلة؟ فهل اسدى خدمة للاسلام او قام بعمل نفع به المسلمين حتى يستحق أن يوصل بهذه الاموال؟! هذا مع ان ابل الصدقة يجب ان تنفق على الفقراء و المعوزين، كما أنه كيف خصه بصدقة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مع أنها لجميع المسلمين، فلا مبرر و لا مسوغ له في هذا العطاء الذي خالف أحكام اللّه، و تنافى مع صالح الامة

ج- عبد اللّه بن سعد

و أعطى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة جميع ما أفاء اللّه به من فتح إفريقية بالمغرب و هي من طرابلس الغرب الى طنجة، و لم يشرك في عطائه أحدا من المسلمين و هو أحد أعلام المشركين، و من الذين تنكروا للإسلام، و كفروا بقيمه، و سنذكر ترجمته في البحوث الآتية ما يثبت ذلك، فكيف جاز لعثمان أن يوصله بهذه الاموال الهائلة، و يمنحه هذا الثراء العريض.

د- الحكم بن أبي العاص

و يجدر بنا قبل أن نذكر هبات عثمان و صلاته للحكم أن نتعرف على واقعيته، و بعض شئونه ليتضح أنه كان خليقا بالقطيعة و الاقصاء، و جديرا بالتوهين و الاستخفاف، و إن منحه أموال المسلمين أمر لا مبرر له بأي حال و الى القراء ذلك:

1- محاربته للإسلام

و وقف الحكم فى وجه الدعوة الاسلامية فكان يحرض الناس على البقاء على عبادة الاوثان، و يمنعهم من الدخول في حظيرة الاسلام، و قد التقى مروان بحويطب فسأله عن عمره فأخبره به فقال له مروان: «تأخر اسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الاحداث؟!»

فقال حويطب:

«و اللّه لقد هممت بالاسلام غير مرة، كل ذلك يعوقني أبوك يقول:

تضع شرفك، و تدع دين آبائك، لدين محدث، و تصير تابعا ..»

إن الحكم و بقية الاسرة الاموية ناهضت الاسلام، و بذلت جميع امكانياتها في صد الدعوة الاسلامية و مكافحتها بشتى الاساليب، و لكن اللّه رد كيدهم، و نصر الاسلام و اعز دينه.

2- استهزاؤه بالنبي

كان الحكم من ألد أعداء رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و من أحقدهم عليه و قد بالغ في إيذائه و التوهين به، و الاستخفاف بمقامه الرفيع، فكان يمر خلفه فيغمز به، و يحكيه، و يخلج بأنفه و فمه و التفت النبي فرآه يفعل ذلك فقال: كذلك فلتكن، فكان الحكم مختلجا يرتعش حتى مات، و قد عيره بذلك عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فقال فى هجاء عبد الرحمن بن الحكم:

إن اللعين أبوك فارم عظامه

إن ترم ترم مخلجا مجنونا

يمسي خميص البطن من عمل التقى

و يظل من عمل الخبيث بطينا

3- لعن النبي له

و استأذن هذا الخبيث الماكر على النبي صلى اللّه عليه و آله فقال صلى اللّه عليه و آله: ائذنوا له لعنة اللّه عليه و على من يخرج من صلبه إلا المؤمنين، و قليل ما هم، ذوو مكر و خديعة يعطون الدنيا، و ما لهم في الآخرة من خلاق و أمر صلى اللّه عليه و آله الامام عليا أن يقوده كما تقاد الشاة و يأتي به إليه فأنطلق الامام و جاء به و هو آخذ بأذنه حتى أوقفه بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فلعنه ثلاثا، ثم قال:

أحله ناحية حتى راح إليه قوم من المهاجرين و الانصار، ثم دعا به ثانيا فلعنه، و قال: إن هذا سيخالف كتاب اللّه و سنة نبيه، و ستخرج من صلبه فتن يبلغ دخانها السماء، فقال إليه قوم هو أقل، و أذل من أن يكون هذا منه، فقال صلى اللّه عليه و آله: بلى و بعضكم يومئذ شيعته

4- نفيه الى الطائف

و كان هذا الرجس الخبيث يفشى أحاديث رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و يبالغ فى ايذائه فنفاه الى الطائف، و قال: لا يساكننى و لم يزل منفيا هو و أولاده طيلة خلافة الشيخين، و قد توسط عثمان في شأنه عندهما فلم يستجيبا له و ظل مبعدا منفيا.

5- رجوعه الى يثرب

و لما آل الامر الى عثمان أصدر عنه العفو فقدم الى يثرب، و عليه فزر خلق و هو يسوق تيسا و الناس ينظرون الى رثة ثيابه، و سوء حاله، فدخل دار عثمان ثم خرج و عليه جبة خز و طيلسان و أوصله بمائة الف .

6- توليته على الصدقات

و ولاه على صدقات قضاعة فبلغت ثلاث مائة الف درهم فوهبها له و قد ادى ذلك الى شيوع السخط و الانكار عليه لأنه آوى طريد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و منحه أموال الصدقة التي جعلها اللّه للفقراء و المحرومين و ذوي الحاجة، فكيف ساغ له أن يمنحها لهذا اللعين على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و الحكم في هذه المسألة للقراء.

5- سعيد بن العاص

و منح عثمان سعيد بن العاص مائة الف درهم و هو من فساق بني أمية، و من فجارهم، و كان أبوه من أعلام المشركين قتله الامام أمير المؤمنين يوم بدر و قد أثار ذلك السخط على عثمان فانكر عليه ثقات المسلمين و صلحاؤهم.

6- الوليد بن عقبة

و الوليد بن عقبة أخو عثمان من أمه، و كان فاسقا ماجنا لا يرجو للّه وقارا- كما سنبين ذلك عند التحدث عن ولاة عثمان و عماله- قدم الكوفة فاستقرض من عبد اللّه بن مسعود أموالا طائلة من بيت المال فأقرضه، و طلبها منه عبد اللّه فكتب الوليد الى عثمان بذلك، فرفع عثمان مذكرة الى ابن مسعود جاء فيها، إنما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال، فطرح ابن مسعود المفاتيح و قال: كنت أظن أني خازن للمسلمين فأما اذا كنت خازنا لكم فلا حاجة لي في ذلك، و أقام بالكوفة بعد ان استقال من منصبه و كيف ساغ لعثمان أن يبدد أموال المسلمين، و يهبها الى أعداء اللّه و خصوم الاسلام، و لنترك الحكم في ذلك للقراء.

7- مروان بن الحكم

و مروان بن الحكم هر الذي لعنه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و هو فى صلب أبيه كما رواه الامام الحسن عليه السلام و لما ولد جيء به الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فقال: هو الوزغ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون و نظر إليه الامام أمير المؤمنين فقال له:

«ويل لك، و ويل لأمة محمد منك و من بيتك إذا شاب صدغاك» و كان رأسا من رءوس المنافقين، و وجها من وجوه أهل الضلال و الباطل، و كان يلقب خيط باطل و فيه يقول الشاعر:

لعمرك ما أدرى و اني لسائل

حليلة مضروب القفا كيف يصنع

لحى اللّه قوما أمروا خيط باطل

على الناس يعطي ما يشاء و يمنع

و قد عرف بالغدر، و نقض الوعد، و خيانة العهد، يقول الامام أمير المؤمنين حينما كلمه السبطان في مبايعة مروان له:

لا حاجة لي في بيعته، إنها كف يهودية لو بايعنى بيده لغدر بسبابته أما إن له امرة كلعقة الكلب انفه، و هو أبو الاكبش الاربعة، و ستلقى الامة منه و من ولده يوما أحمر ..»

و هذا الوزغ الرجس قد بر به عثمان و أحسن إليه، و مكنه من بيت المال يهب منه لمن شاء، و يمنع عنه من شاء، و نسوق الى القراء الهبات الضخمة التي منحها عثمان لمروان و هى:

1- اعطاه خمس غنائم إفريقية، و قد بلغت خمس مائة الف دينار و قد عيب عثمان على ذلك و هجاه عبد الرحمن بن حنبل بقوله:

سأحلف باللّه جهد اليمي

ن ما ترك اللّه أمرا سدى

و لكن خلقت لنا فتنة

لكي نبتلي لك أو تبتلى

فان الامينين قد بينا

منار الطريق عليه الهدى

فما أخذا درهما غيلة

و ما جعلا درهما في الهوى

دعوت اللعين فأدنيته

خلافا لسنة من قد مضى

و أعطيت مروان خمس العبا

د ظلما لهم و حميت الحمى

2- انه منحه الف و خمسين أوقية و لا نعلم انها من الذهب او الفضة و هي من جملة الامور التي سببت النقمة على عثمان

3- اعطاه مائة الف من بيت المال، فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان و بكى فنهره عثمان و قال له:

«ا تبكى إن وصلت رحمي؟»

«و لكن أبكي لأني أظنك أنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت انفقته في سبيل اللّه، في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لو اعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا ..»

فزجره عثمان و صاح به

«الق المفاتيح .. يا بن أرقم، فانا سنجد غيرك.»

4- و اقطعه فدكا، و وهبها له و هي على كل حال لا تصح هبتها لأنها إن كانت نحلة لفاطمة عليها السلام كما تقول فهي لأبنائها، و ان كانت صدقة كما زعم أبو بكر فهي لجميع المسلمين، و ليس لعثمان ان يتصرف فيها على كلا الوجهين.

و على اي حال، فأي خدمة أسداها مروان للامة، و أي مكرمة أو مأثرة صدرت منه حتى يستحق هذا العطاء الجزيل، و يمنح هذا الثراء العريض هذه بعض اعطيات الخليفة و منحه الى اسرته، و ذوى قرباه، و هي من دون شك لا تتفق مع كتاب اللّه و سنة نبيه فانهما الزما بالمساواة بين القريب و البعيد، و أهابا بالحاكمين ان لا يميزوا قوما على آخرين و أن يطبقوا العدل في جميع المجالات.

الانكار على عثمان:

و كان من الطبيعي أن تثير هذه السياسة سخط الاخيار، و الصلحاء و المتحرجين في دينهم بل و سخط العامة الذين ينظرون الى بني أميّة نظرة ريبة و شك في اسلامهم، و يرون في هذا العطاء امتدادا لهم و تقوية لنفوذهم و بسطا لسلطانهم، حتى نقم من عثمان عبد الرحمن بن عوف الذي انتخبه و عينه حاكما على المسلمين، فكان يقول: عاجلوه قبل ان يتمادى في ملكه و كان يقول للإمام أمير المؤمنين: خذ سيفك و آخذ سيفي فانه قد خالف ما اعطاني، و لما حضرته الوفاة اوصى أن لا يصلي عليه

لقد شاع التذمر بين المسلمين من جراء هذه السياسة الملتوية، و قد انكرت عليه الخاصة و العامة حينما استأثر بالسفط الذي كان في بيت المال فأخذ منه ما حلى به بعض أهله و صعد على أثر ذلك أعواد المنبر فقال:

«لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء و إن رغمت به أنوف أقوام ..»

و قد اثار سخط الناس هذا الكلام فتصدى أمير المؤمنين الى رده فقال له:

«إذن تمنع من ذلك و يحال بينك و بينه».

و اندفع الصحابي العظيم عمار بن ياسر فأيد مقالة الامام، و أعلن نقمته على عثمان فقال:

«أشهد ان أنفى أول راغم من ذلك ..»

و لما منح سعيد بن العاص مائة الف درهم، انطلق الامام أمير المؤمنين مع جماعة من اعلام الصحابة فعابوا عليه عمله، و انكروا عليه هذا العطاء فقال لهم:

«إن له قرابة و رحما ..»

فردوا عليه حجته، و قالوا له:

«أ فما كان لأبي بكر و عمر قرابة؟ ..»

فأجابهم:

«ان ابا بكر، و عمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما و أنا أحتسب في اعطاء قرابتى ..»

لقد نقم المسلمون من عثمان، و سخط عليه خيارهم لأنه استأثر بالفيء، و منح أموال المسلمين الى بني أميّة، و لم يطبق فى سياسته العدل الاجتماعى الذي جاء به الاسلام.

اعتذار عثمان

و اعتذر عثمان للناقدين لسياسته بأنه أوصل رحمه، و برّ بذي قرباه و ليس فى ذلك مأثم عليه او مخالفة للشرع- كما يراه- و لا بد لنا من وقفة قصيرة أمام هذا الاعتذار لنعرف مدى واقعيته، و صحته، و الذي يقتضيه النظر أنه منطق مفلوج لا يتفق مع الشرع، و لا يلتقي بصالح الامة و ذلك- أولا- ان الاموال التي منحها لأسرته لم تكن من أمواله الخاصة لتكون له مندوحة في انفاقها عليهم، و انما هي أموال المسلمين فيجب انفاقها عليهم، و ليس لرئيس الدولة أن يتصرف فيها بقليل، و لا بكثير فقد ورد عقيل من يثرب و هو بائس مضطر الى أخيه أمير المؤمنين عليه السلام فطلب منه وفاء دينه، فقال له الامام:

- كم دينك؟

- أربعون الفا

- ما هي عندي، و لكن اصبر حتى يخرج عطائي فادفعه إليك- بيوت المال بيدك و أنت تسوفنى بعطائك؟

- أ تأمرني ان أدفع إليك أموال المسلمين، و قد ائتمنوني عليها.

هذا هو منطق الاسلام، و هذا عدله، و هذه مساواته إنه لا يفرق بين القريب و البعيد فالجميع سواسية في العطاء و غيره.

و- ثانيا- إن اسرته التي برّ بها خليقة بالقطيعة و جديرة بأن لا توصل لأنها ناهضت الاسلام و ناجزته الحرب، و هي الشجرة الملعونة في القرآن فقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو ان النبي صلى اللّه عليه و آله قال:

رأيت ولد الحكم بن ابي العاص على المنابر كأنهم القردة فانزل اللّه:

و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس و الشجرة الملعونة: يعنى الحكم و ولده و قالت عائشة لمروان سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول لأبيك: «أبي العاص بن أميّة» انكم الشجرة الملعونة في القرآن و قد نهى اللّه عن موادة المعادين له، و حرم مواصلتهم قال تعالى:

«لا تجد قوما يؤمنون باللّه و اليوم الآخر يوادون من حاد اللّه و رسوله و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم»

لقد كان عثمان شديد الحب للامويين فقد قال: «لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بنى أميّة حتى يدخلوا عن آخرهم ..» و هذا الحب العارم لأسرته هو الذي اجهز عليه، و حفز القوى الاسلامية الى الثورة عليه و الاطاحة بحكمه و قتله.

2- منحه للاعيان

و وهب عثمان أموال المسلمين الى الوجوه و الاعيان، و ذوي النفوذ السياسى ممن يحذر جانبهم، فوصل طلحة بمائتي الف دينار و كانت له عليه خمسون الفا، فقال له طلحة: تهيأ مالك فاقبضه، فوهبه له، و قال: هو لك يا أبا محمد على مروءتك و وصل الزبير بستمائة الف، و لما قبضها جعل يسأل عن خير المال ليستغل صلته فدل على اتخاذ الدور فى الاقاليم و الامصار فبنى احدى عشرة دارا بالمدينة، و دارين بالبصرة و دارا بالكوفة، و دارا بمصر و وهب أموالا طائلة لزيد بن ثابت حتى بلغ به الثراء انه لما توفى خلف من الذهب و الفضة ما يكسر بالفؤوس غير ما خلف من الاموال و الضياع مائة الف دينار و منح أموالا أخرى الى السائرين في ركابه، و المؤيدين لسياسته، و قد ذكر بالتفصيل تلك الهبات شيخ المحققين الاميني في موسوعته الخالدة

و بأي وجه تصحح هذه الهبات و هي أموال المسلمين و قد فرض فيها ان تصرف على اصلاح المجتمع، و انقاذ الفقير و المحروم من البؤس و الفاقة، لا أن يتاجر بها في شراء الضمائر، و تأييد الحكم القائم فان ذلك لا يقره الاسلام بحال من الاحوال.

3- استئثاره بالاموال

و استنزف عثمان بيوت الاموال فاصطفى منها ما شاء لنفسه و عياله، و بالغ في البذخ و الاسراف فبنى دارا فى يثرب شيدها بالحجر و الكلس، و جعل أبوابها من الساج و العرعر، و اقتنى أموالا و جنانا و عيونا بالمدينة و كان ينضد اسنانه بالذهب، و يتلبس بأثواب الملوك، و انفق اكثر بيت المال في عمارة ضياعه و دوره و لما قتل كان عند خازنه ثلاثون الف الف درهم، و خمسمائة الف درهم و خمسون و مائة الف دينار، و ترك الف بعير و صدقات ببراديس و خيبر، و وادي القرى قيمة مائتى الف دينار إن عثمان قد نهج منهجا خاصا في سياسته المالية، فلم يتقيد بكتاب اللّه، و لا بسنة نبيه، فتصرف في بيت المال تصرفا كيفيا فأخذ منه ما شاء و منح من أحب، و وهب لمن سار في ركابه، و قد وصف الامام امير المؤمنين هذه السياسة الملتوية بقوله:

«الى ان قام ثالث القوم- يعني عثمان- نافجا حضنيه بين نثيله و معتلفه و قام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّه خضمة الابل نبتة الربيع ..»

و هذا أبدع ما توصف به السياسة المنحرفة التي تتخذ الحكم وسيلة للثراء و التمتع بملاذ الحياة، و لا تقيم وزنا للامة، و لا تعتني بمصالحها و أهدافها.

و قد أصدر الامام أمير المؤمنين قراره الحاسم بعد ان استولى على زمام الحكم بمصادرة جميع الاموال التي استأثر بها عثمان لنفسه، و التي وهبها لخاصته و أقربائه، و هذا نص قراره:

«الا ان كل قطيعة اقطعها عثمان، و كل مال أعطاه من مال اللّه فهو مردود في بيت المال، فان الحق القديم لا يبطله شيء، و لو وجدته قد تزوج به النساء، و فرق في البلدان لرددته الى حاله فان في العدل سعة و من ضاق عنه الحق فالجور عنه أضيق ..»

و كان هذا الاجراء الذي اتخذه الامام على وفق العدل الاسلامي الذي حدد صلاحية المسئولين، و لم يطلق لهم العنان فى التصرف بأموال الامة، و الاستئثار بها، فليس لهم أن يصطفوا منها لأنفسهم و لا لذراريهم فهذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قد جاءته ابنته الوحيدة التي لا عقب له سواها تطلب منه ان يبغي لها وصيفا يخدمها لأن يديها قد مجلت من الرحى، فلم يجد صلى اللّه عليه و آله مجالا لأن يأخذ من بيت المال ما يشتري به وصيفا يعين ابنته فردها، و علمها التسبيح الذي ينسب لها، و قد سار على هذه السيرة وصيه و باب مدينة علمه الامام امير المؤمنين عليه السلام فقد جاء أخوه عقيل يستميحه البر، و يطلب منه السعة و الرفاهية فاحمى له حديدة كاد ان يحترق من ميسمها، هذا هو منطق الاسلام الذي جاء لاسعاد الشعوب و اصلاحها و انقاذها من البؤس و الفقر و الحرمان.

مع الدكتور طه حسين

و تناقضت أقوال الدكتور طه حسين تناقضا صريحا في تصوير السياسة المالية التي انتهجها عثمان، فتارة يسف في قوله فيزعم انه كان محافظا على سيرة عمر فى سياسة المال فلم يخالفه فى ذلك، و لم يشذ عنه فى جميع أعماله الادارية و الحربية، و فيما كان يأخذ به عامة المسلمين من الامر بالمعروف و النهى عن المنكر، و التزام السنة الموروثة، و اجتناب التكلف و الابتداع و اخرى يستقيم فى قوله فيذهب الى أنه انحرف عن سياسة عمر فى الابقاء على بيت المال، و فى ألا ينفق منه إلا بمقدار الحاجة الى الانفاق، و أنه كان ينكر تشدد عمر، و يرى أن فى بيت المال ما يسع الناس اكثر مما وسعهم أيام عمر فهو نقد غير مباشر لسيرة عمر فى سياسة بيت المال و معنى هذا انه لم يتقيد بسيرة عمر، و لم يطبق سياسته على واقع حكومته و هذا ينافى ما ذكره أولا، من انه كان يسير على وفق الاهداف التي سار عليها عمر.

و على أي حال فقد مال أخيرا الى تصحيح سياسته المالية و انها لم تخالف السنة الموروثة، و لم تخل من الخير و مراعاة الصالح العام، و نسوق نص كلامه فى ذلك مع مواقع النظر فيه و هو كما يلي:

أفاد الدكتور ما نصه: «الشيء المحقق هو ان عثمان لم يدهن في دينه و الشيء المحقق أيضا هو ان عثمان لم ير في سياسته تلك مخالفة خطيرة او غير خطيرة لسيرة الشيخين، فهو لم يعتمد الجور و لا المحاباة، و إنما وسع على الناس من أموالهم، رأى فى بيت المال غنى فآثر الناس به، و لم يغل فى الادخار. و أي حرج فى أن يصل اصحاب النبي بشيء من هذا المال قليل او كثير، و هم أئمة الاسلام و بناة الدولة و أصحاب البلاء الحسن ايام النبيّ، و هم قد احتملوا من الشدة و الحرمان شيئا كثيرا! و قد صدق اللّه وعده و اكثر الخير، فأي الناس أحق من هؤلاء المهاجرين ان يستمتعوا بشيء من هذا الخير الكثير ..»

و مواقع النظر فى كلامه ما يلي:

1- انه ذهب الى أن عثمان لم يدهن فى دينه، و أنه لم ير في سياسته مخالفة خطيرة او غير خطيرة لسيرة الشيخين، و لم يتعمد الجور و لا المحاباة. أما ان عثمان لم يدهن فى دينه فيزيفه اعلانه للتوبة، و انه قد جافى العدل، و انحرف عن الطريق القويم و هذا نص توبته:

«أما بعد: أيها الناس، فو اللّه ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله و ما جئت إلا و أنا أعرفه، و لكني منتنى نفسي، و كذبتني، و ضل عني رشدي، و لقد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول: من زلّ فليتب و من أخطأ فليتب، و لا يتمادى في الهلكة إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق، فانا أول من اتعظ، استغفر اللّه عما فعلت و أتوب إليه»

و هي صريحة في أنه سلك غير الجادة، و شذ عن السنة الموروثة، و أنه على بصيرة من ذلك لم يجهله، و لم يغب عنه علمه و انما ارتكب ما ارتكب من المخالفات للسنة كهباته للأمويين، و صلاته لآل أبى معيط، و تنكيله باعلام الصحابة الناقدين لسياسته، و غير ذلك من الاحداث الجسام، انما هو استجابة لعواطفه و رغباته فان نفسه قد منته بذلك حتى ضل عنه رشده و فقد صوابه- على حد تعبيره- و مع اعترافه بذلك، و تسجيله على نفسه انه انحرف عن الطريق كيف يمكن ان يقال إنه لم يدهن في دينه، و لم يتعمد الجور و المحاباة.

2- أما ما ذكره من أن عثمان وسع على الناس من أموالهم لأنه رأى فى بيت المال غنى فآثر الناس به، و لم يغل في الادخار .. فان هذا لا يمكن المساعدة عليه بوجه فان عثمان لم يوسع على الناس، و لم يبسط لهم فى العيش و إلا لما ثاروا عليه، و قتلوه، و إنما وسع على نفسه و خاصته، و وسع على بنى أميّة و المؤيدين لسياسته فآثرهم بالفىء، و خصهم بأموال الدولة الامر الذي اوجب شيوع التذمر، و نقمة المسلمين عليه في جميع اقطارهم و أقاليمهم حتى أطاحوا بحكمه، و أردوه قتيلا لم يواروه فى قبره حتى ندم خيار المسلمين على عدم حرق جثته

3- و أما ما أفاده من أنه لا حرج، و لا اثم على عثمان في صلته لأصحاب النبي صلى اللّه عليه و آله بالاموال لأنهم أئمة المسلمين، و أصحاب البلاء الحسن، فأي الناس احق منهم بالاستمتاع بشيء من هذا الخير.

فانه ظاهر البطلان لأن بيت المال- كما ذكرنا غير مرة- هو للمسلمين جميعا لا يختص به قوم دون آخرين، و يجب صرفه على مصالحهم، و اصلاح شئونهم، و ليس لطائفة مهما علا شأنها ان تختص به، و تحرم منه الاكثرية الساحقة، على ان الاسلام فى ذلك الوقت احوج ما يكون الى بسط عدله الاجتماعي بين الشعوب المتعطشة الى مساواته العادلة التي لا تميز قوما على آخرين، و لكن عثمان آثر بنى أميّة في كل شيء آثرهم بالاموال و الوظائف و حملهم على رقاب الناس الامر الذي أدى الى تحطيم المساواة التي جاء بها الاسلام.

و أما سبق المهاجرين من اصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله الى الاسلام و دفاعهم عن حياضه، و تحملهم للعناء و البلاء فى سبيله فامر لا مجال للشك فيه، و هم مشكورون عليه، و اللّه هو الذي يتولى جزاءهم عن ذلك، و لكن منحهم بالاموال و الاغداق عليهم بالنعم فامر لا مساغ له لأن فيه إحياء للطبقية التي حاربها الاسلام و شجب جميع مظاهرها.

و يمضى الدكتور فى تصحيح سياسة عثمان، و مشروعية هباته للصحابة و انه لم يخالف بذلك السنة الموروثة، و إنما جرى على طبعه السخي، و لم يذكر هباته الضخمة، و عطاياه الوافرة للامويين و آل أبي معيط فقد اعرض سيادته عن ذلك و لم يذكره بقليل و لا بكثير، و هو فيما نحسب من أهم الاسباب التي أدت الى الانكار عليه، لقد أهمل الدكتور هذه الناحية أما لأنه لم يجد مجالا للاعتذار عنها أو انه لا يرى بأسا في ذلك كما لا يرى بأسا في عطاياه للصحابة، و من المؤسف ان يسف فى ذلك، و يبرر ما خالف السنة.

ولاته على الامصار

و يحتم الاسلام على خليفة المسلمين، و ولي أمرهم أن يجهد نفسه في اختيار ذوي القابليات و المواهب ممن تتوفر فيهم الشروط المطلوبة من العدالة و التقوى، و النزاهة، و النصح للرعية، و السهر على صالحها، و رعاية شئونها بأمانة و اخلاص ليجعلهم ولاة على الامصار و الاقاليم، و لا يجوز ان يولي أي احد مهما كان قريبا له محاباة او اثرة فان ذلك خيانة للّه و لرسوله، و للمسلمين لأن الولاة يتحملون مسئولية الحكم، و القضاء بين الناس، و ادارة شئونهم و الاصلاح فيما بينهم، و الائتمان على أموالهم و دمائهم فلا بد ان يكونوا من خيرة الرجال و من اكثرهم دينا، و وقوفا في الشبهات، و أبعدهم عن الطمع و الحرص، و اصبرهم على تكشف الامور هذا هو رأي الاسلام، و هذه خطته التي حفل بها نظامه الخالد، و قد ابتعد عثمان عن ذلك فعمد الى توظيف اسرته و ذوى قرباه الذين حاربوا اللّه و رسوله و سعوا في الارض فسادا فحملهم على رقاب المسلمين و أسند إليهم اهم الوظائف فجعلهم أمراء على الامصار و الاقاليم، و نشير الى بعضهم مع بيان تراجمهم و هم:

1- الوليد بن عقبة

و كان على الكوفة واليا سعد بن أبي وقاص الزهري فعزله عثمان عنها و ولى عليها الوليد بن عقبة بن ابي معيط و لم يعهد الى اهل الكفاية و القدرة من المهاجرين و الانصار الذين احسنوا البلاء فى الاسلام ليتولوا شئون هذا المصر الذي هو من اعظم امصار المسلمين أهمية و أكثرها ثغورا.

و على أي حال فهل ان الوليد كان خليقا لأن يعهد إليه بهذا المنصب الخطير الذي يوكل إليه القضاء بين الناس و إتمامهم به في الصلاة، و الائتمان على بيت المال و غير ذلك من الشؤون التي تتوقف على العدالة و التقوى و الحريجة فى الدين و نقدم عرضا موجزا لبعض شئونه ليتضح حاله و هي:

أ- نشأته

نشأ فى مجتمع جاهلي، و تربى تربية جاهلية، و لم يدخل بصيص من نور الاسلام فى قلبه، كان ابوه من ألد اعداء رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله روت عائشة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قال: كنت بين شرّ جارين بين أبي لهب و بين عقبة بن ابي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي حتى أنهم ليأتون ببعض ما يطرحونه من الاذى فيطرحونه على بابي و قد بصق هذا اللعين فى وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و شتمه، فقال له النبي: إن وجدتك خارجا من جبال مكة اضرب عنقك صبرا، فلما كان يوم بدر و خرج اصحابه امتنع من الخروج فقال له اصحابه اخرج معنا، قال وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكة ان يضرب عنقى صبرا، فقالوا له: لك جمل احمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه فخرج معهم، فلما هزم اللّه المشركين حمل به جمله في جدود من الارض فأخذه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أسيرا في سبعين من قريش فقدم إليه فقال عقبة أ تقتلني من بين هؤلاء؟

قال نعم بما بزقت في وجهي، ثم أمر عليا فضرب عنقه و قد اترعت نفس الوليد بالحقد و الكراهية من النبيّ صلى اللّه عليه و آله لأنه قد وتره بأبيه، و لما لم يجد بدا من الدخول فى الاسلام اسلم و لكن قلبه كان مطمئنا بالكفر و النفاق.

ب- فسقه

و نطق القرآن الكريم بفسقه، و عدم ايمانه مرتين «الاولى» انه جرت بينه و بين امير المؤمنين مشادة، فقال الوليد له: اسكت فانك صبي و أنا شيخ، و اللّه اني ابسط منك لسانا، و أحد منك سنانا، و اشجع منك جنانا، و أملأ منك حشوا في الكثيبة، فقال له علي: اسكت فانك فاسق فانزل اللّه تعالى فيهما قوله: «أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً» و قد نظم ذلك حسان بن ثابت بقوله:

أنزل اللّه و الكتاب عزيز

في علي و فى الوليد قرانا

فتبوا الوليد من ذاك فسقا

و علي مبوأ إيمانا

ليس من كان مؤمنا عرف اللّه

كمن كان فاسقا خوانا

فعلي يلقى لدى اللّه عزا

و وليد يلقى هناك هوانا

سوف يجزى الوليد خزيا و نارا

و علي لا شك يجزى جنانا

«الثانية» أنه غش النبيّ و كذب عليه و ذلك حينما ارسله في بنى المصطلق، فعاد الى النبيّ يزعم انهم منعوه الصدقة، فخرج النبي صلى اللّه عليه و آله إليهم غازيا فتبين له كذب الوليد، و نزلت عليه الآية بفسقه قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ»

و مع اعلان القرآن بفسقه و أثمه كيف يجوز أن يجعل حاكما على المسلمين و اماما لهم و مؤتمنا على أموالهم و دمائهم.

ج- ولايته على الكوفة

و استعمله عثمان واليا على الكوفة بعد عزله لسعد، فسار فيها سيرة عبث و مجون و تهتك، و لم يرع للدين حرمة و وقارا، و أخذ يعيث فسادا في الارض حتى ضجت الكوفة من مجونه و استهتاره و تذمر الاخيار و الصلحاء من سوء سيرته.

د- شربه للخمر

و اقترف الوليد افحش جريمة، و افظع ذنب فقد ثمل و صلى بالناس صلاة الصبح أربع ركعات، و صار يقول: في ركوعه و سجوده: اشرب و اسقنى. ثم قاء فى المحراب و سلم، و قال هل ازيدكم؟ فقال له ابن مسعود: لا زادك اللّه خيرا، و لا من بعثك إلينا، و أخذ فردة نعله، و ضرب به وجه الوليد، و حصبه الناس فدخل القصر و الحصباء تأخذه، و هو مترنح و في فعله يقول الحطيئة جرول بن أوس العبسي:

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه

إن الوليد أحق بالعذر

نادى و قد تمت صلاتهم

أ أزيدكم؟ ثملا و لا يدرى

ليزيدهم خيرا و لو قبلوا

منه لزادهم على عشر

فأبوا أبا وهب و لو فعلوا

لقرنت بين الشفع و الوتر

حبسوا عنانك اذ جريت

و لو خلوا عنانك لم تزل تجري

و قال الحطيئة فيه أيضا:

تكلم في الصلاة و زاد فيها

علانية و جاهر بالنفاق

و مج الخمر عن سنن المصلي

و نادى و الجميع الى افتراق

أزيدكم على أن تحمدوني

فما لكم و ما لي من خلاق

و هذه البادرة قد دلت على تهتكه، و تماديه فى الاثم و الفسوق، فلم يرع حرمة للصلاة التي هي من اهم الشعائر الدينية، و اعظمها حرمة عند اللّه رأي طه حسين

و يعتقد طه حسين ان صلاة الوليد بالمسلمين، و هو ثمل و زيادته فيها قصة مخترعة لا نصيب لها من الصحة قد وضعها خصوم الوليد و الصقوها به و يستدل على ذلك أنه لو زاد فيها لما تبعته جماعة المسلمين من اهل الكوفة، و فيهم نفر من اصحاب النبي، و فيهم القراء و الصالحون، و لما رضى المسلمون من عثمان بما اقام عليه من حد الخمر، فان الزيادة في الصلاة و العبث بها اعظم خطرا عند اللّه و عند المسلمين من شرب الخمر، كما يذهب الى ان الشعر الذي هجي به الوليد لم يقله الحطيئة، و انما قال الحطيئة شعرا يمدح به الوليد مدح حب حريص على رضاه، و ذكر أبياتا قالها في مدحه و الثناء عليه و الذي ذكره الدكتور لا يمكن المساعدة عليه بوجه و ذلك- أولا- ان النصوص قد تضافرت بذلك و دونها الكثير ممن ترجم الوليد أو تعرض لأحداث عثمان فقد قال ابو عمر في الاستيعاب:

«ان صلاته- اي الوليد- بهم و هو سكران، و قوله ازيدكم؟ بعد ان صلى الصبح اربعا مشهورة من رواية الثقات من أهل الحديث و أهل الاخبار» و قال ابن حجر في الاصابة: «قصة صلاته بالناس الصبح و هو سكران مشهورة مخرجة» و حكى أبو الفرج في الاغاني (14/ 178) عن ابى عبيد و الكلبي و الاصمعي ان الوليد بن عقبة كان زانيا شريب خمر فشرب الخمر بالكوفة و قام ليصلي بهم الصبح فى المسجد الجامع فصلى بهم اربع ركعات ثم التفت إليهم، و قال لهم ازيدكم؟ و تقيأ في المحراب، و قرأ بهم في الصلاة:

علق القلب الربابا

بعد ما شابت و شابا

إن التشكيك في هذا الحادث و الاعتقاد بأنه من الموضوعات انكار للضروريات، و تشكيك في البديهيات و في الهامش ثبت الى المصادر التي دونت ذلك، و هي توجب القطع بصحته، و عدم الريب فيه - و ثانيا- إن اللّه تعالى هو العالم بسرائر عباده و نياتهم، و قد اعلن في كتابه الكريم فسق الوليد و فجوره في آيتين فلا يستبعد منه بعد ذلك أن تصدر منه افحش الموبقات و اعظم الجرائم- و ثالثا- ان صلحاء المسلمين و خيارهم قد انكروا عليه و نقموا منه و ثاروا في وجهه، فقد ضربه عبد اللّه بن مسعود بنعله، و حصبه الناس- كما تقدم- و خرج رهط من الكوفة فاستجاروا باعلام الصحابة، لينقذوهم من امارة الوليد و استهتاره- كما سنذكر ذلك- و ما زعمه الدكتور طه حسين ان جماعة من المسلمين من أهل الكوفة قد تبعته و فيهم من أصحاب النبيّ و الصالحين، قد غالط بذلك الحقائق التأريخية التي نصت على ما ذكرناه- و رابعا- ان الحطيئة و ان كان قد مدح الوليد و اخلص له فانه لا ينافي أنه نقم منه و هجاه على ارتكابه هذه الجريمة النكراء التي سود بها وجه التأريخ الاسلامى و العربي.

إن الحطيئة عرف بالهجاء و المدح فهو قد يمدح شخصا يأمل منه البر و الخير فاذا لم يعطه هجاه و ذمه فقد قصد بنى ذهل يسترفدهم، و يستميحهم العطاء، و يقول في مدحهم:

إن اليمامة خير ساكنها

أهل القرية من بني ذهل

قوم اذا انتسبوا ففرعهم

فرعي و أثبت أصلهم اصلي

فلم يعطوه شيئا فقال يهجوهم:

ان اليمامة شر ساكنها

أهل القرية من بني ذهل

و كان اذا غضب على بنى عبس يهجوهم و يقول انا من بنى ذهل و إذا غضب على بنى ذهل يهجوهم و يقول لهم: أنا من بنى عبس، و قد غضب على أمه فهجاها بقوله:

تنحي فاجلسى منى بعيدا

أراح اللّه منك العالمينا

أ غربالا اذا استودعت سرا

و كانونا على المحدثينا

حياتك ما علمت حياة سوء

و موتك قد يسر الصالحينا

و التمس انسانا يهجوه فلم يجده فانشأ يقول:

أبت شفتاي اليوم إلا تكلما

بشر فما ادري لمن انا قائله

و جعل يردد البيت، و لا يرى انسانا حتى اذا طلع على حوض فرأى وجهه فقال:

أرى لي وجها شوه اللّه خلقه

فقبح من وجه و قبح حامله

هذا هو الحطيئة فهل خفى حاله على الدكتور حتى يستبعد منه ان يمدح الوليد و يهجوه؟

و على أي حال فان طه حسين قد حاول تبرير الوليد، و تنزيهه عن الموبقات و الآثام و إلحاقه بالامراء الصالحين الذين لم يجوروا عن القصد فى حكمهم و قد قال فيه ما نصه:

«إن الوليد قد سار في اثناء ولايته على الكوفة سيرة فيها كثير جدا من الغناء و حسن البلاء. فهو لم يقصر في سد الثغور و الامعان فى الفتح، و إنما بلغ من ذلك غاية عرفت له و تحدث بها الناس في حياته و بعد موته و هو قد ساس الكوفة سياسة حزم و عزم و مضاء، فاقر الامن، و ضرب على ايدي المفسدين من الاحداث و الذين لا يرعون للنظام حرمة، و لا يرجون للدين وقارا.»

و هل يستطيع الدكتور ان يثبت ذلك و يدلنا على معالم تلك السياسة الرشيدة التي سار عليها الوليد و تحدث الناس بها في حياته و بعد وفاته، و لو كان الامر كما ذكره لما قام سعيد بن العاص- الذي عينه عثمان واليا على الكوفة بعد عزله للوليد- بغسل المنبر تحرجا من موبقات الوليد و آثامه. نعم لقد تحدث الناس، و لا زالوا يتحدثون عن مهازل الحكم الاموي الذي بنى على الاثرة و الاستغلال و التحكم فى رقاب المسلمين، و خيانة الامة، و قهرها و اذلالها باستعمال الوليد و أمثاله من الماجنين و المستهترين حكاما و ولاة عليها و إنا لنأسف من الدكتور ان يدافع عن هؤلاء الخونة الذين هم صفحة عار و خزي على الامة العربية و الاسلامية.

ه- اقامة الحد عليه

و اسرع قوم من الكوفيين ممن يهمهم الاصلاح الى يثرب ليعرضوا على عثمان جريمة الوليد، و انتهاكه لحرمة الاسلام، و قد صحبوا معهم خاتمه الذي انتزعوه منه و هو في حالة السكر، و لما انتهوا الى يثرب قابلوا عثمان، و شهدوا عنده ان الوليد قد شرب الخمر فزجرهم عثمان و قال لهم:

«و ما يدريكما أنه شرب خمرا؟.»

«هى الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية»

و أخرجوا له خاتمه الذي انتزعوه منه، فثار عثمان، و قام فدفع في صدورهم، و قابلهم بأمر القول، فانطلقوا الى امير المؤمنين و أخبروه بالامر فأقبل الامام الى عثمان و قال له:

«دفعت الشهود و أبطلت الحدود؟»

«ما ترى؟»

«أرى ان تبعث الى صاحبك فان اقاما الشهادة في وجهه، و لم يدل بحجة أقمت عليه الحد.»

و لم يجد عثمان بدا من الاذعان، و الاستجابة لقول الامام فكتب الى الوليد يأمره بالشخوص إليه، و لما وصلت رسالته إليه نزح عن الكوفة فانتهى الى يثرب، و دعا عثمان الشهود فأقاموا عليه الشهادة، و لم يدل الوليد بأي حجة يدافع بها عن نفسه، و امتنع حضار المجلس من القيام بحده نظرا لقربه من عثمان، فانبرى امير المؤمنين فأخذ السوط و دنا منه فسبه الوليد، و قال: يا صاحب مكس فاندفع عقيل بن أبي طالب، فرد على الوليد قائلا:

«إنك لتتكلم يا بن ابي معيط، كأنك لا تدري من أنت، و أنت علج من أهل صفورية- و هى قرية بين عكة و اللجون من اعمال الاردن من بلاد طبرية، كان ذكوان اباه يهوديا منها-

و جعل الوليد يروغ من الامام فاجتذبه، و ضرب به الارض و علاه بالسوط، فثار عثمان، و قد علاه الغضب فقال للامام:

«ليس لك ان تفعل به هذا ..»

«بلى و شر من هذا اذا فسق و منع حق اللّه ان يؤخذ منه ..»

و اقام الامام عليه الحد و كان اللازم بعد هذا الحادث أن يبعده عثمان و لا يقربه إليه حتى يرتدع هو و غيره من ارتكاب المنكر و الفساد و لكنهلم يلبث ان رق عليه و ولاه صدقات كلب، و بلقين و كيف يؤتمن هذا الخليع الفاسق على صدقات المسلمين و أموالهم؟

إن الامصار الاسلامية التي استجد تأسيس بعضها، و التي لم يستجد تأسيسها كان يقيم فيها العربي و غيره من النازحين عن أوطانهم لطلب الرزق و العيش، و الاسرى الذين كانوا يقيمون مع الفاتحين و كل اولئك كانوا جديدى عهد بالاسلام فكانوا ينتظرون من خليفة المسلمين و ولي أمرهم ان يستعمل عليهم رجالا اترعت نفوسهم بالتقوى و الصلاح، و توفرت فيهم النزعات الخيرة ليكونوا قدوة لهم و هداة قبل ان يكونوا حكاما و امراء و لكن عثمان آثر في الحكم بنى أميّة و آل أبي معيط و هم لا يمثلون إلا الترف و الدعارة و البطالة و الفراغ و التهالك على اللذة و المجون.

2- سعيد بن العاص

و بعد ان اقترف الوليد تلك الجريمة النكراء اقصاه عثمان عن امارة الكوفة على كره منه، و كان من المتوقع ان يسند الحكم الى أحد اعلام الصحابة من الذين أبلوا فى الاسلام بلاء حسنا، و لكنه عمد الى سعيد ابن العاص فولاه هذا المصر العظيم، و قد استقبله الكوفيون بالكراهية و عدم الرضا لأنه كان شابا مترفا لا يتحرج من الاثم و لا يتورع من الإفك روى ابن سعد أنه قال مرة في فطر رمضان- بعد أن ولي المصر- من رأى منكم الهلال؟ فقال إليه هاشم بن عتبة الصحابي العظيم «انا رأيته» فوجه إليه لاذع القول و أقساه قائلا:

«بعينك هذه العوراء رأيته؟!»

فالتاع هاشم و اجابه

«تعيرني بعينى، و إنما فقئت في سبيل اللّه- و كانت عينه اصيبت يوم اليرموك-».

و اصبح هاشم في داره مفطرا عملا بقول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «صوموا لرؤيته و افطروا لرؤيته» و فطر الناس لإفطاره، و بلغ ذلك سعيدا، فأرسل إليه و ضربه، و حرق داره، و قد أثار حفائظ النفوس بهذا الاعتداء الصارخ على علم من أعلام الاسلام.

و أثر عنه انه قال: إنما السواد- اي سواد الكوفة- بستان لقريش فقام إليه الاشتر فقال له: أ تجعل مراكز رماحنا، و ما أفاء اللّه علينا بستانا لك و لقومك؟ و اللّه لو رامه أحد لقرع قرعا يتصأصأ منه، و انضم الى الاشتر قراء المصر و فقهاؤهم فأيدوا مقالته، و غضب صاحب شرطة سعيد فرد عليهم ردا غليظا فقاموا إليه فضربوه ضربا منكرا حتى اغمي عليه، و قاموا من مجلسه و هم يطلقون ألسنتهم بنقده، و يذكرون مثالب عثمان، و سيئات قريش، و جرائم بنى أميّة و كتب سعيد الى عثمان بخبره بأمر هؤلاء، فأجابه عثمان ان يسيرهم الى الشام، و كتب في نفس الوقت الى معاوية يأمره باستصلاحهم.

و المهم ان هؤلاء لم يرتكبوا اثما او فسادا، و لم يقترفوا جرما حتى يستحقوا هذا التنكيل و النفى و انما نقدوا اميرهم لأنه شذ عن الطريق، و قال غير الحق، و الاسلام قد منح الحرية التامة للمواطنين، و منها حرية النقد للحاكمين إن سلكوا غير الجادة، و عدلوا عن الطريق القويم، فعلى اي وجه يصحح نفيهم عن اوطانهم و هم لم يخلعوا يدا عن طاعة و لم يفارقوا جماعة .. و على أي حال فقد اخرجهم سعيد بالعنف، و أرسلهم الى الشام الى بلد لا يألفون الى اهلها و لا يسكنون الى من فيها، و تلقاهم معاوية فانزلهم في كنيسة، و اجرى عليهم بعض الرزق، و جعل يناظرهم، و يعظهم و لكنه لم ينجح في اقناعهم، فقد كان منطقهم منطق الاحرار، فأي، مزية تمتاز بها قريش حتى يكون السواد ملكا لها، و أي مأثرة صدرت لها حتى تمتاز على بقية العرب و المسلمين، و لما يئس منهم معاوية كتب الى عثمان يستعفيه من بقائهم فى الشام خوفا من ان يفسدوا أهلها عليه، فأعفاه عثمان و أمره ان يردهم الى الكوفة، فعادوا إليها و هم مصرون على نقد الحكم القائم و أطلقوا السنتهم في ذكر مثالب سعيد و معاوية و عثمان و أعاد سعيد الكتابة الى عثمان يطلب منه ابعاد القوم عن مصرهم، فأجابه عثمان الى ذلك، و أمره ان ينفيهم الى حمص و الجزيرة فاخرجهم من وطنهم الى حمص، فقابلهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد عامل معاوية على حمص اعنف لقاء و أشده، و أخذ يسومهم سوء العذاب، و يقابلهم بأغلظ القول و أفحشه، و كان اذا ركب أمر بهم فساروا حول ركابه، ليظهر هوانهم و اذلالهم، و يغري الناس بانتقاصهم و لما رأوا تلك القسوة اظهروا الطاعة و أعلنوا التوبة، و طلبوا منه ان يقيلهم من ذنوبهم فأقالهم، و كتب الى عثمان يسترضيه عنهم و يسأله العفو عنهم فأجابه الى ذلك وردهم الى الكوفة و نزح سعيد بن العاص الى يثرب في مهمة له فوجد القوم هناك يشكونه الى عثمان و يسألونه عزله، و لكن عثمان ابى و امتنع من اجابتهم، و أمره ان يرجع الى عمله فقفل القوم راجعين الى مصرهم قبله فاحتلوا الكوفة و أقسموا ان لا يدخلها سعيد ما حملوا سيوفهم، ثم خرجوا في جمع بقيادة الاشتر حتى بلغوا الجرعة، فانتظروا سعيدا فلما أقبل ردوه و منعوه من دخول المصر، و أجبروا عثمان على عزله و تولية غيره فاستجاب عثمان علىكره منه لذلك.

و المهم ان عثمان قد نكل بالناقدين لسعيد بن العاص و هم قراء المصر و فقهاؤه و نفاهم عن اوطانهم و بالغ في ارهاقهم من أجل شاب طائش لأنه من ذويه و اسرته الامر الذي أوجب شيوع التذمر و انتشار السخط عليه، و كراهية الامة لحكمه.

3- عبد اللّه بن عامر

و عزل عثمان أبا موسى الاشعري عن ولاية البصرة، و اختار لها ابن خاله عبد اللّه بن عامر بن كريز فولاها اياه و هو ابن أربع أو خمس و عشرين سنة و بلغ ذلك ابا موسى فقال للناس: «يأتيكم غلام خراج ولاج، كريم الجدات و الخالات و العمات يجمع له الجندان.

و المهم أنه ولاه هذا المصر العظيم و هو شاب حدث السن، و كان الاولى ان يختار له من خيار الصحابة و ثقاتهم ليستفيد الناس من هديه و صلاحه، و لكنه عمد الى اختيار هذا الفتى لأنه ابن خاله، و قد سار في اثناء ولايته سيرة ترف و بذخ، فكان- كما قال الاشعري- و لاجا خراجا فهو أول من لبس الخز في البصرة، و قد لبس جبة دكناء فقال الناس:

لبس الامير جلد دب، فغير لباسه و لبس جبة حمراء و قد انكر عليه عامر بن عبد اللّه التميمي الزاهد العابد و عاب عليه سياسته كما عاب على عثمان فقد روى الطبري: انه اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان، و ما صنع فاجتمع رأيهم أن يبعثوا إليه رجلا يكلمه و يخبره باحداثه فارسلوا إليه عامر بن عبد اللّه، و لما التقى به قال له:

«إن ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في اعمالك فوجدوك قد ركبت امورا عظاما، فاتق اللّه عز و جل و تب إليه، و انزع عنها.»

فاحتقره عثمان و قد لسعه قوله فقال لمن حوله:

«انظروا الى هذا فان الناس يزعمون انه قارة ثم هو يجيء فيكلمنى في المحقرات، فو اللّه ما يدري أين اللّه؟.»

فقال له عامر: أنا لا أدري اين اللّه؟

- نعم

- اني لأدرى أن اللّه بالمرصاد

و ارسل عثمان الى مستشاريه و عماله فعرض عليهم الامر فأشار عليه عبد اللّه بن عامر فقال له:

«رأيي لك، يا أمير المؤمنين ان تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك، و ان تجمهرهم فى المغازي حتى يذلوا لك، فلا يكون همة احدهم إلا نفسه و ما هو فيه من دبر دابته و قمل فروته ..»

و اشار عليه آخرون بغير ذلك إلا انه استجاب الى رأى عبد اللّه فرد عماله، و أمرهم بالتضييق على من قبلهم، و أمرهم بتجمير الناس في البعوث، كما عزم على تحريم اعطياتهم ليطيعوه، و يحتاجوا إليه.

و لما وصل عبد اللّه بن عامر الى البصرة عمد الى التنكيل بعامر بن عبد اللّه، فقد اوعز الى عملائه و اذنابه أن يشهدوا عنده بأن عامرا قد خالف المسلمين في امور أحلها اللّه فهو لا يأكل اللحم، و لا يرى الزواج و لا يشهد الجمعة و رفع تقريرا الى عثمان فامره بنفيه الى الشام على قتب فحمل إليها، و انزله معاوية (الخضراء) و بعث إليه بجارية، و أمرها ان تتعرف على حاله و تكون عينا عليه، فرأت أنه يقوم في الليل متعبدا و يخرج من السحر فلا يعود إلا بعد العتمة و لا يتناول من طعام معاوية شيئا، و كان يجىء بكسر من الخبز و بجعلها فى ماء، و يشرب من ذلك الماء، فأخبرته الجارية بشأنه، فكتب معاوية الى عثمان بأمره، فأوعز إليه بصلته

و قد نقم المسلمون من عثمان لأنه نفى رجلا من صلحاء المسلمين و أبعده عن اهله و وطنه لأنه نقد عماله و عاب ولاته، و ليس لولي الامر الصلاحية في هذا النفي فانه إنما شرع لمن حارب اللّه و رسوله و سعى في الارض فسادا.

و على اي حال فان عبد اللّه بن عامر ظل واليا على البصرة الى أن قتل عثمان فلما سمع بمقتله نهب ما في بيت المال، و سار الى مكة فوافى بها طلحة و الزبير و عائشة فانضم إليهم، و أمد المتمردين بالاموال، و كان من عزمهم ان يتوجهوا الى الشام إلا انه صرفهم عنه، و أشار عليهم بالمسير الى البصرة

4- معاوية بن أبي سفيان

و معاوية بن أبي سفيان اكثر ولاة عثمان حظا، و أعظمهم نفوذا، و اسبقهم امرة كما ان شعبه من اكثر الشعوب طاعة و اخلاصا له قد أحبه و أحبهم، و قد منحه عمر بالامارة، و حباه بالولاية، و أيده بجميع ألوان التأييد فرفع شأنه، و أعلا قدره فكان في كل سنة يحاسب عماله، و يشاطرهم أموالهم و ان اكتسبوها بالتجارة او ربحوها بسائر الوجوه المشروعة، سوى معاوية فانه لم يحاسبه، و لم يشاطره، و لم يتفقد اموره و انما كان يضفى عليه المديح و الثناء، و يبالغ في تسديده و الاعتذار عنه، فكانوا يقولون له:

إنه يلبس الديباج و الحرير و هو لباس محرم في الاسلام، و انه يسرف و يبذخ و هو مجاف للنظم الادارية التي جاء بها الاسلام فانها تلزم الولاة بالاقتصاد و عدم البسط في العيش من أموال المسلمين.

كانوا يقولون لعمر ذلك: فيعتذر عنه، و يقول: ذاك كسرى العرب، و لو فرضنا انه كان كذلك فهل يباح له أن يلبس المحرم، و يسرف في أموال المسلمين؟ و لم يكتف بهذا المد و التأييد، فقد نفخ فيه روح الطموح، و فتح له باب الامل بالخلافة، فقد قال لأعضاء الشورى: «ان تحاسدتم و تقاعدتم، و تدابرتم، و تباغضتم، غلبكم على هذا معاوية بن ابي سفيان، و كان إذ ذاك أميرا على الشام و قد دفعه ذلك الى الاتجاه للخلافة، و اتخاذ جميع الوسائل للظفر بالحكم، و اعلانه للتمرد على حكومة الامام أمير المؤمنين، و مناجزته له، كما سنذكر ذلك بالتفصيل في غضون هذا الكتاب.

و على اي حال فقد ظل معاوية واليا على الشام و الاردن طيلة خلافة عمر يتصرف حيثما شاء، قد استأثر بالاموال فشرى بها الضمائر، و احاط نفسه بالاتباع لا رقيب عليه، و لم توجه له اي مسئولية، و انما يرى التسديد، و المديح و الرضا بما يعمل، و بعد وفاة عمر أقره عثمان على عمله، و زاد في سلطانه فضم إليه فلسطين بعد موت عاملها عبد الرحمن ابن علقمة الكناني، كما ضم إليه حمص بعد ان استعفاه عاملها عمير بن سعد الانصاري، و بذلك خلصت له ارض الشام كلها، و اصبح من اعظم الولاة قوة، و من اكثرهم نفوذا، و اصبح قطره من اهم الاقطار الاسلامية و امنعها و اكثرها هدوءا و استقرارا.

و مما لا شبهة فيه ان عثمان قد زاد في نفوذه، و وسع رقعة سلطانه، و مهد له نقل الخلافة الاسلامية الى آل ابي سفيان، و قد صرح بذلك الدكتور طه حسين قال ما نصه:

«و ليس من شك في ان عثمان هو الذي مهد لمعاوية ما اتيح له من نقل الخلافة ذات يوم الى آل أبي سفيان و تثبيتها في بنى أميّة. فعثمان هو الذي وسع على معاوية في الولاية فضم إليه فلسطين و حمص، و أنشأ له وحدة شامية بعيدة الارجاء، و جمع له قيادة الاجناد الاربعة، فكانت جيوشه أقوى جيوش المسلمين. ثم مد له في الولاية أثناء خلافته كلها كما فعل عمر، و اطلق يده فى امور الشام اكثر مما اطلقها عمر. فلما كانت الفتنة نظر معاوية فاذا هو أبعد الامراء بالولاية عهدا و أقواهم جندا و أملكهم لقلب رعيته.»

إن عثمان قد عبّد له الطريق، و أتاح له الفرصة لمنازعة أمير المؤمنين و محاربته، و ارتكابه لفظائع المنكرات و الموبقات، و قتله صلحاء المسلمين و ثقاتهم كحجر بن عدي و اخوانه المؤمنين، و غير ذلك من المآثم و الجرائم

5- عبد اللّه بن سعد

و حبا عثمان اخاه من الرضاعة عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح بولاية مصر، و منحه إمارة هذا القطر العظيم فجعل بيده امر صلاته و خراجه و قبل ذلك منحه الاموال الطائلة، و وهبه خمس غنائم إفريقية، و لم يكن خليقا بذلك كله لأن له تأريخا أسودا حافلا بالآثام و الموبقات فقد ارتد مشركا بعد اسلامه، و صار الى قريش بمكة يسخر بالنبي و يقول لهم:

اني اصرفه حيث اريد، و اهدر النبي دمه يوم الفتح، و ان وجد متعلقا باستار الكعبة، ففر الى عثمان، و استجار به فغيبه، و بعد ما اطمأن أهل مكة أتى به الى النبي صلى اللّه عليه و آله فصمت طويلا ثم آمنه و عفا عنه فلما انصرف عثمان قال النبي صلى اللّه عليه و آله: ما صمت الا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال له رجل من الانصار: هلا أومأت الي يا رسول اللّه؟ فقال: إن النبي لا ينبغى ان تكون له خائنة الاعين

و نزل القرآن الكريم بكفره و ذمه قال تعالى: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَ مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ و اجمع المفسرون أنه هو المعنى بهذه الآية، و سبب ذلك انه لما نزلت الآية «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ» دعاه النبي فأملاها عليه فلما انتهى الى قوله: «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ» عجب عبد اللّه فى تفصيل خلق الانسان فقال: تبارك اللّه أحسن الخالقين، فقال النبي: هكذا انزلت علي فشك عبد اللّه، و قال: لئن كان محمد صادقا لقد اوحي الي كما اوحى إليه، و إن كان كاذبا لقد قلت كما قال:

فارتد عن الاسلام و لحق بالمشركين

أمثل هذا المرتد الذي سخر بالنبي و رجع عن حظيرة الاسلام يكون واليا على المسلمين و تسلم له قيادتهم، و يكون مؤتمنا على أموالهم، و دمائهم إن ذلك و اللّه هو الرزء القاصم الذي يذيب لفائف القلوب، و تذوب النفوس من هوله اسى و حسرات، أ تعطي امارة المسلمين، و تمنح اقطارهم و امصارهم الى اعداء الاسلام و خصومه الذين لم يألوا جهدا في البغى على الاسلام و الكيد له فانا للّه و إنا إليه راجعون.

و على اي حال فقد مكث الرجل واليا على مصر سنين، و كلف المصريين فوق ما يطيقون، و ساسهم سياسة عنف و جور، و اظهر الكبرياء و الغطرسة، فضجر الناس منه، و سئموا حكمه فخف أخيارهم يشكونه الى عثمان فبعث إليه رسالة يتهدده فيها، و يتوعده بالعزل ان لم يئوب الى الرشاد و لكنه ابى أن ينزع عما نهاه، و نكل بمن شكاه الى عثمان حتى قتله فخرج سبع مائة رجل من مصر الى يثرب فنزلوا الجامع، و شكوا الى اصحاب النبيّ ما صنع بهم ابن ابي سرح، فانبرى طلحة الى عثمان فكلمه بكلام شديد، و أرسلت إليه عائشة ان ينصف القوم من عاملهم، و دخل عليه أمير المؤمنين فقال له:

«إنما يسألك القوم رجلا مكان رجل، و قد ادعوا قبله دما فأعزله عنهم، و اقض بينهم، فان وجب عليه حق فانصفهم منه».

فاستجاب لذلك، و قال لهم: اختاروا رجلا اوليه عليكم مكانه، فاشار الناس عليه بمحمد بن ابي بكر فكتب عهده الى مصر، و وجه معه عدة من المهاجرين و الانصار ينظرون فيما بينهم و بين ابن ابي سرح و نزحوا عن يثرب فلما بلغوا الى المحل المعروف (بحمس) و إذا بقادم من المدينة تأملوه فاذا هو ورش غلام عثمان فتفحصوا عن حاله و اذا يحمل رسالة الى ابن ابي سرح يأمره التنكيل بالقوم، تأملوا الكتاب فاذا هو بخط مروان، فرجعوا الى يثرب، و صمموا على خلع عثمان او قتله.

إن عثمان قد سمى لحتفه بظلفه، و جر البلاء لنفسه، و عرض الامة للخطوب و الويلات في سبيل اسرته، و تدعيم كيانها، و لو أنه استجاب لرأي الامام، و الناصحين له فاقصى بنى أميّة عن مراكز الحكم لكان بمنجاة عن تلك الثورة التي اودت بحياته، و فتحت باب الفتن بين المسلمين، و فرقت كلمتهم، و جعلتهم احزابا «كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»* و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض عماله و ولاته الذين ما استعملهم الا اثرة و محاباة.

تنكيله بالصحابة:

و نكل عثمان بخيار المسلمين و ثقاتهم من الذين أبلوا في الاسلام بلاء حسنا. و ساهموا فى بنائه، لأنهم عابوا عليه سياسته، و طلبوا منه أن يسير على المحجة البيضاء، و يهتدي بسنة الرسول، و يقتفى اثره، فلم يستجب لارشادهم و لم يثب لنصحهم، فشددوا عليه فى المعارضة و النكير فصب عليهم جام غضبه، و بالغ في اضطهادهم و ارهاقهم، و هم كما يلي:

1- عبد اللّه بن مسعود

و عبد اللّه بن مسعود اشبه الناس هديا و سمتا برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و يقول فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: «من سره ان يقرأ القرآن غضا او رطبا كما انزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد» و اثنى عليه قوم عند أمير المؤمنين فقال عليه السلام: أقول فيه مثل ما قالوا: و هو أفضل من قرأ القرآن، و أحل حلاله، و حرم حرامه، فقيه فى الدين، عالم بالسنة و هو ممن نزلت فيهم الآية الكريمة «الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ» و هو أيضا ممن نزلت فيهم الآية قال تعالى: «وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ»

ان عبد اللّه بن مسعود من أقطاب المسلمين فى هديه، و صلاحه، و ورعه، و تحرجه فى الدين، سيره عمر فى عهده الى الكوفة مع عمار بن ياسر، و كتب لأهل الكوفة كتابا جاء فيه:

«إني قد بعثت عمار بن ياسر اميرا و عبد اللّه بن مسعود معلما و وزيرا و هما من النجباء من اصحاب رسول اللّه من اهل بدر فاقتدوا بهما، و اطيعوا و اسمعوا قولهما و قد آثرتكم بعبد اللّه على نفسى

و بقى ابن مسعود فى الكوفة طيلة خلافة عمر و هو يفقه المسلمين فى دينهم، و يعلمهم كتاب اللّه، و يغذيهم بمعارف الاسلام و هديه و يرشدهم الى سواء السبيل، و كان في نفس الوقت خازنا لبيت المال، و لما آل الامر الى عثمان و بعث الوليد واليا على الكوفة جرت بينه و بين الوليد مشادة- ذكرناها عند البحث عن امارة الوليد على الكوفة- أوجبت أن يستقيل من منصبه و بقى فى الكوفة وقتا ثم غادرها فشيعه الكوفيون و حزنوا على فراقه، و قالوا له عند وداعه:

«جزيت خيرا فلقد علمت جاهلنا، و ثبت عالمنا، و أقرأتنا القرآن و فقهتنا في الدين، فنعم أخو الاسلام أنت، و نعم الخليل»

ثم و دعوه و انصرفوا و واصل ابن مسعود المسير حتى انتهى الى يثرب و كان عثمان على منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يخطب فلما رآه قال للمسلمين و أشار الى ابن مسعود «ألا انه قدمت عليكم دويبة سوء، من يمشي على طعامه يقىء و يسلح ..»

أ يشتم صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بهذا الكلام المر، و يقابل بمثل هذه الجفوة من أجل الوليد الذي خان اللّه و رسوله و نهب أموال المسلمين؟! ورد عليه ابن مسعود قائلا:

«لست كذلك، و لكني صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يوم بدر، و يوم بيعة الرضوان.»

و قد اثار كلام عثمان حفائظ النفوس فاندفعت عائشة تعلن انكارها و سخطها عليه قائلة:

«أي عثمان. ا تقول هذا لصاحب رسول اللّه؟!»

و أمر عثمان جلاوزته فاخرجوا الصحابي العظيم من المسجد اخراجا عنيفا، و قام إليه عبد اللّه بن زمعة فضرب به الارض، و قيل بل احتمله «يحموم» غلام عثمان و رجلاه تختلفان على عنقه حتى ضرب به الارض فدق ضلعه.

و ثار أمير المؤمنين فانبرى الى عثمان فقال له:

- يا عثمان، أ تفعل هذا بصاحب رسول صلى اللّه عليه و آله بقول الوليد بن عقبة؟؟

- ما بقول الوليد فعلت هذا، و لكن وجهت زبيد بن الصلت الكندي الى الكوفة، فقال له ابن مسعود: إن دم عثمان حلال

- احلت عن زبيد على غير ثقة!!

و حمل امير المؤمنين ابن مسعود الى منزله فقام برعايته حتى أبل من مرضه، فقاطعه عثمان، و هجره، و لم يأذن له في الخروج من يثرب، كما قطع عطاءه، و مرض ابن مسعود مرضه الذي توفى فيه فدخل عليه عثمان عائدا فقال له:

- ما تشتكي؟

- ذنوبي

- فما تشتهي؟؟

- رحمة ربي

- أ لا ادعو لك طبيبا؟

- الطبيب امرضني

- آمر لك بعطائك

- منعتنيه و أنا محتاج إليه، و تعطينه و أنا مستغن عنه

- يكون لولدك

- رزقهم على اللّه

- استغفر لي يا ابا عبد الرحمن؟

- أسأل اللّه ان يأخذ لي منك بحقى

و انصرف عثمان و لم يظفر برضائه و لما ثقل حاله اوصى ان لا يصلي عليه عثمان، و ان يصلي عليه صاحبه عمار بن ياسر، و لما انتقل الى دار الحق قامت الصفوة من اصحابه بأمره فدفنوه بالبقيع، و لم يخبروا عثمان فلما علم غضب و قال: سبقتموني، فرد عليه الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر قائلا:

«انه اوصى ان لا تصلي عليه ..»

و قال ابن الزبير:

لأعرفنك بعد الموت تندبني

و فى حياتي ما زودتني زادي

لقد صب عثمان جام غضبه على ابن مسعود فاهانه و حقره و جفاه، و قطع عطاءه، و اوعز الى شرطته بضربه، و فرض عليه الاقامة الجبرية في يثرب، و لم يرع شبهه بالنبي فى هديه و سمته، و ماله من عظيم الجهاد و حسن البلاء في الاسلام، لقد نقم منه عثمان لأنه انكر عليه منحه للوليد أموال المسلمين و هو خازن لها، و لم يجد اي مبرر لهذا التلاعب في ميزانية الدولة، فراح بوحى من دينه و عقيدته ينكر عليه و يشجب تصرفاته

2- أبو ذر

و أبو ذر أعظم شخصية عرفها التأريخ الاسلامى فقد تجسدت فيه جميع طاقات الاسلام، و عناصره و مقوماته، و وعى حقيقة الاسلام، و تغذى بجوهره و واقعه، و هو اقدم من سبق الى اعتناقه و الايمان به و جهر بالشهادتين أمام قريش فانبرت إليه عتاتهم فأوجعوه ضربا، و الهبوا جسمه بالسياط حتى كاد أن يتلف و لم يثنه ذلك فقد انطلق كالمارد الجبار يدعو قومه الى الاسلام، و هجر الاوثان، و كان من ابرز الصحابة في علمه و ورعه و تقواه و زهده و تحرجه في الدين، و قد أثر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أنه قال فيه:

«ما أظلت الخضراء، و لا أقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر الى زهد عيسى بن مريم فلينظر الى ابي ذر ..»

لقد كان ازهد الناس فى الدنيا، و أقلهم احتفالا بمنافعها، و أشدهم خوفا من اللّه و انصرافا عن اباطيل الحياة، و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يأتمنه حين لا يأتمن أحدا، و يسر إليه حين لا يسر الى احد و هو أحد الثلاثة الذي أحبهم اللّه، و امر نبيه بحبهم كما انه احد الثلاثة الذين تشتاق لهم الجنة .

و لما حدثت الفتن، و استأثر عثمان مع بني أميّة بأموال المسلمين فكنزوا لأنفسهم، و اكثروا من شراء الضياع و بناء القصور وقف أبو ذر عملاق الامة الاسلامية فأخذ يندد، و يهدد عثمان، و يدعو المسلمين الى الثورة، و قلب الحكم، و اعادة النظام الاسلامي الحافل بكل مقومات النهوض و الارتقاء و تطبيق سياسته البناءة على واقع الحياة.

إن صيحة ابي ذر كانت صيحة رجل يقظ وعى الاسلام، و وقف على اهدافه، و احاط بواقعه فانه ليس من الاسلام فى شيء أن تستغل أموال المسلمين، و تمنح للوجوه و الاعيان، فيمعنون في التلذذ و الاسراف و قد اخذ الفقر بخناق المسلمين، و عمت في بلادهم المجاعة و الفاقة و البطالة فانكر أبو ذر ذلك، و اندفع بوحي من عقيدته الى تلك الصيحة التي دوخت عثمان و انكرها المستغلون من اتباعه. يقول الاستاذ السيد قطب:

«إن صيحة ابي ذر كانت دفعة من دفعات الروح الاسلامى أنكرها الذين فسدت قلوبهم و لا يزال ينكرها امثالهم من مطايا الاستغلال فى هذه الايام، لقد كانت هذه الصيحة يقظة ضمير لم تخدره الاطماع امام تضخم فاحش فى الثروات يفرق الجماعة الاسلامية طبقات، و يحطم الاسس التي جاء هذا الدين ليقيمها ..»

و انطلق أبو ذر يوالي انكاره، و معارضته للحكم القائم لا يعبأ به، و لا يبالي بشدة ارهابه و قسوته فكان يقف على اولئك الذين منحهم عثمان بهباته فيتلو قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» و رفع ذلك مروان بن الحكم الى عثمان فارسل إليه ينهاه عن ذلك فقال أبو ذر:

«ا ينهاني عثمان عن قراءة كتاب اللّه ... فو اللّه لأن ارضي اللّه بسخط عثمان أحب الي و خير لي من أن اسخط اللّه برضاه ..»

فالتاع عثمان من ذلك، و لكنه كظم غيظه، و قد أعياه امر ابي ذر و ضاق به ذرعا.

نفيه الى الشام

و استمر صاحب رسول اللّه في اداء رسالته الاصلاحية لم يصانع و لم يحاب، و انما يبغي الحق و يلتمس وجه اللّه و رضاه، و قد وجد عليه عثمان و امر بنفيه الى الشام، و يقول الرواة: إن السبب في ذلك هو ان عثمان سأل حضار مجلسه فقال لهم:

«أ يجوز ان يأخذ من المال فاذا ايسر قضى؟»

فانبرى كعب الاحبار فأجاب عن سؤاله فقال:

«لا ارى بذلك بأسا ..»

و لما رأى أبو ذر كعب الاحبار يتدخل في امور الدين و هو يهودي النزعة، و يشك في اسلامه غضب من ذلك ورد عليه قائلا:

«يا ابن اليهوديين. أ تعلمنا ديننا؟»

فثار عثمان و قال له:

«ما اكثر أذاك، و أولعك بأصحابي؟ الحق بمكتبك في الشام.»

و ذهب أبو ذر الى الشام، فلما انتهى إليها و رأى منكرات معاوية و بدعه جعل ينكر على معاوية و يندد بالسياسة الاموية، و يذيع مساوئ عثمان و بعد سيرته عن سيرة الرسول و سنته، و قد نقم من معاوية حينما قال: المال مال اللّه، فقال له: المال مال المسلمين، و انكر عليه بناء الخضراء التي انفق عليها الاموال الطائلة من بيت المال فكان يقول له:

«يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال اللّه فهي الخيانة، و ان كانت من مالك فهذا الاسراف؟»

و اخذ يوقظ النفوس، و يبعث روح الثورة على معاوية فكان يقول لأهل الشام:

«و اللّه لقد حدثت أعمال ما أعرفها. و اللّه ما هي فى كتاب اللّه و لا في سنة نبيه، و اللّه اني لأرى حقا يطفأ، و باطلا يحيى، و صادقا يكذب، و أثرة بغير تقى، و صالحا مستأثرا عليه ..»

و كان الناس يسمعون قوله، و يؤمنون بحديثه، و خاف معاوية من دعوة أبي ذر فكتب الى عثمان يخبره بخطره على الشام، فكتب عثمان إليه ان يرسله على اغلظ مركب و أوعره، فارسله معاوية مع جماعة لا يعرفون مكانته، و لا يحترمون مقامه فساروا به ليلا و نهارا حتى تسلخت بواطن أفخاذه و كاد ان يتلف، و لما بلغ المدينة مضى في دعوته فكان ينكر على عثمان أشد الانكار و يقول له:

«تستعمل الصبيان، و تحمى الحمى و تقرب أولاد الطلقاء؟!» و انطلق يبين للمسلمين ما سمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في ذم الامويين، و مدى خطرهم على الاسلام يقول: قال رسول اللّه:

«اذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد اللّه دولا، و عباد اللّه خولا و دين اللّه دغلا ..»

و اصدر عثمان اوامره بمنع مجالسة أبي ذر، كما حرم الكلام معه، و الاختلاط به.

نفيه الى الربذة

و ثقل أبو ذر على عثمان، و ضاق به ذرعا، فقد ايقظ النفوس، و اوجد فيها وعيا أصيلا يبعثها على الثورة العارمة، و الاجهاز على النظام القائم الذي آثر الاغنياء بأموال الدولة، و حجبها عن المصالح العامة، الامر الذي أدى الى فقدان التوازن في الحياة الاقتصادية، و شيوع الفقر و المجاعة في البلاد.

و رأى عثمان ان خير وسيلة له من الخطر الذي يتهدده ابعاد ابي ذر عن يثرب و نفيه عن سائر الامصار الاسلامية الى بعض المجاهل و القرى التي لا تزدحم بالسكان، فأرسل خلفه فلما حضر بادره أبو ذر بالكلام فقال له:

«ويحك يا عثمان!! أ ما رأيت رسول اللّه، و رأيت ابا بكر و عمر هل رأيت هذا هديهم؟ إنك لتبطش بي بطش الجبارين.»

فقطع عثمان كلامه، و صاح به

- اخرج عنا من بلادنا

- ا تخرجني من حرم رسول اللّه؟

- نعم و انفك راغم

- اخرج الى مكة؟

- لا

- الى البصرة؟

- لا

- الى الكوفة

- لا

- الى اين اخرج؟

- الى الربذة حتى تموت فيها

و أوعز الى مروان باخراجه فورا من المدينة، و هو مهان الجانب محقر الكيان، و حرم على المسلمين ان يشايعوه و يخرجوا لتوديعه، و لكن أهل الحق، و من طبعوا على نصرته ابوا إلا مخالفة عثمان فقد خف الامام أمير المؤمنين لتوديعه، و معه عقيل و عبد اللّه بن جعفر، و الحسن و الحسين و بادر مروان الى الحسن فقال له:

«إيه يا حسن!! أ لا تعلم ان عثمان قد نهى عن كلام هذا الرجل؟

فان كنت لا تعلم فاعلم ذلك ..»

فحمل امير المؤمنين عليه، و ضرب أذنى راحلته بالسوط، و صاح به: تنح نحاك اللّه الى النار، و ولى مروان منهزما الى عثمان يخبره بالحال.

و وقف الامام أمير المؤمنين على أبي ذر فودعه و القى إليه كلمات كانت له سلوى طيلة حياته في تلك البقعة الجرداء قال له:

«يا أبا ذر، انك غضبت للّه فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم، و خفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، و اهرب بما خفتهم عليه، فما احوجهم الى ما منعتهم و ما اغناك عما منعوك، و ستعلم من الرابح غدا، و الاكثر حسدا؟ و لو ان السموات و الارض كانتا على عبد رتقا، ثم اتقى اللّه لجعل اللّه منهما مخرجا، لا يؤنسنك إلا الحق، و لا يوحشنك إلا الباطل فلو قبلت دنياهم لأحبوك، و لو قرضت منها لآمنوك ..»

و حدد الامام- بهذه الكلمات الرائعة- الموقف الرهيب الذي وقفه أبو ذر من عثمان فانه لم يكن من اجل المادة، و لا من اجل سائر الاعتبارات الاخرى التي يئول امرها الى التراب، و انما كان من أجل المبادئ الاصيلة و القيم العليا التي جاء بها الاسلام و هي تهيب بالحاكمين و المسئولين أن لا يستأثروا بأموال المسلمين، و قد جافى عثمان ذلك، و انتهج سياسة خاصة بنيت على الاستغلال و الإثرة، فلهذا ثار أبو ذر في وجهه و ناجزه، و قد خافه عثمان على ملكه و سلطانه، و خافه أبو ذر على دينه و عقيدته، و قد امره الامام ان يترك ما بأيديهم، و يهرب بدينه ليكون بمنجاة من شرور القوم و آثامهم.

و بيّن عليه السلام- فى كلماته- اتجاه ابي ذر و ميوله، فانه لا يؤنسه إلا الحق، و لا يوحشه إلا المنكر و الباطل و لو انه غيّر اتجاهه فسالم القوم و وادعهم لأحبوه و اخلصوا له، و أجزلوا له العطاء، و منحوه الثراء.

و بادر إليه الامام الحسن فصافحه و ودعه، و ألقى عليه كلمات تنم عن قلب موجع لهذا الفراق قائلا:

«يا عماه. لو لا انه ينبغي للمودع أن يسكت، و للمشيع ان ينصرف لقصر الكلام و إن طال الاسف، و قد اتى القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها، و شدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، و اصبر حتى تلقى نبيك، و هو عنك راض ..» لقد امره الامام الحسن عليه السلام بالصبر على ما انتابه من الكوارث و الخطوب التي صبها عليه القوم ليلقى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و هو عنه راض.

و القى ابو ذر على أهل البيت نظرة مقرونة بالتفجع و الاسى و الحسرات و تكلم بكلمات يلمس فيها ذوب قلبه على هذا الفراق المرير قال:

«رحمكم اللّه يا أهل بيت الرحمة، اذا رأيتكم ذكرت بكم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ما لي بالمدينة سكن و لا شجن غيركم إني ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام، و كره أن اجاور أخاه و ابن خاله بالمصرين فأفسد الناس عليهما فسيرنى الى بلد ليس لي به ناصر و لا دافع إلا اللّه، و اللّه ما أريد إلا اللّه صاحبا، و ما اخشى مع اللّه وحشة ..»

و انصرف أبو ذر طريدا في فلوات الارض شريدا عن حرم اللّه و حرم رسوله قد باعدته السياسة العمياء، و فرقت بينه و بين اهل البيت الذين يكن لهم أعمق الود و خالص الحب من أجل حبيبه و صاحبه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله.

لقد مضى أبو ذر الى الربذة ليموت فيها جوعا، و في يد عثمان ذهب الارض يصرفه على بني أمية، و على آل ابي معيط، و يحرمه على شبيه المسيح عيسى بن مريم في هديه و سمته.

و رجع الامام امير المؤمنين مع اولاده من توديع ابي ذر، و قد علاه الاسى و الحزن فاستقبلته جماعة من الناس فاخبروه بغضب عثمان و استيائه منه لأنه خالف أمره و خرج لتوديع خصمه فقال عليه السلام:

«غضب الخيل على اللجم.»

و بادر عثمان الى الامام فقال له:

- ما حملك على رد رسولي؟

- اما مروان فانه استقبلني يردني فرددته عن ردي، و أما امرك فلم ارده

- او لم يبلغك أني قد نهيت الناس عن تشييع ابي ذر؟

- أو كل ما أمرتنا به من شيء يرى طاعة اللّه و الحق في خلافه أتبعنا فيه أمرك؟!!

- أقد مروان

- و ما أقيده؟

- ضربت بين اذني راحلته

- أما راحلتي فهي تلك، فإن اراد ان يضربها كما ضربت راحلته فليفعل، و أما أنا فو اللّه لئن شتمني لأشتمنك أنت بمثلها بما لا اكذب فيه و لا أقول إلا حقا.

- و لم لا يشتمك إذ شتمته، فو اللّه ما أنت عندي بأفضل منه.

و غضب الامام من عثمان لأنه ساوى بينه و هو من النبي بمنزلة هارون من موسى، و بين الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم الذي لعنه رسول اللّه و هو في صلب أبيه، فقال عليه السلام له:

- إلي تقول هذا القول؟ و بمروان تعدلني؟!! فانا و اللّه افضل منك و أبي افضل من أبيك، و أمي أفضل من أمك، و هذه نبلي قد نثلتها ..»

فسكت عثمان، و انصرف الامام و هو ملتاع حزين منه لأنه لم يرع مقامه، و لم يلحظ جانبه و قرن بينه و بين مروان.

3- عمار بن ياسر

و عمار بن ياسر فذ من أفذاذ الاسلام، و علم من أعلامه، و قطب من أقطابه، و صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و خليله لقي في سبيل الاسلام أعظم الجهد، و أمر البلاء، و عذب مع أبويه اعنف التعذيب و أقساه، فقد استضعفتهم جبابرة قريش فصبت عليهم وابلا من العذاب الأليم فألهبت ابدانهم بمكاوى النار، و ضربتهم ضربا موجعا، و وضعت على صدورهم الاحجار الثقيلة، و صبت عليهم قربا من الماء، و كان النبيّ صلى اللّه عليه و آله يجتاز عليهم فيرى ما هم فيه من المحنة و العذاب فتذوب نفسه اسى و حزنا، و يقول:

«اصبروا آل ياسر: موعدكم الجنة.»

و يقول و قد اضناه الحزن «اللهم اغفر لآل ياسر و قد فعلت ..»

و بقيت هذه الاسرة التي وهبت حياتها للّه تحت التعذيب و الارهاق لم تحتفل بما تعانيه من ألم التعذيب و شدته و أصرت على ايمانها بدعوة محمد صلى اللّه عليه و آله و هي تسخر بأوثان قريش و اصنامها فورم من ذلك أنف أبي جهل، و انتفخ سحره، و جعلت عيناه تقدحان شررا و غيظا فعمد الى سمية فطعنها في قلبها فماتت و هي اول شهيدة في الاسلام، و عمد الاثيم بعد ذلك الى ياسر فقتله.

و ظل عمار تحت التعذيب حتى اعياه، و أرهقه فعرضت عليه قريش سب النبي و العدول عن دينه فاجابهم على كره فعفوا عنه، فانطلق الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يبكي فجعل رسول اللّه يمسح عينيه، و قال:

إن عادوا لك فعد لهم بما قلت، و انزل اللّه تعالى فيه:

«مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.»

و ملئت نفس عمار بالايمان باللّه فكان الدين قطعة من طبعه، و عنصرا مقوما لمزاجه، و انزل اللّه فيه غير آية من القرآن كلها ثناء عليه و تمجيد له، و اشادة به، و قد عناه تعالى بقوله: «أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ» و نزلت فيه الآية الكريمة: «أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» كما نزلت فى الثناء عليه و فى ذم الوليد الآية المباركة و هي قوله تعالى: «أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ.»

و اهتم النبي صلى اللّه عليه و آله في شأن عمار اهتماما بالغا فكان يرفع من شأنه، و يشيد بذكره، و يقدمه على غيره فقد رأى خالدا يغلظ له في القول فالتاع من ذلك و انبرى يقول: «من عادى عمارا عاداه اللّه، و من أبغض عمارا ابغضه اللّه.» و جرت بينه و بين شخص مشادة فقال لعمار: سأعرض هذه العصا لأنفك، فلما سمع ذلك رسول اللّه (ص) غضب و اندفع يقول: «ما لهم و لعمار يدعوهم الى الجنة، و يدعونه الى النار، إن عمارا جلدة ما بين عيني و أنفى فاذا بلغ ذلك من الرجل فاجتنبوه» و يقول فيه: «ما خير عمار بين امرين الا اختار ارشدهما»

و ظل عمار موضع عناية النبي و تبجيله و تقديره لما يرى فيه من الاخلاص و الزهد فى الدنيا، و الحب للحق و قد شهد مع النبي بدرا و أحدا و المشاهد كلها، و شارك فى بناء المسجد النبوي فكان المسلمون يحمل كل واحد منهم لبنة لبنة، و هو يحمل لبنتين لبنتين، و هو يقول: «نحن المسلمين نبتنى المساجد» و كان النبي يرجع عليه بعض قوله فيقول «المساجد» و شارك كذلك في حفر الخندق و كان يمسح التراب عنه، و هكذا كان عمار فى طليعة أصحاب النبي صلى اللّه عليه و آله في ايمانه و اخلاصه و عظيم بلائه و عنائه في سبيل الاسلام، و لما انتقل النبي الى حضيرة القدس لازم أمير المؤمنين و كان متفانيا في حبه، و لا يرى أحدا خليقا بالخلافة غيره و من أجل ذلك تخلف عن بيعة أبي بكر و احتج عليه، و قد تقدم بيان ذلك و لما آل الامر الى عثمان، و سلك غير الجادة نقم منه عمار و اشتد فى معارضته و الانكار عليه، و قد نكل به عثمان، و اعتدى عليه، و قابله بافحش القول و أمره، و كان ذلك في مواضع عدة و هي:

1- انه لما استأثر بالسفط، و حلى به بعض نسائه انكر عليه أمير المؤمنين، و ايد عمار معارضته، كما تقدم بيانه قال له عثمان: أ عليّ يا بن المتكاء تجترئ؟ و اوعز الى شرطته بأخذه فأخذوه و أدخلوه عليه فضربه حتى غشي عليه، و هو شيخ قد علاه الضعف و حمل الى منزل السيدة أم سلمة زوج النبي، و لم يفق من شدة الضرب حتى فاتته صلاة الظهرين و المغرب، فلما افاق توضأ و صلى العشاء، و قال: الحمد للّه ليس هذا اول يوم أوذينا فيه فى اللّه، و غضبت من اجل ذلك السيدة عائشة فاخرجت شعرا من شعر رسول اللّه و ثوبا من ثيابه، و نعلا من نعاله، ثم قالت ما اسرع ما تركتم سنة نبيكم، و هذا شعره و ثوبه و نعله لم يبل بعد و غضب عثمان حتى لا يدري ما يقول، و لا يعرف كيف يعتذر عن عمله؟

2- ان أعلام الصحابة رفعوا مذكرة لعثمان ذكروا فيها احداثه، و مخالفة سياسته للسنة، و انهم يناجزونه إن لم يثب الى الرشاد، و لم يغير خطته، و قد دفع إليه المذكرة عمار، فأخذها عثمان و قرأ صدرا منها فثار و اندفع و هو مغيظ محنق فقال له:

- أ علي تقدم من بينهم؟؟!

- إني انصحهم لك

- كذبت يا ابن سمية

- أنا و اللّه ابن سمية و ابن ياسر

و أمر عثمان غلمانه فمدوا بيديه و رجليه، ثم ضربه عثمان برجليه، و هي في الخفين على مذاكيره فاصابه الفتق، و كان ضعيفا فأغمي عليه

3- و لما نفى عثمان أبا ذر صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله الى الربذة، و توفى فيها غريبا، و جاء نعيه الى يثرب قال عثمان أمام جماعة من الصحابة:

«رحمه اللّه»

فاندفع عمار قائلا:

«نعم رحمه اللّه من كل أنفسنا ..»

فانتفخت اوداج عثمان، و قال لعمار بافحش القول، و أقساه:

«يا عاض أير أبيه، أ تراني ندمت على تسييره؟»

و أمر غلمانه فدفعوا عمارا، و أرهقوه، كما أمر بنفيه الى الربذة، فلما تهيأ للخروج أقبلت بنو مخزوم الى امير المؤمنين فسألوه ان يذاكر عثمان في شأنه، فانطلق الامام إليه، و قال له:

- اتق اللّه، فانك سيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك ثم أنت الآن تريد ان تنفي نظيره؟ فثار عثمان و قال للامام:

- أنت احق بالنفي منه

- رم إن شئت ذلك

و اجتمع المهاجرون فعذلوه، و لاموه على ذلك فاستجاب لقولهم، و عفا عن عمار .

لقد بالغ عثمان في اضطهاد عمار و ارهاقه، فضربه اعنف الضرب و أقساه، و اغلظ له فى القول، و لم يرع بلاءه فى الاسلام، و نصرته للنبي في جميع المواقف و المشاهد، و اهتمام النبي بشأنه، و تقديمه على غيره، و انه جلدة ما بين عينيه- على حد تعبيره- كل ذلك لم يلحظه فاعتدى عليه، و نقم منه لأنه أمره بالعدل، و دعاه الى الحق الواضح، و الى الاعتدال في سياسته.

الى هنا ينتهي بنا الحديث عن تنكيله باعلام الصحابة من الذين سبقوا الى الاسلام، و جاهدوا اعظم الجهاد في سبيله، و هم- من دون شك- لم يكونوا مدفوعين بدافع الرغبة في الحكم أو الامرة على بعض الامصار و الاقاليم الاسلامية، او الظفر بالمال، كل ذلك لم يدفعهم الى الصيحة عليه، و إنما رأوا أنه احدث من الاعمال ما ليست في كتاب اللّه، و لا في سنة نبيه، رأوا حقا يطفأ، و باطلا يحيى، و صادقا يكذب، و أثرة بغير تقى- كما يقول أبو ذر- من اجل ذلك اعلنوا نقمتهم و انكارهم عليه، و طالبوه بأن يسلك الجادة الواضحة، و يسير على الطريق القويم، و يتبع هدي النبي و يقتفى اثره.

الافتراء على الامام الحسن

و افترى بعض المؤرخين على الامام الحسن فزعم أنه كان عثماني الهوى و انه يكن له في دخائل نفسه أعمق الحب و مزيد الولاء و الاخلاص، و قد حزن عليه بعد مقتله حزنا بالغا، و قد ذهب الى ذلك الدكتور طه حسين قال ما نصه:

«و لم يفارق الحسن حزنه على عثمان، فكان عثمانيا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، إلا انه لم يسل سيفا للثأر بعثمان لأنه لم ير ذلك حقا له، و ربما غلا في عثمانيته حتى قال لأبيه ذات يوم ما لا يحب فقد روى الرواة أن عليا مر بابنه الحسن و هو يتوضأ فقال له:

اسبغ الوضوء فاجابه الحسن بهذه الكلمة المرة: «لقد قتلتم بالأمس رجلا كان يسبغ الوضوء» فلم يزد علي على ان قال: لقد اطال اللّه حزنك على عثمان.»

إن السياسة التي انتهجها عثمان، و الاحداث الجسام التي صدرت منه لم تترك له أي حميم أو صديق في البلاد فقد سخط عليه عموم المسلمين، و خافوه على دينهم، فكانت عائشة تخرج ثوب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، و تقول للداخلين إليها: هذا ثوب رسول اللّه لم يبل، و عثمان قد أبلى سنته، و نقم عليه حتى طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف، و غيرهم ممن اغدق عليهم بالنعم و الاموال، و لم يعد له أي صديق أو مدافع عنه سوى بني أمية و آل ابي معيط، و بعد هذه الكراهية الشاملة فى نفوس المسلمين لعثمان كيف يكون الامام الحسن- الذي يحمل هدي جده الرسول- عثمانيا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة- كما يقول طه حسين- لقد كان الحسن من جملة الناقمين على عثمان و الناكرين عليه لأنه رأى ما لاقاه أصحاب أبيه كأبي ذر و عمار، و ابن مسعود من الاضطهاد و الارهاق، و شاهد ما لاقاه أبوه بالذات من الاستهانة بحقه، و الاعتداء عليه حينما خرج لتوديع ابي ذر و بعد هذا كيف يكون الحسن عثمانيا، او مغاليا في حبه له؟!!

و أي مظهر من مظاهر الكآبة و الحزن بدت من الامام الحسن على عثمان بعد مقتله، أ في قيامه بالدور البطولي في بعث الجماهير، و اخراجها الى ساحة الحرب في موقعة الجمل التي اثيرت للطلب بدم عثمان، و قد كان معه في كثير من تلك المواقف عمار بن ياسر، و كان ينال من عثمان و يتهمه في دينه، و يقول فيه: قتلنا عثمان يوم قتلناه و هو كافر و كان الحسن يسنده، و يدعم أقواله، أو أنه ظهر منه الاسى على عثمان في حرب صفين الذي ثأر فيه معاوية للطلب بدم عثمان، ففى أي موقف أظهر الامام حزنه و أساه على عثمان؟؟

و أما الرواية التي استند إليها الدكتور طه حسين لتدعيم قوله، فقد رواها البلاذري عن المدائني الذي عرف بالنصب و العداء لأهل البيت و افتعال الروايات الحسنة في بني أميّة و الغرض من وضع هذه الرواية أن يضفي على عثمان ثوب القداسة، و يجعل له رصيدا من الحب في نفوس صلحاء المسلمين، و مضافا لضعف سندها فيرد عليها بعض المؤاخذات و هي 1- إن الامام امير المؤمنين قد تلطف في خطابه مع ولده الحسن، و بين له الحكم الشرعي، و لم يواجهه بلاذع القول فما الذي دعا الحسن ان يقابله بتلك الكلمات المرة، و هو وارث النبي صلى اللّه عليه و آله و شبيهه في سمو أخلاقه و كريم طباعه.

2- إن الامام الحسن كان من جملة المدافعين عن عثمان- كما يقولون- و كان ذلك بأمر من أبيه فكيف يتهمه بقتل عثمان؟

3- إن الامام لم يكن له أي دخل في قتل عثمان، و لا في التآمر عليه، و إنما قتلته أعماله، و أجهزت عليه الاحداث التي ارتكبها، فكيف يتهم الحسن أباه بقتله؟

و بعد الاحاطة بما ذكرنا لا تبقى للرواية اي قيمة في سندها و لا في دلالتها، و الغريب من الدكتور أن يعتمد عليها، و لا يمعن النظر فيها و فى امثالها من الروايات التي تعمد وضعها ذوو النزعات الاموية و أجراء السلطة

الثورة

و أخذ المسلمون يتحدثون في أنديتهم عن مظالم عثمان، و عن احداثه و استبداده بشئونهم، و تبديده لثرواتهم، و تنكيله بأخيار الصحابة و أعلام الدين، و تلاعب مروان و بني أميّة بشئون الدولة، و غير ذلك من الاحداث الجسام، و قد انتشر التذمر، و عم السخط و الاستياء جميع انحاء البلاد، فاجتمع أهل الحل و العقد، و ذوو السابقة في الاسلام فكاتبوا الامصار يستنجدون بهم، و يطلبون منهم العون، و ارسال القوات المسلحة للقيام بقلب الحكم القائم و هذا نص مذكرتهم لأهل مصر:

«من المهاجرين الاولين و بقية الشورى، الى من بمصر من الصحابة و التابعين، أما بعد: ان تعالوا إلينا و تداركوا خلافة رسول اللّه قبل أن يسلبها أهلها، فان كتاب اللّه قد بدل، و سنة رسوله قد غيرت، و احكام الخليفتين قد بدلت، فننشد اللّه من قرأ كتابنا من بقية اصحاب رسول اللّه و التابعين باحسان إلا أقبل إلينا، و أخذ الحق لنا، و أعطاناه، فأقبلوا إلينا ان كنتم تؤمنون باللّه و اليوم الآخر، و أقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم، و فارقكم عليه الخلفاء، غلبنا على حقنا، و استولى على فيئنا، و حيل بيننا و بين أمرنا، و كانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة و رحمة، و هي اليوم ملك عضوض، من غلب على شيء أكله ..»

و حفلت هذه الرسالة بذكر الاحداث الخطيرة التي ابتلي بها العالم الاسلامي من جراء الحكم القائم و هي:

1- تبديل كتاب اللّه، و الغاء أحكامه العادلة

2- تغيير سنة النبي صلى اللّه عليه و آله و اهمال ما اثر عنه في عالم الحكم و السياسة

3- الاعراض عن سيرة الشيخين

4- استئثار السلطة بالفيء و صرفه على مصالحها الخاصة

5- صرف الخلافة الاسلامية عن مفاهيمها البناءة، و طاقاتها الثرة الى ملك عضوض لا يعتني باهداف الامة، و لا يرع مصالحها

و قد اوجبت هذه الاحداث زعزعة الكيان الاسلامي، و تهديد الحياة الاسلامية بالدمار، و قد واصل الناقمون على عثمان جهادهم فبعثوا برسالة أخرى الى المرابطين في الثغور من اصحاب النبي يطلبون منهم القدوم الى يثرب لإقامة الخلافة، و هذا نص رسالتهم:

«انكم انما خرجتم ان تجاهدوا في سبيل اللّه عز و جل، تطلبون دين محمد صلى اللّه عليه و آله فان دين محمد قد أفسده خليفتكم فاقيموه ..»

و استجابت الامصار الاسلامية لهذا النداء فارسلت وفودها الى يثرب للاطلاع على الاوضاع الراهنة و دراسة الموقف، و ما يحتاجه من علاج، و الوفود التي أقبلت هي:

أ- الوفد المصري

و أرسلت مصر وفدا عدده اربع مائة شخص، و قيل اكثر من ذلك بقيادة محمد بن أبي بكر، و عبد الرحمن بن عديس البلوي

ب- الوفد الكوفي

و أرسلت الكوفة وفدها بقيادة الزعيم مالك الاشتر، و زيد بن صوحان العبدي، و زياد بن النضر الحارثي، و عبد اللّه بن الاصم العامري، و على الجميع عمرو بن الاهثم

ج- الوفد البصري

و نزح من البصرة حكيم بن جبلة في مائة رجل، و لحقه بعد ذلك خمسون، و فيهم ذريح بن عباد العبدي و بشر بن شريح القيسي، و ابن المحرش و غيرهم من الاعيان و الوجوه

و رحبت الصحابة بالوفود، و استقبلتها بمزيد من الابتهاج و الشكر و أخذت تذكر لها احداث عثمان التي لا تتفق بظاهرها و واقعها مع الدين و حرضوها على الايقاع به و الاجهاز عليه لتستريح الامة من حكمه.

و رأى الوفد المصري- قبل كل شيء- أن يرفع مذكرة الى عثمان يدعوه فيها الى التوبة و الاستقامة في سياسته فكتبوا ذلك، و هذا نصه:

«أما بعد فاعلم ان اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فاللّه اللّه ثم اللّه اللّه، فانك على دنيا فاستتم معها آخرة، و لا تنسى نصيبك من الآخرة، فلا تسوغ لك الدنيا، و اعلم انا للّه و للّه نغضب، و في اللّه نرضى و إنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصرحة أو ضلالة مجلحة مبلجة فهذه مقالتنا لك و قضيتنا إليك و اللّه عذيرنا منك و السلام ..»

و اضطرب عثمان من الامر، و قرأ الرسالة بامعان، و أحاط الثوار به فبادر إليه المغيرة و طلب منه الاذن بالكلام معهم، فاذن له و انطلق إليهم فلما رأوه صاحوا به

«يا أعور وراءك! يا فاجر وراءك! يا فاسق وراءك!»

فرجع خائبا و دعا عثمان عمرو بن العاص، و طلب منه ان يكلم القوم فمضى إليهم و سلم فما ردوا عليه السلام، و قالوا له:

«ارجع يا عدو اللّه! ارجع يا ابن النابغة! فلست عندنا بأمين و لا مأمون» و علم عثمان ان لا ملجأ له إلا الامام أمير المؤمنين فاستغاث به، و طلب منه ان يدعو القوم الى كتاب اللّه و سنة نبيه، فأجابه الامام الى ذلك و لكن شرط عليه ان يعطيه عهد اللّه و ميثاقه على الوفاء بما قال فأعطاه ذلك و مضى الامام الى القوم فلما رأوه قالوا له:

- وراءك!

- لا. بل امامي، تعطون كتاب اللّه، و تعتبون من كل ما سخطتم و عرض عليهم ما بذله عثمان لهم

- أتضمن ذلك عنه؟

- نعم

- رضينا

و أقبل وجوههم و أشرافهم مع أمير المؤمنين حتى دخلوا على عثمان، فعاتبوه على اعماله فاعتبهم من كل شيء، و طلبوا منه أن يكتب لهم كتابا يلتزم فيه على نفسه بالعمل على كتاب اللّه و سنة نبيه و توفير الفيء للمسلمين فأجابهم الى ذلك، و كتب لهم ما نصه:

«هذا كتاب من عبد اللّه عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين و المسلمين أن لكم أن اعمل فيكم بكتاب اللّه و سنة نبيه، يعطى المحروم و يؤمن الخائف، و يرد المنفي، و لا تجمر فى البعوث. و يوفر الفيء، و علي ابن أبي طالب ضمين للمؤمنين و المسلمين، على عثمان الوفاء بما في هذا الكتاب» و شهد فيه كل من الزبير بن العوام، و طلحة بن عبيد اللّه، و سعد ابن مالك أبي وقاص، و عبد اللّه بن عمر، و زيد بن ثابت، و سهل بن حنيف، و أبو ايوب خالد بن زيد، و كتب ذلك في ذي القعدة سنة خمس و ثلاثين من الهجرة، و أخذ القوم الكتاب و انصرفوا ، و طلب منه الامام أمير المؤمنين ان يخرج الى الناس، و يعلن لهم أنه قد استجاب لهم و نفذ طلباتهم، ففعل عثمان ذلك، و اعطى الناس عهدا ان يسير فيهم على كتاب اللّه و سنة نبيه، و أن يوفر لهم الفيء، و لا يؤثر به أحدا من أرحامه، و ذوي قرباه، و رجع المصريون الى بلادهم، و دخل مروان على عثمان فقال له:

«تكلم و اعلم الناس ان اهل مصر قد رجعوا، و ان ما بلغهم عن امامهم كان باطلا، فان خطبتك تسير في البلاد قبل ان يتحلب الناس عليك من امصارهم فيأتيك من لا تستطيع دفعه ..»

لقد دعاه ان يعلن الكذب، و يقول غير الحق فامتنع من اجابته- اولا- و لكنه انصاع أخيرا لقوله فخرج، و اعتلى أعواد المنبر و قال:

«أما بعد: إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن امامهم أمر فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم رجعوا الى بلادهم ...»

و اندفع المسلمون الى الانكار عليه فناداه عمرو بن العاص

«اتّق اللّه يا عثمان فانك قد ركبت نهابير و ركبناها معك فتب الى اللّه نتب معك ..»

فزجره عثمان و صاح به:

«و إنك هناك يا ابن النابغة؟ قملت و اللّه جبتك منذ تركتك من العمل؟ ..»

و ارتفعت من جميع جنبات المسجد أصوات الانكار و هي ذات لهجة واحدة

«اتق اللّه يا عثمان اتق اللّه.»

فانهارت قواه، و لم يجد بدا من أن يعلن التوبة على هذا الإفك، و نزل عن المنبر و مضى الى منزله

و هذه البادرة تدل على ضعفه، و هزال ارادته، و تلاعب مروان فى شئونه، و سيطرته على جميع اموره، و أنه لا قدرة له على مخالفته، و التغلب عليه.

استنجاده بالامصار

و لما ازداد نشاط الثوار، و حاصروه فى داره استنجد بمعاوية، و استغاث به، و كتب إليه هذه الرسالة:

«أما بعد: فان اهل المدينة قد كفروا، و خلعوا الطاعة، و نكثوا البيعة، فابعث إلي من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب و ذلول ..»

و تربص معاوية حينما اطلع على الكتاب فلم يندفع الى نصرته و اجابته و تنكر للأيادي التي اسداها عليه، و على اسرته.

و لما ابطأ معاوية على عثمان، و لم يقم بنجدته بعث عثمان رسالة الى يزيد بن اسد بن كرز و إلى أهل الشام يستفزهم و يحثهم على الخروج لنصرته، و لما انتهى إليهم الكتاب نفروا للخروج تحت قيادة يزيد القسري و لكن معاوية أمره أن يقيم بذي خشب، و لا يتجاوزه، فأقام الجيش هناك حتى قتل عثمان، و السبب في ذلك هو أن يتخذ من قتله وسيلة للمطالبة بدمه لتؤل الخلافة الى بني أميّة، إن معاوية ممن دبر الحيلة في قتله، و الى ذلك يشير أبو أيوب الانصاري بقوله لمعاوية: «إن الذي تربص بعثمان، و ثبط يزيد بن اسد عن نصرته لأنت.»

و على اي حال فان عثمان قد كتب رسائل متعددة الى الامصار، و الى من حضر الموسم في مكة يستنجد بهم و يطلب منهم القيام بنجدته.

يوم الدار

و رجع الوفد المصري من اثناء الطريق لما تبينت له المكيدة الخطيرة التي دبرت ضده، فاحاطوا بقصر عثمان و هم يهتفون بسقوطه، و يطالبونه بالاستقالة من منصبه، و خرج إليهم مروان فشتمهم و نال منهم قائلا:

«ما شأنكم؟ كأنكم قد جئتم لنهب؟ شاهت الوجوه. تريدون ان تنزعوا ملكنا من ايدينا اخرجوا عنا.»

فألهبت هذه الكلمات نار الثورة في نفوسهم فاحاطوا بعثمان، و عزموا على قتله فاستنجد بالامام فاقبل إليه و قد نقلت له كلمات مروان فقال (ع):

«أ ما رضيت من مروان، و لا رضى منك إلا بتحرفك عن دينك و عن عقلك، مثل جمل الضعينة يقاد حيث يسار به، و اللّه ما مروان بذي رأي فى دينه، و لا فى نفسه، و أيم اللّه لأراه سيوردك ثم لا يصدرك و ما أنا بعائد بعد مقامى هذا لمعاتبتك، اذهبت شرفك، و غلبت على امرك ..»

إن الذي اجهز على عثمان و قتله هو مروان و بنو أميّة، و قد صرحت

بذلك نائلة زوج عثمان فقالت للامويين:

«أنتم و اللّه قاتلوه و ميتمو أطفاله ..»

و نصحت زوجها بأن لا يطيع مروان تقول له: «انك متى اطعت مروان قتلك ..»

إن عثمان يحمل قسطا ليس بالقليل فى الجناية على نفسه لأنه لما علم أنه ضعيف الارادة، و لا قابلية له للتغلب على الاحداث و ان بني أمية قد استولوا على اموره، و هو يعلم من دون شك كراهية المسلمين لهم، فكان اللازم عليه أن يترك الامر لغيره و يستقيل من منصبه، و لا ينكب الامة بقتله. و أيقن الثوار أنه لا مجال لإصلاحه لأنه إن ابرم أمرا نقضه مروان فاصروا عليه أن يخلع نفسه عن الخلافة فأبى و قال: «انما هي ثوب البسنيها اللّه.» و في الحقيقة انها ثوب كساه بها عمر، و ألبسها اياه عبد الرحمن بن عوف.

و على أي حال فقد اندلعت نيران الثورة، و اشتد أوارها حتى بلغ السيل الزبى فقد صمم الثوار على قتله بعد إبائه عن الاستقالة من منصبه فمنع عنه طلحة الماء، و استولى على بيوت الاموال، و احاط الثوار بقصره و تسلق بعضهم عليه الدار فجعلوا يرمونه بالحجارة، و يبالغون في سبه و شتمه و قذفه

موقف الامام الحسن

و زعم غير واحد من المؤرخين ان الامام الحسن وقف يوم الدار مدافعا عن عثمان بايعاز من أبيه، و قد أبلى في ذلك بلاء حسنا حتى خضب بدمائه، و هذا القول- من دون شك- من موضوعات الامويين و من مفترياتهم فان الامام الحسن (ع) و سائر البقية الصالحة من المهاجرين و الانصار كانوا في معزل عن عثمان بل و من الناقمين عليه، و لم يحضر من يدافع عنه فى حصاره سوى بني أمية و بعض المنتفعين منهم و لو كان له أي رصيد في المجتمع لما تمكن الثائرون من قتله.

لقد اتفقت كلمة الصحابة على خذلانه، و لم تظهر منهم بادرة من بوادر المساعدة و المؤازرة له بل كانوا يمجدون الثورة، و يبعثون روح الحماس في نفوس الثوار، و بعد هذا فكيف يمكن ان يخرق الامام الحسن الاجماع و يمضي للدفاع عنه و على أى حال فقد تعرض المحقق الاميني الى تزييف تلك الاخبار، وعدها في سلسلة الموضوعات

الاجهاز على عثمان

و اجهز الثوار على عثمان، و قد تولى قتله جماعة في طليعتهم محمد ابن ابي بكر فكان من أحقدهم عليه فقد شهر السيف في وجهه و قال له:

- على أي دين أنت يا نعثل؟

- على دين الاسلام و لست بنعثل، و لكني أمير المؤمنين

- غيرت كتاب اللّه

- كتاب اللّه بيني و بينكم

و أخذ بلحيته فسحبه الى الارض و هو يقول: إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول: ربنا إنا أطعنا ساداتنا و كبراءنا فأضلونا السبيل.

و هجم القوم عليه فاردوه قتيلا يتخبط بدمائه، و تركوه جثة هامدةلم يواروه، و لم يسمحوا لأحد بمواراته، و تكلم بعض خواصه مع الامام أمير المؤمنين في ذلك فتوسط في شأنه فأذنوا لهم في ذلك و لكنهم لم يسمحوا لهم بدفنه في البقيع فدفنوه في حش كوكب

لقد امتحن المسلمون امتحانا عسيرا في امر عثمان، و قد أورثهم قتله عناء أي عناء، و قد تولدت في ايام حكومته و بعد مقتله أحزاب نفعية لا يهمها إلا الوصول الى الحكم لتتخذ منه وسيلة الى الثراء، و أخذت تلك الاحزاب تعيث فسادا في الارض، و تتآمر على مصالح المسلمين فأبادت وحدتهم، و فرقت كلمتهم، و خلقت في المجتمع أهم المصاعب و المشاكل حتى أصبح من المتعذر على الامام أمير المؤمنين في دور حكومته أن يصلح الاوضاع الراهنة، و يعيد سيرة الرسول و سنته بين الناس، و اتسعت تلك المشاكل حتى بلغت الذروة فى دور الامام الحسن، فرأى أن لا خطة له أفضل و لا أحسن من الاستسلام كما سنوضحه بالتفصيل في البحوث الآتية.

و بهذا ينتهى بنا المطاف عن عهد عثمان، و قد اسهبنا القول في امره و اطلنا الحديث فى تصوير سياسته التي أشعلت نار الفتنة الكبرى فى البلاد و فتحت باب الخلاف و النزاع بين المسلمين، و مهدت الطريق للامويين ان يتدخلوا في شئون المسلمين، و يختلسوا السلطة من أيديهم، و يمعنوا في قتل الاخيار و مطاردة المصلحين، و إبادة جميع الاسس التي جاء هذا الدين ليقيمها و بسطنا القول في ذكر بعض المؤاخذات التي تواجه بحوث الدكتور طه حسين فى عثمان، و تبرير سياسته، و لم نكن- يعلم اللّه- مدفوعين في ذلك كله بدافع العصبية أو الحقد على عثمان، و إنما رائدنا الاخلاص للحق وحده، و خدمة القضية الاسلامية، فان الكثير من كتاب العصر قد حاول تصحيح تلكم الاحداث بوجوه بعيدة لا يسندها منطق، و لا يدعمها برهان، و نحن في أمس الحاجة الى دراسة التأريخ الاسلامي على واقعه، و الامعان في الحوادث التي جرت في العصور الاسلامية الاولى، لنقف على الذوات الخيرة التي خدمت الاسلام و رفعت مناره و نتميز الذين خدعتهم السلطة، و غرهم الثراء فتنكروا لدينهم و أمتهم في سبيل مصالحهم الضيقة، و عسى ان تكون هذه البحوث التي رسمناها بدقة و امانة قد صورت لنا الواقع الذي جرى في تلكم العصور.

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved