۱۳۹۶ شنبه ۳۱ تير | اِسَّبِت ٢٧ شوال ١٤٣٨
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
فى عهد الشيخين 
    فى عهد الشيخين 

     

    و حينما مضى النبيّ (ص) الى جنة المأوى، و سمت روحه الى الرفيق الاعلى، انثالت الفتن على المسلمين تترى كقطع الليل المظلم، و عصفت بهم امواج عارمة من الانشقاق و الاختلاف زعزعت كيانهم و صدعت شملهم، و مزقت وحدتهم، و قد بين تعالى ما يمنى به المسلمون بعد وفاة نبيه من الارتداد و الاختلاف قال تعالى: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ..»

    فاي رزية اعظم من رزية الانقلاب؟ و أي كارثة اقسى من كارثة الارتداد بعد الايمان!! لقد ترك القوم جثمان نبيهم لم يواروه في مقره الأخير و تهالكوا على الامرة و السلطان، و صمموا على صرف الخلافة الاسلامية عن أهل بيت النبوة و موضع الرسالة و مختلف الملائكة و مهبط الوحي و التنزيل، و قد تحدث الامام أمير المؤمنين عليه السلام عن غب ما فعلوه و سوء ما ارتكبوه يقول عليه السلام:

    «حتى اذا قبض رسوله رجع قوم على الاعقاب، و غالتهم السبل و اتكلوا على الولائج و وصلوا غير الرحم، و هجروا السبب الذي أمروا بمودته، و نقلوا البناء عن رص أساسه فبنوه في غير موضعه معادن كل خطيئة، و أبواب كل ضارب في غمرة»

    لقد استأثروا بالامر، و نقلوه عن اهله و معدنه، و وضعوه في غير محله، و قد فاجئوا أهل البيت (ع)- و الجرح لما يندمل و الرسول لما يقبر بصرف الامر عنهم و الاعتداء عليهم، و تركوهم يتجرعون الغصص، و يتوسدون الارق و تساورهم الهموم، فما اعظم رزيتهم؟! و ما اشد محنتهم و بلاءهم!!

    لقد تسرع القوم الى عقد البيعة، و انتهزوا الفرصة في انشغال امير المؤمنين بتجهيز جثمان النبي صلى اللّه عليه و آله فلم يمهلوه حتى يفرغ من مواراته صلى اللّه عليه و آله لئلا يفوت الامر منهم، و تضيع امانيهم و آمالهم فى الاستيلاء على زمام الحكم و السلطان .. و على أي حال فلا بدلنا من البحث عن فصول تلك المأساة الكبرى- بايجاز- فانها ترتبط ارتباطا وثيقا بحياة الامام الحسن عليه السلام، فان صرف الامر عن أهل البيت عليهم السلام كانت له مضاعفاته السيئة و نتائجه الخطيرة، و اهمها طمع الطلقاء و ابنائهم خصوم الاسلام و اعداء اللّه في الخلافة الاسلامية، و مناجزتهم لاهل بيت النبوة و معدن الرحمة، حتى اضطر سبط النبي صلى اللّه عليه و آله الامام الحسن عليه السلام في دوره الى الصلح مع معاوية و تسليم الامر له، و الى القراء بيان ذلك.

    السقيفة 

    و ترك القوم النبي صلى اللّه عليه و آله مسجى في فراش الموت، لم يهتموا في شيء من أمره فقد سارع الانصار الى سقيفة بني ساعدة و عقدوا لهم اجتماعا سريا أحاطوه بكثير من الكتمان و التحفظ، و احضروا معهم شيخ الخزرج سعد بن عبادة فتداولوا في شئون الخلافة و السلطان، و كان شيخ الخزرج قد ألم به المرض فخطب في القوم فلم يتمكن أن يسمع كلامه للناس و انما كان يقول و يبلغ مقالته بعض اقربائه، و كان منطق خطابه ان الغنم بالغرم، و الانصار هم الذين غرموا في سلسلة الحروب و حركات الجهاد التي قام بها الرسول صلى اللّه عليه و آله فهم احق بالأمر و أولى به من غيرهم و هذا هو نص خطابه:

    يا معشر الانصار لكم سابقة في الدين و فضيلة فى الاسلام ليست لقبيلة من العرب، ان محمدا صلى اللّه عليه و آله و سلم لبث بضع عشر سنة في قومه يدعوهم الى عبادة الرحمن و خلع الأنداد و الأوثان فما آمن به من قومه الا القليل، و ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و لا أن يعزوا دينه، و لا أن يدفعوا عن انفسهم ضيما عموا به حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، و خصكم بالنعمة فرزقكم اللّه الايمان به و برسوله و المنع له و لاصحابه و الاعزاز له و لدينه و الجهاد لاعدائه، فكنتم اشد الناس على عدوه منكم، و أثقله على عدوه من غيركم حتى استقامت العرب لامر اللّه طوعا و كرها، و اعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا، حتى اثخن اللّه عز و جل لرسوله بكم الأرض و دانت بأسيافكم له العرب و توفاه اللّه و هو عنكم راض و بكم قرير العين، استبدوا بهذا الأمر دون سائر الناس فانه لكم دون الناس ...» فاجابه الأنصار بالرضا و الطاعة قائلين «وفقت في الرأي و أصبت في القول، و لن نعدوا ما رأيت نوليك هذا الامر فانك فينا مقنع و لصالح المؤمنين رضى ..،

    لقد القى الانصار المقادة و السمع لسيد الخزرج، و اعربوا له عن رغبتهم الملحة في ترشيحه لمنصب الخلافة، و هنا امور تدعو الى العجب و تبعث الى التساؤل في أمر الانصار و هي:

    1- إنهم حضنة الاسلام، و اعضاد الملة، و حماة الدين فلما ذا أسرعوا في شأن الخلافة، و تناسوا مبايعتهم لأمير المؤمنين في غدير خم، و تنكروا لوصايا النبي صلى اللّه عليه و آله في أهل بيته و عترته؟!!

    2- لما ذا هذا التستر في مكان منزو عن الانظار و الابصار؟! و لما ذا هذا التكتم و الحيطة في اخفاء الامر؟!!

    3- لما ذا لم يأخذوا رأي العترة الطاهرة في شأن البيعة و استبدوا بالأمر؟؟!!

    و اكبر الظن انهم وقفوا على المؤامرة الخطيرة التي دبرها كبار المهاجرين ضد أمير المؤمنين فخافوا أن يفوز المهاجرون بالخلافة، و يحرموا منها لذا اسرعوا لانتهاز الفرصة و بادروا الى ترشيح سعد الى مركز الخلافة.

    فذلكة عمر

    و لم يكن أبو بكر في يثرب عند وفاة النبي (ص) و انما كان بالسنح فخاف عمر بن الخطاب أن يفوز احد بالخلافة قبل مجيء أبي بكر فصنع فذلكة دلت على سياسته النفسية و خبرته الفائقة باحوال المجتمع فقد اوقف حركة البيعة، و شغل الناس حتى عن تفكيرهم فقد راح يهز بيده السيف و يهتف بصوت عال.

    «إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قد مات. و إنه و اللّه ما مات و لكنه ذهب الى ربه كما ذهب موسى بن عمران .. و اللّه ليرجعن رسول اللّه فيقطعن أيدي رجال و أرجلهم ممن ارجفوا بموته ...»

    و جعل لا يمر باحد يقول: مات رسول اللّه الا خبطه بسيفه، و تهدده و توعده و استغرب المسلمون من هذه البادرة، و استطابها السذج و البسطاء، فقد جاءهم بالأمل اللذيذ و الحلم الجميل فان النفوس تأبى أن تذعن بموت العظيم، و تتمسك بحياته بالخيال و الأوهام، و قد ساق إليها عمر أطيب الاماني و اروع الآمال، اخبرها بحياة عزيزها و منقذها، و أملها باظهار دينه على الدين كله، و اضاف الى كلامه اعنف الارهاب و التهديد و عزاه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بتقطيعه الايدي و الارجل ممن ارجف بموته، كما توعد هو بالقتل لمن فاه بموت النبيّ صلى اللّه عليه و آله و استمر على هذا الحال يبرق و يرعد، و يتهدد و يتوعد حتى وصل أبو بكر إلى يثرب فاحتف به عمر و انطلقا إلى بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فكشف أبو بكر الرداء عن وجه النبي (ص) و إذا بجثمانه الطاهر قد رحلت منه روحه الزكية، فخرج و هو يفند مقالة عمر و التفت إلى الجماهير الحائرة التي اذهلها الخطب فقال لها:

    «من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، و من كان يعبد اللّه فان اللّه حي لا يموت ... و تلا قوله تعالى: «وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ».

    و تلقى الجمهور مقالة أبي بكر بالإذعان، و راحوا يلهجون بالآية و اسرع عمر الى تصديق مقالة أبي بكر و لم يبد اية معارضة له، و احتف به، و سار معه يشد عضده، و يحمي جانبه.

    و لا بد لنا من وقفة قصيرة امام هذه البادرة الغريبة فانها تدعو إلى التساؤل من عدة امور و هي:

    1- هل صحيح ان عمر قد خفي عليه موت الرسول صلى اللّه عليه و آله؟؟ و القرآن الكريم قد أعلن أن كل انسان لا بد أن يتجرع كأس الحمام قال تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ» و قال تعالى في نبيه: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» و قال تعالى: «أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ» الآية، بالاضافة الى أن الرسول صلى اللّه عليه و آله قد نعى نفسه غير مرة الى المسلمين و أخبرهم بأنه يوشك أن يدعى فيجيب، و كان عمر نفسه يقول لأسامة قبل وفاة النبي صلى اللّه عليه و آله: مات رسول اللّه و أنت علي أمير.

    2- ما هو السر في تهديده و توعيده لمن أرجف بموت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؟ و لما ذا ينكل رسول اللّه المرجفين؟ فهل أن قولهم ارتداد عن الدين او خروج عن حظيرة الاسلام كي يستحقون تقطيع الأيدي و الأرجل؟

    ان من امعن النظر في هذه الحادثة يتضح له المقصود من فعل عمر و هو اشغال الناس عن مبايعة أي انسان قبل مجيء أبي بكر. إن عمر لم يكن من البلهاء و الأغبياء كي يخفى عليه موت الرسول صلى اللّه عليه و آله و ان حماسه البالغ و قيامه بعمليات التهديد و التوعيد، و سكون ثورته حينما جاء أبو بكر كل ذلك يدل بوضوح لا خفاء فيه على أن هذه الحادثة جزء من المخطط المرسوم قبل وفاة النبي صلى اللّه عليه و آله في صرف الخلافة عن أهل بيته و استئثارهم بها، و يذهب المستشرق لامنس الى أنه كانت بين أبي بكر و عمر و أبي عبيدة مؤامرة في صرف الخلافة عن أهل البيت عليهم السلام قبل وفاة النبي صلى اللّه عليه و آله يقول:

    «إن الحزب القرشي الذي يرأسه أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح لم يكن وضع حاضر، و لا وليد مفاجأة أو ارتجال، و انما كان وليد مؤامرات سرية مبرمة حيكت أصولها و ربت أطرافها بكل احكام، و إن ابطال هذه المؤامرة، أبو بكر، عمر بن الخطاب، أبو عبيدة بن الجراح، و من اعضاء هذا الحزب عائشة و حفصة،.»

    و هو رأي وثيق للغاية فان الامعان في تتبع خطوات القوم، و التدبر في افعالهم يقضي بقدم المؤامرة، و انهم حاكوا اصولها منذ زمان بعيد، فان تثاقلهم من الالتحاق بسرية اسامة، و مراسلة بعض ازواج النبي صلى اللّه عليه و آله لآبائهن في التريث عن المسير، و ترشيحهن لآبائهن لامامة الجماعة، و الرد على النبي صلى اللّه عليه و آله فيما رامه من الكتابة و غير ذلك من القرائن و الشواهد مما يدل بوضوح على قدم المؤامرة، و انهم بنوها على خطط وثيقة مدروسة احيطت بالامعان و التدبر، و ليست وليدة الوقت الحاضر، و لا وليدة المباغتة و المفاجأة.

    مباغتة الانصار:

    و لما عقد الانصار أمرهم على تولية سيد الخزرج سعد بن عبادة كان ابن عمه بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي، و اسيد بن خضير زعيم الاوس ينافسانه في السيادة، و حسداه على ترشيحه لهذا المنصب الرفيع، فاضمرا له الحقد و أجمع رأيهما على صرف الأمر عنه و انضم إليهما عويم بن ساعدة الأوسي، و معن بن عدى حليف الانصار، و كانا من حزب أبي بكر و من اوليائه على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بالاضافة الى ذلك انهما كانا يضمر ان الحقد و الشحناء لسعد بن عبادة فانطلقا الى أبي بكر و عمر مسرعين فاخبرهما باجتماع الانصار في السقيفة و انهم قد اجمعوا على تولية سعد بن عبادة فذهل أبو بكر و قام مسرعا و معه عمر و تبعهما أبو عبيدة بن الجراح و سالم مولى أبي حذيفة و لحقهم آخرون من حزبهم من المهاجرين، فكبسوا الانصار في ندوتهم فغاض لون سعد و اسقط ما في أيدي الانصار و ساد عليهم الوجوم و الذهول، و اراد عمر أن يتكلم فمال إليه أبو بكر فهمس في أذنه قائلا:

    «رويدك يا عمر حتى اتكلم ..»

    و افتتح أبو بكر الحديث فقال:

    «نحن المهاجرون أول الناس اسلاما، و أكرمهم احسابا، و أوسطهم دارا، و أحسنهم وجوها، و أمسهم برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله رحما و انتم اخواننا في الاسلام، و شركاؤنا في الدين نصرتم و واسيتم فجزاكم اللّه خيرا. فنحن الأمراء و انتم الوزراء، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما فضلهم اللّه به، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين- يعني عمر بن الخطاب و أبا عبيدة بن الجراح ...»

    ان أوثق الأدلة التي أقامها أبو بكر على احقية المهاجرين بالخلافة و الإمرة هي ما يلي:

    1- إنهم أول الناس اسلاما

    2- إنهم أمس الناس رحما برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله

    و لم يفصح في استدلاله عن أول من آمن باللّه، و استجاب لدعوة نبيه، و وقف إلى جانبه يصد عنه الاعتداء، و يحميه من جبابرة قريش و هو الامام أمير المؤمنين عليه السلام ابن عم النبي صلى اللّه عليه و آله و زوج ابنته، و أبو سبطيه، و باب مدينة علمه، فقد تناساه أبو بكر و رشح أبا عبيدة، و ابن الخطاب لمنصب الخلافة، و هل كانت له ولاية على المسلمين حتى يرضى لهم و يختار من يتولى قيادتهم و يدير شئونهم و قد علق الامام أمير المؤمنين على احتجاجه بقوله: «احتجوا بالشجرة و اضاعوا الثمرة» و ما ابلغ هذا القول!! و ما أروع هذا الاحتجاج!! فقد تمسك المهاجرون بقربهم للنبي صلى اللّه عليه و آله و استدلوا به على احقيتهم بالأمر، و تغافلوا عن عترته و ذريته و وديعته و عدلاء كتاب اللّه، و قد خاطب أمير المؤمنين أبا بكر بذلك، و استدل عليه بعين ما استدل به أبو بكر على الانصار فقال له:

    فان كنت بالقربى حججت خصيمهم

    فغيرك اولى بالنبي و أقرب

    و إن كنت بالشورى ملكت أمورهم

    فكيف بهذا و المشيرون غيب

    و خاطب عليه السلام القوم مرة أخرى فقال لهم: «و اللّه، إني لأخوه- اى أخ الرسول صلى اللّه عليه و آله- و وليه و ابن عمه و وارث علمه، فمن احق به منى» لقد عدل القوم عن أبي الحسين و تناسوا فضائله و مآثره و وصايا النبي صلى اللّه عليه و آله فيه طمعا في الخلافة و تهالكا على الامارة.

    بيعة ابي بكر:

    و لما انهى أبو بكر خطابه السالف الذي رشح فيه عمر و أبا عبيدة لمنصب الخلافة اسرع إليه عمر فقال له: «يكون هذا و أنت حى؟! ما كان أحد ليؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول اللّه (ص) ...»

    و لا نعلم متى أقامه الرسول صلى اللّه عليه و آله في مقامه الذي هو فيه، و قد أخرجه صلى اللّه عليه و آله من يثرب مع بقية اصحابه جنودا مسلحين و ولى عليهم أسامة بن زيد و هو شاب حدث السن، بمثل هذا اللف و الدوران تمت البيعة لأبي بكر، و قد تسابق إلى بيعته عمر و بشير، و تبارى إلى البيعة جميع اعضاء حزبهم فبايعه اسيد بن حضير، و عويم بن ساعدة، و معن بن عدى، و أبو عبيدة بن الجراح و سالم مولى أبي حذيفة و خالد بن الوليد، و اشتد هؤلاء على حمل الناس على البيعة، و كان اشدهم حماسا عمر فقد لعبت درته شوطا في الميدان و ارغم الممتنعين على البيعة و قابلهم بالقسوة و العنف، و قد سمع الانصار يقولون في سعد:

    «قتلتم سعدا»

    فاندفع يقول:

    «اقتلوه، قتله اللّه فانه صاحب فتنة»

    و لما تمت البيعة لابي بكر بهذه الصورة التي يحف بها الارهاب و التهديد اقبل به حزبه يزفونه الى مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله زفاف العروس و النبي صلى اللّه عليه و آله ملقى على فراش الموت، قد انشغل أمير المؤمنين عليه السلام بتجهيزه، فلما أخبر تمثل بقول القائل:

    و اصبح أقوام يقولون ما اشتهوا

    و يطغون لما غال زيدا غوائل

    لقد بويع أبو بكر بمثل هذه العجالة و المباغتة، و كان عمر يرى عدم مشروعية هذه البيعة و وجه إليها لاذع النقد فقال فيها كلمته المشهورة:

    «إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، وقى اللّه المسلمين شرها، فمن دعاكم الى مثلها فاقتلوه.»

    و حفلت هذه الكلمة باقسى الوان النقد و التشهير و احتوت على ما يلي:

    1- إن عمر وصم البيعة (بالفلتة) و سواء أ كان معناها الشر و الخطيئة و الزلة، أو المباغتة و المفاجأة فانها اعظم ما تكون في ميدان القدح و الذم.

    2- إنه دعا اللّه أن ينقذ المسلمين من شرها و يقيهم من مضعفاتها السيئة.

    3- انه حكم بقتل من دعا لمثل هذه البيعة

    و انما طعن عمر في انتخاب أبي بكر و قدح في بيعته لانها لم تعتمد على اسس سليمة، و لم تبتن على منطق رصين و حفلت بما يلي من المؤاخذات:

    1- إن القوم لم يأخذوا رأي العترة الطاهرة فيها و استبدوا بالأمر و قد تناسوا وصايا النبي صلى اللّه عليه و آله فيها، و اهملوا ما أمرهم الرسول صلى اللّه عليه و آله من الاقتداء و التمسك بذريته يقول الامام شرف الدين طيب اللّه مثواه:

    «فلو فرض أن لا نص بالخلافة على أحد من آل محمد صلى اللّه عليه و آله و فرض كونهم مع هذا غير مبرزين في حسب أو نسب او اخلاق أو جهاد، أو علم، أو عمل، او ايمان، أو اخلاص، و لم يكن لهم السبق في مضامير كل فضل، بل كانوا كسائر الصحابة، فهل كان مانع شرعي، أو عقلي، أو عرفي يمنع من تأجيل عقد البيعة الى فراغهم من تجهيز رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله؟ و لو بأن يوكل حفظ الامن الى القيادة العسكرية موقتا حتى يستتب أمر الخلافة؟

    أ ليس هذا المقدار من التريث كان أرفق باولئك المفجوعين؟ و هم وديعة النبي لديهم، و بقيته فيهم. و قد قال اللّه تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» أ ليس من حق هذا الرسول- الذي يعز عليه عنت الامة و يحرص على سعادتها، و هو الرءوف بها الرحيم لها- أن لا تعنت عترته فلا تفاجأ بمثل ما فوجئت به- و الجرح لما يندمل و الرسول لما يقبر»

    النبيّ صلى اللّه عليه و آله مسجى على فراش الموت لم يغيبه عن عيون القوم مثواه، و راحوا بهلع و جشع يتسابقون الى الحكم و السلطان، و اهملوا عترته، و اجمعوا على مجافاتهم، و هضم حقوقهم، و سلب تراثهم، و منذ ذلك اليوم واجهت العترة الوانا قاسية من النكبات و الخطوب فاريقت دماؤها، و سبيت نساؤها، و لم ترع فيها قرابة النبي صلى اللّه عليه و آله التي هي اولى بالرعاية و العطف من كل شيء.

    2- و مما يؤخذ على هذه البيعة انها لم تكن جامعة لاهل الحل و العقد الذي يعتبرونه هم شرطا اساسيا فى حصول الاجماع و في مشروعية الانتخاب، فقد الغى القوم استشارة الطبقة الرفيعة في الاسلام فلم يعتنوا بآرائها و لم يأخذوا موافقتها في الخليفة الجديد، كما ان المكان الذي اجرى فيه الانتخاب كان مخفيا الى ابعد الحدود يقول عبد الوهاب النجار «يرى المطلع على الشكل الذي حصلت به بيعة أبي بكر ان الاستشارة فى أمرها كانت ناقصة نقصا ظاهرا لان المعقول في مثل هذه الحال أن يتخذ المسلمون مكانا يجتمعون فيه و ان يؤذن الناس به من قبل ..»

    إن انتخاب أبي بكر كان مشوها الى أبعد الحدود، فقد انسحبت عن اختياره و انتخابه الشخصيات الفذة التي ساهمت في بناء كيان الاسلام و في طليعتها الامام أمير المؤمنين عليه السلام و من يمت إليه من الهاشميين و وجوه الصحابة كسلمان الفارسي، و أبي ذر و عمار بن ياسر، و أبي بن كعب، و من الهاشميين الزبير و عتبة بن أبي لهب و العباس و غيرهم كما امتنع جميع الانصار أو بعضهم عن البيعة، و قالوا» لا نبايع الا عليا» و مع انسحاب هذا العدد الضخم من الانتخاب، و فيهم الضروس، و الرءوس، و الاعلام من المهاجرين و الانصار كيف تكون البيعة مشروعة، و الانتخاب صحيحا؟!!

    3- ان المسلمين قد أرغموا على بيعة أبي بكر، و أكرهوا عليها و لم تكن ناشئة عن اختيارهم و ارادتهم فقد لعبت درة عمر في تحقيقها و ايجادها حتى ذهل المسلمون، و لم يشترطوا فى ضمن العقد أن يسير الخليفة على كتاب اللّه و سنة نبيه كما اشترطوا ذلك على الخلفاء من بعده و لعل لهذه الاسباب حكم عمر بعدم مشروعيتها، و عدم مشروعية أساليبها، كما حكم بالقتل لمن يعود لمثلها.

    امتناع امير المؤمنين عن البيعة:

    و امتنع أمير المؤمنين عليه السلام عن البيعة، و اعلن سخطه البالغ على أبي بكر لأنه نهب تراثه، و سلب حقه، و هو يعلم أن محله من الخلافة محل القطب من الرحى ينحدر عنه السيل و لا يرقى إليه الطير- على حد تعبيره- لذلك كان عليه السلام لا يظن ان احدا يرقى منبر الخلافة غيره و قد اعلن ذلك بوضوح لما جاء إليه عمه العباس و طلب منه أن يبايعه فقال له:

    يا بن أخي امدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بايع ابن عم رسول اللّه فلا يختلف عليك اثنان.»

    فاجابه الامام:

    «و من يطلب هذا الأمر غيرنا»

    لقد قلده النبي صلى اللّه عليه و آله بهذا المنصب الرفيع يوم غدير خم، و اعلن له الولاية على ملأ من الناس، بالاضافة الى وصاياه المتظافرة التي حث فيها أمته على متابعته، و تسليم قيادتها بيده، يقول الدكتور طه حسين فى هذا الموضوع ما نصه:

    «نظر العباس في الأمر فرأى ابن أخيه أحق منه بوراثة هذا السلطان لأنه ربيب النبي، و صاحب السابقة فى الاسلام، و صاحب البلاء الحسن الممتاز في المشاهد كلها، و لأن النبيّ كان يدعوه أخاه حتى قالت له أم أيمن: ذات يوم مداعبة تدعوه أخاك و تزوجه ابنتك! و لأن النبي قال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدى. و قال للمسلمين يوما آخر: من كنت مولاه فعلى مولاه. من أجل ذلك اقبل العباس بعد وفاة النبي على ابن اخيه فقال له: ابسط يدك ابايعك ..»

    لقد تخلف امير المؤمنين عن البيعة فلم يسالم القوم، و لم يمنحهم الرضا و اعلن سخطه عليهم، و حاججهم و ناظرهم، و قد حفل نهجه بتذمره البالغ و سخطه الشديد على القوم لأنهم سلبوا تراثه، و جحدوا ولايته و حقه.

    احتجاج و مناظرات:

    و احتج الامام أمير المؤمنين عليه السلام على القوم بأنه أولى بالامر و احق به منهم، و كذلك احتج عليهم من يمت إليه من الهاشميين، و ذوي السابقة في الاسلام من اعلام المهاجرين و الانصار، و الى القراء بعض تلك الاحتجاجات:

    1- الامام امير المؤمنين

    و لما اخذ أمير المؤمنين عليه السلام قسرا ليبايع أبا بكر قال له القوم بعنف:

    «بايع أبا بكر»

    فاجابهم و هو رابط الجأش ثابت الجنان

    «أنا احق بالأمر منكم، لا أبايعكم و انتم اولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الامر من الانصار و احتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى اللّه عليه و آله و تأخذونه منا أهل البيت غصبا، أ لستم زعمتم للانصار أنكم اولى بهذا الامر منهم لما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة، و سلموا إليكم الامارة، و أنا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار نحن اولى برسول اللّه حيا و ميتا، فانصفونا ان كنتم تؤمنون و إلا فبوءوا بالظلم و انتم تعلمون ..»

    و سلك عليه السلام بهذا الاحتجاج الصارم الطريقة التي سلكها المهاجرون أمام الانصار من انهم امس الناس رحما برسول اللّه، و هذا الملاك الذي هتف به المهاجرون و اتخذوه وسيلة لتحطيم آمال خصومهم موجود فى الامام عليه السلام على النحو الاكمل فهو ابن عم النبي صلى اللّه عليه و آله و ختنه على ابنته، و مما وسع ابن الخطاب أمام هذا المنطق الا أن يسلك طريق العنف، و هو طريق من يعوزه الدليل و البرهان فقال له:

    «إنك لست متروكا حتى تبايع»

    فصاح به أمير المؤمنين

    «احلب حلبا لك شطره، و اشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا ..»

    و ثار الامام و هتف يزأر

    «و اللّه، يا عمر لا اقبل قولك، و لا ابايعه ..»

    و خاف ابو بكر ان يصل الأمر الى ما لا تحمد عقباه فاقبل على الامام يتلطف به و يقول له بناعم القول.

    «إن لم تبايع فلا أكره ..»

    و حاول أبو عبيدة ارضاء الامام فقال له:

    «يا بن عم إنك حدث السن، و هؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم و معرفتهم بالامور و لا ارى أبا بكر إلا أقوى على هذا الامر منك و أشد احتمالا و اضطلاعا به، فسلم لأبي بكر هذا الأمر، فانك إن تعش و يطل بك بقاء، فانت لهذا الامر خليق و به حقيق في فضلك و دينك و علمك، و فهمك و سابقتك، و نسبك و صهرك ..»

    و أثارت هذه المخادعة كوامن الالم و الاستياء في نفس الامام فاندفع يخاطب المهاجرين و يذكر لهم مآثر اهل البيت عليهم السلام قائلا:

    «اللّه اللّه يا معشر المهاجرين! .. لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره، و قعر بيته الى دوركم و قعور بيوتكم، و لا تدفعوا أهله عن مقامه فى الناس و حقه؟ .. فو اللّه يا معشر المهاجرين لنحن احق الناس به- لأنا أهل البيت- و نحن أحق بهذا الامر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه، الفقيه في دين اللّه، العالم بسنن رسول اللّه، المضطلع بأمر الرعية، الدافع عنهم الامور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، و اللّه إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحق بعدا ..»

    و دفع الامام باحتجاجه الرائع جميع شبه القوم فلم يترك لهم نافذة الا سدها ببليغ حجته و قوة برهانه، فان أبلغ ما تمسك به أبو عبيدة لاثبات ولاية أبي بكر أنه اكبر سنا من امير المؤمنين و ذلك عنده مقياس الصواب و فصل الخطاب، و لكنه منطق مفلوج فى نظر الاسلام، فان المقياس عنده في قيم الرجال أن تتوفر فيهم المواهب و الكفآت و العبقريات فمن تمتع بها فهو الخليق بزعامة الامة، و بادارة شئونها، و لهذه الجهة نظر الامام في احتجاجه فبين لهم الصفات الرفيعة الماثلة فى أهل البيت عليهم السلام من الفقه بدين اللّه، و العلم بسنن رسوله و الاضطلاع بامور الرعية و دفع الشر و المكروه عنها، و القسم بينها بالسوية، و هذه الصفات التي اعتبر الاسلام مثولها في الحاكمين و المسئولين لم تتوفر الا عند أهل البيت عليهم السلام فهم احق بالأمر و أولى به من غيرهم.

    2- الزهراء

    و احتجت سيدة نساء العالمين بحجج بالغة على القوم، و بينت لهم سوء ما فعلوا، و عظيم ما ارتكبوا قالت سلام اللّه عليها:

    «ويحهم انى زحزحوها- أي الخلافة- عن رواسي الرسالة؟! و قواعد النبوة، و مهبط الروح الأمين، الطبن بأمور الدنيا و الدين، ألا ذلك هو الخسران المبين، و ما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا و اللّه منه نكير سيفه و شدة وطأته، و نكال وقعته، و تنمره في ذات اللّه، و تاللّه لو تكافئوا على زمام نبذه إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم، لاعتقله و سار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه و لا يتتعتع راكبه و لأوردهم منهلا رويا فضفاضا تطفح ضفتاه و لا يترنم جانباه و لأصدرهم بطانة و نصح لهم سرا و اعلانا، غير متحل منهم بطائل الا بغمر الناهل و ردعة سورة الساغب و لفتحت عليهم بركات من السماء و الارض، و سيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون، الا هلمّ فاستمع و ما عشت أراك الدهر عجبا!! و إن تعجب فقد اعجبك الحادث الى أي لجأ لجئوا؟! و بأى عروة تمسكوا لبئس المولى و لبئس العشير، بئس للظالمين بدلا، استبدلوا و اللّه الذنابى بالقوادم، و العجز بالكاهل فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، الا أنهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون، يحهم أ فمن يهدى الى الحق أحق أن يتبع امن لا يهدّي إلا ان يهدى فما لكم كيف تحكمون، أما لعمر إلهكن لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبوها طلاع العقب دما عبيطا و ذعافا ممقرا هنالك يخسر المبطلون، و يعرف التالون غب ما اسس الاولون، ثم طيبوا عن انفسكم نفسا و طامنوا للفتنة جأشا، و ابشروا بسيف صارم، و بقرح شامل يدع فيئكم زهيدا، و جمعكم حصيدا، فيا حسرة لكم ا نلزمكموها و انتم لها كارهون ..»

    و شجبت بضعة الرسول صلى اللّه عليه و آله في خطابها الرائع البليغ الاعتداء الصارخ على آل البيت عليهم السلام، و نددت بمن غصب الخلافة الاسلامية منهم، فان القوم قد وضعوها في غير موضعها، و ضيعوا بذلك عترة نبيهم و هم رواسي الرسالة، و قواعد النبوة و الامامة، و في بيوتهم هبط الروح الامين، و تنزل الذكر الحكيم، و قد حفل خطابها القيم بامور بالغة الخطورة و هي:

    1- انها ذكرت اهم الاسباب الوثيقة التي من اجلها زهد القوم فى أبي الحسين، و نقموا منه:

    (أ)- نكير سيف الامام الذي حصد به رءوس المشركين و الملحدين و نافح به عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في جميع المواقف و المشاهد، و وتر به الاقربين و الابعدين فى سبيل اقامة دعائم الدين، و من الطبيعي أن ذلك اولد في نفوس القوم عظيم الحقد و الكراهية.

    (ب)- شدة وطأته عليه السلام فقد كان حتف الكافرين، و غيظ المنافقين، لم يصانع، و لم يحاب، و لم تأخذه في اللّه لومة لائم و هو القائل «و أيم اللّه لانصفن المظلوم من ظالمه، و لآخذن الظالم بخرامته، حتى اورده منهل الحق و ان كان كارها»

    (ج)- تنمره في ذات اللّه، فقد وهب عليه السلام نفسه للّه، و رصد جميع طاقاته لاحياء دين اللّه، و اقامة سننه، و قد قذف نفسه فى لهوات الحروب، و خاض الغمرات و الأهوال، و وطأ صماخ المشركين باخمصه حتى استقام امر هذا الدين، و قام على سوقه عبل الذراع كل ذلك ببركة جهوده، و عظيم جهاده.

    ان هذه الاسباب: هي التي أدت الى بغض القوم و حقدهم عليه، بالاضافة الى حسدهم على ما منحه اللّه من المواهب و الكمالات، و الحسد يولد ضغنا و حقدا في النفوس، و يلقى الناس في شر عظيم.

    2- ان الامة لو قلدت امورها الى أمير المؤمنين، و تابعت قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فيه لظفرت بما يلي:

    1- انه يسير فيهم بسيرة العدل و الحق، و يحكم بما انزل اللّه تعالى و لا يضام في ظل حكمه احد، و لا تهدر كرامة اي فرد منهم.

    2- انه يوردهم منهلا عذبا، و يقود ركبهم الى شاطئ الامن و السلامة و يفيض عليهم بالخير و البركات، و يغدق عليهم بالنعم فلا يشكو احد في ظل عدله الحرمان و الجوع و الفقر.

    3- انه ينصح لهم في السر و العلانية، و يهديهم الى سواء السبيل 4- ان الامام سلام اللّه عليه لو تقلد زمام الحكم لما تحلى من دنياهم بطائل، و ما استأثر من اموالهم بشيء، و لشاركهم في البأساء و الضراء و قد حقق ذلك حينما آلت إليه أمور المسلمين، فقد اكتفى من دنياه بطمريه، و من طعامه بقرصيه و ما وضع لبنة على لبنة، و واسى الفقراء و المحرومين و قد قال كلمته الخالدة في المواساة.

    «أ أقنع من نفسي بان يقال أمير المؤمنين، و لا اشاركهم في مكاره الدهر و جشوبة العيش»

    و لم يحفل تأريخ المسلمين بحاكم مثله في زهده، و ورعه، و عدله، و تجنبه عن اموال الرعية، و قد بقيت سيرته من اروع الامثلة التي يعتز بها المسلمون.

    5- ان الامام (ع) لو تولى الخلافة من بعد الرسول صلى اللّه عليه و آله لانتشرت الخيرات و البركات، و عمت النعم جميع ارجاء البلاد، و اكل الناس من فوق رءوسهم و من تحت ارجلهم، و لكن المسلمين حرموا انفسهم السعادة و حرموها للاجيال اللاحقة من بعدهم، فقد استبدلوا الذنابى بالقوادم، و العجز بالكاهل، و تركوا من يهديهم الى الحق و يسير فيهم بسيرة العدل.

    3- و استشفت بضعة الرسول صلى اللّه عليه و آله من وراء الغيب النتائج الفظيعة التي تترتب على ما ارتكبه القوم و هي كما يلي:

    (أ) انتشار الفتن بين المسلمين، و انشقاق صفوفهم و تفلل وحدتهم (ب)- تنكيلهم و ارهاقهم من قبل السلطات الجائرة.

    (ج)- استبداد الظالمين بشئونهم و قد تحققت هذه النتائج الخطيرة على مسرح الحياة حينما استولى الأمويون على زمام الحكم، فقد حكم معاوية رقاب المسلمين و ولى عليهم جلاوزته الجلادين امثال سمرة بن جندب، و بسر بن ارطاة، و زياد بن أبيه، فامعنوا فى ارهاق المسلمين و التنكيل بهم، و اذاعوا الخوف بين المسلمين، و في عهد زياد كان الناس يقولون: «انج سعد فقد هلك سعيد» و تولى من بعده يزيد فاستعمل على المسلمين ابن مرجانة ففعل الأفاعيل المنكرة التي سود بها وجه التاريخ، و هكذا اخذت الخلافة الاسلامية تنتقل من ظالم الى ظالم، و من جائر الى جائر حتى ضجت البلاد من الظلم و الجور و الاستبداد.

    و لهذه الاسباب الوثيقة التي بينتها فى خطابها ناهضت الحكم القائم، و ناجزته بجميع امكانياتها، و طالبت المسلمين بالقيام لقلب الحكم، و دعتهم الى الثورة لاستنقاذ الحق الغصيب فقد طاف بها زوجها المظلوم اربعين يوما على بيوت المهاجرين و الانصار تسألهم النجدة و النصرة فكانوا يقولون لها:

    «يا بنت رسول اللّه .. قد مضت بيعتنا لهذا الرجل»

    فتجيبهم مستنكرة

    «ا فتدعون تراث رسول اللّه يخرج من داره الى غير داره؟»

    و اخذوا يعتذرون لها قائلين:

    «يا بنت رسول اللّه ... لو أن زوجك سبق إلينا قبل أبي بكر لما عدلنا به»

    و يجيبهم أمير المؤمنين

    «أ فكنت أدع رسول اللّه فى بيته لم ادفنه، ثم أخرج انازع الناس سلطانه؟»

    و تدعم بضعة الرسول قول أمير المؤمنين فتقول:

    «ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له .. و قد صنعوا ما اللّه حسيبهم عليه»

    و قد خطبت سلام اللّه عليها خطبتها الشهيرة و استنهضت- في كثير من فصولها- همم المسلمين و حفزتهم على الثورة و طالبتهم بارجاع الخلافة الى أمير المؤمنين فقد قالت مخاطبة بني قيلة:

    «أيها بنى قيلة، أ أهضم تراث أبي و انتم بمرأى، و مسمع تبلغكم الدعوة، و شملكم الصوت و فيكم العدة، و لكم الدار و الجنن، و انتم نخبة اللّه التي انتخبت و خيرته التي اختار. باديتم العرب، و بادهتم الامور، و كافحتم البهم، حتى دارت بكم رحى الاسلام، و در حلبه و خبت نيران الحرب، و سكنت فورة الشرك، و هدأت دعوة الهرج، و استوثق نظام الدين، أ فتأخرتم بعد الاقدام، و نكصتم بعد الشدة، و جبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكصوا أيمانهم من بعد عهدهم، و طعنوا في دينكم، فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون ..»

    و قد اثارت حفائظ النفوس، و الهبت نار الثورة في خطابها الكبير إلا أن أبا بكر استقبلها بالاعتذار، و اللين، و اظهر لها بالغ الاحترام و التقدير فاخمد الثورة و شل حركتها، فلم تجد سلام اللّه عليها مجالا لاسترجاع حق امير المؤمنين عليه السلام و اخذت تبث الشكوى و الشجى الى أبيها و خلدت الى الصبر على ما انتابها من المحن و الخطوب.

    3- الامام الحسن

    و ما استقر في نفس أمير المؤمنين عليه السلام من اللوعة و الأسى على ضياع حقه و غصب تراثه قد استقر فى نفس وليده الامام الحسن عليه السلام فقد انطلق إلى مسجد جده صلى اللّه عليه و آله فرأى أبا بكر على منبر المسجد يخطب الناس فالتاع و وجه إليه لاذع النقد قائلا له:

    «انزل ... انزل عن منبر أبي، و اذهب الى منبر أبيك!!»

    و بهت ابو بكر، و تطلعت ابصار الناس إلى القائل فاذا هو حفيد الرسول صلى اللّه عليه و آله و ريحانته، فاخذتهم الحيرة و الدهشة، و ساد عليهم الوجوم، و استرد أبو بكر خاطره فتدارك الموقف فقال له بناعم القول:

    «صدقت و اللّه. إنه لمنبر أبيك لا منبر أبي ..»

    إن احتجاج الامام الحسن عليه السلام- و هو في غضون الصبا- انبعث عن نضوج و طموح و ذكاء، و كشف عن آلام مرهقة كان يكنها في اعماق نفسه على ضياع حق أبيه.

    كان يرى المنبر يرقاه جده الرسول صلى اللّه عليه و آله و هو يدعو الناس الى اللّه، و يهديهم الى سواء السبيل، و قد اختفى ذلك النور، و احتجب ذلك الصوت، و هو لا يجد أحدا خليقا بأن يخلفه سوى أبيه سيد الاوصياء الذي نافع عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في جميع المواقف و المشاهد.

    4- سلمان الفارسي

    و اندفع سلمان الفارسي ابن الاسلام البار، و منبع التقوى و الصلاح، الى الانكار على القوم و الاحتجاج عليهم فقد راح يتكلم مع أبي بكر قائلا له:

    «يا أبا بكر .. الى من تسند أمرك إذا نزل بك ما لا تعرفه؟! و إلى من تفزع اذا سئلت عما لا تعلمه؟ و ما عذرك في تقدم من هو اعلم منك، و اقرب الى رسول اللّه، و اعلم بتأويل كتاب اللّه عز و جل، و سنة نبيه، و من قدمه النبي في حياته، و اوصاكم به عند وفاته، فنبذتم قوله، و تناسيتم وصيته، و اخلفتم الوعد، و نقضتم العهد، و حللتم العقد، الذي كان عقده عليكم، من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد!»

    5- عمار بن ياسر

    و انطلق الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر الى محاججة القوم فقال لهم:

    «يا معاشر قريش .. و يا معاشر المسلمين، إن كنتم علمتم و إلا فاعلموا أن أهل بيت نبيكم اولى به و احق بارثه، و أقوم بامور الدين، و آمن على المؤمنين، و احفظ لملته، و انصح لأمته فمروا صاحبكم فليرد الحق الى أهله قبل أن يضطرب حبلكم، و يضعف أمركم، و يظهر شقاقكم، و تعظم الفتنة بكم، و تختلفون فيما بينكم، و يطمع فيكم عدوكم، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الامر منكم، و علي أقرب منكم الى نبيكم، و هو من بينهم وليكم بعهد اللّه و رسوله، و فرق ظاهر قد عرفتموه في حال بعد حال عند سد النبي صلى اللّه عليه و آله أبوابكم التي كانت الى المسجد كلها غير بابه، و ايثاره اياه بكريمته فاطمة، دون ساير من خطبها إليه منكم، و قوله صلى اللّه عليه و آله: انا مدينة العلم، و على بابها، و من أراد الحكمة فليأتها من بابها، و انكم جميعا مضطرون فيما اشكل عليكم من أمور دينكم إليه، و هو مستغن عن كل أحد منكم الى ما له من السوابق التي ليست لأفضلكم عند نفسه، فما بالكم تحيدون عنه، و تبتزون عليا على حقه، و تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، بئس للظالمين بدلا، اعطوه ما جعله اللّه له، و لا تولوا عنه مدبرين، و لا ترتدوا على اعقابكم فتنقلبوا خاسرين ..

    6- خزيمة بن ثابت

    و انبرى الصحابي العظيم خزيمة بن ثابت فقال: «أيها الناس، ا لستم تعلمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قبل شهادتي وحدى، و لم يرد معي غيرى؟ فقالوا بلى. قال: فاشهد أني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول: أهل بيتي يفرقون بين الحق و الباطل، و هم الأئمة الذين يقتدى بهم، و قد قلت ما علمت، و ما على الرسول إلا البلاغ المبين ..»

    7- أبو الهيثم بن التيهان

    و انطلق الصحابي الكبير أبو الهيثم بن التيهان فقال: «و أنا أشهد على نبينا صلى اللّه عليه و آله أنه أقام عليا يوم غدير خم، فقالت الانصار ما أقامه الا للخلافة، و قال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مولى له، و كثر الخوض في ذلك فبعثنا رجالا منا الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فسألوه عن ذلك؟

    فقال: قولوا لهم: على ولي المؤمنين بعدي، و انصح الناس لأمتى، و قد شهدت بما حضرني فمن شاء فليؤمن، و من شاء فليكفر، إن يوم الفصل كان ميقاتا ..»

    8- سهل بن حنيف

    و اندفع سهل بن حنيف فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلى على النبيّ و آله ثم قال:

    «يا معشر قريش، اشهد على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و قد رأيته في هذا المكان- يعنى في جامعه- و قد أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام و هو يقول: أيها الناس هذا علي إمامكم من بعدي، و وصيي فى حياتي؟ و بعد وفاتي، و قاضي ديني، و منجز وعدي، و أول من يصافحنى على حوضي، و طوبى لمن تبعه، و نصره، و الويل لمن تخلف عنه و خذله ..».

    9- عثمان بن حنيف

    و قام عثمان بن حنيف فقال: «سمعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله يقول: أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم فهم الولاة من بعدي فقام إليه رجل فقال: يا رسول اللّه، و أي أهل بيتك؟ فقال: علي و الطاهرون من ولده ..»

    10- أبو أيوب الانصاري

    و قال أبو أيوب الانصاري: «اتقوا اللّه عباد اللّه في أهل بيت نبيكم، و ردوا إليهم حقهم الذي جعله اللّه لهم، فقد سمعتم مثل ما سمع إخواننا في مقام بعد مقام لنبينا عليه السلام و مجلس بعد مجلس يقول: أهل بيتى أئمتكم بعدي، و يومىء الى على و يقول: هذا أمير البررة، و قاتل الكفرة مخذول من خذله، منصور من نصره فتوبوا الى اللّه من عملكم، إن اللّه تواب رحيم، و لا تتولوا عنه مدبرين، و لا تتولوا عنه معرضين ..»

    11- عتبة بن أبي لهب

    و قام عتبة بن أبي لهب و هو يذرف الدموع و ينشد:

    ما كنت أحسب أن الامر منصرف

    عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن

    عن أول الناس إيمانا و سابقة

    و اعلم الناس بالقرآن و السنن

    و آخر الناس عهدا بالنبي و من

    جبريل عون له في الغسل و الكفن

    من فيه ما فيهم لا يمترون به

    و ليس في القوم ما فيه من الحسن

    الى غير ذلك من الاحتجاجات الصارمة التي اقامها كبار المسلمين و ثقاتهم على احقية الامام عليه السلام بالأمر، و لكن القوم اعاروا ذلك أذنا صماء و اصروا على صرف الخلافة عن أهل البيت عليهم السلام.

    كبس دار الامام

    و تخلف امير المؤمنين عليه السلام عن بيعة أبي بكر، و احتج عليه بأنه اولى بالخلافة منه، و اعلن سخطه البالغ على القوم، و قد انضم إليه اعلام الاسلام، و وجوه المسلمين كعمار بن ياسر، و أبي ذر، و الزبير، و خالد بن سعيد، و غيرهم، فكانوا يعقدون الاجتماع في داره، و يتداولون فيها الاحاديث، و ثقل على أبي بكر ذلك، و عظم عليه، فاقتضت سياسته أن يكبس دار الامام، و يقابله بالشدة و الصرامة، و يتخذ معه جميع الإجراءات الحاسمة، فاصدر أوامره الى عمر بكبس داره، و حمله على البيعة قسرا، فراح عمر يشتد و معه الشرطة و الجنود، و قد رأى ان خير وسيلة لحمل الامام على الطاعة ان يحرق داره، و يشعل فيها النار، فحمل مشعلا من النار، و حمل القوم حزمة الحطب و انطلقوا مسرعين يعلوهم الغضب ليحرقوا البيت الذي اذن اللّه أن يرفع، و يذكر فيه اسمه!! البيت الذي اذهب اللّه عن أهله الرجس، و طهرهم تطهيرا!! و هجم عمر على الدار و هو مغيظ محنق يصيح باعلى صوته.

    «و الذي نفس عمر بيده ليخرجن، أو لأحرقنها على من فيها؟» فعذلته طائفة، و حذرته من عقوبة اللّه قائلة:

    «ان فيها فاطمة ..»

    فصاح فيها غير مكترث و لا مبال

    «و إن! و إن!»

    و طالعتهم حبيبة الرسول صلى اللّه عليه و آله و بضعته، و قد علاها الرعب، و استولى عليها الذهول فوجهت إليهم لاذع القول:

    «لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله جنازة بين أيدينا، و قطعتم امركم بينكم لم تستأمرونا، و لم تردوا لنا حقا».

    و تبدد جبروت القوم، و ذاب عنفهم، و اسرع عمر الى أبى بكر يحفزه على المضى في حمل الامام على البيعة قائلا:

    «أ لا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟!»

    فارسل أبو بكر قنفذا خلف الامام فابى عليه السلام من الحضور، فانطلق عمر و معه معاونوه الى بيت الامام فقرع الباب، و اقتحم على الاسد عرينه فانطلقت بضعة الرسول صلى اللّه عليه و آله و هي تهتف بابيها و تستغيث به قائلة:

    «يا أبت، يا رسول اللّه ... ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، و ابن أبي قحافة!!؟»

    و تصدعت القلوب، و ذابت النفوس من هول المصاب، و انصرف القوم باكين، و بقى ابن الخطاب و معه حزبه و بدا عليه الحنق و الغضب و لم يجد معه تعنيف بضعة الرسول، فاخرج أمير المؤمنين بعنف و انطلق به إلى أبي بكر، فقال له:

    «بايع»

    «و إن لم افعل؟»»

    فبادر القوم، و قد اضلهم الهوى قائلين له:

    «و اللّه. الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ..»

    فصمت عليه السلام برهة، و نظر الى القوم، فاذا ليس له معين و لا ناصر فقال بصوت حزين النبرات.

    «إذا تقتلون عبد اللّه، و أخا رسوله!!»

    و اندفع ابن الخطاب، و هو مندلع الثورة فرد على الامام

    «اما عبد اللّه فنعم، و أما أخو رسوله فلا!!»

    و تناسى عمر ان امير المؤمنين اخو النبي، و نفسه و باب مدينة علمه، و التفت الى أبي بكر يحثه على الايقاع به، قائلا:

    «الا تأمر فيه بأمرك؟؟»

    و حاذر أبو بكر من الفتنة، و خاف ان تندلع نيران الثورة فقال:

    «لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة الى جانبه ..»

    و اطلقوا سراح الامام فراح يهرول الى قبر النبي صلى اللّه عليه و آله يستنجد به و يناجيه و هو يبكي أمر البكاء رافعا صوته.

    «يَا بْنَ أُمَ .. إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي، وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي ..»

    لقد استضعفه القوم، و استوحدوه، و استباحوا حرمته، و قفل عليه السلام الى البيت راجعا و هو كئيب حزين قد أحاط به الهم و الاسى، و اتضح له ما يكنه القوم في نفوسهم من الحقد و الكراهية له.

    مصادرة فدك

    و لما فتحت الجيوش الاسلامية حصون خيبر قذف اللّه الهلع و الرعب في قلوب أهالي فدك، و خيم عليهم الذعر و الخوف فهرعوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و نزلوا على حكمه، و صالحوه على نصف اراضيهم فكانت ملكا خالصا له لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل و لا ركاب، و لما انزل اللّه تعالى على نبيه قوله: «وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» بادر صلى اللّه عليه و آله فانحل فاطمة فدكا، و وضعت يدها عليها و تصرفت فيها تصرف الملاك في املاكهم، و بعد وفاته صلى اللّه عليه و آله اقتضت سياسة أبي بكر أن يصادرها، و ينتزعها من يد الزهراء عليها السلام لئلا تقوى شوكة الامام، و يغلب جانبه، و هو حرب اقتصادى باعثه اضعاف الروح المعارضة، و شل الحركة المعادية له، و هذا ما عليه الدول قديما و حديثا أمام خصومها، و قد مال الى هذا الرأي علي بن مهنأ العلوي قال:

    «ما قصد أبو بكر، و عمر بمنع فاطمة عنها- اي عن فدك- إلا أن يقوى علي بحاصلها و غلتها على المنازعة فى الخلافة ..»

    و بعد ما استولى أبو بكر على فدك، و اخرج منها عامل الزهراء انبرت سلام اللّه عليها إليه فطالبته بردها فما اجابها الى ذلك، و طلب منها إقامة البينة على صدق دعواها، و هو من الغرابة بمكان- اولا- ان ذلك لا ينطبق بحال على ما قرر في الفقه الاسلامى من أن صاحب اليد لا يطالب بالبينة، و انما البينة على المدعي و مع عدم وجودها فلا حق له الا اليمين على المنكر، و الزهراء سلام اللّه عليها هي صاحبة اليد، فلا تطالب بالبينة و انما يطالب بها أبو بكر، و مع عدم وجودها عنده فلا حق له سوى اليمين عليها، و لكنه أهمل ذلك و صمم على أن تقيم البينة- و ثانيا- ان فاطمة سيدة نساء هذه الأمة، و خير نساء العالمين، على حد تعبير أبيها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و اجمع المسلمون على أنها ممن انزل اللّه فيهم آية التطهير، و هي تدل على طهارة ذيلها و عصمتها، و هي اصدق الناس لهجة حسب قول عائشة أ فلا يكفى ذلك كله في تصديقها، و اجابة قولها؟

    و على اي حال فقد مضت ريحانة الرسول صلى اللّه عليه و آله فاحضرت أمير المؤمنين، و أم أيمن فشهدا عنده ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله انحلها فدكا، فرد الشهادة و اعتذر بأن البينة لم تتم، و هذا لا يخلو أيضا من المؤاخذات- اولا- انه لا يتفق مع القواعد الفقهية فانها صريحة في أن الدعوى اذا كانت على مال أو كان المقصود منها المال فانها تثبت بشاهد و يمين فان اقام المدعي شاهدا واحدا فان على الحاكم أن يحلفه بدلا من الشاهد الثاني فان حلف اعطاه الحق، و إن نكل رد الدعوى، و لم يطبق ذلك أبو بكر فالغى الشهادة و رد الدعوى، و ثانيا- انه رد شهادة أمير المؤمنين، و هو مع القرآن، و القرآن معه لا يفترقان كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله - و ثالثا- انه رد شهادة السيدة الصالحة أم ايمن و قد شهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله بأنها من أهل الجنة

    و خرجت سيدة النساء من عند أبي بكر و هي تتعثر باذيالها من الخيبة قد انهد كيانها و الم بها الشجى و الحزن يقول الامام شرف الدين نضّر اللّه مثواه.

    فليته اتقى فشل الزهراء في مواقفها بكل ما لديه من سبل الحكمة، و لو فعل لكان ذلك أحمد في العقبى، و ابعد عن مظان الندم، و أنأى عن مواقف اللوم، و اجمع لشمل الامة و اصلح له بالخصوص

    و قد كان فى وسعه أن يربأ بوديعة رسول اللّه و وحيدته عن الخيبة و يحفظها عن أن تنقلب عنه و هي تتعثر باذيالها، و ما ذا عليه، إذ احتل محل أبيها لو سلمها فدكا من غير محاكمة؟! فان للامام أن يفعل ذلك بولايته العامة، و ما قيمة فدك في سبيل هذه المصلحة، و دفع هذه المفسدة؟»

    إن أبا بكر لم يصنع الجميل، و لم يفعل المعروف مع بضعة الرسول صلى اللّه عليه و آله فقد كان بوسعه أن يقر يدها على فدك، و لا يستعمل معها اللف و الدوران، و لا يواجهها بمثل هذه القسوة و الجفوة، و لكن الأمر كما حكاه على بن الفارقي احد اعلام بغداد و من المدرسين في مدرستها الغربية، واحد شيوخ ابن أبي الحديد فقد سأله

    - أ كانت فاطمة صادقة- في دعواها النحلة-؟

    - نعم

    - فلم لم يدفع لها أبو بكر فدكا و هي عنده صادقة؟

    قال ابن أبي الحديد: فتبسم، ثم قال: كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه، و حرمته و قلة دعابته، قال: لو اعطاها اليوم فدكا بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا، و ادعت لزوجها الخلافة، و زحزحته عن مقامه و لم يكن يمكن حينئذ الاعتذار بشيء، لأنه يكون قد سجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان من غير حاجة الى بينة و لا شهود»

    نعم لهذه الجهة اجمع القوم على هضمها، و سلب تراثها، و استباحوا رد شهادة أمير المؤمنين، و تركوا عترة النبيّ صلى اللّه عليه و آله يتقطعون حسرات، و يتصعدون زفرات قد خيم عليهم الهم و الغم و اخذهم من الحزن ما يذيب لفائف القلوب و من الوجل ما تميد به الجبال.

    ندم ابى بكر

    و ندم أبو بكر أشد الندم على ما فرط مع بضعة الرسول صلى اللّه عليه و آله و أخذ يؤنبه ضميره على ما صدر منه من كبس دارها، و حمل مشاعل النار لاحراقها فقال:

    «وددت أني لم اكشف بيت فاطمة، و لو انهم اغلقوه على الحرب.»

    و جزع جزعا شديدا على ما ارتكبه مع وديعة النبي صلى اللّه عليه و آله فانطلق مع صاحبه عمر الى بيتها ليطيبا خاطرها و يفوزا برضاها، فاستأذنا عليها فأبت أن تأذن لهما، ثم استأذنا ثانيا فأبت، فسارا الى أمير المؤمنين و طلبا منه أن يمنحهما الإذن لمقابلة وديعة النبي صلى اللّه عليه و آله فانطلق عليه السلام الى الدار فالتمس من سيدة النساء أن تأذن لهما فاجابته الى ذلك فأذن (ع) لهما و دخلا فسلما عليها فلم تجبهما، و تقدما فجلسا أمامها فازاحت بوجهها عنهما، و راحا يلحان أن تسمع مقالتهما، فاذنت لهما فى ذلك فقال أبو بكر: «يا حبيبة رسول اللّه و اللّه ان قرابة رسول اللّه أحب الى من قرابتى، و إنك لأحب الى من عائشة ابنتي و لوددت يوم مات أبوك أني مت، و لا ابقى بعده ... أ فتراني اعرفك و أعرف فضلك و شرفك و امنعك حقك و ميراثك من رسول اللّه؟ الا أني سمعت رسول اللّه يقول:

    «لا نورث ما تركناه فهو صدقة»

    و قد فندت روايته بضعة الرسول صلى اللّه عليه و آله بما اقامته- في خطابها الكبير- من اوثق الأدلة على بطلان قوله و مساواة النبي لعموم المسلمين في الميراث، و التفتت سلام اللّه عليها إلى أبي بكر و قد اشركت عمر معه فى خطابها قائلة:

    «و نشدتكما اللّه ... أ لم تسمعا رسول اللّه يقول: رضا فاطمة من رضاي و سخط فاطمة من سخطي، فمن احب فاطمة ابنتي فقد أحبنى، و من أرضى فاطمة فقد أرضاني، و من اسخط فاطمة فقد أسخطني؟»

    فاجابا بالتصديق قائلين:

    «اجل سمعناه يقول ذلك»

    فرفعت كفيها إلى السماء و راحت تقول بفؤاد مكلوم

    «فاني اشهد اللّه و ملائكته أنكما أسخطتماني، و ما أرضيتماني ... و لئن لقيت رسول اللّه لأشكو كما إليه!» و انطلق أبو بكر يبكي فقالت له:

    «و اللّه لأدعون عليك في كل صلاة اصليها ..»

    (فما كان أشدها كلمات أخف من وقعها ضربات السيف! مادت الارض تحتهما، و دارت كالرحى حتى سارا من هول ما لقيا يترنحان.

    و غادرا الدار و قد خبا أملهما في رضا زهراء الرسول، و علما مدى الغضب الذي أثاراه عليهما في قلبها و مدى السخط الذي باءا به)

    و حقا لأبي بكر أن يبكي و يحزن من غضب سيدة النساء عليه فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لها:

    «إن اللّه يغضب لغضبك، و يرضى لرضاك»

    لقد ضاقت الدنيا على أبي بكر، و لاذ بدموعه ليخفف بها آلامه و احزانه فقد فاته رضاء بضعة الرسول صلى اللّه عليه و آله الذي هو من رضاء اللّه

    كل هذه الحوادث كانت بمرأى من الامام الحسن و مسمع فكان لها الاثر في موطن شعوره فقد جعلته واجدا على من تقمص حق أبيه و ناقما على من احتل مركزه

    شجون الزهراء

    و طافت بوديعة النبي صلى اللّه عليه و آله موجات من الهموم و الاحزان و غشيتها سحب من الكدر و اللوعة، على ضياع حقها، و على فقد أبيها، فقد حدثوا أنها لم تر ضاحكة، و لا داخلها السرور بعده حتى لحقت به فكانت لا تفكر الا به، و لا تذكر اسمه إلا مقرونا بالتفجع و الآلام.

    و كانت تزور جدثه الطاهر فتطوف به و هي حيرى فتبل أديمه المقدس بدموع سخية، و تلقي بنفسها على القبر و هي ذاهلة اللب، مصدوعة الجسم، منهدة الكيان فتأخذ من ثرى القبر قبضة فتضعها على عينيها و وجهها و تطيل من شمها و تقبيلها و هي تبكي أمر البكاء و ترفع صوتها الحزين النبرات قائلة:

    ما ذا على من شم تربة أحمد

    أن لا يشم مدى الزمان غواليا

    صبت علي مصائب لو أنها

    صبت على الأيام صرن لياليا

    ينظر الحسن عليه السلام الى هذا الحزن البهيم الذي حل بأمه الرؤم فينصدع قلبه، و يذرف من الدموع مهما ساعدته الجفون، يرى الحسن و هو في غضون الصبا لوعة المصائب التي دهت أمه الحنون حتى وهت قوتها و لوّن الاسى وجهها كانها صورة جثمان قد فارقته الحياة، فيغرق في الدموع و الشؤون.

    أي حزن هذا الذي حل بابنة الرسول صلى اللّه عليه و آله و ريحانته حتى ضربوا بها المثل في الحزن، و عدوها من البكائين الخمس الذين مثلوا الحزن و الاسى على مسرح الحياة؟؟

    و بلغ من عظيم حزنها ان أنس بن مالك استأذن عليها ليعزيها بمصابها الجليل فاذنت له و كان ممن و سد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في مقره الأخير فقالت.

    «أنس بن مالك»

    «نعم، يا بنت رسول اللّه»

    فقدمت له سؤالا مقرونا بالتفجع و الآلام

    «كيف طابت نفوسكم أن تحثوا التراب على رسول اللّه؟.»

    و خرج أنس و قلبه كاد أن يقضي حسرة، قد علا صوته بالبكاء، و كانت سلام اللّه عليها تطالب أمير المؤمنين بالقميص الذي غسل فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فاذا رأته شمته و وضعته على عينيها، و يذوب قلبها من الم الحزن حتى يغشى عليها.

    و هكذا بقيت بضعة الرسول بعد أبيها قد اضناها الحزن، و زاد في احزانها جحد القوم حقها و سلبهم لتراثها، و بقي الحسن يشاهد ما منيت به أمه من الكوارث و الخطوب و هو مصدوع الجسم، قد ذبلت نضارة صباه لا يعرف في نهاره إلا شجرة الأراك حيث يمضي مع أمه ليساعدها في النوح و يخفف عنها اللوعة و الحسرة و يستمر معها طيلة النهار في حزن و كمد فاذا اوشكت الشمس أن تغرب تقدمها مع أبيه و أخيه قافلين الى الدار فيجد الوحشة و الهم قد خيما عليها، و قلع القوم الشجرة التي كانت تستظل بها فكانت تبكي مع ولديها في حر الشمس، فقام أمير المؤمنين فبنى لها بيتا أسماه بيت الاحزان فكانت تجلس فيه و تبكي على أبيها و تناجيه و تبثه الشكوى.

    و أحاطت بها الآلام، و فتكت بها الامراض فلازمت الفراش، و لم تتمكن من النهوض و القيام و بادرت نساء المسلمين يعدنها فقلن لها:

    «كيف اصبحت من علتك يا بنت رسول اللّه؟.»

    فرمقتهن بطرفها، و اعربت لهن عما تكنه في نفسها من الاسى قائلة «أجدني كارهة لدنياكن، مسرورة لفراقكن، القى اللّه و رسوله بحسرات منكن فما حفظ لي الحق، و لا رعيت منى الذمة، و لا قبلت الوصية، و لا عرفت الحرمة.»

    وعدنها بعض نساء النبي صلى اللّه عليه و آله فقلن لها:

    «يا بنت رسول اللّه ... صيرى لنا فى حضور غسلك حظا ...»

    فأبت و قالت:

    «ا تردن أن تقلن في، كما قلتن في أمي، لا حاجة لي فى حضوركن»

    الى الرفيق الاعلى

    و برح المرض بابنة الرسول، و انهك الحزن جسمها النحيل، و اضر الأسى بقلبها الرقيق المعذب، حتى مشى إليها الموت و هي في فجر الصبا و روعة الشباب ... فوا لهفتاه على حبيبة النبيّ و ريحانته، لقد دنا إليها الموت سريعا، و حان موعد اللقاء بينها و بين أبيها الذي اشتاقت إليه و تطلبت لقياه بفارغ الصبر.

    و لما علمت بدنو الاجل المحتوم منها استدعت امير المؤمنين فاوصته بوصيتها، و أهم ما فيها أن يواري جثمانها فى غلس الليل البهيم، و أن لا يصلي عليها، و لا يقوم على قبرها أحد من الذين ظلموها و جحدوا حقها لأنهم اعداؤها و أعداء أبيها- على حد تعبيرها- و انصرف الامام و هو غارق في البكاء، قد استجاب لأحاسيس نفسه الولهى الذي لم يترك الزمن فيها فراغا لغير الاسى و الحزن.

    و احبت ان يصنع لها نعش يواري جثمانها المقدس لان الناس كانوا يضعون الميت على سرير تبدو فيه جثته فكرهت ذلك، و ما احبت أن ينظر إليها أحد فاستدعت اسماء بنت عميس و اخبرتها بما ترومه فعملت لها سريرا يستر من فيه قد شاهدته يوم كانت في الحبشة، فلما نظرت إليه تبسمت و هي اول ابتسامة شوهدت لها بعد وفاة أبيها و في اليوم الاخير من حياتها كانت فرحة مسرورة لعلمها باللحاق بابيها الذي بشرها انها تكون اول أهل بيته لحوقا به، و عمدت لولديها فغسلت لهما، و أمرتهما، بالخروج لزيارة قبر جدهما فخرجا و هما يفكران في الأمر هل ان أمهما قد انهكتها العلة، و اضر الداء بها حتى لا تستطيع ان تمضي الى بيت الاحزان الذي الفته؟! او انها تريد أن تبكي في هذا اليوم فى ثويها؟! كيف البكاء و شيوخ المدينة قد منعوها من البكاء؟! و غرقا فى بحر من الهموم و تيار من الهواجس.

    و التفتت الى سلمى بنت عميس و كانت تتولى خدمتها و تمريضها فقالت لها.

    «يا أماه»

    «نعم يا حبيبة رسول اللّه»

    «اسكبي لي غسلا»

    فانبرت و أتت لها بما طلبته من الماء فاغتسلت فيه، و هي على احسن ما تكون، و قالت لها:

    «ايتني بثيابي الجدد»

    فناولتها ثيابها، و هتفت بها ثانية «اجعلي فراشي وسط البيت»

    فذهلت المرأة و قامت تتعثر باذيالها فصنعت لها ذلك فاضطجعت على فراشها، و استقبلت القبلة و التفتت الى سلمى قائلة:

    «يا أمه ... اني مقبوضة الآن، و قد تطهرت، فلا يكشفني احد» و قبضت في وقتها و قد انطوت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الاحزان اروع صفحة من صفحات الفضيلة و الطهر و العفاف، و انقطع بموتها آخر من كان في دنيا الوجود من نسل رسول اللّه

    و قفل الحسنان راجعين الى الدار فنظرا فاذا ليس فيها أمهم فبادرا الى سلمى فقالا.

    «سلمى اين امنا؟»

    فبادرت إليهما، و قد احاطت بها رعشة الذهول و الارتباك، و غامت عيناها بالدموع فقالت:

    «يا سيدى إن أمكما قد ماتت ... فاخبرا بذلك أباكما ..»

    وا شرفا على الموت بهذا النبأ المريع فبادرا الى المسجد، و قد علا منهما البكاء فاستقبلهما المسلمون، قائلين:

    «ما يبكيكما يا بني رسول اللّه؟ لعلكما نظرتما الى موقف جدكما فبكيتما شوقا إليه؟»

    فاجابا بصوت مشفوع بالاسى و العبرات

    «أو ليس قد ماتت أمنا فاطمة»

    و سلبا شعور المسلمين بهذا النبأ المؤلم، و تركا الالم يحز في قلوبهم لانهم فقدوا بضعة نبيهم و اعز ابنائه و بناته عنده، و هم لم يحفظوا مكانتها و لم يؤدوا حقها، و هرعوا من كل جانب الى دار الامام ليفوزوا بتشييع بقية النبوة، القديسة الطاهرة، و ازدحموا على بيت الامام، و قد علاهم الندم و الاسى على عدم قيامهم بمراعاة بضعة نبيهم صلى اللّه عليه و آله الذي برّ بدينهم و دنياهم.

    و امر الامام سلمان الفارسي أن يصرف الناس فخرج سلمان و صرفهم و اقبلت عائشة فارادت الدخول الى بيت الامام فمنعتها اسماء و قالت لها:

    «لقد عهدت الي فاطمة أن لا يدخل عليها أحد ..»

    و قام الامام الثاكل الحزين فغسل الجسد الطاهر و طيبه بالحنوط، و ادرجه في الاكفان و دعا باطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان امهم فالقوا عليها نظرة الوداع، و قد علا منهم الصراخ و العويل، و بعد الفراغ من ذلك انتظر الهزيع الاخير من الليل فلما حل خرج مع حفنة من الرجال و هم يحملون الجثمان المقدس الى مقره الاخير، و لم يخبر امير المؤمنين احدا من الناس سوى الصفوة من اصحابه تنفيذا لوصيتها و حفر (ع) لها قبرا في البقيع على ما قيل و وسدها فيه و اهال عليها التراب، و لما انصرف من كان معه من المشيعين وقف على حافة القبر و نار الحزن قد لسعت قلبه، فجعل يناجى الرسول، و يؤبن زهراءه بكلمات تنم عن قلب افعم بالآلام و الحسرات.

    «السلام عليك يا رسول اللّه، عنى و عن ابنتك النازلة في جوارك، و السريعة اللحاق بك ... قلّ يا رسول اللّه عن صفيتك صبرى، ورق عنها تجلدي ... الا أن في التأسي بعظيم فرقتك، و فادح مصيبتك موضع تعز فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، و فاضت بين نحرى و صدرى نفسك ...

    إنا للّه و إنا إليه راجعون، لقد استرجعت الوديعة، و أخذت الرهينة، أما حزني فسرمد و أما ليلى فمسهد الى أن يختار اللّه لي دارك التي أنت بها مقيم، و ستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها فاحفها السؤال و استخبرها الحال ... هذا و لم يطل العهد، و لم يخل منك الذكر. و السلام عليكما سلام مودع لا قال و لا سئم فان انصرف فلا عن ملالة، و ان اقم فلا عن سوء ظن بما وعد اللّه الصابرين ..»

    و اعلن الامام (ع) بهذه المناجاة الحزينة عن تظافر الأمة على هضم وديعة النبي صلى اللّه عليه و آله في الوقت الذي لم يطل فيه غيابه، و لم ينقطع ذكره و يطلب منه أن يستقصي في السؤال من بضعته لتخبره بما جرى عليها بعده من الشؤون و الشجون، و تعرفه بما لاقته من الظلم و الاذى و الاضطهاد يصغي الامام الحسن عليه السلام الى هذه المناجاة الحزينة من أبيه فتلم به آلام مبرحة، و يحف به حزن مرهق، و تضاعف حزنه و شجاه حينما رأى أعز ما في الحياة عنده أمه الرءوم قد عاشت في هذه الدنيا و عمرها كعمر الزهور، و فاجأها الموت و هي في شبابها الغض الاهاب، و قد حملت على الآلة الحدباء فى غلس الليل البهيم و لم يحضر أحد من المسلمين تشييعها عدا نفر قليل، و هي بضعة النبي صلى اللّه عليه و آله و ريحانته، و وديعته في امته و اعز من أحب من أبنائه و بناته، و قد ذاق من هذه الكوارث و هو فى دوره الباكر مرارة الحياة، و صار قلبه موطنا للهموم، و مركزا للاحزان و الشجون.

    اعتزال الامام

    و انصرف امير المؤمنين عليه السلام بعد أن ودع بضعة الرسول صلى اللّه عليه و آله في الثرى، و هو يبكي أمر البكاء، و عاد الى البيت و هو كئيب حزين، ينظر الى اطفاله و هم يندبون امهم و يبكون على فادح المصاب، فتهيج أحزانه، و تزداد آلامه، و يشاهد حقه و تراثه فيرى الرجال قد تناهبوه فتلم به الكوارث و الخطوب، فآثر عليه السلام العزلة، و احب الخلود الى السكون في داره، و قد اعتزل عليه السلام عن الناس فصار جليس بيته، لا يجتمع بالناس، و لا يجتمعون به قد اعرض عن القوم، و اعرضوا عنه، لا يراجعهم، و لا يراجعونه، و لا يشار كونه فى جميع الامور اللهم إلا إذا حلت في ناديهم مشكلة لا يعرفون جوابها، و لا يهتدون لحلها، فزعوا إليه ليكشف لهم الستار عنها، و كان عليه السلام تارة يتولى جواب ذلك بنفسه، و اخرى يحيله الى ولده الحسن للتدليل على فضله و مواهبه، فمن ذلك ما حدث به الرواة ان اعرابيا سأل أبا بكر فقال له:

    «إني اصبت بيض نعام فشويته و أكلته، و انا محرم فما يجب علي؟.»

    فتحير ابو بكر و لم يطق جوابا، و احال الجواب الى عمر فتحير أيضا، و احال الجواب الى عبد الرحمن فعجز عنه، و فزعوا جميعا الى باب مدينة علم النبي صلى اللّه عليه و آله ليهديهم الى الجواب، و وجه إليه الاعرابي السؤال السالف فقال (ع):

    «سل أي الغلامين شئت- و اشار الى الحسن و الحسين-»

    و وجه الاعرابي سؤاله الى الامام الحسن فقال (ع) له

    - أ لك إبل؟

    - نعم

    - فاعمد الى ما أكلت من البيض نوقا فاضر بهن فى الفحول، فما ينتج منها، اهده الى بيت اللّه العتيق، الذي حججت إليه ..»

    و التفت إليه أمير المؤمنين

    «يا بني. إن من النوق السلوب، و ما يزلق »

    فاجابه الحسن عن اشكاله.

    «يا ابة. إن يكن من النوق السلوب، و ما يزلق فان من البيض ما يمرق و كان جوابه عليه السلام على وفق ما قرر في الفقه الاسلامي في كفارة الاحرام، و استحسن أمير المؤمنين جوابه فالتفت عليه السلام الى حضار مجلسه، و هو يشيد بمواهب ولده، و غزارة علمه و فضله، قائلا:

    «معاشر الناس .. إن الذي فهم هذا الغلام هو الذي فهمه سليمان بن داود لقد كان امير المؤمنين عليه السلام مرجعا للفتيا في حياة أبي بكر و عمر و مفزعا للمسلمين إن حلت يناديهم مشكلة، و قد اتفقت الكلمة انه اعلم الصحابة بشئون الدين و احكام الشرع.

    وفاة ابي بكر

    و ظل أبو بكر متقمصا للخلافة زمنا يسيرا يدير شئون الامة، و يتصرف في أمورها، قد اعتمد على عمر و أسند إليه مهام الدولة، و لما مرض مرضه الذي توفي فيه و ثقل حاله ادلى بالامر من بعده إليه و قد انكر عليه طلحة هذا الاختيار فقال له:

    «ما ذا تقول لربك، و قد وليت علينا فظا غليظا؟ تفرق منه النفوس و تنفض منه القلوب»

    فسكت أبو بكر، و اندفع طلحة قائلا:

    «يا خليفة رسول اللّه، إنا كنا لا نحتمل شراسته و أنت حي تأخذ على يديه، فكيف يكون حالنا معه، و أنت ميت و هو الخليفة ..»

    و لم ينفرد طلحة بهذا الانكار بل شاركه جمهور المهاجرين و الانصار فقد بادروا الى أبي بكر و قالوا له:

    «نراك استخلفت علينا عمر، و قد عرفته، و علمت بوائقه فينا، و أنت بين أظهرنا، فكيف اذا وليت عنا، و أنت لاق اللّه عز و جل فسائلك، فما أنت قائل؟ ..»

    فاجابهم أبو بكر بصوت خافض

    «لئن سألني اللّه لاقولن استخلفت عليهم خيرهم فى نفسي ...»

    و كون عمر خيرهم في نفسه ليس مبررا له في ترشيحه للخلافة، فان الاجدر أن يأخذ رأي المسلمين في ذلك و يستشير أهل الحل و العقد منهم عملا بقاعدة (الشورى) و لكنه اهمل ذلك، و استجاب لعواطفه و رغبته الملحة في أن يتولى زمام الحكم من بعده خدنه و زميله، و على أي حال فقد كان عمر الى جانبه يعزز مقالته و رأيه فيه قائلا:

    «أيها الناس، اسمعوا، و اطيعوا قول خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ..»

    و دعا أبو بكر عثمان بن عفان، و امره أن يكتب له العهد في عمر و أملاه عليه و هذا نصه:

    «هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة، آخر عهده في الدنيا نازحا عنها. و أول عهده بالآخرة داخلا فيها، إني استخلفت عليكم عمر ابن الخطاب، فان تروه عدل فيكم فذلك ظني به و رجائى فيه، و إن بدل و غير فالخير أردت، و لا اعلم الغيب «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»

    و تناول عمر الكتاب، و انطلق يهرول الى الجامع ليقرأه على الناس فقال له رجل:

    «ما في الكتاب يا أبا حفص.؟»

    «لا ادري. و لكني أول من سمع و أطاع ..»

    فنظر الرجل إليه نظرة ريبه و انبرى قائلا:

    «و لكني و اللّه أدرى ما فيه: أمرته عام أول، و أمرك العام ..»

    لقد مهد أبو بكر الأمر الى عمر، و عبدّ له الطريق، و تناسى أمير المؤمنين فلم يشاوره في الامر، و لم يرع حقه، و قد نطق عليه السلام بعد سنين عما يكنه في نفسه من عميق الالم و الحزن يقول في خطبته الشهيرة بالشقشقية:

    فصبرت و في العين قذى، و في الحلق شجا، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الاول لسبيله، فادلى بها الى فلان بعده، ثم تمثل بقول «الأعشى»:

    شتان ما يومي على كورها

    و يوم حيان أخي جابر

    فيا عجبا!! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشد ما تشطرا ضرعيها ..

    و هذه الكلمات قد عبرت عن عظيم الوجد، و بالغ الاسى الذي استقر في نفس الامام على ضياع حقه، و يعتقد بعض كتاب العصر أن السبب في عدول أبي بكر عن اختياره، هو تخلفه عن بيعته، و احتجاجه عليه بأنه أحق بالأمر منه لقرابته من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مما اوجب بغض أبي بكر له، و حقده عليه.

    و زاد المرض بأبي بكر، و ثقل حاله حتى وافاه الأجل المحتوم فقام عمر في شئونه، و دفنه في بيت النبي صلى اللّه عليه و آله و في جواره، و بيت النبي صلى اللّه عليه و آله لا يخلو اما أن يكون ميراثا كما تقول به بضعة الرسول صلى اللّه عليه و آله أو يكون صدقة كما زعم أبو بكر فان كان ميراثا فلا يحل دفنه فيه الا بعد ارضاء الورثة، و ان كان صدقة فلا بد من ارضاء جماعة المسلمين، و لم يتحقق كل ذلك.

    خلافة عمر

    و تولى عمر بن الخطاب أزمة الحكم بعد وفاة أبي بكر، و تسلم قيادة الأمة بهدوء و سلام، فساس البلاد بشدة و عنف بالغين، و قد تحامى لقاءه أكابر الصحابة، فلم يستطع أحد منهم أن يجاهر بآرائه، أو ينقد الحكم القائم، فان درة عمر- كما يقولون- كانت أهيب في النفوس من سيف الحجاج، حتى ان ابن عباس لم يتمكن أن يصرح برأيه في جواز المتعة، و حليتها الا بعد وفاة عمر، و قد وصف الامام أمير المؤمنين عليه السلام بعد اعوام سياسة عمر، و شدة عنفه يقول عليه السلام:

    «فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، و يخشن مسها، و يكثر العثار فيها، و الاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن اشنق لها خرم و ان اسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر اللّه بخبط و شماس، و تلون و اعتراض ..»

    و هو وصف دقيق للسياسة العمرية التي انتهجت منهج الشدة و الغلظة في جميع مجالاتها حتى مني الناس بخبط و شماس و تلون و اعتراض، و بلغ من عظيم عنفها ان امرأة جاءت تسأله عن أمر، و كانت حاملا، و لشدة خوفها اجهضت حملها و يقول عثمان في شدة عمر و قسوته: «لقد وطئكم ابن الخطاب برجله، و ضربكم بيده، و قمعكم بلسانه فخفتموه، و رضيتم به» و يذهب الناقدون الى هذه السياسة انها لا تمثل وجهة السياسة الاسلامية، فانها لا تقر بحال سياسة العنف و الارهاب، فقد جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فأخذته هيبة النبيّ فارتعدت اعضاؤه فنهره صلى اللّه عليه و آله و قال له: «انما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» إن الاسلام بنى على الرفق، و اللين، و التسامح و ليس لرئيس الدولة أن يسلك أي طريق يؤدي الى ارهاق المواطنين و عنائهم.

    و مما يؤخذ على السياسة العمرية انها كانت تنهج إلى ايجاد الطبقية في الاسلام، فقد التزم في سياسته المالية بتقديم بعض الطبقات على بعض في العطاء، فقدم امهات المؤمنين على غيرهن، و قدم البدريين على من سواهم، و المهاجرين على الانصار و من الطبيعي أن ذلك يتنافى مع المساوات التي جاء بها الاسلام.

    و مما يرد على سياسة عمر أنه فرض الحصار على الصحابة في يثرب و لم يسمح لهم بمغادرتها و ذلك يجافي الحرية التامة التي اقرها الاسلام، و منحها لجميع المواطنين.

    و لعل لهذه الجهات وصف أمير المؤمنين عهد عمر بأن المجتمع قد منى فيه بخبط و شماس و تلون و اعتراض.

    اعتزال الامام

    و اعتزل الامام امير المؤمنين عليه السلام في دور الخليفة الثاني كما اعتزل في عهد الخليفة الاول، فلم يشترك في شأن من شئون القوم، و لم يتدخل في أمر من أمورهم، حتى خفت صوته في جميع الحروب و المواقف اللهم الا رأيه الوثيق اذا استفتي حتى اشتهرت كلمة عمر في ذلك: لو لا علي لهلك عمر» فقد كان عمر لا يستغنى عن الامام من ناحية الفتيا لأن معلومات الخليفة في الفقه الاسلامي كانت ضئيلة للغاية فقد قضى في ميراث الجد مع الاخوة قضايا كثيرة مختلفة ثم خاف في الحكم فى هذه المسألة فقال:

    من أراد أن يقتحم جرائيم جهنم فليقل في الجد برأيه، و قال:

    لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي صلى اللّه عليه و آله الا ارتجعت ذلك منها، فقالت إليه امرأة:

    «ما جعل اللّه لك ذلك، إنه تعالى قال: «وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً»

    فانطلق عمر و هو يبدى للمسلمين عجزه قائلا:

    «كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال! أ لا تعجبون من إمام أخطأ، و امرأة اصابت فاضلت إمامكم ففضلته ..

    و على أي حال فقد كان عمر قليل البضاعة في الفقه الاسلامي ليست له دراية في كثير من مسائله، فكان بطبيعة الحال مضطرا الى الرجوع الى باب مدينة علم النبي صلى اللّه عليه و آله و وصيه ليكشف له الستار عما أشكل عليه، و قد تصدى عليه السلام بسخاء لهذه الناحية، و لم يظن على القوم بعلومه و معارفه لئلا تهمل أحكام اللّه و تتعطل حدوده، و هو في نفس الوقت كان بعيدا عن القوم كل البعد فلم يشترك في شأن من شئونهم قد خلد الى الانعزال، و الابتعاد عنهم، و أظهر لهم المسالمة حرصا منه على كلمة الإسلام، و خوفا على كلمة المسلمين من الانشقاق.

    و قد قطع الامام الحسن عليه السلام في عهد عمر دور الصبا حتى أشرف على ميعة الشباب، و قد اقتضت سياسة عمر أن يجل السبطين و يجعل لهما نصيبا فيما يغتنمه المسلمون، و وردت إليه حلل من وشي اليمن فوزعها على المسلمين و نساهما، فبعث الى عامله على اليمن أن يرسل له حلتين، فأرسلهما إليه فكساهما و قد جعل عطاءهما مثل عطاء أبيهما، و ألحقهما بفريضة أهل بدر، و كانت خمسة آلاف .

    و لم تظهر لنا أي بادرة عن الامام الحسن عليه السلام ما عدا ذلك، و يعود السبب الى عدم تدخل أبيه أمير المؤمنين عليه السلام في شئون عمر و عدم اشتراكه في أي جانب من الجوانب العامة.

    اغتياله:

    و اغتاله أبو لؤلؤة غلام المغيرة فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت سرته و هي التي قضت عليه، و تعزو بعض المصادر سبب ذلك الى ان المغيرة جعلعليه خراجا ثقيلا فشكا حاله الى عمر فزجره و قال له:

    «ما خراجك بكثير من أجل الحرف التي تحسنها ..»

    فتأثر أبو لؤلؤة، و أضمر له الشر في نفسه، و اجتاز عليه فى وقت آخر فسخر منه عمر قائلا:

    «بلغنى أنك تقول: لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت ..»

    فاندفع أبو لؤلؤة و قد لسعته سخريته فاخبره بما يبيت له من الشر قائلا:

    لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها ..»

    و في اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال و قيل ان اغتياله كان وليد مؤامرة دبرها الناقمون على سياسته التي انتهجت منهج الشدة و القسوة، و خلقت الطبقية بين المسلمين.

    و مهما يكن من أمر فقد حمل عمر الى داره، و جراحاته تنزف دما و بادر أهله فأحضروا له طبيبا فقال له:

    «أي الشراب أحب إليك؟.»

    «النبيذ»

    فسقوه منه، فخرج من بعض طعناته، فقال الناس: خرج صديدا ثم سقوه لبنا فخرج من بعض طعناته، فيئس منه الطبيب و قال له:

    لا أرى أن تمسى و لما أيقن ولده عبد اللّه بموته قال له:

    «يا أبة. استخلف على امة محمد صلى اللّه عليه و آله فانه لو جاءك راعي إبلك أو غنمك، و ترك إبله أو غنمه لا راعى لها لمته، و قلت له:

    كيف تركت أمانتك ضائعة؟! فكيف بأمة محمد صلى اللّه عليه و آله فاستخلف عليهم ..»

    فنظر إليه نظرة ريبة فقال له:

    «إن استخلف عليهم فقد استخلف أبو بكر، و إن أتركهم فقد تركهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ..»

    و أقام عبد اللّه في حديثه برهانا تدعمه الفطرة على ضرورة نصب الوصي، و تعيين ولى العهد، و ان من أهمله يستحق اللوم و التقريع، و هو أمر واضح لا مجال للشك فيه، و العجب من عمر و هو في ساعاته الأخيرة كيف يقول إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ترك امته و لم يستخلف عليها أحدا من بعده!! و هو صلى اللّه عليه و آله الحريص على امته الذي يعز عليه عنتها و اختلافها، و انشقاقها و قد لاقى في سبيل هدايتها أعظم العناء و أشقه، و لعل (الوجع) قد غلب على عمر فنسي النصوص المتضافرة من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله في أمير المؤمنين عليه السلام و أنه ولى عهده و خليفته من بعده، و تناسى بيعته له يوم غدير خم، و قوله له: «بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة» و لكن إنا للّه، و إنا إليه راجعون.

    الشورى:

    و لما يئس عمر من الحياة، و أيقن بنزول الأجل المحتوم أخذ يطيل التفكير، و يمعن النظر فيمن يتولى شئون الحكم من بعده، و تذكر أقطاب حزبه الذين شاركوه في تمهيد الأمر الى أبي بكر، و صرفه عن أهل بيت النبوة فطافت به آلام مبرحة لأنه لم يكن أحد منهم إلا اختطفته يد المنون فجزع عليهم و قال بنبرة الآسف: «لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته لأنه أمين هذه الامة، و لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته لأنه شديد الحب للّه تعالى ...»

    لقد اسف على هلاك أبي عبيدة و سالم، و لو كانا حيين لرشحهما لمنصب الخلافة، فهل لهما سابقة الجهاد في الاسلام؟ أو أنهما كانا أثيرين عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ليستحقا هذا المنصب الخطير.

    لقد فتش عمر في سجل الاموات عمن هو أهل للخلافة، و نسي أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو نفس النبيّ صلى اللّه عليه و آله و باب مدينة علمه، و باب دار حكمته، و أقضى امته، و أبو سبطيه، و ناصره في جميع المشاهد و المواقف، لقد نساه عمر فلم يذكره بقليل و لا بكثير، و على اي حال فقد رأى عمر ان يجعلها شورى في جماعة زعم أن الامام أحدهم، و هي مؤامرة خطيرة دبرت ضد أمير المؤمنين عليه السلام يقول الامام كاشف الغطاء رحمه اللّه:

    «الشورى بجوهرها و حقيقتها مؤامرة واقعية، و شورى صورية، و هي مهارة بارعة لفرض عثمان خليفة على المسلمين رغما عليهم و لكن بتدبير بارع عاد على الاسلام و المسلمين بشر ماله دافع ..»

    و دعا عمر أعضاء الشورى فلما مثلوا عنده قال لهم:

    «أ كلكم يطمع بالخلافة بعدي؟ ..»

    و وجموا عن الكلام، فأعاد القول عليهم ثانيا فانبرى إليه الزبير فرد عليه مقالته قائلا:

    «و ما الذي يبعدنا منها!! و ليتها أنت فقمت بها و لسنا دونك في قريش، و لا في السابقة و لا فى القرابة ..»

    و التفت إليهم فقال:

    «أ فلا أخبركم عن أنفسكم؟!»

    «قل: فانا لو استعفيناك لم تعفنا ..»

    و أخذنا يدلي برأيه فيهم، و يخبر عن نفسياتهم و اتجاهاتهم واحدا بعد واحد فقال في الزبير:

    «أما أنت يا زبير، فوعق لقس مؤمن الرضا كافر الغضب، يوما انسان، و يوما شيطان، و لعلها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير!! أ فرأيت إن أفضت إليك، فليت شعرى من يكون للناس يوم تكون شيطانا، و من يكون يوم تغضب!! و ما كان اللّه ليجمع لك أمر هذه الامة، و أنت على هذه الصفة.»

    و مع علمه بنفسية الزبير، و أنه يوم إنسان، و يوم شيطان و أنه مبتل بالبخل و الشح و يلاطم بالبطحاء على مد من شعير كيف يرشحه للخلافة، و يجعله من أعضاء الشورى؟؟!!

    و أقبل على طلحة فقال له:

    «أقول أم أسكت؟.»

    فزجره طلحة و قال له:

    «إنك لا تقول من الخير شيئا ..»

    «أما إني أعرفك منذ اصيبت إصبعك يوم أحد وائيا بالذي حدث لك، و لقد مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله ساخطا عليك بالكلمة التي قلتها يوم انزلت آية الحجاب ...»

    و إذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله قد توفى و هو ساخط على طلحة كيف يرشحه للخلافة الاسلامية التي هي نيابة عن الرسول؟ كما أنه يناقض ما قاله أخيرا في أعضاء الشورى من أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مات و هو راض عنهم، يقول الجاحظ: «لو قال لعمر قائل:

    أنت قلت: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مات و هو راض عن الستة فكيف تقول الآن لطلحة: إنه مات عليه السلام ساخطا عليك للكلمة التي قلتها، لكان قد رماه بمشاقصه و لكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا فكيف هذا»

    و أقبل على سعد بن ابي وقاص فقال له:

    «إنما أنت صاحب مقنب من هذه المقانب، تقاتل به، و صاحب قنص و قوس، و أسهم، و ما زهرة و الخلافة و أمور الناس!!»

    فسعد بن أبي وقاص- حسب فراسة عمر- رجل حرب، و قتال، و صاحب قنص و قوس فلا يصلح للخلافة، و ليس خليقا بها هو و أسرته فكيف يرشحه عمر لها و يجعله من أعضاء الشورى الذين لهم الأهلية لتسلم قيادة الحكم؟!

    و التفت الى عبد الرحمن بن عوف فقال له:

    «و أما أنت يا عبد الرحمن، فلو وزن نصف إيمان المسلمين بايمانك لرجح إيمانك به، و لكن ليس يصلح هذا الامر لمن فيه ضعف كضعفك و ما زهرة و هذا الامر!.»

    ان عبد الرحمن رجل إيمان و تقوى- حسب رأي عمر- و من إيمانه الذي اضفاه عليه الخليفة أنه عدل عن انتخاب العترة الطاهرة، و سلم قيادة الامة، و مقدراتها بأيدى الامويين خصوم الاسلام و اعداء الرسول صلى اللّه عليه و آله ثم ان الايمان بذاته- كما يقول عمر- لا يصلح لترشيح صاحبه للخلافة ما لم تكن له دراية تامة بشئون المجتمع، و خبرة وافرة بما نحتاج إليه الامة في جميع مجالاتها، و عبد الرحمن- حسب اعتراف عمر- رجل كيف لا يليق للخلافة فكيف يرشحه لها و يجعله من أعضاء الشورى البارزين؟! و أقبل على أمير المؤمنين فقال له:

    «للّه أنت، لو لا دعابة فيك! أما و اللّه لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح، و المحجة البيضاء ..»

    و متى كانت لأمير المؤمنين عليه السلام الدعابة و المزاح، و هو الذي ما الف في حياته لغير الجد في القول و العمل، و على تقدير اتصافه بها، فهى من خلق الأنبياء و من خلق الرسول صلى اللّه عليه و آله بالاخص، فقد ورد أنه كان صلى اللّه عليه و آله يداعب الرجل ليسره بذلك.

    و هل من الحيطة على الاسلام، و المحافظة على وحدة الامة، و رعاية صالحها أن يفتل عمر حبل الشورى و يجعل أمير المؤمنين عليه السلام أحد أعضائها، و هو- حسب اعترافه- لو تولى زمام الحكم لحمل المسلمين على الحق الواضح و المحجة البيضاء، و لسار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه، و لا يتعتع راكبه، و لأوردهم منهلا رويا فضفاضا تطفح ضفتاه، و لا يترنم جانباه، و لأصدرهم بطانا، و نصح لهم سرا و اعلانا- كما تقول بضعة الرسول و وديعته- و يقول النبيّ صلى اللّه عليه و آله: «إن ولوا عليا فهاديا مهديا» ان الامام أمير المؤمنين عليه السلام لو استولى على زمام السلطة لوفر للمسلمين ما يحتاجون إليه من خيرات الحياة و أوجد لهم الفرص المتساوية، و صان المثل الاسلامية من التدهور و الانحطاط، فهل من الانصاف أن تصرف الخلافة عنه و تجعل شورى بأسلوب يؤدي الى فوز الامويين بالحكم؟!!

    و أقبل عمر على عثمان فقال له:

    «هيها إليك!! كأني بك قد قلدتك قريش هذا الامر لحبها إياك فحملت بني أمية، و بني أبي معيط على رقاب الناس، و آثرتهم بالفىء فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب، فذبحوك على فراشك ذبحا. و اللّه لئن فعلوا لتفعلن، و لئن فعلت ليفعلن، ثم أخذ بناصيته، فقال: فاذا كان ذلك فاذكر قولي ..»

    و مع علمه بأنه يحمل بنى أمية، و بنى أبي معيط على رقاب الناس، و يؤثرهم بفىء المسلمين كيف يرشحه للخلافة، و يمكنه من رقاب المسلمين و يعرض الامة للويلات و الخطوب!!

    و بعد ما أدلى بحديثه التفت الى الجمهور قائلا:

    إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مات و هو راض عن هؤلاء الستة من قريش، و قد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم واحدا منهم ..»

    ثم قال للمرشحين: «احضروا معكم من شيوخ الانصار، و ليس لهم من أمركم شيء، و احضروا معكم الحسن بن علي، و عبد اللّه بن عباس فان لهما قرابة، و ارجو لكم البركة فى حضورهما و ليس لهما من أمركم شيء ..»

    و ما هى البركة التي تحصل لأعضاء الشورى بحضور الامام الحسن، و عبد اللّه بن عباس، و هما لا يملكان من الامر شيئا، قد جردهما من الادلاء بالرأي، كما جرد شيوخ الانصار من ذلك، و لم يسمح لأحد منهم أن يبدي برأيه، ثم التفت الى أبي طلحة الانصاري فقال له:

    «يا أبا طلحة، إن اللّه أعز الاسلام بكم فاختر خمسين رجلا من الانصار، فالزم هؤلاء النفر بامضاء الامر و تعجيله ..»

    و التفت الى المقداد بن الاسود فاوصاه بمثل ذلك ثم قال:

    «اذا اتفق خمسة، و أبى واحد منهم فاضربوا عنقه، و ان اتفق أربعة و أبى اثنان فاضربوا عنقيهما، و ان اتفق ثلاثة منهم على رحل، و رضي ثلاثة منهم برجل آخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف و اقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس ..»

    و خرج الامام أمير المؤمنين المظلوم المهتضم، و هو ملتاع حزين من الشورى العمرية قد أيس من الامر فالتقى بعمه العباس فبادره قائلا:

    «يا عم لقد عدلت عنا ..»

    و من أعلمك بذلك؟!»

    «لقد قرن بي عثمان .. و قال: كونوا مع الاكثر، ثم قال: كونوا مع عبد الرحمن، و سعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، و عبد الرحمن صهر لعثمان، و هم لا يختلفون فاما أن يوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن ..»

    لقد كشف عليه السلام عن المؤامرة التي دبرها الخليفة الراحل ضده فقد فتل حبل الشورى بهذا الاسلوب ليصرف الامر عنه، و قد كوت هذه الصور المؤلمة قلبه فراح يقول بعد سنين:

    «حتى اذا مضى لسبيله، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيا للّه و للشورى متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت أقرن الى هذه النظائر ..»

    أجل و اللّه، متى اعترض الريب فيه مع أبي بكر حتى صار يقرن بطلحة و عثمان و عبد الرحمن بن عوف فهل فى هؤلاء من هو كفؤ للامام فى دينه و علمه، و جهاده، و سابقته للاسلام، و إنما استجاب عليه السلام لئن يكون من أعضاء الشورى مع وجود هذه المفارقات بينه، و بين القوم، فقد بينه في حديثه مع عبد اللّه بن عباس، و خلاصته أن عمر قد أهله للخلافة و كان من قبل يقول: لا تجتمع النبوة و الخلافة في بيت واحد فاراد أن يظهر أن أقواله تناقض أفعاله، و لهذا السبب الوثيق انضم مع أعضاء الشورى

    نظرة في الشورى:

    و تواجه الشورى العمرية عدة من المؤاخذات فقد ذكر الناقدون لها أنها لم تستند الى الاساليب الصحيحة، و لم تبتن على الاسس الوثيقة، و انها لم تنشد بأي حال صالح الامة، و لم تهدف الى حماية المجتمع و صيانته من القلق و الاضطراب، و إنما الغرض منها صرف الخلافة عن أمير المؤمنين عليه السلام و حرمان الامة من التمتع فى ظل حكمه العادل، فهي لم تكن شورى واقعية، و إنما كانت شورى صورية مشفوعة بالعصبية و الاحقاد، و الى القراء بعض تلك النقود التي ترد عليها:

    1- إن حقيقة الشورى ان تشترك الامة بجميع هيآتها فى الانتخاب و الاختيار في جو تتوفر فيه الحريات العامة لجميع الناخبين، و الشورى العمرية قد فقدت هذه العناصر فقد حيل بين الشعب و الاختيار فان عمر منح الاختيار الى ستة اشخاص و من الطبيعي أنهم لا يملكون إلا آراءهم الخاصة فلا يمثلون الامة و لا يحكون ارادتها على أنه ضيق الدائرة فجعل المناط بآراء الثلاثة الذين ينضم إليهم عبد الرحمن بن عوف، و جعل آراءهم تعادل آراء بقية الشعوب الاسلامية، و هذا شكل من اشكال التزكية التي تستعملها بعض الحكومات التي تفرض ارادتها على شعوبها، لقد تصادمت هذه الشورى مع إرادة الشعوب الاسلامية، و تنافت مع حرياتهم، و قد فرضت عليهم فرضا.

    2- إن هذه الشورى قد ضمت اكثر العناصر المعادية لأمير المؤمنين عليه السلام و الحاقدة عليه ففيها طلحة التيمي و هو من أسرة أبي بكر الذي نافس الامام على الخلافة، و كانت بين تيم و الامام أشد المنافرة و الخصومة و ضمت الشورى عبد الرحمن بن عوف، و هو صهر عثمان، بالاضافة الى أنه كان حقودا على امير المؤمنين عليه السلام فهو من جملة الذين حملوا الحطب في بيعة أبي بكر لحرق بيت الامام، و ضمت الشورى سعد بن أبي وقاص، و كان يحقد على الامام من أجل اخواله الامويين فان أمه حمنة بنت سفيان بن أميّة، و قد أباد الامام صناديدهم في سبيل الاسلام فكانت نفس سعد مترعة بالحقد و العداء على الامام من أجلهم، و لما بايع المسلمون الامام كان سعد في طليعة المتخلفين عن بيعته، و احتوت الشورى على عثمان و هو شيخ الاسرة الاموية التي عرفت بالنصب لآل بيت النبي صلى اللّه عليه و آله و قد ألب عمر هذه القوى كلها ضد الامام، لئلا تؤل الخلافة إليه، و قد تحدث عليه السلام بعد ان ولى الامر عن ضغن أعضاء الشورى و حقدهم عليه فقال:

    «لكني اسففت إذ أسفوا، و طرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه، و مال الآخر لصهره مع هن و هن»

    لقد ألب عمر عن عمد جميع أحقاد قريش، و اضغانها ضد أخي رسول اللّه و وصيه و باب مدينة علمه استجابة لأحقاد قريش التي وترها الامام في سبيل الاسلام.

    3- لقد عمد عمر الى اقصاء جميع العناصر الموالية للامام فلم يجعل لها نصيبا في الشورى و لم يرشح أحدا من الانصار و هم الذين آووا النبي صلى اللّه عليه و آله و نصروه لأنه كان لهم هوى و ميل للامام عليه السلام كما لم يجعل نصيبا فيها لعمار بن ياسر الذي هو أحد المؤسسين في يناء الاسلام، و كذلك أقصى أبا ذر، و المقداد و أمثالهم من أعلام الاسلام لأنهم كانوا شيعة لعلي، و قصر الشورى على القوى المنحرفة عن الامام و المعادية له.

    4- و من عجيب أمر الشورى التي وضع برامجها عمر أنه يشهد بحق أعضائها ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مات و هو راض عنهم ثم يأمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن انتخاب أحدهم فهل ان ذلك موجب للخروج عن الدين، و المروق من الاسلام حتى تباح دماؤهم!!؟

    5- و من غريب أمر هذه الشورى ان عمر جعل الترجيح للكفة التي تضم عبد الرحمن فيما اذا اختلف أعضاؤها، و غض طرفه عن الجماعة التي تضم أمير المؤمنين عليه السلام فلم يعرها أي اهتمام بل الزمها بالخضوع لرأي عبد الرحمن بن عوف، و تقديمه على أمير المؤمنين و هو صاحب المواهب و العبقريات الذي لا ند له فى علمه و ورعه و تقواه فكيف يساويه بغيره، و اللّه تعالى يقول: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» أف لك يا زمان، و تعسا لك يا دهر أ يكون أمير المؤمنين ندا لأعضاء الشورى، و يرجح عليه عبد الرحمن، و لكنها الاحقاد و العصبيات التي أترعت نفوسهم بها قد أنستهم المقاييس، و صدتهم عن جادة العدل.

    6- و مما يؤخذ على هذه الشورى انها أوجدت التنافس بين أعضائها فقد رأى كل واحد منهم أنه كفؤ للآخر، و لم يكونوا قبلها على هذا الرأي فقد كان سعد تبعا لعبد الرحمن، و عبد الرحمن تبعا لعثمان، و الزبير من شيعة الامام، و هو القائل على عهد عمر: «و اللّه لو مات عمر بايعت عليا» و لكن الشورى قد نفخت فيه روح الطموح ففارق أمير المؤمنين و خرج عليه يوم الجمل، و قد تولدت في نفوسهم بسبب الشورى الاطماع و الاهواء، و رجا الخلافة و تطلبها من ليس أهلا لها حتى ضجت البلاد بالفتن و الاختلاف، و اضطربت كلمة المسلمين، و تصدع شملهم، و قد صرح بهذا الواقع المرير معاوية بن ابي سفيان في حديثه مع ابن حصين الذي أوفده زياد لمقابلته، فقد قال له معاوية:

    - بلغنى ان عندك ذهنا، و عقلا فاخبرني عن شيء أسألك عنه؟

    - سلنى عما بدا لك:

    - أخبرني ما الذي شتت أمر المسلمين، و ملأهم و خالف بينهم؟؟

    - قتل الناس عثمان

    - ما صنعت شيئا

    - مسير علي إليك و قتاله اياك

    - ما صنعت شيئا

    - مسير طلحة، و الزبير، و عائشة، و قتال علي إياهم!!

    - ما صنعت شيئا

    - ما عندي غير هذا يا أمير المؤمنين

    - أنا أخبرك انه لم يشتت بين المسلمين، و لا فرق أهواءهم إلا الشورى التي جعلها عمر الى ستة نفر، و ذلك ان اللّه بعث محمدا بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون فعمل بما أمره اللّه به، ثم قبضه اللّه إليه، و قدم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لأمر دينهم، فعمل بسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سار بسيرته حتى قبضه اللّه، و استخلف عمر فعمل بمثل سيرته، ثم جعلها شورى بين ستة نفر فلم يكن رجل منهم إلا رجاها لنفسه، و رجاها له قومه، و تطلعت الى ذلك نفسه، و لو أن عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك خلاف ..»

    هذه بعض آفات الشورى التي فتحت باب الفوضى و النزاع بين المسلمين، و تركت الطلقاء و أبناءهم يتسابقون الى ميدان الخلافة الاسلامية و ينزون على منابر المسلمين، و يستأثرون بالفيء و ينكلون باخيار المسلمين و صلحائهم فانا للّه و إنا إليه راجعون.

    الانتخاب:

    و لاقى عمر ربه، و مضى الى مقره الأخير فاحاط البوليس بأعضاء الشورى، و ألزمهم بالاجتماع لينفذوا وصية عمر، و يختاروا للمسلمين حاكما منهم، فاجتمع المرشحون في بيت المال، و قيل في بيت مسرور بن محرمة و أشرف على الانتخاب الامام الحسن عليه السلام و عبد اللّه بن عباس، و ازدلف عمرو بن العاص، و المغيرة بن شعبة الى محل الانتخاب فجلسا في الباب، فعرف قصدهما سعد بن أبي وقاص فنهرهما و قال:

    «تريدان ان تقولا: حضرنا، و كنا في أهل الشورى؟!»

    و تداول الاعضاء الحديث فيما بينهم عمن هو أحق بالامر و أولى به و أكثرهم قدرة و قابلية على ادارة شئون الحكم، و انبرى إليهم أمير المؤمنين عليه السلام فأقام عليهم الحجة، و حذرهم مغبة ما يحدث في البلاد من الفتن ان استجابوا لنزعاتهم و لم يؤثروا الحق فقال عليه السلام:

    «لم يسرع أحد قبلي الى دعوة حق، و صلة رحم، و عائدة كرم فاسمعوا قولي، وعوا منطقى، عسى أن تروا هذا الامر من بعد هذا اليوم تنتضى فيه السيوف، و تخان فيه العهود، حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلال و شيعة لأهل الجهالة ..»

    و لم يعوا منطق الامام، و لم يتأملوا فيه، و انطلقوا مدفوعين وراء أطماعهم و أهوائهم، و كشف الزمن بعد حين صدق تنبؤ الامام، فقد انتضوا السيوف، و خانوا العهود ليصلوا الى صولجان الحكم و السلطان و صار بعضهم أئمة لأهل الضلالة، و شيعة لأهل الجهالة و على اي حال، فقد كثر الجدال فى الموضوع، و انفضت الجلسة و لم تنته على محصل، و كان الناس ينتظرون بفارغ الصبر النتيجة الحاسمة التي تسفر عن اجتماعهم، فلم يظفروا بشيء، و انعقد الاجتماع مرة أخرى و لكنه لم يسفر عن اي نتيجة و أخذت فترة الزمن التي حددها عمر تضيق فأشرف أبو طلحة الانصارى على الاعضاء و قال لهم:

    «لا و الذي نفس عمر بيده!. لا أزيدكم على الايام الثلاثة التي أمرتم ..»

    و اقترب اليوم الثالث، فانعقد الاجتماع فانبرى طلحة، و وهب حقه لعثمان و انما فعل ذلك لعلمه بانحرافه عن أمير المؤمنين عليه السلام، فاراد يقوي جانبه، و يضعف جانب الامام، و انطلق الزبير فوهب حقه للامام لأنه رأى الامام قد ضعف جانبه، و اندفع سعد فوهب حقه لعبد الرحمن ابن عوف لأنه ابن عمه أما عبد الرحمن الذي أناط به عمر أمر الشورى و جعل رأيه هو الفيصل فكان يرى في نفسه الضعف و عدم القدرة على ادارة شئون الحكم، فاتجه الى ترشيح غيره، و كانت ميوله مع عثمان، و استشار القرشيين فزهدوه في أمير المؤمنين و حببوا له عثمان، و دفعوه الى اختياره و انتخابه.

    و حلت الساعة الرهيبة التي تغير فيها مجرى التأريخ فقال عبد الرحمن لابن اخته:

    «يا مسور .. اذهب فادع لي عليا و عثمان.

    «بأيهما أبدأ يا خال؟»

    «بأيهما شئت.»

    فانطلق مسور، فاحضر الامام، و عثمان و حضر المهاجرون و الانصار و ازدحمت الجماهير في الجامع لتأخذ القرار الحاسم فقام عبد الرحمن و قال:

    «أشيروا علي في هذين- و اشار الى سليل هاشم، و شيخ الامويين-» فانبرى إليه الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر فقال له:

    «ان أردت ألا يختلف الناس فبايع عليا ..»

    و أشار عليه بالرأي الصائب الذي يصون الامة من الاختلاف، و يحميها من النزاع و الانشقاق، و انطلق المقداد فأيّد مقالة عمار، فقال:

    «صدق عمار .. و إن بايعت عليا، سمعنا و اطعنا ..»

    فقام عبد اللّه بن ابي سرح أحد أعلام الامويين الذين ناهضوا النبي صلى اللّه عليه و آله و ناجزوه فخاطب ابن عوف فقال له:

    «إن أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان ..»

    و اندفع عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزومي فقال:

    «صدق إن بايعت عثمان سمعنا و أطعنا ..»

    و انبرى عمار بن ياسر فشتم ابن أبي سرح و قال له:

    «متى كنت تنصح للإسلام؟؟!»

    و صدق عمار فمتى كان ابن أبي سرح يقيم و قارا للاسلام، او ينصح المسلمين، و يهديهم الى طريق الحق، و قد كان من اعدى الناس الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و لما فتح مكة أمر صلى اللّه عليه و آله بقتله و لو كان متعلقا باستار الكعبة ، أمثل هذا الوغد يتدخل في شئون المسلمين؟ و لكن إنا للّه و إنا إليه راجعون.

    و تكلم بنو هاشم و بنو أميّة، و احتدم الجدال بين الاسرتين، فانطلق ابن الاسلام البار عمار بن ياسر فقال:

    «أيها الناس إن اللّه اكرمكم بنبيه، و أعزكم بدينه، فالى متى تصرفون هذا الامر عن اهل بيت نبيكم!!؟»

    لقد كان كلام عمار حافلا بمنطق الاسلام الذي وعاه قلبه فان قريشا و سائر العرب إنما اعزها اللّه بدينه و أسعدها بنبيه، فهو مصدر عزهم و شرفهم و مجدهم، فليس من الانصاف و لا من العدل أن يصرفوا الامر عن أهله و عترته و يضعونه تارة في تيم و اخرى في عدي، و يجهدون الآن ليضعونه في قبيلة اخرى و انبرى إليه رجل من مخزوم فقطع عليه كلامه قائلا:

    «لقد عدوت طورك يا ابن سمية .. و ما أنت و تأمير قريش لأنفسها!!؟» و قد أترعت نفس الرجل بروح الجاهلية فراح يندد بابن سمية، و يرى أنه عدا طوره، و تجاوز حده لتدخله فى شئون قريش، و أي حق لقريش في هذا الامر؟! و هي التي ناهضت النبي صلى اللّه عليه و آله و ناجزته، و وقفت في وجه دعوته، و إنما الامر للمسلمين يشترك فيه ابن سمية- الذي أعزه اللّه بدينه- و سائر الضعفاء الذين ساندوا الرسول، و حاموا عن دعوته فهؤلاء لهم الرأى و لهم الحكم و ليس لطغاة قريش أي رأي لو كان هناك منطق أو حساب

    و على أي حال فبعد ما كثر النزاع بين القوى الاسلامية الواعية، و بين القوى المنحرفة عنه التفت سعد الى عبد الرحمن فقال له:

    «يا عبد الرحمن .. افرغ من امرك قبل أن يفتتن الناس ..»»

    فاسرع عبد الرحمن الى الامام:

    «هل أنت مبايعي على كتاب اللّه و سنة نبيه، و فعل ابي بكر و عمر؟:

    فرمقه الامام بطرفه و اجابه بمنطق الايمان، و منطق الاحرار قائلا «بل على كتاب اللّه و سنة رسوله و اجتهاد رأيي ..»

    و لا يتوقع من الامام عليه السلام غير ذلك فان مصدر التشريع في الاسلام كتاب اللّه و سنة نبيه فعلى ضوئهما تسير الدولة، و تعالج مشاكل الرعية، و ليس فعل ابي بكر و عمر من مصادر التشريع، و قد نهج أبو بكر في سياسته منهجا خاصا لم يوافقه عمر فيه و يرى انه كان بعيدا عن سنن التشريع فقد كان لأبي بكر رأيه الخاص في خالد بن الوليد حينما قتل مالك بن نويرة و زنى بزوجته فقد رأى أبو بكر أن خالدا تأول فأخطأ فلا يستحق أن يقام عليه الحد، و يرى عمر أنه لا بد من اقامة الحد عليه و لا مجال لاعتذار ابي بكر، و سلك أبو بكر في سياسته المالية منهجا اقرب الى المساواة من سياسة عمر التي انتهجت في كثير من شئونها منهج الطبقية و تقديم بعض المسلمين على بعض في العطاء، و حرم عمر المتعتين و هما حسب اعترافه كانتا مشروعتين في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و لعمر فتواه المتعارضة فى ميراث الجدة و غيرها فعلى أي منهج منها يسير ابن أبي طالب رائد العدالة الاجتماعية الكبرى في الارض، و لو كان عليه السلام يروم الأمرة و السلطان لالتزم لابن عوف بشرطه، و بعد ذلك يسير برأيه الخاص في الحكم، و يعتقل المعارضين له و لكنه عليه السلام أبى ذلك و حجزه إيمانه الوثيق أن يقر شيئا لا يراه مشروعا.

    و لما يئس ابن عوف من الامام انبرى الى عثمان فشرط عليه ذلك فابدأ عثمان الموافقة لأي شرط و أرسل يده فصفق عبد الرحمن بكفه عليها و قال:

    «اللهم. إني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان ..»

    و علا الضجيج و الصخب بين الناس، فقد فاز عميد الامويين بالحكم و آلت إليه امور الخلافة، و انطلق أمير المؤمنين عليه السلام فقال لابن عوف:

    «و اللّه ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه، دق اللّه بينكما عطر منشم»

    و التفت الى القرشيين فقال لهم:

    «ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل، و اللّه المستعان على ما تصفون.»

    و اندفع ابن عوف الى الامام يهدده

    «يا علي، لا تجعل على نفسك سبيلا»

    و غادر الامام المسجد و هو يقول:

    «سيبلغ الكتاب أجله.»

    و انطلق الطيب ابن الطيب عمار بن ياسر، و هو يخاطب ابن عوف:

    «يا عبد الرحمن .. أما و اللّه لقد تركته، و انه من الذين يقضون بالحق، و به كانوا يعدلون ..»

    و خرج المقداد، و هو مثقل الخطا و يقول:

    «تاللّه ما رأيت مثل ما أتى الى أهل هذا البيت بعد نبيهم!! و اعجبا لقريش!! لقد تركت رجلا ما اقول و لا أعلم أن أحدا أقضى بالعدل و لا اعلم و لا اتقى منه أما لو أجد أعوانا ..»

    و قطع عليه عبد الرحمن كلامه فقال له:

    «اتق اللّه يا مقداد، فاني خائف عليك الفتنة ..»

    و اشرف الامام الحسن على الانتخاب فراعه ما رأى من انقياد القوم نحو الاغراض الشخصية، و المطامع، و استبان له أن المهاجرين من قريش يحملون في نفوسهم حقدا و ضغنا على أبيه، و ان الدين لعق على ألسنتهم يحوطونه حيث ما درّت معايشهم، و قد تركت تلكم الصور التي اجتازت عليه في نفسه أشد الاستياء و التذمر، و عرفته ان القوم يسيرون وراء مصالحهم و أطماعهم، و لا شأن لهم بالمصلحة العامة، و هنا نودع الامام الحسن لنلتقي معه في عهد الخليفة الثالث.

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved