۱۳۹۶ شنبه ۳۱ تير | اِسَّبِت ٢٧ شوال ١٤٣٨
منوی اصلی

زیارت نامه امام حسن (ع)
زیارت نامه امام حسن مجتبی (ع)
تبلیغات
الفاجعة الكبرى 
    و قطع الحسن عليه السلام شوطا من طفولته مع جده الرسول صلى اللّه عليه و آله حتى توسعت مداركه و نمت ملكاته، و هو ناعم البال قرير العين، يستقبل الحياة كل يوم بثغر باسم و بهناء و سعادة، يرى من جده صلى اللّه عليه و آله الحنان و العطف، و من مشيخة الصحابة التعظيم و التكريم، و قد رأى عليه السلام ما منح به الاسلام من التوسع و كثرة الغزوات حتى دخل الناس في دين اللّه افواجا افواجا، فقد تحطمت عروش الشرك و اندحرت قوى الالحاد، و غزت الجيوش الاسلامية مكة التي هي اعز بلد و امنعه في الجزيرة العربية، و قام الاسلام و هو عبل الذراع مفتول الساعد شامخ الكيان و سرت موجات فتحه الى أغلب شعوب الأرض، و قد غمرت قلوب المسلمين المسرات على هذا النصر الذي أعزهم اللّه و أيدهم به و كان أشد المسلمين فرحا و اعظمهم سرورا بهذه الانتصارات التي حققها الاسلام أهل البيت.

     

    و لكن لم تدم لهم الحالة الهانئة فقد عبس الزمن فى وجوههم، و اكفهر، و غزا قلوبهم بخوف غامض و حزن بهيم فقد آن للرسول صلى اللّه عليه و آله أن يفد على اللّه، و ينتقل الى حظيرة القدس، و قد بدت له طلائع الرحيل و امارات الانتقال و هي:

    1- و كانت أول النذر بمغادرته لهذه الحياة نزول الوحي عليه بهذه الآية «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» و قد اثارت كوامن التوجس في نفسه فقد سمعه المسلمون ينعى نفسه و يقول:

    «ليتنى اعلم متى يكون ذلك؟»

    و نزلت عليه بعد هذه الآية سورة «النصر» فكان يسكت بين التكبير و القراءة و يقول:

    «سبحان اللّه و بحمده، استغفر اللّه و اتوب إليه»

    و قد ساور قلوب المسلمين الخوف و الجزع فانطلقت قلوبهم قبل السنتهم تستفهم عن هذه الحالة الرهيبة فاجابهم صلى اللّه عليه و آله:

    «إن نفسي قد نعيت لي»

    و حينما سمع المسلمون ذلك قدّت قلوبهم و انهارت قواهم، و غامت أبصارهم بفيض من الدموع، و أصابتهم رجفة هزت كيانهم و اشاعت في نفوسهم الجزع و الخوف.

    2- و نزل عليه القرآن الكريم في تلك السنة مرتين فاستشعر بذلك حضور الاجل المحتوم و اخذ ينعى نفسه، و يعلن مفارقته لهذه الحياة و قد تصدعت القلوب لهذا النبأ و طافت بالمسلمين أمر الوان المحن و الخطوب

    حجة الوداع :

    و لما علم الرسول صلى اللّه عليه و آله بانتقاله الى دار الخلود، و هو قد تحمل في سبيل ارشاد المسلمين و هدايتهم من العنت و العناء ما تنوء بحمله النفوس رأى أن يتم النهاية لرسالته المقدسة و يضع الخطة السليمة التي تضمن لامته من بعده السعادة و النجاح فحج صلى اللّه عليه و آله من اجل ذلك حجته الأخيرة الشهيرة بحجة الوداع، في السنة العاشرة من الهجرة و اشاع بين الوافدين لبيت اللّه الحرام ان هذا الالتقاء هو آخر العهد بهم قائلا:

    «انى لا ادري لعلي لا القاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف ابدا ..»

    و جعل يطوف على الجماهير و يعرفهم بما يضمن لهم السعادة و النجاح «يا أيها الناس، اني تركت فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتى ..»

    لقد قرن بين الكتاب و العترة الطاهرة و جعل التمسك بهما منجاة من الفتن و الزيغ، و لو أن الامة تابعته في قوله، و تمسكت بهما لما حلت بها الاهواء و الخطوب و ما عراها الذل و الهوان، و ما اختلفت كلمتها، و لا تشعبت الى فرق و احزاب «كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ»*

    غدير خم:

    و لما فرغ النبي صلى اللّه عليه و آله من أداء مناسك الحج اتجه الى يثرب فلما وصل موكبه الى غدير خم هبط عليه أمين الوحي فأمره أن يحط رحله في رمضاء الهجير، و ينصب الامام أمير المؤمنين خليفة من بعده و مرجعا لأمته، و كان أمر السماء يحمل طابعا مهما بالغ الخطورة، فقد نزل عليه الوحي بهذه الآية:

    «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» و اضطرب النبي من هذا الانذار و هذا التهديد، إنه إن لم ينفذ ما أراد اللّه في تقليد أمير المؤمنين بهذا المنصب الخطير فما بلغ رسالة اللّه و ضاعت جميع اتعابه و جهوده، فانبرى صلى اللّه عليه و آله بعزم ثابت الى تنفيذ ذلك و إن اغضب الطامعين بالخلافة و المنحرفين عن الامام عليه السلام، فوضع صلى اللّه عليه و آله اعباء المسير و حط رحله في ذلك المكان القاحل و كان الوقت قائضا حتى كان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه ليتقى من الحر و امر صلى اللّه عليه و آله باجتماع الجماهير فلما اجتمعوا صلى بهم فلما انفلت من صلاته أمر أن توضع حدائج الابل لتكون له منبرا فصنعوا له ما اراد فاعتلى عليها و كان عدد الحاضرين مائة الف أو يزيدون، و قد اتجهوا بقلوبهم قبل اسماعهم الى الرسول ليسمعوا ما يلقى عليهم، و انبرى صلى اللّه عليه و آله فبين لهم- اولا- جهاده المقدس و اتعابه الشاقة فى سبيل ارشادهم و انقاذهم من حضيض الشرك و العبودية، و ذكر لهم- ثانيا- جملة من الاحكام الاسلامية و الآداب الدينية فأمرهم بتطبيقها على واقع حياتهم، و بعد ذلك قال لهم:

    «فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين»

    فناداه مناد من القوم

    «و ما الثقلان يا رسول اللّه؟»

    فاجابه صلى اللّه عليه و آله: «الثقل الاكبر كتاب اللّه طرف بيد اللّه عز و جل و طرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا، و الآخر الاصغر عترتي و ان اللطيف الخبير نبأني انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فسألت ذلك لهما ربي فلا تقدموهما فتهلكوا، و لا تقصروا عنهما فتهلكوا»

    ثم أخذ بيد علي حتى بان بياض إبطيهما و عرفه القوم اجمعون و قال:

    «أيها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين من انفسهم؟

    فاجابوه «اللّه و رسوله اعلم»

    فقال صلى اللّه عليه و آله: إن اللّه مولاي، و أنا مولى المؤمنين، و أنا أولى بهم من انفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه قال ذلك ثلاث مرات او أربع مرات، ثم قال:

    «اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، و احب من أحبه، و ابغضمن ابغضه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله، و ادر الحق معه حيث دار الا فليبلغ الشاهد الغائب» و لما انهى صلى اللّه عليه و آله خطابه الشريف الحافل بتكريم أمير المؤمنين عليه السلام و تقليده للخلافة العظمى انبرى الى النبي (ص) حسانابن ثابت فاستأذنه ان يتلو احدى روائع نظمه ليصف بها هذه المناسبة الخالدة فاذن له في ذلك فانطلق يقول:

    يناديهم يوم الغدير نبيهم

    بخم و اسمع بالرسول مناديا

    فقال فمن مولاكم و نبيكم

    فقالوا و لم يبدوا هناك التعاميا

    إلهك مولانا و أنت نبينا

    و لم تلق منا في الولاية عاصيا

    فقال له: قم يا على فانني

    رضيتك من بعدى إماما و هاديا

    فمن كنت مولاه فهذا وليه

    فكونوا له اتباع صدق مواليا

    هناك دعا اللهم وال وليه

    و كن للذى عادى عليا معاديا

    و اقبل المسلمون على اختلاف طبقاتهم يبايعونه بالخلافة و يهنئونه بامرة المؤمنين، و أمر الرسول صلى اللّه عليه و آله أمهات المؤمنين أن يسرن إليه و يهنئنه و ممن هنأه عمر بن الخطاب فقد صافحه و قال له:

    «هنيئا يا ابن أبي طالب اصبحت و امسيت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة ...»

    و في ذلك اليوم الخالد في دنيا الحق و الفضيلة نزلت هذه الآية الكريمة:

    «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً»

    لقد تمت النعمة الكبرى، و كمل الدين بولاية أمير المؤمنين، و امام المتقين، و قد خطا النبي صلى اللّه عليه و آله بذلك الخطوة الاخيرة للمحافظة على المجتمع الاسلامي و على التشريع الاسلامي فلم يترك الامة حيرى تسودها الفوضى و الانحلال بل نصب لها علما و هاديا و مرشدا الى سواء السبيل.

    ان بيعة الغدير من اوثق الادلة و اكثرها وضوحا على اختصاص الخلافة و الامامة بالامام أمير المؤمنين عليه السلام، و قد احتج بها الامام الحسن على احقية أبيه بالخلافة و ذلك في خطابه الذي القاه بعد الصلح فقد جاء فيه: «إنا أهل بيت أكرمنا اللّه بالاسلام، و اختارنا و اصطفانا و اذهب عنا الرجس، و طهرنا تطهيرا، لم تفترق الناس فرقتين إلا جعلنا اللّه في خيرهما من آدم الى جدي محمد صلى اللّه فلما بعثه اللّه للنبوة و اختاره للرسالة و انزل عليه كتابه ثم امره بالدعاء الى اللّه عز و جل فكان أبي اول من استجاب للّه و لرسوله، و أول من آمن و صدق اللّه و رسوله صلى اللّه عليه و آله و قد قال اللّه في كتابه المنزل على نبيه المرسل: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» فجدى الذي على بينة من ربه و أبي الذي يتلوه و هو شاهد منه «إلى أن قال» و قد سمعت هذه الامة جدي يقول: ما ولت امة امرها رجلا، و فيهم من هو اعلم منه الا لم يزل يذهب أمرهم سفالا حتى يرجعوا الى ما تركوه. و سمعوه يقول لابي:

    أنت منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي. و قد رأوه و سمعوه حين أخذ بيد أبي بغدير خم، و قال لهم: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم و آل من والاه و عاد من عاده ثم أمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب»

    لقد حفلت كتب التاريخ الاسلامي بذكر احتجاج أهل البيت عليهم السلام و اعلام شيعتهم ببيعة الغدير على أحقية الامام أمير المؤمنين بمنصب الخلافة الاسلامية، و لكن القوم أعرضوا عن الحديث و أولوه حسب ميولهم و أهوائهم.

    استغفاره لاهل البقيع:

    و لما رجع الرسول اللّه عليه و آله من حجه إلى يثرب اقام بها حفنة من الايام، و قد احاطت به الهواجس و الهموم و ارق ليلة طال فيها أرقه فاستدعى أبا مويهبة في الليل البهيم فلما مثل عنده أمره بمصاحبته الى البقيع و قال له:

    «لقد أمرت بالاستغفار لاهل البقيع فلذا بعثت إليك للانطلاق معى ...»

    و سار الرسول صلى اللّه عليه و آله حتى انتهى الى البقيع فسلم على الاموات و هنأهم بما هم فيه و أخذ يخبر عن الفتن السود التي ستنصب على أمته من بعده قائلا:

    «السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنئكم ما اصبح الناس فيه، فقد اقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها اولها، الآخرة شر من الاولى ..»

    و انطلق يحدث ابا مويهبة عن مغادرته لهذه الحياة قائلا له:

    «إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا و الخلود فيها ثم الجنة بعد ذلك فاخترت لقاء ربي و الجنة»

    فقال له أبو مويهبة: بأبي أنت و أمي أ لا تأخذ مفاتيح خزائن الدنيا و تكون مخلدا فيها ثم الجنة بعد ذلك؟ ..»

    فاجابه الرسول صلى اللّه عليه و آله عن رغبته الملحة في ملاقاة اللّه «لا و اللّه لقد اخترت لقاء ربي» ثم استغفر لاهل البقيع و انصرف الى منزله

    سرية اسامة:

    و لما علم الرسول صلى اللّه عليه و آله أن لقاءه بربه لقريب أراد أن يعزز خلافة أمير المؤمنين عليه السلام التي عقد أواصرها فى «غدير خم» و أن يقضي على روح الشغب و التمرد ليتم الامر بعد وفاته بسهولة الى الامام عليه السلام فرأى أن خير ضمان لتحقيق ذلك اخلاء عاصمته من جميع المناوئين للامام عليه السلام و ارسالهم الى ساحة الجهاد لغزو الروم فأمر أصحابه بالتهيؤ الى ذلك و لم يبق احدا من أعلام المهاجرين و الانصار كابي بكر و عمرو أبي عبيدة و بشير بن سعد و امثالهم و أمر عليهم اسامة بن زيد و ذلك لأربع ليال بقين من صفر سنة احدى عشر للهجرة، و قال لاسامة: «سر الى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش، فاغز صباحا على أهل ابنى و حرّق عليهم، و اسرع السير لتسبق الاخبار، فان أظفرك اللّه عليهم فاقل اللبث فيهم، و خذ معك الأدلاء، و قدم العيون و الطلائع معك ..»

    و فى اليوم الثامن و العشرين من شهر صفر ألم المرض به فاصابته حمى ملازمة و صداع شديد قيل انهما كانتا مسببين عن الطعام المسموم الذي ذاقه في خيبر فكان يقول! «ما زلت أجد ألم الطعام الذي اكلته بخيبر

    و لما اصبح اليوم التاسع و العشرين من صفر رأى أصحابه و قد دب فيهم التمرد و التخاذل خرج بنفسه مع ما مني به من المرض فحثهم على المسير و حفزهم على الخروج، و عقد اللواء بنفسه لأسامة و قال له:

    «اغز بسم اللّه، و في سبيل اللّه، و قاتل من كفر باللّه»

    فخرج بلوائه معقودا و دفعه الى بريدة، و عسكر بالجرف، و تثاقل القوم من الالتحاق به و اظهروا التمرد و التخاذل يقول عمر لاسامة:

    «مات رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و أنت علي امير؟!» و انطلقت السنتهم بالنقد اللاذع و الاعتراض المر على تأمير أسامة، و تثاقلوا من الالتحاق بالجيش فوصلت كلماتهم الى مسمع الرسول صلى اللّه عليه و آله و قد ازدادت به الحمى المبرحة و اخذ منه الصداع القاسي مبلغا ليس بالقليل فغضب صلى اللّه عليه و آله و خرج و هو معصب الرأس مدثر بقطيفته و قد برّح به الحزن لانه رأى أن الوسيلة التي مهدها لغايته ستبوء بالفشل و عدم النجاح فصعد المنبر و ذلك في يوم السبت لعشر خلون من ربيع الاول، فاظهر سخطه البالغ و غضبه الشديد على عدم تنفيذهم لأوامره قائلا:

    «أيها الناس، ما مقالة بلغتنى عن بعضكم في تأميرى أسامة؟

    و لئن طعنتم في تاميرى اسامة لقد طعنتم في تأميرى أباه من قبله و ايم اللّه إنه كان لخليقا بالامارة و ان ابنه من بعده لخليق بها»

    ثم نزل عن المنبر و دخل بيته و جعل يوصى بالالتحاق به و هو يقول:

    «جهزوا جيش اسامة»

    «نفذوا جيش اسامة»

    «لعن اللّه من تخلف عن جيش أسامة»

    و لم تثر حفائظ نفوسهم هذه الأوامر المشددة، و لم يرهف عزيمتهم هذا الاهتمام البالغ من النبي صلى اللّه عليه و آله و هو في ساعاته الأخيرة فقد تثاقلوا عن الخروج، و تخلفوا عن الجيش، و اعتذروا للرسول صلى اللّه عليه و آله بشتى المعاذير و هو- بأبي و أمي- لم يمنحهم العذر، و أظهر لهم الغيظ و السخط، و المتأمل في هذا الحادث الخطير يستنتج ما يلي:

    1- إن اهتمام النبيّ صلى اللّه عليه و آله بشأن اخراج القوم من يثرب و لعنه لمن تخلف من الالتحاق بجيش اسامة يدل بوضوح لاخفاء فيه على غايته المنشودة و هي اخلاء عاصمته من الحزب المعارض لامير المؤمنين عليه السلام ليصفو له الأمر بسهولة، و تتم له الخلافة بهدوء و سلام.

    2- ان تخلف القوم عن الجيش و طعنهم في تأمير اسامة ما كان المقصود منه الا الظفر بالسلطة و الحكم، و احكام قواعد سياستهم فانهم اذا انصرفوا الى الغزو و نزحوا عن عاصمة الرسول صلى اللّه عليه و آله فان الخلافة لا محالة تفوت من أيديهم، و لا مجال لهم حينئذ الى التمرد و الخلاف.

    3- ان السبب في عدم تولية الرسول صلى اللّه عليه و آله قيادة الجيش لذوي السن و الموجهين من الصحابة انما هو للاحتياط على مستقبل الأمة، و صيانتها من الاضطراب و الفتن من بعده، فانه لو اسند القيادة إليهم لاتخذوها وسيلة الى أحقيتهم بالخلافة و مطالبتهم بالحكم فسد صلى اللّه عليه و آله عليهم هذه النافذة لئلا يتصدع شمل الامة، و يضطرب أمنها.

    و أما الحكمة من تأميره صلى اللّه عليه و آله لأسامة و هو حدث السن فقد كان عمره آنذاك سبعة عشر عاما او يزيد عليها بيسير فهي ما يلي:

    (أ)- سد جميع نوافذ الخلاف و الطعن في خلافة امير المؤمنين عليه

    السلام لأنه حدث السن فان أسامة اصغر منه سنا و قد اسند إليه اهم الوظائف العسكرية في جيشه.

    (ب)- الغاء التقدم في السن، و عدم الاعتناء به في استحقاق المناصب الرفيعة مع حرمان الشخص من القابليات و المواهب، فان ادارة شئون الامة و قيادتها انما يستحقها ذوو الكفاءات و الحزم و الادارة و قد صرح صلى اللّه عليه و آله بهذه الفكرة الاصلاحية بقوله:

    «من تقدم على قوم من المسلمين و هو يرى أن فيهم من هو أفضل منه فقد خان اللّه و رسوله، و المسلمين»

    و قال صلى اللّه عليه و آله: «من استعمل عاملا من المسلمين، و هو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه فقد خان اللّه و رسوله و جميع المسلمين» ان الاسلام يحرص كل الحرص على تعيين خيرة الرجال و اكثرهم كفاءة للعمل في جهاز الحكم ليضعوا المصلحة العامة نصب اعينهم و يكونوا أمناء فيما يجبونه من الناس و فيما ينفقونه على المرافق العامة، و ان يسيروا بين الناس بسيرة قوامها العدل الخالص، و لا يكون ذلك بتقدم السن و انما يكون بالدراية و الاطلاع على ما تحتاج إليه الامة في جميع مجالاتها العامة

    (ج)- انه صلى اللّه عليه و آله في تاميره لاسامة قد كبح جماح المناوئين لأمير المؤمنين، و كسر شوكتهم و حطم معنوياتهم، و اقصاهم الى حد بعيد، و قد فطنوا الى ما دبر صلى اللّه عليه و آله فطعنوا في تأمير أسامة، و تثاقلوا من الالتحاق بكتيبته، و لم يبرحوا مقيمين بالجرف حتى لحق الرسول صلى اللّه عليه و آله بالرفيق الاعلى.

    هذه بعض البوادر التي تطل على المتأمل في سرية أسامة و هي صريحة الدلالة على قصده صلى اللّه عليه و آله من تمهيد الأمر للامام امير المؤمنين بعد وفاته بهدوء و سلام كما تدل بوضوح على وجود الموامرة الخطيرة التي دبرها القوم ضد خليفته و وصيه كما و لعلنا سنذكر ذلك مفصلا فى بعض الفصول.

    اشتداد مرضه:

    و اشتدت الحمى عليه حتى كأن به لهبا منها، و كانت عليه قطيفة فاذا وضع أزواجه و عواده أيديهم عليها شعروا بحرها و وضعوا الى جواره إناء فيه ماء بارد فما زال يضع يده فيه و يمسح به وجهه، و اقبل المسلمون يهرعون الى عيادته و قد خيم عليهم الجزع و الذهول فازدحمت حجرته بهم فنعى إليهم نفسه و اوصاهم بما يضمن لهم السعادة و النجاح قائلا:

    «أيها الناس يوشك أن اقبض قبضا سريعا فينطلق بي، و قد قدمت إليكم القول معذرة إليكم الا اني مخلف فيكم كتاب اللّه عز و جل و عترتى أهل بيتي»

    ثم اخذ بيد علي فرفعها و قال:

    «هذا علي مع القرآن، و القرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض»

    و كان الاجدر بالأمة أن تتابع الرسول صلى اللّه عليه و آله و تواكب أرائه فتتبع أمير المؤمنين و تسلم له قيأتها لانه يسير بمنهج القرآن و يحكم بما انزل اللّه، و لو انها حققت ذلك بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لنجت من جميع النكسات و ما اصيبت به من الفتن و الخطوب، و لتقدم الاسلام بخطى ثابتة متزنة و سادت في العالم مبادئ الحق و العدالة.

    اعطاء القصاص من نفسه: 

    و خرج علة الكائنات و سيد الموجودات و هو مثقل قد تعصب بعمامته ليعلن المساواة العادلة التي جاء بها، و يعطي القصاص من نفسه لو كان منه اعتداء على اي انسان فاعتلى أعواد المنبر و بين للمسلمين مدى ما عاناه من الجهود في سبيل ارشادهم و هدايتهم ثم قال:

    «ان ربي عز و جل حكم و اقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم، فانشدكم باللّه أي رجل منكم كانت له قبل محمد مظلمة الا قام ليقتص مني فالقصاص في دار الدنيا أحب الى من القصاص فى دار الآخرة على رءوس الملائكة و الأنبياء ..»

    و وجم الحاضرون عن الجواب، و ذهلوا حتى عن نفوسهم، و ساد فيهم صمت رهيب أى واحد له ظلامة او حق عند الرسول صلى اللّه عليه و آله و هو مشرع العدالة الكبرى و مثال اللطف الالهي، و قد خيم عليهم الجزع لأنهم عرفوا أن كلامه كلام مودع لهذه الحياة، و انبرى من اقصى القوم شخص يسمى سوادة بن قيس فادعى ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله اصابه بسوط في بطنه، و هو يريد القصاص منه فأمر صلى اللّه عليه و آله بلالا أن يحضر له السوط ليقتص منه سوادة و انطلق بلال و هو مبهور قد ملكت احاسيس نفسه هذه العدالة الكبرى فراح يجوب في ازقة يثرب

    و هو رافع عقيرته قائلا:

    «أيها الناس اعطوا القصاص من أنفسكم في دار الدنيا، فهذا رسول اللّه قد اعطى القصاص من نفسه»

    و مضى الى دار النبي صلى اللّه عليه و آله فاخذ السوط، و جاء به الى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فأمره أن يدفعه الى سوادة ليقتص منه و توجه المسلمون بقلوبهم قبل ابصارهم الى سوادة ينظرون هل يقتص من النبي صلى اللّه عليه و آله؟ و هو بتلك الحالة قد فتك به المرض و أضناه السقام، و انبرى سوادة و هو مرتعش الخطا قد غمرته عظمة الرسول و هيبته فقال له:

    «يا رسول اللّه اكشف لي عن بطنك ..»

    فكشف صلى اللّه عليه و آله عن بطنه فقال له سوادة بصوت خافض:

    يا رسول اللّه، أ تاذن لي أن اضع فمي على بطنك؟

    فاذن له صلى اللّه عليه و آله فوضع سوادة فمه على بطن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و دموعه تتبلور على خديه و هو يقول:

    «اعوذ بموضع القصاص من رسول اللّه من النار يوم النار»

    فقال له النبي صلى اللّه عليه و آله: ا تعفو يا سوادة أم تقتص؟

    بل اعفو يا رسول اللّه

    فرفع صلى اللّه عليه و آله يده بالدعاء له قائلا:

    اللهم، اعفو عن سوادة كما عفا عن نبيك محمد

    و تصدعت قلوب المسلمين، و بلغ بهم الحزن الى قرار سحيق، و ايقنوا بنزلة القضاء المرهوب و الرزء القاصم

    توجع الزهراء 

    و احاط الاسى بابنة الرسول و ألم بها الخطب و اضر الحزن بقلبها الرقيق المعذب، فقد شاهدت أباها يعاني اشد الألم و الكرب و هو يقول:

    (وا كرباه)

    و يمتلئ قلبها باللوعة و الحزن فتجيبه

    «وا كربا لكربك يا أبتي»

    فنظر إليها و قد غام بصرها بالدموع فاشفق عليها و قال لها:

    «لا كرب على أبيك بعد اليوم ..»

    و لما اشتدت حالته تغير وضع الزهراء (ع) فكانت شاحبة اللون خائرة القوى ذاهلة اللب قد ساورتها الهواجس و الهموم و احاطت بها الآلام و الاحزان فلما رآها تصدع قلبه و أراد أن يزيل عنها كابوس الحزن فاجلسها الى جنبه فاسر إليها بحديث فلم تملك عند سماعه الا ان تجرى عيناها بالدموع و مال صلى اللّه عليه و آله إليها ثانية فالقى عليها كلاما قابلته ببسمات فياضة بالبشر و الرضا، و عجبت عائشة من هذا الصنيع و راحت تقول:

    «ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن!!»

    و سألتها عما قال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فامتنعت عن اجابتها، و لما تصرمت الايام اخبرت عن سبب ذلك البكاء و السرور فقالت أخبرني:

    «ان جبرئيل كان يعارضني بالقرآن فى كل سنة مرة، و انه عارضني هذا العام مرتين، و ما اراه الا قد حضر أجلى»

    فهذا سبب لوعتها و بكائها و اما سبب سرورها فتقول أخبرني.

    «انك اول أهل بيتي لحوقا بي، و نعم السلف انا لك .. أ لا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الامة ..»

    لقد دفع صلى اللّه عليه و آله عن حبيبته الأسى باخبارها بعدم طول الفراق بينها و بينه، و لما علمت أن لقاء أبيها بربه لقريب انطلقت الى بيتها فجاءت بولديها و هي تذرف من الدموع مهما ساعدتها الجفون فقالت له: «أبه هذان والداك فورثهما منك شيئا ..»

    فافاض عليهما الرسول من مكرمات نفسه، و ورثهما من كمالاته قائلا:

    «اما الحسن فان له هيبتي، و سؤددي، و أما الحسين فان له جرأتى و جودي»

    و يقوم الحسن من عنده و قد ورث منه الهيبة و السؤدد، و ورث منه سيد الشهداء الجرأة و الجود، و هل هناك مما تحويه البسيطة ميراث خير من هذا الميراث الحاوي لكمالات النبوة و سؤددها، و قد كان الحسن بحكم ميراثه رمزا للهيبة الأحمدية، و مثالا للسؤدد النبوي فقد روى (أنه كان عليه سيماء الأنبياء و بهاء الملوك.)

    التصدق بما عنده

    و كانت عند الرسول صلى اللّه عليه و آله قبل مرضه سبعة دنانير فخاف أن يقبضه اللّه إليه و هي عنده فأمر أهله أن يتصدقوا بها، و لكن انشغالهم بتمريضه و القيام بخدمته انساهم تنفيذ أمره، فلما افاق من مرضه سألهم ما فعلوا بها؟ فاجابوه أنها ما تزال باقية عندهم فطلب منهم أن يحضروها فلما جيء بها إليه وضعها فى كفه و قال:

    «ما ظن محمد بربه لو لقى اللّه و عنده هذه»

    ثم تصدق بها على فقراء المسلمين، و لم يبق منها عنده شيء.

    الرزية الكبرى

    و استشف الرسول صلى اللّه عليه و آله من وراء الغيب أن امته من بعده سوف تنصب عليها الفتن كقطع الليل المظلم و تتوالى عليها الخطوب السود فترتد على اعقابها بعد الايمان- كما اخبر صلى اللّه عليه و آله- فكبر ذلك و عظم عليه، و زاد في حزنه و أساه و هو في ساعاته الأخيرة اطلاعه على المؤامرة الكبرى التي دبرت ضد وصيه و خليفته و باب مدينة علمه و ذلك بتخلف القوم و تثاقلهم عن الالتحاق بسرية أسامة فرأى صلى اللّه عليه و آله أن يسلك طريقا آخر يصون امته من الضلال و يحميها من الفتن و الاخطاء فقال صلى اللّه عليه و آله:

    «ائتوني بالكتف و الدواة، اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ..

    ما اعظمها من نعمة، و اغلاها من فرصة لو استغلوها و سارعوا الى تنفيذها و تحقيقها لوقوا انفسهم و وقوا الاجيال اللاحقة من الزيغ و الانحراف و لكنهم حرموا أنفسهم السعادة، و سدوا نوافذ الرحمة و الهداية عليهم و على من يليهم من الاجيال، فقد خدعتهم الدنيا و تهالكوا على الامرة و علموا قصد الرسول صلى اللّه عليه و آله و عرفوا غايته انه سيوصي بامير المؤمنين و يعزز بيعة يوم الغدير فتفوت بذلك أهدافهم و تضيع مصالحهم فانبرى إليه أحدهم بكل وقاحة و صلافة رادا عليه قائلا:

    «حسبنا كتاب اللّه»

    و المتأمل في هذا الرد تنفتح أمامه الكوة التي تطل على تآمرهم و على مخططاتهم في اقصاء أمير المؤمنين عن جهاز الحكم فانهم لو كانوا يحتملون ان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله لا يوصي بالخلافة إليه و انما يوصي بحماية الثغور أو بالمحافظة على طقوسه الدينية لما قابلوه بهذه الجرأة و ماردوا رغبته، و لكنهم علموا ما يريده فقاموا بعمليات التخريب و الافساد، و على اي حال فقد كثر الخلاف و التشاجر فى ذلك، و انطلقت النسوة من وراء الستر فقلن لهم:

    «الا تسمعون ما يقول رسول اللّه:؟»

    فثار عمر و صاح فيهن لئلا يفسد عليهم الامر قائلا:

    «انكن صويحبات يوسف إذا مرض عصرتن اعينكن، و اذا صح ركبتن عنقه ..»

    فرمقه الرسول صلى اللّه عليه و آله بطرفه و قد ازعجه كلامه فقال له:

    «دعوهن فانهن خير منكم»

    و كادت أن تفوز الجبهة التي رغبت في تنفيذ ارادة الرسول فانبرى احد المعارضين فسدد لهم سهما افسد عليهم أمرهم فقال: و يا لهول ما قال:

    «إن النبي ليهجر ..»

    اي خطب حل بالاسلام مثل هذا الخطب، و أى رزية مني بها المسلمون مثل هذه الرزية أ فيحكم على علة الموجودات و سيد الكائنات بالهجر؟ لقد رجع القوم الى جاهليتهم الاولى و تناسوا مقام النبي صلى اللّه عليه و آله فقابلوه بأمر الكلام و أقساه، فانا للّه و إنا إليه راجعون.

    إنها الرزية الكبرى، و الرزء القاصم الذي يذيب هوله القلوب، فقد حيل بين المسلمين و بين سعادتهم، و أقصي عنهم الخير، و كان ابن عباس اذا ذكر الحادث المؤلم يتفجع و يبكي حتى تسيل دموعه على خديه كأنها نظام اللؤلؤ و يتنهد و يقول: يوم الخميس، و ما يوم الخميس! قال رسول اللّه: ائتوني بالكتف و الدواة أو اللوح و الدواة أكتب لكم كتابا ان تضلوا بعده أبدا فقالوا ان رسول اللّه يهجر

    و لم يسمعوا نصوص القرآن الكريم و هي تتلى عليهم آناء الليل، و أطراف النهار، و قد دلت على عصمة النبي صلى اللّه عليه و آله قال تعالى: «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى» و قال تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَ ما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ» الى غير ذلك من الآيات التي نصت على عصمته من الهجر، و لكن القوم قد غرتهم الدنيا، و راقهم زبرجها فانحرفوا عن طريق الحق، و مالوا عن سنن العدل، و تركوا الأمة تتردى فى ميادين الجهالة و الغواية، و سدوا عليها نوافذ الرحمة و الهداية.

    الى الرفيق الاعلى

    و لما قرب دنو النبي صلى اللّه عليه و آله الى حظيرة القدس بعث اللّه إليه ملك الموت ليسمو بروحه الطاهرة الى جنة المأوى، و الى سدرة المنتهى و جاء ملك الموت فاستأذن من أهل بيت الوحي بالدخول على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله فاخبرته الزهراء عليها السلام بأن النبي صلى اللّه عليه و آله في شغل عنه لأنه كان قد أغمي عليه من شدة المرض، و بعد برهة كرر الطلب فافاق الرسول صلى اللّه عليه و آله من اغمائه فقال لابنته:

    - أ تعرفيه؟

    - لا يا رسول اللّه

    - إنه معمر القبور، و مخرب الدور، و مفرق الجماعات

    فانهد كيانها، و احاط بها الذهول، و ارسلت ما في عينها من دموع و راحت تقول بصوت خافت حزين النبرات «وا ويلتاه لموت خاتم الأنبياء وا مصيبتاه لممات خير الاتقياء، و لانقطاع سيد الاصفياء، وا حسرتاه لانقطاع الوحي من السماء، فقد حرمت اليوم كلامك ..»

    و اشفق الرسول صلى اللّه عليه و آله على بضعته فارسل لها كلمة فيها سلوى و عزاء فقال لها:

    «لا تبكي فانك اول أهلي لحوقا بي ..»

    و اذن صلى اللّه عليه و آله لملك الموت بالدخول عليه فلما مثل عنده قال له:

    «يا رسول اللّه، إن اللّه ارسلني إليك و أمرني أن اطيعك فى كل ما تأمرني إن أمرتني أن اقبض نفسك قبضتها، و ان امرتني أن أتركها تركتها ...»

    فقال صلى اللّه عليه و آله أ تفعل يا ملك الموت؟

    بذلك أمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني.

    ثم دخل جبرئيل فقال: يا احمد ان اللّه قد اشتاق إليك ..»

    و لما علم أهل البيت أن النبي صلى اللّه عليه و آله سيفارقهم فى هذه اللحظات اذهلهم الخطب و بلغ بهم الحزن الى قرار سحيق، و جاء الحسن و الحسين فالقيا بانفسهما على الرسول ليودعاه الوداع الأخير و هما يذرفان الدموع فجعل صلى اللّه عليه و آله يقبلهما و هما يقبلانه و أراد أمير المؤمنين أن ينحيهما عنه فقال صلى اللّه عليه و آله:

    «دعهما يتمتعان مني و اتمتع منهما فستصيبهما بعدي أثرة ...»

    ثم التفت الى عواده فقال لهم:

    «قد خلفت فيكم كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، فالمضيع لكتاب اللّه كالمضيع لسنتي، و المضيع لسنتي كالمضيع لعترتي انهما لن يفترقا حتى اللقاء على الحوض ..»

    و استدعى وصيه و خليفته امير المؤمنين فقال له:

    «ضع رأسي فى حجرك فقد جاء أمر اللّه فاذا فاضت نفسي فتناولها و امسح بها وجهك، ثم وجهنى الى القبلة و تولىّ أمرى، و صل عليّ أول الناس و لا تفارقنى حتى تواريني فى رمسي و استعن باللّه عز و جل ..»

    و اخذ أمير المؤمنين رأس النبي صلى اللّه عليه و آله فوضعه في حجره و مد يده اليمنى تحت حنكه، و اذن صلى اللّه عليه و آله لملك الموت باستلام روحه المقدسة، و اخذ صلى اللّه عليه و آله يعاني آلام الموت و شدة النزع حتى فاضت نفسه الزكية فمسح بها الامام وجهه و نعاه الى الحاضرين لقد انطوت ألوية العدالة في ذلك اليوم الخالد في دنيا الاحزان، و اخمدت مصابيح الكمال و الفضيلة، و ما اصيبت الانسانية بكارثة كهذه الكارثة فقد مات المنقذ العظيم، و احتجب النور الذي اضاء الطريق للانسان و هداه الى سواء السبيل.

    و طاشت احلام المسلمين أمام هذا الخطب المريع فما بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله للناس عزاء و لا للأسى على فقده مدى و لا انتهاء، لقد ذهب محمد عن هذه الدنيا و غرب نور محياه فانطلقت الالسن نادبة و الاعين باكية، و على الصراخ و العويل من بيت النبي صلى اللّه عليه و آله و كان اكثر أهل بيته لوعة و اشدهم مصابا هي بضعته الزهراء فقد وقعت على جثمانه و هي مذهولة اللب من شدة الوله و الحزن و هي تبكي امر البكاء و تقول:

    «وا أبتاه، الى جبرئيل انعاه! ... وا أبتاه جنة الفردوس مأواه! ..

    وا أبتاه أجاب ربا دعاه!!.»

    و سرى النبأ المفجع الى مدينة الرسول صلى اللّه عليه و آله فتركها تمور في الحزن و اجتمع المسلمون و هم حيارى قد أخرسهم الخطب و ألم بهم الحادث المريع و هم ما بين و آجم و صائح و مشدوه و نائح و نتهوا الى واد من الالم ماله قرار.

    و قام أمير المؤمنين و قد حفت به الآلام و الاحزان فأخذ في تجهيز الرسول صلى اللّه عليه و آله فغسله و هو يقول: «بابي أنت و أمي طبت حيا و ميتا ..»

    و بعد الفراغ من تجهيزه وضعه على السرير، فاول من صلى عليه هو اللّه من فوق عرشه ثم جبرئيل ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم الملائكة زمرا زمرا و دخل المسلمون يلقون على الجثمان المقدس نظرة الوداع، و يؤدون فريضة الصلاة و بعد الانتهاء قام الإمام فحفر القبر و لما فرغ منه القى المغيرة خاتمه في القبر، و قال لأمير المؤمنين عليه السلام خاتمي، فقال عليه السلام لولده الحسن: أدخل فناوله خاتمه، ففعل عليه السلام ذلك، و كان مقصد المغيرة من ذلك أن يدخل القبر الشريف بعد ما خرج منه أمير المؤمنين ليفتخر على الصحابة بأنه آخر الناس عهدا برسول اللّه فالتفت أمير المؤمنين الى مقصده، فامر الحسن بدخول القبر، فكان آخر الناس عهدا برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله

    و قام الامام أمير المؤمنين فوارى الجسد العظيم في مقره الأخير و وقف على القبر يرويه بماء عينيه، و ارسل كلمات تنم عن لواعج حزنه و ثكله قائلا:

    «ان الصبر لجميل الا عنك، و ان الجزع لقبيح الا عليك، و ان المصاب بك لجليل، و انه قبلك و بعدك لجلل ...»

    و اذاب الهول العظيم، و المصاب المؤلم قلب الامام الحسن (ع) و هو في سنه المبكر فذبلت منه نضارة الصبا و روعته فقد رأى من يحدب عليه و يفيض عليه من رقيق حنانه يوارى في الثرى، و رأى أبويه و قد اضناهما الذهول و احاط بهما الأسى على فقد الراحل العظيم فترك ذلك في نفسه شديد الألم و لاذع الحزن ... لقد مضى الرسول (ص) الى الرفيق الاعلى و كان عمر الحسن سبع سنين و هو دور تنمو فيه مدارك الطفولة، و تكون فيه فكرة الطفل كالعدسة اللاقطة تنقل الى دخائل النفس كثيرا من المشاهدات و الصور و ينطبع فيها جميع ما يمر عليها من حزن و سعادة، كما انه قد تكون لبعض الاطفال النابهين اللياقة و الاستعداد لأن يفهم الغاية من بعض الاعمال و المواقف، و قد رافق الامام الحسن فى ذلك الدور الاحداث الخطيرة التي وقعت قبل وفاة جده الرسول صلى اللّه عليه و آله من امتناع القوم من الالتحاق بسرية أسامة و عدم استجابتهم للنبي صلى اللّه عليه و آله حينما امر باعطائه الدواة و الكتف ليكتب لأمته كتابا يقيها من الفتن و الضلال فعرف- من غير شك- الغاية من ذلك، و علم ما دبره القوم من المؤامرات ضد أبيه فترك ذلك في نفسه كامن الحزن و الوجد و انبرى ينكر على القوم غصبهم لحق أبيه كما سنبينه في عهد الشيخين.

تمامی حقوق این سایت متعلق به بنیاد فاتح می باشد .
نقل مطالب با ذکر منبع بلا مانع است.
Copyright © 2012 SunWay ICT Center, All rights reserved